-A +A
أحمد عجب
مع الحنين للطيبين، تذكرت البارح زميلنا الرائع (أبوطلال) الذي ترك مكانه شاغراً بقلوبنا بعد التقاعد، كان إنسانا طيبا وخدوما، لكنك لا تحتاج لفراسة لتكتشف ما يخبئه من هموم، حيث يكفي أن يرن جواله لترتعش فرائصه ويبدو الامتعاض على ملامحه (نعم، إن شاء الله، حاضر) هذا كل ما نسمعه منه وهو يهز رأسه حتى يقفل الخط، لنبادره قائلين: «أكيد هذي (الوزارة) كلمتك»، ليجيبنا بكل أنفة: «خيركم خيركم لأهله»، قبل أن يعود لسجيته ويروي لنا بأسلوبه الساخر حكمته البليغة في الحياة: «المرأة بمجتمعنا عندها جيبين: جيب مخروم ترمي فيه عطاياك لتضيع، وجيب منظوم تحفظ فيه زلتك الوحيدة لتذكرك بها العمر كله!».

لم يلق مقال الأسبوع الماضي الذي كتبته عن الفتاة العالقة ببانكوك أي قبول لدى القارئات، حيث أمطرنني بسيل من الردود الغاضبة، لأن حضراتهن يرين أن المرأة لم تحصل على كامل حقوقها وأنها لا تزال تعاني الحرمان من بعض الاحتياجات الأساسية!!

ولكل امرأة متأففة أقول: أعرف أن ذاكرتك ضعيفة كالسمكة، وأعرف أن جيبك المخروم لم يعد له وجود كلياً في أزيائك العصرية، لهذا سأحاول تذكيرك بجملة النعم التي تحققت لك بهذا العهد لكنك نثرتها على الطريق وراءك: اليوم أنت تقودين السيارة، وتحضرين كل الفعاليات الفنية والأنشطة الثقافية، وتتربعين على منصة توقيع كتبك السطحية، وتذهبين لمدرج الاستاد لمشاهدة جوفنتس والإي سي ميلان، وتملكين ضعفي الفرص الوظيفية المهيأة للشباب، وثلاثة أضعاف حظوظهم في كسب المسابقات والجوائز، وأضعافا مضاعفة من المتابعين لمنشوراتك التافهة بالسوشل ميديا، ثم بعد هذا كله تكفرين بالنعم الممنوحة لك!

أعلم بانك (تفرسين) في نفسك وترددين إنها حقوق كمالية (وما شفتِ الهنا يوم) وهذا يجعلني أذكرك بالحقوق الأساسية المتحققة: اليوم تستطيعين من بيتك وبجوالك عبر موقع وزارة العدل تقديم القضية التي تحتاجينها، وفي مدة وجيزة تحصلين على حكم واجب النفاذ، تستطيعين الترشح للمناصب العليا، ومزاولة النشاط التجاري الذي ترغبينه، واستخراج صور مصدقة لأوراق الثبوتية لك ولأبنائك، اليوم لن تكوني (معلقة) حيث يتم إبلاغك فوراً عبر SMS بورقة طلاقك، ولم تعد الأنظمة تسمح بإكراهك على العودة لبيت الطاعة، ولم يعد بالإمكان تزويج الفتاة القاصر دون 15 سنة، هاه: وش فيك (لاوية بوزك) والا كلامي ما هو عاجبك؟!

هنا تفتح المرأة الجاحدة شنطة يدها المنظومة بإحكام لتخرج منها طلب (إسقاط الولاية) وتنفجر غاضبة: هذا وش هو؟! ومن متى وحنا نطالب فيه؟! أصلاً ما عمركم عطيتونا شيء، تكلم ليه سكت؟! وأنا لا تحضرني في هذه الأثناء غير الحكمة البليغة لزميلنا المتقاعد عن (جيب المرأة المخروم) ولا يسمع مني جواباً غير جوابه: نعم، إن شاء الله، حاضر!!