-A +A
رامي الخليفة العلي
في خطوة مفاجئة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن سحب قواته من سورية، عنصر المفاجأة لم يكن الإعلان بحد ذاته ولكن توقيته من جهة وباعتباره يتنافى مع المصالح الأمريكية كما تم التعبير عنها على لسان أكثر من مسؤول منذ وصول إدارة ترمب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض. الاعتراض الأول على خطوة الرئيس الأمريكي جاء من أقطاب إدارته وعلى رأسهم وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي قدم استقالته إلى الرئيس. على الصعيد الخارجي عبرت معظم الدول الأوروبية عن امتعاضها من الخطوة الأمريكية وعلى رأس هذه الدول بريطانيا وفرنسا، خصوصا أن لهاتين الدولتين قوات موجودة على الأرض، وأعلنت كلتاهما أنهما سوف تستمران بالتواجد في القواعد العسكرية في سورية. الطرف الآخر الذي مسه القرار بقوة هو قوات سورية الديمقراطية (المليشيات الكردية على وجه التحديد)، حتى أن المتحدث باسم هذه المليشيات صرح بأن القرار الأمريكي هو طعنة بالظهر لهم، هذه القوات تدرك بأن الانسحاب الأمريكي لا يعني توقف الدعم العسكري الذي حظيت به هذه القوات على امتداد السنوات الماضية منذ أن بدأ التحالف الدولي ضد الإرهاب (تنظيم داعش) وحسب ولكن يعني أيضا رفع الغطاء السياسي والحماية الأمنية التي حظيت به، خصوصا أنها موجودة في بيئة معادية، وكافة الأطراف المحيطة بها تتربص بها شرا، وأصبح لزاما عليها أن تختار بين السيئ والأسوأ وهذا بالفعل ما حاولت القيام به عبر التفاوض مع النظام السوري، وإعلانها أنها سلمت بعض المواقع في منبج لقوات تابعة للنظام.

على الطرف الآخر فإن القرار الأمريكي نزل بردا وسلاما على أطراف متعددة ولأسباب مختلفة. فالطرف الإيراني رأى أن القرار الأمريكي قد يفك الخناق المفروض عليه في سورية، لأن تمركز القوات الأمريكية في كل من شمال شرق سورية وكذا في قاعدة التنف يجعل الممر الإستراتيجي الذي تحلم طهران بإنشائه بين إيران ولبنان مرورا بسورية والعراق يقع بين المطرقة والسندان وبالتالي بعد الانسحاب الأمريكي أصبح الطريق ممهدا لتحقيق هذا الحلم. أما تركيا فقد وجدت في الخطوة الأمريكية ضوءا أخضر يسمح لها بالقيام بعملية عسكرية في شرق الفرات ضد قسد، وبالتالي إجهاض أي محاولة لإقامة كيان كردي في هذه المنطقة، خصوصا أن أنقرة لم تتوقف عن التهديد بعملية عسكرية وهي بالفعل تحشد قواتها على الحدود السورية التركية على امتداد الأسابيع الماضية. بالطبع فإن روسيا سوف ترحب بأي خطوة أمريكية في هذا الصدد، باعتبار أنها أهم لاعب على الأرض السورية، والطرف الأمريكي كان يمثل طرفا آخر يحد من التأثير الروسي، بالرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد شكك بالخطوة الأمريكية وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع. طبعا النظام السوري نظر إلى هذه الخطوة بإيجابية بالغة، واعتبر أن الانسحاب الأمريكي هو انتصار له، خصوصا أن الولايات المتحدة وعبر وجودها على الأرض السورية قد أوقفت تقدم قوات النظام في منطقة الجزيرة السورية. وعندما حاول النظام التقدم باتجاه شرق الفرات بالتعاون مع مرتزقة روس، تعرض لقصف عنيف من قبل الطائرات الأمريكية، وبالتالي فهم بأن خطوة الانسحاب ستسمح له بنقل قواته إلى منطقة الجزيرة واستكمال السيطرة على كافة الأراضي السورية.

لم يطل الوقت حتى أصيبت الأطراف التي فرحت بالخطوة الأمريكية بخيبة أمل كبيرة، يعود ذلك إلى الضبابية التي لفت الموقف الأمريكي. فالرئيس الأمريكي أعلن بأنه يريد الانسحاب ولكن لم يحدد جدولا زمنيا لهذا الانسحاب. وهذا يعني أن الانسحاب الأمريكي يمكن أن يستمر لفترة طويلة، بل إن قرار الانسحاب يمكن أن يتغير إذا ما حدث طارئ معين. الأهم من ذلك أن الرسالة التي حرصت الولايات المتحدة على إرسالها إلى حلفائها وخصومها على حد سواء هي أنها لن تترك المنطقة في حالة من الفوضى ولن توقف دعمها للقوات الكردية، وصل الأمر إلى أن مستشار الأمن القومي طلب من تركيا حماية القوات الكردية الموجودة في منطقة الجزيرة السورية كشرط للانسحاب الأمريكي، وهذا الشرط يكاد يكون مستحيلا لأن أنقرة تعتبر تلك القوات عدوها الأساسي. إذا ما حللنا المعطيات القادمة من واشنطن يمكننا أن نخرج بسهولة بنتيجة مفادها أن الانسحاب الأمريكي ليس كما توقعته الأطراف المتداخلة في الشأن السوري فهو سوف يكون بطيئا وبعد الكثير من الضمانات التي لن تغير كثيرا في واقع التوازنات الموجودة على الأرض السورية (طبعا إذا تم هذا الانسحاب أصلا). أكثر من ذلك فقد أشارت الأنباء القادمة من شرق دير الزور إلى أن هناك عددا من الجنود البريطانيين قد سقطوا جرحى في اشتباكات جرت بين قوات سوريا الديمقراطية وتنظيم داعش، وهذا الظهور العسكري هو رسالة بريطانية بأن هذه الأخيرة مستعدة للقيام بنفس الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة إلى ما مضت هذه الأخيرة قدما في قرار الانسحاب.

لعل المتأمل للقرار الأمريكي وردود الفعل العاصفة من قبل تركيا وإيران والنظام السوري وكذا الجانب الروسي يستطيع وصف حال هذه الأطراف بالتعبير الشعبي (يا فرحة ما تمت).

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@