أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1022.jpg?v=1763641491&w=220&q=100&f=webp

رامي الخليفة العلي

إيران وإسرائيل وحروب بلا نهاية..!

في الشرق الأوسط اليوم، لا يبدو أن المأساة ناتجة فقط عن الصراعات التقليدية بين الدول، بل عن هيمنة عقليتين أمنيتين تتغذيان من الخوف وتسعيان إلى فرض النفوذ خارج الحدود، ولو كان الثمن تدمير المجتمعات والدول. الأولى هي العقلية الإيرانية التي قامت لعقود على فكرة أن الدفاع عن الأمن القومي الإيراني لا يبدأ عند حدود إيران، بل في أراضي الآخرين. ومن هنا نشأت شبكات عابرة للحدود، من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، باعتبارها أدوات نفوذ وضغط ومساومة. لقد رأت طهران في هذه التشكيلات العسكرية الموازية للدولة وسيلة لتوسيع مجالها الحيوي، ولخوض معاركها السياسية والأمنية بأقل كلفة مباشرة ممكنة. غير أن النتيجة كانت كارثية على شعوب المنطقة، إذ تحوّلت دول بأكملها إلى ساحات صراع مفتوحة، وتآكلت مؤسساتها الوطنية، واهتزت سيادتها، وتعرّض نسيجها الاجتماعي لتصدّعات عميقة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. وفي المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة منطق إسرائيلي خطير، يقوم على اعتبار أن الأمن الإسرائيلي لا يكتمل إلا بإضعاف سيادة الدول المحيطة وتجريدها من القدرة على التحكم بأراضيها وحدودها. فمنذ السابع من أكتوبر أخذت إسرائيل تتصرف وفق نظرية أمنية توسعية ترى أن من حقها التدخل والضرب والاغتيال والاعتقال في أي مكان تراه تهديداً محتملاً، بينما لا تعترف عملياً بحق الآخرين في التمتع بالسيادة ذاتها التي تطالب بها لنفسها. وقد يكون من السهل على البعض تبرير هذا السلوك في حالات معينة بالاستناد إلى تهديدات فعلية من حماس أو حزب الله، لكن هذا التبرير يفقد الكثير من وجاهته عندما ننظر إلى الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد، حيث أعلنت السلطة الجديدة مراراً أنها لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل إلى ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار، ومع ذلك استمرت الانتهاكات والاختراقات العسكرية بصورة تكاد تكون يومية. والأخطر من ذلك أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الاتفاقات بوصفها إطاراً ملزماً لإدارة الصراع، بل بوصفها ترتيبات مؤقتة يمكن تجاوزها متى اقتضت الحسابات السياسية أو العسكرية ذلك، سواء في غزة أو في لبنان. وهكذا تجد المنطقة نفسها رهينة مشروعين متنافسين على الهيمنة، أحدهما يستخدم المليشيات لتفكيك الدول من الداخل، والآخر يستخدم القوة العسكرية لإفراغ السيادة من مضمونها. وبين المشروعين تضيع مصالح الشعوب التي تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الهيمنة الدائمة وهم سياسي، وأن القوى التي تتجاهل إرادة الشعوب قد تنجح في فرض نفوذها لبعض الوقت، لكنها تعجز في النهاية عن تحويله إلى واقع مستقر. وربما تشكّل التجربة السورية اليوم المثال الأوضح على أن شعوب المنطقة، مهما بلغت معاناتها، لن تقبل في نهاية المطاف أن تكون مجرد ساحة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، وأن كلفة مشاريع الهيمنة، الإيرانية منها والإسرائيلية، ستبقى أعلى بكثير من أي مكاسب يظن أصحابها أنهم حققوها.

منذ يومين

المظلّة النووية الفرنسية وميلاد لحظةٍ إستراتيجيةٍ جديدة

يشهد النظام الدولي اليوم لحظةً فارقةً لا تقلّ دلالةً عمّا أحدثه انهيار جدار برلين قبل أكثر من ثلاثة عقود، إذ تكتشف أوروبا فجأةً أنّها باتت وحيدةً في مواجهة أعبائها الأمنية بعدما اعتادت طوال عقودٍ أن تستظلّ بالمظلّة الأمريكية وتدفع ثمنها السياسي أكثر من ثمنها المالي؛ فالموقف الأمريكي من حلف الأطلسي تحوّل من ضمانةٍ راسخةٍ إلى مصدرِ قلقٍ دائم، بعدما لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بانتقاد الحلفاء وتذمّره المتكرّر من تقاعسهم عن تحمّل أكلاف الدفاع، بل بدأ يلوّح بتخفيف الوجود العسكري في القارّة ويعيد النظر في فلسفة الالتزام التي قامت عليها المنظومة الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فوجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام فراغٍ إستراتيجيٍّ مفاجئٍ دفعها إلى البحث عن بدائل ذاتيةٍ كانت إلى الأمس القريب من المحرّمات. وفي هذا السياق يأتي القرار الفرنسي بمدّ مظلّتها النووية لتشمل شركاء القارّة عبر ما سمّاه الرئيس ماكرون «الردع المتقدّم»، وهي عقيدةٌ أعلنها في مارس الماضي وتقضي بزيادة الترسانة النووية الفرنسية وبإمكان نشر قواتها الجوية الإستراتيجية مؤقتاً على أراضي الحلفاء، لتصبح النرويج تاسع دولةٍ تنضمّ إلى هذه المنظومة بعد بلجيكا والدنمارك وألمانيا واليونان وهولندا وبولندا والسويد والمملكة المتحدة، موقّعةً في باريس اتفاق دفاعٍ مع فرنسا. ولم يكن هذا التحرّك معزولاً، بل رافقته خطواتٌ عسكريةٌ متسارعةٌ أبرزها رفع الإنفاق الدفاعي في عددٍ من الدول، وفي مقدّمتها القرار الألماني التاريخي بفكّ القيود الدستورية على الإنفاق وضخّ موازناتٍ ضخمةٍ في التسلّح، وهو ما يعكس قناعةً راسخةً بأنّ روسيا ما تزال يُنظر إليها بوصفها الخصم الأوّل الذي يستوجب أخذ كلّ الاحتياطات الأمنية في مواجهته. وقد جاء الردّ الروسي حادّاً وسريعاً، إذ حذّرت السفارة الروسية في أوسلو من أنّ التعاون النروجي-الفرنسي في مجال الردع وتبادل المعلومات يمثّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي ولن يبقى دون ردٍّ عسكريٍّ تقنيٍّ مناسب، خصوصاً مع نيّة النرويج نشر منظوماتٍ صاروخيةٍ في شمالها تطال شبه جزيرة كولا. غير أنّ المفارقة التي تختزل جوهر هذه المرحلة تكمن في أنّ المظلّة النووية لا تنقل الحماية وحدها، بل تنقل الخطر أيضاً؛ فالنرويج التي أكّدت أنّها لن تسمح بتمركز أسلحةٍ نوويةٍ على أراضيها في زمن السلم تبقى في منطقةٍ رماديةٍ من حيث الاستهداف، بينما تتركّز الترسانة الفعلية ومنصّات القرار في فرنسا وحدها، الأمر الذي يجعل باريس، لا أوسلو، هي الطرف الأكثر انكشافاً في أيّ معادلة تصعيدٍ نوويٍّ مقبلة، ويعيد إلى الأذهان منطق الحرب الباردة حين كانت الدولة المالكة للسلاح هي العنوان الأوّل لأيّ ردٍّ مضاد. إنّ ما يجري ليس مجرّد إعادة ترتيبٍ لتحالفاتٍ قائمة، بل هو إيذانٌ بأفول حقبةٍ كاملةٍ قامت على الضمانة الأمريكية وميلادِ لحظةٍ أوروبيةٍ مختلفة، تسعى فيها القارّة العجوز إلى استعادة سيادتها الإستراتيجية وبناء ردعٍ ذاتيٍّ لم تعتد عليه، في عالمٍ تتراجع فيه القواعد التي حكمت العلاقات الدولية طوال ثمانية عقود، لتدخل أوروبا مرحلةً يختلط فيها القلق بالطموح، ويغدو فيها امتلاك القرار السيادي في الأمن والدفاع شرطاً للبقاء لا ترفاً سياسياً.

00:05 | 3-06-2026

إيران والضمانات الدولية.. من يضمن أمن الشرق الأوسط؟

لم تعد مسألة الضمانات في أي اتفاق محتمل مع إيران تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه على هامش المفاوضات، بل أصبحت جوهر القضية نفسها، لأن التجارب السابقة أثبتت أن المشكلة لم تكن دائماً في صياغة الاتفاقات بقدر ما كانت في آليات تنفيذها وفي غياب الضامن القادر على تحويل التعهدات إلى التزامات حقيقية قابلة للمراقبة والمحاسبة. ولهذا السبب تحديداً أصرت طهران خلال مراحل متعددة من مفاوضاتها مع الولايات المتحدة على فكرة «الضامن الدولي»، أي الجهة التي تضمن عدم انهيار الاتفاق مع تغيّر الإدارات الأمريكية أو تبدل التوازنات السياسية في واشنطن، لكن المفارقة هنا أن هذا المطلب الإيراني نفسه يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً بالنسبة لدول المنطقة: إذا كانت إيران تريد ضمانات لأمنها السياسي والاقتصادي، فمن يضمن أمن الدول العربية التي دفعت أثماناً باهظة نتيجة التمدد الإيراني وسياسات المليشيات والصراعات العابرة للحدود؟ فالدول التي تعرّضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو عاشت تحت ضغط الفوضى الأمنية والتدخلات المسلحة، لا يمكن أن تنظر إلى أي اتفاق جديد بوصفه إنجازاً دبلوماسياً ما لم يتضمن تحوّلاً حقيقياً في سلوك إيران الإقليمي، لأن الاستقرار لا يُقاس فقط بوقف تخصيب اليورانيوم أو بتجميد بعض الأنشطة النووية، بل يقاس أيضاً بمدى توقف مشروع تصدير النفوذ عبر الجماعات المسلحة، ومدى احترام سيادة الدول، ومدى الانتقال من منطق الثورة والتوسع إلى منطق الدولة الطبيعية التي تبحث عن التنمية والتعاون بدلاً من إدارة ساحات الاشتباك المفتوحة. ومن هنا تبدو فكرة الضمانات أكثر اتساعاً من مجرد رقابة تقنية على منشآت نووية، فهي تشمل منظومة سياسية وأمنية كاملة يجب أن تتأسس على مبدأ أن إيران ينبغي أن تصبح عنصر استقرار لا مصدر تهديد، وشريكاً في حماية أمن المنطقة لا عاملاً في إنهاكه واستنزافه. ولهذا حاولت دول الإقليم خلال السنوات الأخيرة ألا تبقى مجرد متلقٍ لنتائج التفاهمات الدولية، بل سعت إلى بناء مقاربات إقليمية موازية تقوم على الحوار واحتواء التوتر وتشكيل شبكة توازنات تمنع انفجار المنطقة مجدّداً، فشهدنا حراكاً إقليمياً واسعاً شاركت فيه قوى كبرى مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان، في محاولة لخلق بيئة سياسية جديدة تقلل احتمالات المواجهة المباشرة وتفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تتجاوز الثنائية الأمريكية الإيرانية الضيقة. غير أن هذه الجهود تبقى ناقصة إذا لم تتحوّل إلى جزء من أي اتفاق مستقبلي، لأن استبعاد الدول المتضررة من الطاولة يعني عملياً إنتاج اتفاق هش قابل للانفجار عند أول أزمة، بينما المطلوب اليوم هو اتفاق يعيد تعريف الأمن الإقليمي بصورة جماعية، ويمنح الدول العربية حق المشاركة في صياغة الضمانات لا الاكتفاء بانتظار نتائجها. فالمنطقة لم تعد تحتمل اتفاقات مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تعالجه، ولم تعد قادرة على التعايش مع معادلة تسمح لإيران بالحصول على ضمانات إستراتيجية في الوقت الذي تبقى فيه عواصم عربية كثيرة تحت هاجس الصواريخ والمليشيات والحروب غير المباشرة. إن الضمان الحقيقي لأي اتفاق لا يكمن في الأوراق الموقعة وحدها، بل في بناء ثقة إقليمية جديدة تقوم على احترام السيادة ووقف التدخلات وتحويل الشرق الأوسط من ساحة صراع مفتوح إلى فضاء توازن واستقرار، وهذه هي المعادلة التي ستحدد ما إذا كان أي اتفاق مقبل سيكون بداية لمرحلة مختلفة فعلاً، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوترات.

00:39 | 27-05-2026

بين هرمز والعالم.. كيف خسرت إيران سلاح النفط؟

حين أغلقت إيران مضيق هرمز كانت تراهن على لحظة تاريخية قادرة على شل الاقتصاد العالمي وإغراق الأسواق في حالة من الذعر والفوضى، فالمضيق الذي يعبر عبره نحو عشرين مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية، لم يكن مجرد ممر بحري ضيّق، بل كان لعقود شرياناً استراتيجياً للاقتصاد الدولي بأكمله؛ ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصف وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ الحديث، خصوصاً مع الارتفاع الجنوني للأسعار ووصول خام برنت إلى حدود 120 دولاراً للبرميل خلال فترة قصيرة، لكن ما لم تتوقعه طهران بالكامل هو أن العالم الذي بدا في الظاهر رهينة لهذا الممر كان يعمل منذ سنوات طويلة بصمت لبناء مخارج بديلة وخطط طوارئ تقلل من تأثير هذا السيناريو الكارثي. السعودية، التي أدركت منذ حرب الناقلات في الثمانينيات أن الاعتماد الكامل على هرمز يمثل نقطة ضعف استراتيجية، سارعت إلى تشغيل خطها شرق-غرب بكامل طاقته، وهو الخط الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً، وهي بنية تحتية لم تُبنَ خلال الأزمة، بل كانت ثمرة تخطيط استراتيجي امتد لعقود طويلة تحسّباً للحظة كهذه. وفي الوقت نفسه فعلت الإمارات العربية المتحدة خط «أدكوب» الذي ينقل النفط مباشرة إلى الفجيرة خارج مضيق هرمز بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما منح أبوظبي قدرة على الاستمرار في التصدير رغم إغلاق المضيق بالكامل، بينما تحركت الولايات المتحدة بسرعة لرفع صادراتها النفطية إلى مستوى قياسي بلغ 12.9 مليون برميل يومياً في أبريل 2026 مستفيدة من ثورة النفط الصخري ومن تحوّلها خلال السنوات الماضية إلى قوة طاقة عالمية كبرى، ولم تتوقف محاولات التعويض عند هذا الحد، إذ دخلت دول أخرى بعيدة عن الخليج مثل النرويج والبرازيل ونيجيريا والأرجنتين على خط زيادة الإمدادات، مضيفة أكثر من مليون برميل يومياً إلى الأسواق العالمية في محاولة لاحتواء الصدمة ومنع الانهيار الكامل. ومع ذلك لم يكن ممكناً إلغاء الأزمة بالكامل، فالفجوة بقيت ضخمة والنقص الفعلي تجاوز 10 ملايين برميل يومياً، وهو رقم هائل يكفي لإرباك الاقتصاد العالمي ورفع تكاليف الشحن والتصنيع والطاقة في مختلف القارات، لكن الفارق الجوهري أن العالم لم ينهَر كما كانت تراهن طهران، ولم تتوقف الاقتصادات الكبرى عن العمل، ولم تدخل الدول الصناعية في حالة شلل كامل، بل ظهر بوضوح أن النظام الدولي بدأ يتكيّف تدريجياً مع فكرة تقليل الاعتماد على هرمز باعتباره نقطة اختناق استراتيجية خطيرة. المفارقة الكبرى أن إيران ربما نجحت في صناعة أزمة طاقة عالمية بالفعل، لكنها في المقابل سرّعت عملية تاريخية قد تؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف أهم ورقة جيوسياسية تمتلكها، لأن الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة خرجت من هذه الأزمة بقناعة أكثر رسوخاً بضرورة بناء مسارات بديلة للنفط والغاز بعيداً عن الخليج، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ الجديدة أو زيادة الإنتاج في مناطق أخرى من العالم، ما يعني أن هرمز الذي كان لعقود مصدر قوة استراتيجية لإيران قد يتحوّل تدريجياً إلى ورقة أقل تأثيراً مع كل مشروع جديد وكل خط أنابيب جديد وكل استثمار عالمي يهدف إلى تجاوز هذا الممر الحسّاس.

00:07 | 20-05-2026

ترمب في بكين وهرمز على المحك

حين يحطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رحاله في بكين هذا الأسبوع، لن تكون هذه مجرد زيارة دولة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الدبلوماسية المعاصرة، بل ستكون لحظة مفصلية تنعقد في تقاطع أزمات متشابكة تمسّ بنية النظام الدولي في عمقه. فهذه أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الأراضي الصينية منذ ما يقارب تسع سنوات، وتأتي في ظل هدنة أمريكية-إيرانية هشّة تترنح على حافة الانهيار، وأزمة مضيق هرمز التي حوّلت شرياناً نفطياً حيوياً إلى ساحة مواجهة تُثقل كاهل الاقتصاد العالمي بأسره. الرئيس الصيني شي جين بينغ يستقبل ضيفه الأمريكي بحسابات دقيقة ومعقدة، إذ يدرك أن هذه الزيارة في حد ذاتها انتصار دبلوماسي بالنسبة إليه، يُعزّز صورة الصين بوصفها قوة عالمية لا يمكن تجاوزها ولا إقصاؤها. بكين لا تحمل أوهاماً كبيرة حول إمكانية تحقيق تحوّلات جوهرية وصفقات تاريخية في يومين، لكنها تسعى إلى توظيف هذه القمة لتقديم نفسها للعالم بوصفها بديلاً موثوقاً في مواجهة حالة التقلّب وعدم اليقين التي يراها العالم في السياسة الأمريكية. جدول أعمال اللقاء مثقل بالملفات الشائكة: التجارة والتعرفات الجمركية، والتكنولوجيا والمعادن النادرة، وتايوان التي تترقب بقلق بالغ أي إشارة أو كلمة قد تُلمح إلى تراجع الدعم الأمريكي لأمنها، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي والملف الأكثر إلحاحاً على الإطلاق في هذه اللحظة الراهنة، وهو الأزمة الإيرانية وتداعياتها على مضيق هرمز. الملف الإيراني يجثم بثقله على هذه القمة بشكل لافت، فالهدنة المُبرمة بين واشنطن وطهران لا تزال تتأرجح في فضاء من الغموض والشك، وترمب نفسه وصف الرد الإيراني بأقسى العبارات ووضع حظوظ الهدنة في أدنى مستوياتها، في حين أن طهران تتمسك بموقفها وتؤكد أن لها شروطها السيادية التي لن تتنازل عنها. وما يزيد المشهد تعقيداً أن الصين أعطت ضمانات لواشنطن بأنها لن تزوّد إيران بأسلحة نوعية، في خطوة وصفها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأنها ثمرة مباشرة للعلاقة المتينة بين ترمب وشي، مما يعني أن بكين باتت تلعب دوراً في رسم حدود المواجهة حتى قبل انعقاد القمة. أما على الصعيد الدولي الأوسع، فإن عواصم العالم تراقب هذا اللقاء بمشاعر متباينة: تايوان قلقة على ضمانات أمنها، وموسكو تترقب بعين الريبة خشية أن يُفضي التقارب بين العملاقين إلى إعادة ترتيب الأولويات الصينية بعيداً عن دعم مسيرتها في أوكرانيا، ودول جنوب شرق آسيا تتطلع إلى أي اتفاق يُعيد فتح مضيق هرمز ويُخفّف وطأة صدمة الطاقة التي تعصف باقتصاداتها، والأوروبيون يأملون أن يكون هذا اللقاء بداية لمرحلة أكثر استقراراً وأقل توتراً مما شهدناه على امتداد السنة والنصف الماضية. غير أن التحليل الموضوعي يقودنا إلى تقدير يتجاوز الأمنيات والتوقعات المتفائلة، إذ إن بنية المشهد القائم تُنبئ باستمرار ما يمكن تسميته «التصعيد المُدار»، وهي حالة لا تبلغ درجة الحرب المفتوحة الشاملة ولا ترقى إلى مستوى السلام الحقيقي المستقر، بل تسكن منطقة رمادية مفتوحة على كل الاحتمالات. الموقف الأمريكي ثابت على شروطه الجوهرية، والموقف الإيراني لا يُظهر أي استعداد للتراجع عمّا يعتبره ثوابت سيادية وجودية، وهذا التعادل في الإصرار هو الوقود الذي يُبقي هذا الجمود متجدّداً. والأخطر في المشهد الدولي أن كثيراً من العواصم الأوروبية باتت تتعامل مع أزمة مضيق هرمز لا بوصفها حالة طارئة مؤقتة ستُحلّ قريباً، بل بوصفها معطىً بنيوياً قد يطول، وتُعدّ له حساباتها الاقتصادية والطاقوية على الأمد البعيد، مع إبقاء الأمل حيّاً في فتح المضيق دون الرهان عليه. ولعل أبلغ ما يُعبّر عن هذا المشهد هو غياب أي طرف دولي فاعل حقيقي قادر على التأثير في مسار الأحداث أو دفع الأطراف نحو خيارات مغايرة، إذ إن المعادلات السائدة تُرسّخ حالة اللا سلم واللا حرب كأفق متاح للمدى المنظور، مع إمكانية عودة التوتر العسكري بدرجات متفاوتة، في غياب تام لأي أفق تسوية شاملة تُرضي الطرفين وتُعيد رسم خريطة هذا الجزء من العالم على أسس مختلفة.

00:02 | 13-05-2026

استقلال أوروبا.. واقع يتشكّل أم وهم يتضخّم؟

لم تعد الدول الأوروبية في قمة المجموعة السياسية الأوروبية في أرمينيا تتحدث عن الاستقلال الإستراتيجي بوصفه شعاراً نظرياً أو ترفاً فكرياً، بل كضرورة وجودية فرضتها تحوّلات السنوات الأخيرة، حيث بدا واضحاً أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد مستقرة على القواعد التي حكمتها منذ نهاية الحرب الباردة، وأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد ضمانة أكيدة في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية. في خلفية هذا التحوّل يقف الرئيس دونالد ترمب ليس فقط بسبب قراراته المباشرة كإعادة النظر في تموضع القوات الأمريكية في أوروبا، بل لأنه كشف بوضوح هشاشة الافتراض الأوروبي القديم القائم على ثبات الالتزام الأمريكي. لم يكن الأمر خلافاً عابراً بين ضفتَي الأطلسي، بل لحظة إدراك عميقة بأن المصالح قد تفترق، وأن السياسة الأمريكية يمكن أن تنقلب بسرعة من شراكة إستراتيجية إلى مقاربة نفعية بحتة لا ترى في أوروبا سوى حليف مشروط. من هنا، لم يعد النقاش في العواصم الأوروبية يدور حول ما إذا كان يجب تعزيز القدرات الذاتية، بل حول مدى السرعة الممكنة لتحقيق ذلك، وحجم الكلفة التي يمكن تحمّلها في سبيله، وحدود الواقعية في تحويل هذا الطموح إلى قوة فعلية قادرة على العمل بشكل مستقل. في هذا السياق، يبرز انخراط قوى مثل كندا في آليات الدفاع الأوروبية بوصفه مؤشراً على تشكّل فضاء أوسع من مجرد «أوروبا جغرافياً»، فضاء يقوم على تقاطع المصالح بين دول ترى نفسها أمام عالم أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ، ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات أمنية واقتصادية تتجاوز الأطر التقليدية. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الغرب البديل»، ليس بديلاً كاملاً عن التحالف الأطلسي، بل محاولة لإعادة تعريفه أو الالتفاف عليه جزئياً عبر بناء شبكات تعاون أكثر مرونة وأقل خضوعاً لقرار مركزي واحد. ومع ذلك، فإن هذا المسار يصطدم بجملة من التحديات الصلبة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة، أولها الفجوة الهائلة في الإنفاق الدفاعي بين أوروبا والولايات المتحدة، وثانيها التعقيدات السياسية المرتبطة بتنسيق القرار بين دول ذات أولويات مختلفة، وثالثها الحاجة إلى قاعدة صناعية عسكرية قادرة على إنتاج القوة لا مجرد استهلاكها. هذه التحديات تجعل من فكرة الاستقلال الإستراتيجي هدفاً بعيد المدى أكثر منه واقعاً وشيكاً، وتفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول ما إذا كانت أوروبا تسعى فعلاً إلى فك الارتباط، أم إلى إعادة توازن العلاقة ضمن إطار لا يزال قائماً. في المقابل، تكشف المواقف الأوروبية من الأزمات الدولية، خاصة في الشرق الأوسط، عن محاولة دقيقة للموازنة بين عدم الانخراط في مواجهات عسكرية تقودها واشنطن وبين الحفاظ على خطاب سياسي يدين السلوكيات التي تراها مهدّدة للاستقرار، وهو توازن يبدو متناقضاً في ظاهره لكنه يعكس رغبة في إبقاء مساحة للمناورة الدبلوماسية وعدم الانجرار إلى استقطابات حادة. هذا السلوك يعزز فرضية أن أوروبا لا تريد القطيعة مع الولايات المتحدة بقدر ما تريد التحرر من تبعات قراراتها، أي أن تكون شريكاً لا تابعاً، ومركزاً قادراً على صياغة سياساته لا مجرد امتداد لسياسات الآخرين. ومع تزايد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تمتلك أوروبا المقوّمات اللازمة لتكون قطباً مستقلاً، أم أنها ستظل قوة اقتصادية كبرى ذات ثقل سياسي محدود بسبب اعتمادها الأمني؟ الإجابة ليست بسيطة، لأن التحوّل نحو القطبية يتطلب ليس فقط موارد وقدرات، بل أيضاً إرادة سياسية متماسكة وهوية إستراتيجية واضحة، وهما عنصران لا يزالان قيد التشكّل داخل القارة. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الأسئلة بهذا الوضوح يعكس أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة جديدة من التفكير في موقعها العالمي، مرحلة لم يعد فيها البقاء في ظل القوة الأمريكية خياراً بديهياً، بل موضوعاً للنقاش والمراجعة، وربما لإعادة الصياغة على أسس مختلفة بالكامل.

00:12 | 6-05-2026

سقوط أمجد يوسف... وبداية محاكمة الذاكرة السورية..

ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة أو كوقائع أمنية عابرة، بل هو أقرب إلى لحظة كثيفة تختصر مساراً كاملاً من الألم والانتظار والشكوك، لحظة تعيد طرح السؤال الأعمق في الوعي السوري: هل بدأ قطار العدالة أخيراً بالتحرك، أم أننا أمام ومضة عابرة سرعان ما تخبو؟ إن إلقاء القبض على أمجد يوسف، المرتبط رمزياً وفعلياً بجريمة حفرة التضامن التي تحوّلت إلى واحدة من أكثر الصور قسوة في الذاكرة السورية المعاصرة، لا يمثل مجرد إنجاز أمني، بل يشكّل لحظة نفسية فارقة، لحظة يتنفس فيها المجتمع شيئاً من الشعور بأن الدم الذي سُفك لم يُطوَ إلى الأبد، وأن الذاكرة التي حاول البعض دفنها لا تزال قادرة على استدعاء أصحابها إلى قفص المساءلة. هذا الحدث، بكل ثقله، جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تراكمت لدى قطاعات واسعة من السوريين مشاعر القلق من أن مسار العدالة الانتقالية قد دخل في حالة جمود، أو ربما تم تأجيله إلى أجل غير مسمى، وأن السنة والنصف الماضية لم تحمل سوى وعود بلا أثر فعلي، ما جعل لحظة الاعتقال تبدو وكأنها كسر لحالة السكون، أو حتى صدمة إيجابية تعيد إحياء فكرة أن العدالة، وإن تأخرت، لم تمت. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها المباشر، بل في رمزيتها العميقة، فـأمجد يوسف ليس مجرد شخص ارتكب جريمة، بل هو تجسيد لمرحلة كاملة، لآلية عمل، لمنظومة سمحت بأن تتحوّل حياة الناس إلى مادة قابلة للإبادة بلا حساب، ولذلك فإن اعتقاله يتجاوز شخصه ليصبح بمثابة تضييق للخناق على إرث النظام السابق، ومحاصرة متأخرة لثقافة الإفلات من العقاب التي حكمت تلك المرحلة. هذه الرمزية تتعزز أكثر حين نضعها في سياق محاكمة عاطف نجيب، الاسم الذي يحمل بدوره دلالات سياسية وعائلية معقدة، باعتباره قريباً من بشار الأسد، ما يجعل من محاكمته إشارة واضحة إلى أن الدائرة تضرب النواة الصلبة للسلطة السابقة، وأن المساءلة لم تعد محصورة في المنفذين الصغار أو الأدوات الثانوية، بل بدأت تلامس البنية التي أنتجت هذه الجرائم وأدارتها. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سؤال التوقيت والدلالة السياسية، إذ تبدو هذه الخطوات وكأنها محاولة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، أو على الأقل مع فكرة الدولة، عبر تقديم إشارات ملموسة بأن العدالة ليست مجرد شعار، وأن هناك إرادة – حتى وإن جاءت متأخرة – لفتح الملفات الثقيلة التي ظلت مغلقة. لكنها في الوقت ذاته تضع هذا المسار أمام اختبار صعب، لأن العدالة الانتقالية لا تُقاس باعتقال فرد أو محاكمة اسم، بل بقدرتها على التحوّل إلى مسار متكامل ومستمر، يشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين على مختلف مستوياتهم، وتعويض الضحايا، والأهم من ذلك إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس جديد لا يسمح بتكرار ما حدث. إن ما يحدث اليوم يحمل مزيجاً معقداً من الأمل والحذر، من الارتياح المشوب بالريبة، فالسوري الذي رأى تلك المشاهد القاسية قبل سنوات، وعاش طويلاً مع شعور العجز، لا يستطيع بسهولة أن يسلّم بأن العدالة قد بدأت فعلاً، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع إنكار أن شيئاً ما قد تغيّر، وأن هناك إشارات – مهما كانت محدودة – على أن الزمن قد بدأ يدور في اتجاه مختلف. وبين هذين الشعورين، يتشكّل المعنى الحقيقي لهذه اللحظة: ليست نهاية الطريق، ولا حتى بدايته الواضحة، بل ربما هي أول اهتزاز جدي في جدار طويل من الصمت، وأول اختبار حقيقي لإرادة تحويل الألم إلى مسار قانوني، والذاكرة إلى قوة تدفع نحو مستقبل لا تُدفن فيه الجرائم، بل تُحاكم، ولا يُنسى فيه الضحايا، بل يُنصفون، ولو بعد حين.

00:12 | 29-04-2026

واشنطن وطهران: تفاوض على حافة النار..

في السجال الأمريكي ـ الإيراني حول المفاوضات في إسلام آباد، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف تقني حول برنامج نووي أو ترتيبات أمنية، بل اختباراً لمنطق القوة حين يدخل قاعة التفاوض محمّلاً بذاكرة الحرب وحسابات الداخل وضغط الزمن. فواشنطن وطهران تتحركان وفق سياسة التفاوض على حافة الهاوية؛ كل طرف يرفع سقف مطالبه، ويحاول إقناع الآخر بأنه قادر على التصعيد، وأن كلفة تجاهله ستكون أعلى من كلفة التفاهم معه. لكن خلف هذه اللغة الحادة تكمن حقيقة أكثر واقعية: لا مصلحة حقيقية لأي من الطرفين في استئناف القتال. فالولايات المتحدة، رغم فائض القوة العسكرية، تواجه قيوداً داخلية واضحة: اقتصاد ضاغط، رأي عام متوجس من حروب جديدة، طبقة سياسية لا تمنح الإدارة تفويضاً مفتوحاً، وانتخابات نصفية تقترب وتضغط على قرار البيت الأبيض. أما إيران، فرغم خطابها العالي، فهي تدرك أن ما تعتبره صموداً في الجولة الأولى لا يضمن لها النتيجة نفسها في جولة ثانية، وأن استئناف العمليات قد يبدّد أوراقاً تملكها اليوم ولا تضمن الاحتفاظ بها غداً. هنا يتشكّل جوهر التباين بين المنطقين: طهران ترى أنها صمدت في وجه هجوم أمريكي ـ إسرائيلي واسع من دون أن يتغيّر النظام أو تُكسر إرادتها السياسية، ولذلك تريد تحويل هذا الصمود إلى مكسب تفاوضي لا إلى تنازل مجاني. في المقابل، ترى واشنطن أنها ألحقت ضرراً كبيراً بالبنية العسكرية والقيادية الإيرانية، وأن هذا الضرر يجب أن يُترجم سياسياً في صورة تنازلات واضحة. إيران تريد اعترافاً بصمودها، وأمريكا تريد اعترافاً بتفوقها. ومع ذلك، لا يغلق هذا التباين باب المرونة. فهناك ملفات يمكن أن تتحرك فيها طهران من دون أن تسمي ذلك تنازلاً، مثل ملف اليورانيوم المخصب، سواء عبر إخراجه إلى روسيا أو الصين كما حدث عام 2015، أو عبر تجميد التخصيب لفترة محددة. لكن الملفات الأخرى أكثر تعقيداً، خصوصاً ملف المليشيات الحليفة لإيران، حيث تبدو المسافة شاسعة بين ما تطلبه واشنطن وما تستطيع طهران تقديمه من دون المساس بجوهر إستراتيجيتها الإقليمية. أما ملف الصواريخ الباليستية، فهو محكوم بواقعية مختلفة، لأنها تمثل لإيران أداة الردع الأكثر فاعلية وربما البديل الوحيد عن قوة جوية تقليدية. في هذا السياق، تراهن طهران على الوقت بوصفه سلاحاً سياسياً. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت كلفتها على الرئيس ترمب داخلياً، وارتفعت احتمالات تأثيرها في أسعار الطاقة والتضخم ومزاج الناخب الأمريكي. كما تراهن على ورقة مضيق هرمز بوصفها أداة ضغط عالمية تمس الوقود وسلاسل الإمداد وحسابات أوروبا وآسيا والصين. غير أن هذه الورقة قد تنقلب على صاحبها إذا جرى الإفراط في استخدامها؛ فإغلاق هرمز طويلاً قد يجعل إيران في مواجهة مع العالم، لا مع واشنطن وحدها. وفي المقابل، لا يبدو الموقف الأمريكي خالياً من الهشاشة. فهناك غياب لتأييد داخلي صلب لأي مغامرة عسكرية طويلة، وغياب لخطة سياسية واضحة لليوم التالي، وإحجام أوروبي وأطلسي عن الانخراط في مواجهة مفتوحة، وعدم وضوح الهدف النهائي: هل هو تعديل السلوك؟ أم تفكيك القدرات؟ أم إسقاط النظام؟ وحين يغيب الهدف، تتحوّل القوة العسكرية إلى عبء على صاحبها. لذلك تبدو المفاوضات المقبلة محكومة بتوازن دقيق بين التصعيد والضرورة، بين الخطاب العالي والحاجة إلى التسوية. فإيران تخشى عزلة اليوم التالي وانفجار الداخل تحت ضغط الاقتصاد، والولايات المتحدة تخشى حرباً بلا نهاية. وبين الخشيتين، لا تنتصر البلاغة وحدها، ولا يكفي الصمود وحده، ولا تحسم الضربات وحدها؛ ما يحسم في النهاية هو قدرة كل طرف على تحويل القوة إلى سياسة، والضغط إلى تفاهم، والمواجهة إلى معادلة قابلة للحياة.

00:08 | 22-04-2026

أوربان يسقط.. وأوروبا تتنفس!

ما جرى في بودابست لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تبدل عادي في السلطة، بل كزلزال سياسي تتجاوز ارتداداته حدود المجر نفسها، لأن سقوط فيكتور أوربان لا يعني فقط هزيمة رئيس وزراء مخضرم، بل هو انكسار رمز أوروبي ظل لسنوات يمثل أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي المشكك في الاتحاد الأوروبي. لقد كان أوربان أكثر من زعيم محلي؛ كان نموذجاً سياسياً ألهم قوى قومية وشعبوية في أنحاء القارة، ولذلك فإن خسارته تُقرأ أيضاً بوصفها إشارة إلى تراجع المد الشعبوي الذي صعد بقوة خلال العقدين الماضيين. ومن هذه الزاوية، فإن الهزة الهنغارية قد تترك أثراً معنوياً وسياسياً على أحزاب مشابهة في فرنسا وألمانيا والنمسا، لأنها تكشف أن هذا التيار، مهما بدا صلباً، ليس بمنأى عن التآكل ولا محصناً من السقوط. وفي المقابل، يمنح هذا التحوّل دفعة جديدة للفكرة الأوروبية بعد سنوات من التعطيل والتوتر داخل مؤسسات الاتحاد، لأن رحيل أوربان يعني إزالة واحد من أبرز معرقلي الإجماع في بروكسل، ويفتح المجال أمام قدر أكبر من التوافق، ولا سيما في القضايا الإستراتيجية الكبرى. ويبرز هنا الملف الأوكراني على نحو خاص، إذ إن الموقف الهنغاري في عهد أوربان كان يمثل ثغرة دائمة في الجبهة الأوروبية بسبب التردد في دعم كييف والتقارب مع موسكو، أما اليوم فإن تغيّر القيادة قد يسمح بولادة موقف أكثر انسجاماً مع الخط العام للاتحاد، بما يعزز تماسكه في مواجهة روسيا. ومع ذلك، فإن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة انهيار كل الثوابت التي رسخها أوربان، وهنا تكمن المفارقة الأهم. فالفائز الجديد، رغم خصومته السياسية معه، لا يبدو بعيداً تماماً عن بعض ركائز «العقيدة الهنغارية» فيما يتعلق بالهجرة والحدود، ما يعني أن الناخب المجري ربما أراد تغييراً ديمقراطياً داخلياً من دون أن يتخلى عن بعض حساسياته القومية. وهذا يفرض التمييز بين رغبة المجتمع في إنهاء إرهاق سياسي طويل، وبين تمسكه في الوقت نفسه ببعض الثوابت المرتبطة بالسيادة والهوية. أما في ملف اللاجئين فإن إرث أوربان يستحق مراجعة نقدية واضحة، لأنه اتسم بانتقائية ذات طابع طائفي حين جرى توظيف شعار دعم المسيحيين في سورية بطريقة عمّقت الانقسام بدل أن تؤسس لمقاربة إنسانية شاملة. والسؤال الآن هو ما إذا كانت القيادة الجديدة ستقطع هذا النهج، وستنخرط بصورة أوضح في المسار الأوروبي العام، أم أنها ستبقي على بعض قنوات التمايز القديمة؟ لكن الأهم أن هزيمة أوربان لا تعني نهاية الشعبوية الأوروبية، لأن الأسباب التي غذّتها لا تزال قائمة: القلق الاقتصادي، وسؤال الهوية، والتوجس من العولمة والهجرة. الجديد فقط أن «النموذج المجري» لم يعد يبدو ملهماً كما كان، وأن اليمين المتطرف في أوروبا تلقى ضربة معنوية مؤلمة بفقدانه أحد أبرز رموزه. لذلك يمكن القول إن رحيل أوربان يمنح المشروع الأوروبي نفساً جديداً، لكنه لا يلغي التحدي الحقيقي، وهو قدرة القيادة الجديدة في بودابست على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاتحاد الأوروبي وبين تطلعات ناخب مجري لا يزال يميل إلى القومية في ملفات معينة، وعلى رأسها الهجرة والسيادة.

00:33 | 15-04-2026

الخليج العربي واليوم التالي للحرب

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدثاً عابراً يمكن احتواء آثاره ضمن حدود المواجهة المباشرة، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لبنية الإقليم كله، وفي القلب منه منطقة الخليج العربي التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام حقيقة جيوسياسية لا تقبل الإنكار، وهي أن أمنها ليس مسألة محلية ضيقة، بل عنصر تأسيسي في استقرار المنطقة والعالم معاً. ومن هنا فإن التفكير في اليوم التالي لهذه الحرب لا ينبغي أن يكون ترفاً سياسياً مؤجلاً إلى ما بعد توقف النار، بل يجب أن يبدأ من الآن، لأن ما بعد هذه المواجهة لن يشبه ما قبلها، لا في الحسابات الأمنية، ولا في مفهوم الردع، ولا في شكل التوازنات التي ستنشأ عن هذه اللحظة المضطربة. لقد أظهرت التطورات الجارية أن دول الخليج، على اختلاف مواقعها وإمكاناتها، تواجه جملة مترابطة من المخاطر، وأن وحدة التهديدات تفرض، بالضرورة، وحدة أعلى في التنسيق، ورؤية أكثر تماسكاً في بناء المقتضيات الأمنية المشتركة. فالأمن في هذه المرحلة لم يعد مجرد ترتيبات دفاعية منفصلة، بل أصبح شبكة مصالح وممرات ومجالات حيوية تتقاطع فيها الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الداخلي مع المعادلات العسكرية الكبرى. وفي هذا السياق يبرز مضيق هرمز بوصفه رمزاً مكثفاً لهشاشة العالم أمام اختناق جغرافي محدود المساحة واسع الأثر، إذ لم يعد هذا المضيق شأناً إقليمياً صرفاً، بل صار مسألة دولية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، بما يفتح الباب أمام ضرورة التفكير في صيغ قانونية وسياسية جديدة تضمن حرية الملاحة وتحمي هذا الشريان من التحوّل إلى ساحة مفتوحة للتهديد المتكرر. وليس المقصود هنا فقط ترتيبات بحرية أو تفاهمات ظرفية، بل إدراج أمن الممرات المائية ضمن إطار أوسع من الضمانات والالتزامات التي تجعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تُترك رهينة لتقلبات القوة وحدها. ومن الطبيعي، في ضوء هذا كله، أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي حاضرة في أي تفاوض يفضي إلى وقف إطلاق النار أو إلى رسم معادلة ما بعد الحرب، لأن هذه الدول ليست مجرد مراقب قريب من الحدث، بل طرف متأثر مباشرة بنتائجه، أمنياً واقتصادياً وإستراتيجياً. ومن دون إشراكها في صناعة التسوية، ستظل أي تفاهمات ناقصة، لأنها تتجاهل مصالح من سيدفعون كلفة الاضطراب أو سيعيشون تحت ظلاله لسنوات لاحقة. واليوم التالي للحرب لا يحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى رؤية تعالج جذور القلق وتمنع إعادة إنتاج الانفجار بصيغ جديدة، وهو ما يقتضي انتقال المنطقة من منطق إدارة الأزمات المتلاحقة إلى منطق بناء الاستقرار المستدام. وفي هذا الإطار يبرز الدور السعودي بوصفه أحد الأعمدة المرجحة لأي مسار تهدئة جاد، ليس فقط لما تمثله المملكة من ثقل سياسي واقتصادي، بل لأنها أظهرت، منذ اللحظة الأولى، ميلاً واضحاً إلى العمل على تخفيض التوتر، والانخراط في حراك دبلوماسي إقليمي مسؤول بالتعاون مع قوى محورية مثل تركيا ومصر وباكستان، سعياً إلى فتح نافذة للحل وسط ضجيج المواجهة. إن قيمة هذا الدور لا تكمن فقط في الحضور السياسي، بل فيما تمثله المملكة من وزن حضاري ومصداقية وقدرة على ربط الحاجة إلى الأمن بضرورة إنتاج تسويات قابلة للحياة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون على مجرد توقف المعارك، بل على بلورة تصور مشترك يحفظ أمن الخليج، ويصون حرية الملاحة، ويؤسّس لمرحلة تتراجع فيها احتمالات الانفجار لصالح منطق التوازن والاستقرار. فالمستقبل لا يصنعه من يكتفون بقراءة اللحظة، بل من يملكون شجاعة التفكير فيما بعدها، ومنطقة بهذا الحجم من الأهمية لا يجوز أن تبقى أسيرة الخوف، بل ينبغي أن تتحوّل، بعد كل هذا الألم، إلى مساحة أمل سياسي جديد.

00:06 | 8-04-2026