تحميل...
في السجال الأمريكي ـ الإيراني حول المفاوضات في إسلام آباد، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف تقني حول برنامج نووي أو ترتيبات أمنية، بل اختباراً لمنطق القوة حين يدخل قاعة التفاوض محمّلاً بذاكرة الحرب وحسابات الداخل وضغط الزمن. فواشنطن وطهران تتحركان وفق سياسة التفاوض على حافة الهاوية؛ كل طرف يرفع سقف مطالبه، ويحاول إقناع الآخر بأنه قادر على التصعيد، وأن كلفة تجاهله ستكون أعلى من كلفة التفاهم معه. لكن خلف هذه اللغة الحادة تكمن حقيقة أكثر واقعية: لا مصلحة حقيقية لأي من الطرفين في استئناف القتال. فالولايات المتحدة، رغم فائض القوة العسكرية، تواجه قيوداً داخلية واضحة: اقتصاد ضاغط، رأي عام متوجس من حروب جديدة، طبقة سياسية لا تمنح الإدارة تفويضاً مفتوحاً، وانتخابات نصفية تقترب وتضغط على قرار البيت الأبيض. أما إيران، فرغم خطابها العالي، فهي تدرك أن ما تعتبره صموداً في الجولة الأولى لا يضمن لها النتيجة نفسها في جولة ثانية، وأن استئناف العمليات قد يبدّد أوراقاً تملكها اليوم ولا تضمن الاحتفاظ بها غداً. هنا يتشكّل جوهر التباين بين المنطقين: طهران ترى أنها صمدت في وجه هجوم أمريكي ـ إسرائيلي واسع من دون أن يتغيّر النظام أو تُكسر إرادتها السياسية، ولذلك تريد تحويل هذا الصمود إلى مكسب تفاوضي لا إلى تنازل مجاني. في المقابل، ترى واشنطن أنها ألحقت ضرراً كبيراً بالبنية العسكرية والقيادية الإيرانية، وأن هذا الضرر يجب أن يُترجم سياسياً في صورة تنازلات واضحة. إيران تريد اعترافاً بصمودها، وأمريكا تريد اعترافاً بتفوقها. ومع ذلك، لا يغلق هذا التباين باب المرونة. فهناك ملفات يمكن أن تتحرك فيها طهران من دون أن تسمي ذلك تنازلاً، مثل ملف اليورانيوم المخصب، سواء عبر إخراجه إلى روسيا أو الصين كما حدث عام 2015، أو عبر تجميد التخصيب لفترة محددة. لكن الملفات الأخرى أكثر تعقيداً، خصوصاً ملف المليشيات الحليفة لإيران، حيث تبدو المسافة شاسعة بين ما تطلبه واشنطن وما تستطيع طهران تقديمه من دون المساس بجوهر إستراتيجيتها الإقليمية. أما ملف الصواريخ الباليستية، فهو محكوم بواقعية مختلفة، لأنها تمثل لإيران أداة الردع الأكثر فاعلية وربما البديل الوحيد عن قوة جوية تقليدية. في هذا السياق، تراهن طهران على الوقت بوصفه سلاحاً سياسياً. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت كلفتها على الرئيس ترمب داخلياً، وارتفعت احتمالات تأثيرها في أسعار الطاقة والتضخم ومزاج الناخب الأمريكي. كما تراهن على ورقة مضيق هرمز بوصفها أداة ضغط عالمية تمس الوقود وسلاسل الإمداد وحسابات أوروبا وآسيا والصين. غير أن هذه الورقة قد تنقلب على صاحبها إذا جرى الإفراط في استخدامها؛ فإغلاق هرمز طويلاً قد يجعل إيران في مواجهة مع العالم، لا مع واشنطن وحدها. وفي المقابل، لا يبدو الموقف الأمريكي خالياً من الهشاشة. فهناك غياب لتأييد داخلي صلب لأي مغامرة عسكرية طويلة، وغياب لخطة سياسية واضحة لليوم التالي، وإحجام أوروبي وأطلسي عن الانخراط في مواجهة مفتوحة، وعدم وضوح الهدف النهائي: هل هو تعديل السلوك؟ أم تفكيك القدرات؟ أم إسقاط النظام؟ وحين يغيب الهدف، تتحوّل القوة العسكرية إلى عبء على صاحبها. لذلك تبدو المفاوضات المقبلة محكومة بتوازن دقيق بين التصعيد والضرورة، بين الخطاب العالي والحاجة إلى التسوية. فإيران تخشى عزلة اليوم التالي وانفجار الداخل تحت ضغط الاقتصاد، والولايات المتحدة تخشى حرباً بلا نهاية. وبين الخشيتين، لا تنتصر البلاغة وحدها، ولا يكفي الصمود وحده، ولا تحسم الضربات وحدها؛ ما يحسم في النهاية هو قدرة كل طرف على تحويل القوة إلى سياسة، والضغط إلى تفاهم، والمواجهة إلى معادلة قابلة للحياة.
ما جرى في بودابست لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تبدل عادي في السلطة، بل كزلزال سياسي تتجاوز ارتداداته حدود المجر نفسها، لأن سقوط فيكتور أوربان لا يعني فقط هزيمة رئيس وزراء مخضرم، بل هو انكسار رمز أوروبي ظل لسنوات يمثل أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي المشكك في الاتحاد الأوروبي. لقد كان أوربان أكثر من زعيم محلي؛ كان نموذجاً سياسياً ألهم قوى قومية وشعبوية في أنحاء القارة، ولذلك فإن خسارته تُقرأ أيضاً بوصفها إشارة إلى تراجع المد الشعبوي الذي صعد بقوة خلال العقدين الماضيين. ومن هذه الزاوية، فإن الهزة الهنغارية قد تترك أثراً معنوياً وسياسياً على أحزاب مشابهة في فرنسا وألمانيا والنمسا، لأنها تكشف أن هذا التيار، مهما بدا صلباً، ليس بمنأى عن التآكل ولا محصناً من السقوط. وفي المقابل، يمنح هذا التحوّل دفعة جديدة للفكرة الأوروبية بعد سنوات من التعطيل والتوتر داخل مؤسسات الاتحاد، لأن رحيل أوربان يعني إزالة واحد من أبرز معرقلي الإجماع في بروكسل، ويفتح المجال أمام قدر أكبر من التوافق، ولا سيما في القضايا الإستراتيجية الكبرى. ويبرز هنا الملف الأوكراني على نحو خاص، إذ إن الموقف الهنغاري في عهد أوربان كان يمثل ثغرة دائمة في الجبهة الأوروبية بسبب التردد في دعم كييف والتقارب مع موسكو، أما اليوم فإن تغيّر القيادة قد يسمح بولادة موقف أكثر انسجاماً مع الخط العام للاتحاد، بما يعزز تماسكه في مواجهة روسيا. ومع ذلك، فإن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة انهيار كل الثوابت التي رسخها أوربان، وهنا تكمن المفارقة الأهم. فالفائز الجديد، رغم خصومته السياسية معه، لا يبدو بعيداً تماماً عن بعض ركائز «العقيدة الهنغارية» فيما يتعلق بالهجرة والحدود، ما يعني أن الناخب المجري ربما أراد تغييراً ديمقراطياً داخلياً من دون أن يتخلى عن بعض حساسياته القومية. وهذا يفرض التمييز بين رغبة المجتمع في إنهاء إرهاق سياسي طويل، وبين تمسكه في الوقت نفسه ببعض الثوابت المرتبطة بالسيادة والهوية. أما في ملف اللاجئين فإن إرث أوربان يستحق مراجعة نقدية واضحة، لأنه اتسم بانتقائية ذات طابع طائفي حين جرى توظيف شعار دعم المسيحيين في سورية بطريقة عمّقت الانقسام بدل أن تؤسس لمقاربة إنسانية شاملة. والسؤال الآن هو ما إذا كانت القيادة الجديدة ستقطع هذا النهج، وستنخرط بصورة أوضح في المسار الأوروبي العام، أم أنها ستبقي على بعض قنوات التمايز القديمة؟ لكن الأهم أن هزيمة أوربان لا تعني نهاية الشعبوية الأوروبية، لأن الأسباب التي غذّتها لا تزال قائمة: القلق الاقتصادي، وسؤال الهوية، والتوجس من العولمة والهجرة. الجديد فقط أن «النموذج المجري» لم يعد يبدو ملهماً كما كان، وأن اليمين المتطرف في أوروبا تلقى ضربة معنوية مؤلمة بفقدانه أحد أبرز رموزه. لذلك يمكن القول إن رحيل أوربان يمنح المشروع الأوروبي نفساً جديداً، لكنه لا يلغي التحدي الحقيقي، وهو قدرة القيادة الجديدة في بودابست على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاتحاد الأوروبي وبين تطلعات ناخب مجري لا يزال يميل إلى القومية في ملفات معينة، وعلى رأسها الهجرة والسيادة.
لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدثاً عابراً يمكن احتواء آثاره ضمن حدود المواجهة المباشرة، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لبنية الإقليم كله، وفي القلب منه منطقة الخليج العربي التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام حقيقة جيوسياسية لا تقبل الإنكار، وهي أن أمنها ليس مسألة محلية ضيقة، بل عنصر تأسيسي في استقرار المنطقة والعالم معاً. ومن هنا فإن التفكير في اليوم التالي لهذه الحرب لا ينبغي أن يكون ترفاً سياسياً مؤجلاً إلى ما بعد توقف النار، بل يجب أن يبدأ من الآن، لأن ما بعد هذه المواجهة لن يشبه ما قبلها، لا في الحسابات الأمنية، ولا في مفهوم الردع، ولا في شكل التوازنات التي ستنشأ عن هذه اللحظة المضطربة. لقد أظهرت التطورات الجارية أن دول الخليج، على اختلاف مواقعها وإمكاناتها، تواجه جملة مترابطة من المخاطر، وأن وحدة التهديدات تفرض، بالضرورة، وحدة أعلى في التنسيق، ورؤية أكثر تماسكاً في بناء المقتضيات الأمنية المشتركة. فالأمن في هذه المرحلة لم يعد مجرد ترتيبات دفاعية منفصلة، بل أصبح شبكة مصالح وممرات ومجالات حيوية تتقاطع فيها الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الداخلي مع المعادلات العسكرية الكبرى. وفي هذا السياق يبرز مضيق هرمز بوصفه رمزاً مكثفاً لهشاشة العالم أمام اختناق جغرافي محدود المساحة واسع الأثر، إذ لم يعد هذا المضيق شأناً إقليمياً صرفاً، بل صار مسألة دولية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، بما يفتح الباب أمام ضرورة التفكير في صيغ قانونية وسياسية جديدة تضمن حرية الملاحة وتحمي هذا الشريان من التحوّل إلى ساحة مفتوحة للتهديد المتكرر. وليس المقصود هنا فقط ترتيبات بحرية أو تفاهمات ظرفية، بل إدراج أمن الممرات المائية ضمن إطار أوسع من الضمانات والالتزامات التي تجعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تُترك رهينة لتقلبات القوة وحدها. ومن الطبيعي، في ضوء هذا كله، أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي حاضرة في أي تفاوض يفضي إلى وقف إطلاق النار أو إلى رسم معادلة ما بعد الحرب، لأن هذه الدول ليست مجرد مراقب قريب من الحدث، بل طرف متأثر مباشرة بنتائجه، أمنياً واقتصادياً وإستراتيجياً. ومن دون إشراكها في صناعة التسوية، ستظل أي تفاهمات ناقصة، لأنها تتجاهل مصالح من سيدفعون كلفة الاضطراب أو سيعيشون تحت ظلاله لسنوات لاحقة. واليوم التالي للحرب لا يحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى رؤية تعالج جذور القلق وتمنع إعادة إنتاج الانفجار بصيغ جديدة، وهو ما يقتضي انتقال المنطقة من منطق إدارة الأزمات المتلاحقة إلى منطق بناء الاستقرار المستدام. وفي هذا الإطار يبرز الدور السعودي بوصفه أحد الأعمدة المرجحة لأي مسار تهدئة جاد، ليس فقط لما تمثله المملكة من ثقل سياسي واقتصادي، بل لأنها أظهرت، منذ اللحظة الأولى، ميلاً واضحاً إلى العمل على تخفيض التوتر، والانخراط في حراك دبلوماسي إقليمي مسؤول بالتعاون مع قوى محورية مثل تركيا ومصر وباكستان، سعياً إلى فتح نافذة للحل وسط ضجيج المواجهة. إن قيمة هذا الدور لا تكمن فقط في الحضور السياسي، بل فيما تمثله المملكة من وزن حضاري ومصداقية وقدرة على ربط الحاجة إلى الأمن بضرورة إنتاج تسويات قابلة للحياة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون على مجرد توقف المعارك، بل على بلورة تصور مشترك يحفظ أمن الخليج، ويصون حرية الملاحة، ويؤسّس لمرحلة تتراجع فيها احتمالات الانفجار لصالح منطق التوازن والاستقرار. فالمستقبل لا يصنعه من يكتفون بقراءة اللحظة، بل من يملكون شجاعة التفكير فيما بعدها، ومنطقة بهذا الحجم من الأهمية لا يجوز أن تبقى أسيرة الخوف، بل ينبغي أن تتحوّل، بعد كل هذا الألم، إلى مساحة أمل سياسي جديد.
لا تبدو الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة وإيران مع انخراط إسرائيل في هذا المشهد العسكري، مجرد مواجهة ذات حدود جغرافية ضيقة، بل حدثاً ثقيلاً يدفع الاقتصاد العالمي إلى منطقة شديدة الاضطراب، لأنها تضرب في قلب واحدة من أكثر المناطق اتصالاً بمنظومة الطاقة والتجارة في العالم، وتفتح الباب أمام سلسلة مترابطة من الضغوط تبدأ من النفط والغاز ولا تنتهي عند كلفة المعيشة والنمو والتضخم. فمع تعثر الملاحة في مضيق هرمز وتزايد المخاوف على أمن الممرات المائية، عادت «علاوة الخوف» إلى الأسواق؛ أي ذلك الثمن الإضافي الذي يدفعه العالم عندما يصبح المستقبل غامضاً، وحين تخشى الشركات والمصارف والحكومات أن يتحوّل التوتر العسكري إلى حالة طويلة الأمد، وهو ما انعكس سريعاً في ارتفاع أسعار النفط وتزايد التذبذب في الأسواق المالية العالمية. ولا يكمن الخطر فقط في ارتفاع السعر الفوري لبرميل النفط، بل في التأثير المركب الذي ينتج عن ذلك، إذ ترتفع كلفة النقل والإنتاج والتأمين، ويتسع نطاق التضخم، وتجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة بين كبح الأسعار والحفاظ على النمو. فكل زيادة في أسعار الطاقة تنعكس مباشرة على الاقتصادات المستوردة، خصوصاً في أوروبا وآسيا، حيث تضغط فاتورة الاستيراد على الموازنات العامة، وتزداد الحاجة إلى سياسات دعم أو تدخلات مالية لتخفيف العبء عن المستهلكين، ما يقلص هامش المناورة الاقتصادية لدى الحكومات. وفي الوقت ذاته، فإن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى الحذر، وتؤجل قرارات استثمارية كبرى، وهو ما ينعكس تباطؤاً في النمو العالمي. ويتجاوز تأثير الحرب قطاع الطاقة ليشمل قطاعات صناعية وتجارية أخرى، إذ إن الخليج ليس فقط خزاناً للنفط، بل عقدة مركزية في تجارة الغاز والبتروكيماويات والمعادن. وقد انعكس ذلك في ارتفاع أسعار بعض المواد الأولية نتيجة المخاوف من اضطراب الإنتاج وسلاسل الإمداد، ما يؤكد أن الحرب لا تضرب مادة واحدة، بل تمتد على شكل موجات متتابعة إلى الصناعة العالمية بأكملها. كذلك فإن تهديد الممرات البحرية لا يُقرأ بوصفه مشكلة لوجستية فحسب، بل باعتباره أزمة ثقة، لأن التجارة الدولية تقوم على الاستمرارية والانسياب المنتظم، وحين يصبح أحد أهم المضائق عرضة للتعطيل، ترتفع الأكلاف حتى قبل وقوع الانقطاعات الفعلية، ما ينعكس على أسعار الغذاء والنقل والتأمين. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الدول الأكثر هشاشة هي الأكثر تعرّضاً للضرر، إذ تواجه ارتفاعاً مزدوجاً في تكاليف الغذاء والطاقة، في وقت تتراجع فيه قدرتها على الاقتراض أو دعم الأسواق، ما يزيد من مخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا فإن الحرب لا تُقاس فقط بحجم الخسائر المباشرة، بل بقدرتها على إحداث موجة تضخمية عالمية جديدة تعيد تشكيل أولويات السياسات الاقتصادية في مختلف الدول. ومع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات لاحتواء التصعيد، حيث برزت تحركات إقليمية، من بينها مشاركة المملكة العربية السعودية في اجتماعات إسلام آباد إلى جانب عدد من الدول، في مسعى لبحث سبل التهدئة وإعادة فتح المسارات الدبلوماسية. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة لأنها تنطلق من إدراك أن استقرار المنطقة ليس مسألة سياسية فقط، بل شرط أساسي لحماية الاقتصاد العالمي وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة دون انقطاع. وخلاصة المشهد أن الاقتصاد العالمي يقف اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فإما أن تنجح الجهود السياسية في احتواء هذه الأزمة وتحويلها إلى نزاع قابل للإدارة، وإما أن يستمر العالم في دفع كلفة صراع يتجاوز حدوده الجغرافية ليطال كل بيت عبر الأسعار والتضخم وتباطؤ النمو. وفي الحالتين، يتأكد أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الاقتصادي العالمي.
تكشف التطوّرات الأخيرة المرتبطة بإعلان الرئيس الأمريكي وجود مسار تفاوضي مع إيران، وما رافق ذلك من تراجع التهديد بقصف منشآت الطاقة، عن حقيقة سياسية شديدة الأهمية في مشهد الشرق الأوسط الراهن، وهي أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية، رغم تقاطعهما الواسع في ملفات كثيرة، ليست متطابقة على نحو مطلق، ولا سيما حين تدخل المنطقة مرحلة الحرب المفتوحة والاستنزاف الطويل. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى تدير شبكة مصالح عالمية معقدة، لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط من زاوية الصراع المباشر مع إيران أو من زاوية أمن إسرائيل، بل تنظر أيضاً إلى استقرار أسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، ومكانة الاقتصاد العالمي، وتوازنات القوى الكبرى، وكلفة التورط العسكري المباشر أو غير المباشر في نزاعات تستنزف النفوذ ولا تنتج بالضرورة مكاسب استراتيجية صافية. من هنا يمكن فهم الميل الأمريكي، في لحظة معينة، إلى فرملة التصعيد والبحث عن مخرج تفاوضي يضع حداً للحرب أو يمنع تمددها، ليس تراجعاً عن القوة، ولا انقلاباً على التحالف مع إسرائيل، بل تعبير عن قراءة براغماتية تعتبر أن إدارة الصراع تختلف عن الانجراف الكامل فيه، وأن ضبط النيران قد يكون، أحياناً، أكثر فائدة من توسيعها. في المقابل، تبدو الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل النهج الذي مثّله بنيامين نتنياهو، أكثر التصاقاً بمنطق القوة المجردة، وأكثر ميلاً إلى تحويل اللحظات العسكرية إلى أدوات لإعادة صياغة البيئة الإقليمية على نحو جذري، وكأن الشرق الأوسط يمكن أن يُعاد تشكيله بالكامل عبر الحروب المتلاحقة، والضربات الوقائية، وتوسيع الجبهات، وإخضاع الخصوم لمنطق الصدمة الدائمة. وهذه الرؤية، مهما بدت جذابة في الخطاب السياسي الإسرائيلي الداخلي، ومهما منحت بعض القوى في إسرائيل إحساساً بالقوة والقدرة على فرض الإرادة، تصطدم في الواقع بجملة حقائق صلبة لا يمكن تجاوزها بالشعارات ولا بالتفوق العسكري وحده. فالمنطقة ليست فراغاً جيوسياسياً، ولا مجموعة وحدات سهلة الكسر يمكن إعادة ترتيبها بقرار أحادي، بل فضاء بالغ التعقيد، تتداخل فيه الدول والمجتمعات والهويات والمصالح الدولية والإقليمية، بحيث تصبح أي محاولة لفرض هيمنة إسرائيلية شاملة على المشرق وما حوله أقرب إلى الطموح الطوباوي منها إلى المشروع القابل للتحقق. إن الحروب قد تدمر، وقد تؤذي، وقد تربك، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة شرق أوسط خاضع بالكامل لإرادة طرف واحد؛ لأن موازين القوى لا تُقاس فقط بما تملكه الجيوش من نار، بل أيضاً بما تملكه المجتمعات والدول من قدرة على الصمود، وبما تفرضه الجغرافيا من حدود، وبما تنتجه السياسة من ردود فعل وتحالفات مضادة. ولذلك فإن أي قراءة موضوعية للمشهد الراهن تقود إلى القول إن إسرائيل ربما كانت تراهن على استمرار الحرب بوصفها فرصة تاريخية لإضعاف إيران إلى أقصى حد، وربما لتغيير طبيعة النظام القائم فيها أو دفع المنطقة كلها إلى الاعتراف بمركزية إسرائيل، إلا أن مسار الأحداث أظهر أن هذه الأهداف، على ضخامتها، ليست سهلة المنال، بل قد تكون أبعد منالاً مما افترضه صانع القرار الإسرائيلي نفسه. فالحرب، عندما تطول، لا تبقى مجرد ساحة لإظهار التفوق، بل تتحوّل إلى اختبار قاسٍ للقدرة على التحمّل، وإلى مساحة تتزايد فيها الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية، ويصبح فيها الإنجاز العسكري أقل قدرة على ترجمة نفسه إلى نصر استراتيجي نهائي. ومن هنا يمكن فهم لماذا قد ترى واشنطن أن وقف الحرب أو احتواءها ينسجم مع مصالحها الكبرى، بينما قد ترى إسرائيل في ذلك إجهاضاً لفرصة كانت تأمل من خلالها فرض وقائع جديدة على المنطقة. إن التباين هنا ليس قطيعة بين الحليفين، وليس انقلاباً في بنية التحالف، بل اختلاف في سلم الأولويات وفي تعريف الممكن والمفيد. الولايات المتحدة تريد شرقاً أوسط لا ينفجر إلى حد يهدّد النظام الدولي ومصالحها الواسعة، أما إسرائيل، في بعض تياراتها الحاكمة على الأقل، فتريد شرقاً أوسط يعترف بتفوقها ويذعن لشروطها ويقبل بوجودها المهيمن. غير أن الفارق بين الهدفين كبير؛ لأن الأول قابل للإدارة والتفاوض والتكييف، أما الثاني فيحمل في داخله قدراً كبيراً من الوهم السياسي. فالهيمنة الكاملة ليست مشروعاً واقعياً في منطقة مثل الشرق الأوسط، والتاريخ القريب والبعيد يقول بوضوح إن هذه المنطقة استعصت على كل محاولات الاحتواء التام، وأن القوى التي ظنت أنها قادرة على إخضاعها بالقوة اكتشفت، عاجلاً أو آجلاً، أن النار التي تُشعلها قد تمتد إلى ما هو أبعد من حساباتها. ولهذا فإن ما يجري اليوم لا ينبغي قراءته فقط بوصفه جولة تفاوض أو تراجع تهديد أو ارتباكاً مرحلياً، بل بوصفه لحظة كاشفة لحدود القوة، وللفارق بين من يريد إدارة التوازنات، ومن يحلم بإلغاء التوازنات نفسها. وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الحرب وفتح الأبواب أمام شرق أوسط خاضع لإرادتها، رغبة مفهومة في سياق الخطاب الإسرائيلي، لكنها تظل، في ميزان السياسة والواقع، مشروعاً متعذراً؛ لأن المنطقة أكبر من أن تُبتلع، وأعقد من أن تُختزل، وأعصى من أن تُحكم فقط بمنطق السلاح.
ليس صحيحًا أن كل اهتزاز أمني أو عسكري يفضي تلقائيًا إلى سقوط النماذج السياسية والاقتصادية، كما ليس صحيحًا أن تعرّض دول مجلس التعاون الخليجي لتهديدات أو اعتداءات في لحظة إقليمية مضطربة يعني أن نموذج الدولة الحديثة قد وصل إلى نهايته. فالدول لا تُقاس بقدرتها على العيش في أوقات الصفاء فقط، بل تُقاس أساسًا بقدرتها على الصمود في لحظات الاختبار، وعلى امتصاص الصدمة، وحماية تماسكها الداخلي، وتحويل الخطر إلى دافع لتعزيز المناعة. ومن هذه الزاوية يبدو الحديث عن قرب انهيار هذا النموذج حديثًا متسرعًا كما يذهب إلى ذلك بعض الشامتين المرضى، لأنه يتجاهل طبيعة هذا النموذج وأسس بنائه عبر عقود. إن الدولة الخليجية الحديثة لم تتشكّل بوصفها فقاعة عابرة قائمة على الوفرة المالية وحدها، بل نشأت من خلال بناء مؤسسات إدارية فاعلة، وتطوير بنى تحتية متقدّمة، وصياغة علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، وإقامة شبكات واسعة من المصالح الدولية، فضلًا عن تأسيس اقتصادات تملك قدرًا معتبرًا من المرونة والقدرة على التكيّف. ومن ينظر إلى التجربة الخليجية بإنصاف يدرك أن سر قوتها لا يكمن في المال فقط، على أهميته، بل في وجود عقل إداري قادر على العمل تحت الضغط، وفي مؤسسات لا تنهار مع أول أزمة، وفي قدرة واضحة على اتخاذ القرار بسرعة وحماية مفهوم الاستمرارية. وتقدّم المملكة العربية السعودية مثالًا مركزيًا داخل هذا النموذج الخليجي؛ فهي تمثل الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الأكبر في المنظومة الخليجية، وتجسّد بوضوح فكرة أن الدولة التي تجمع بين الموارد الكبرى، والوزن الإستراتيجي، والرؤية التنموية، تملك أدوات البقاء والتأثير في آن واحد. فالسعودية ليست مجرد قوة نفطية، بل دولة ذات دور محوري في استقرار المنطقة، وفي أسواق الطاقة، وفي إعادة تشكيل صورة الخليج بوصفه فضاءً للتنمية والفاعلية لا مجرد منطقة رخاء هش. ومن أهم عوامل بقاء النموذج الخليجي أن هذه الدول أصبحت جزءًا مؤثرًا في الاقتصاد الدولي، وفي التجارة والطاقة والاستثمار والنقل والخدمات، وهذا يضعها في قلب المصالح العالمية لا على هامشها. لذلك فإن استقرارها ليس حاجة داخلية لشعوبها فقط، بل مصلحة دولية واسعة، وهو ما يمنحها وزنًا إضافيًا ويجعل من السذاجة تصور أن العالم يمكن أن يتعامل مع أي اضطراب كبير فيها بوصفه حدثًا عابرًا. وإلى جانب ذلك، فإن الملاءة المالية التي تمتلكها دول الخليج تمنحها قدرة كبيرة على احتواء الخسائر ومعالجة الآثار السلبية للحروب والأزمات، فالدولة التي تملك احتياطيات وصناديق سيادية وخبرة في إعادة ترتيب الأولويات ليست دولة عاجزة أمام الضغوط، بل دولة تملك أدوات المعالجة والتعافي. كما أثبتت التجربة الخليجية أن البعد الأمني والعسكري أصبح جزءًا أصيلًا من معادلة البقاء، من خلال تطوير أنظمة الدفاع وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، بما يعني أن هذه الدول لا تواجه التهديدات بعفوية أو ارتجال، بل عبر منظومات متنامية من الردع والحماية. أضف إلى ذلك أن المجتمعات الخليجية ليست مجتمعات رخوة كما يصورها البعض، بل مجتمعات تشكّلت داخلها مصالح كبرى مرتبطة بالاستقرار، ووعي متزايد بقيمة الدولة، وإدراك واضح أن الفوضى ليست طريقًا إلى الحرية أو الازدهار، بل بوابة لانهيار المكتسبات. لذلك فإن الأرجح ليس أفول الدولة الحديثة، بل استمرارها، وربما خروجها من هذه المرحلة أكثر وعيًا بحاجتها إلى تعميق التطوير وتعزيز التنسيق وتوسيع التنويع الاقتصادي. هكذا تبدو الدولة الحديثة اليوم: ليست نموذجًا هشًا ينتظر الضربة الأخيرة، بل تجربة أثبتت أن لديها من عناصر الاستمرار ما يكفي لكي تبقى، ومن مقوّمات القوة ما يسمح لها بتجاوز العاصفة، فيما تظل المملكة العربية السعودية أحد أبرز الأعمدة التي يستند إليها هذا البقاء الخليجي في الحاضر والمستقبل.
تكشف التحركات السورية الأخيرة تجاه لبنان عن سياسة جديدة تحاول دمشق من خلالها رسم حدود دقيقة لعلاقتها مع الجار اللبناني في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تدور حرب مفتوحة بين حزب الله وإسرائيل، بالتوازي مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما يجعل الساحة اللبنانية جزءاً من مشهد أوسع يتجاوز حدودها الداخلية. وفي هذا السياق لا يمكن قراءة إرسال قوات سورية إلى الحدود السورية اللبنانية بوصفه مجرد إجراء أمني تقني يهدف إلى ضبط المعابر ومنع التهريب، بل باعتباره رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن هذه الحدود باتت بالنسبة إلى دمشق خطاً بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب طبيعتها الجغرافية المعقدة، بل لأن الجانب اللبناني يلامس اليوم منطقة اشتعال إقليمي مباشر، ولأن حزب الله، الموجود على الطرف الآخر، يُنظر إليه سورياً باعتباره قوة معادية أو على الأقل قوة لا يمكن الاطمئنان إلى دورها وتأثيرها على الأمن السوري. ومن هنا بدا الانتشار العسكري السوري تعبيراً عن رغبة حقيقية في حماية الحدود ومنع أي اختراق أو تسلل أو محاولة لفرض وقائع جديدة تحت ضغط الحرب، من دون أن يتحوّل ذلك إلى مقدمة لاجتياح أو تدخل عسكري داخل لبنان. وفي هذا الإطار تكتسب الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع أهميتها، ولا سيما اتصاله بسامي الجميّل، لأن هذا التواصل لا يبدو مجرد مجاملة بروتوكولية، بل يحمل رسالة سياسية محسوبة إلى الشارع المسيحي في لبنان، بل إلى قطاعات أوسع من اللبنانيين، مفادها أن سوريا لا تريد استغلال الحرب الدائرة ولا الفوضى الإقليمية من أجل العودة إلى لبنان من بوابة النفوذ العسكري أو الأمني، وإنما تريد تبديد المخاوف والتأكيد أنها ليست في وارد اجتياح لبنان أو الانخراط المباشر في معادلاته الداخلية. ويأتي الاتصال بالرئيس اللبناني جوزيف عون في السياق نفسه، لكن على مستوى الدولة الرسمية، بما يعكس رغبة سورية في دعم المؤسسات اللبنانية الشرعية سياسياً، وفي الانسجام مع مناخ إقليمي ودولي يدفع نحو تقوية الدولة اللبنانية في لحظة تواجه ضغوطاً هائلة بسبب الحرب مع إسرائيل، وبسبب تداخل الملف اللبناني مع المواجهة الكبرى الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ومن الواضح أن دمشق لا تريد التورط عسكرياً في هذا المشهد المعقّد، لكنها في الوقت نفسه تريد إعلان موقف واضح يقوم على دعم الدولة اللبنانية ورفض الفوضى ورفض استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة، وفي مقدّمته سلاح حزب الله، الذي لم يعد بالنسبة إليها مجرد ملف لبناني داخلي، بل جزء من معادلة إقليمية متفجرة يمكن أن ترتد على الأمن السوري مباشرة. بذلك يمكن القول إن سياسة أحمد الشرع تجاه لبنان تقوم على معادلة دقيقة: تشدّد أمني على الحدود، وانفتاح سياسي مدروس على الدولة اللبنانية وبعض مكوّناتها، ورفض واضح لحزب الله وسلاحه، ولكن من دون اندفاع إلى مغامرة عسكرية أو انخراط مباشر في حرب تتشابك فيها حسابات لبنان مع حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. إنها سياسة تجمع بين الحزم والتهدئة، وبين الواقعية السياسية والانضباط الإستراتيجي.
منذ اللحظة الأولى لانفجار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدا واضحاً أن ما يجري ليس جولة عابرة من جولات الاشتباك التقليدي في الشرق الأوسط، بل تحوّل نوعي يكسر القواعد التي حكمت الصراع لعقود طويلة، ويعيد رسم خرائط الردع والتوازنات على نحو بالغ الخطورة. فاستهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مثّل -في دلالته السياسية والإستراتيجية- تجاوزاً لأعلى سقوف الاشتباك المعروفة، ليس فقط لأنه يمس رأس هرم النظام الإيراني، بل لأنه يبعث برسالة مفادها أن مراكز القرار لم تعد محصّنة، وأن الحصانات الرمزية التي كانت تشكّل جزءاً من توازن الردع قد تآكلت. الرد الإيراني بدوره لم يأتِ في إطار محسوب أو محدود، بل اتجه نحو توسيع مسرح العمليات، عبر ضربات طالت نطاقاً إقليمياً واسعاً، ومحاولات للتأثير على حركة التجارة الدولية من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء معتبر من إمدادات الطاقة العالمية. هنا لم يعد الأمر يتعلق برد تكتيكي، بل بعملية كسر متبادل للخطوط الحمراء، حيث تتقاطع الرسائل العسكرية مع رهانات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود الأطراف المباشرة للصراع. الخطير في هذه المواجهة أنها لا تتحرك وفق قواعد اشتباك مستقرة، بل وفق منطق التصعيد المتدرج الذي قد يفلت من السيطرة في أي لحظة. إدخال حزب الله على خط المواجهة، وتحويل لبنان إلى ساحة ضغط إضافية، يعني عملياً نقل الصراع من كونه مواجهة ثلاثية بين واشنطن وتل أبيب وطهران إلى صراع إقليمي متعدد الطبقات، تتداخل فيه حسابات الدول مع حسابات الفاعلين غير الدوليين. وهذا الاتساع الجغرافي والسياسي يرفع منسوب المخاطر، لأن كل ساحة جديدة تصبح مرشحة لاشتعال مستقل قد لا يخضع لقرار مركزي واحد. كما أن استهداف المصالح الاقتصادية وتهديد الملاحة الدولية يعيدان إلى الأذهان لحظات تاريخية كانت فيها شرارة إقليمية كفيلة بإشعال أزمات عالمية، خصوصاً في منطقة تعد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية القلب النابض لصراعات الطاقة والتحالفات الكبرى. في المقابل، يبرز سؤال جوهري حول سقف العملية العسكرية التي تسعى إليها الولايات المتحدة: هل الهدف هو إعادة ترميم الردع وكسر إرادة طهران؟ أم دفعها إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة؟ أم إحداث تغيير أعمق في بنية النظام الإقليمي؟ الإجابة ليست سهلة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تنتهي وفق المخطط لها، وغالباً ما تفتح أبواباً لتوازنات غير متوقعة. كما أن إيران، بخبرتها الطويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة، قد تراهن على استنزاف طويل النفس، يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على خصومها، ويحوّل التفوق العسكري إلى عبء إستراتيجي. لهذا تتكثف اليوم المساعي الدبلوماسية في محاولة لالتقاط لحظة تهدئة قبل أن يستقر التصعيد في مسار لا عودة عنه. فخيار الحرب، مهما بدا حاسماً في لحظة الغضب أو الرد، لا يصنع سلاماً مستداماً، بل يؤسّس لدورات جديدة من العنف. غير أن المشكلة تكمن في أن مسار التهدئة يحتاج إلى قرار شجاع من جميع الأطراف بالعودة إلى منطق السياسة بعد أن تكسرت القيود. وحتى تتضح حدود هذا القرار، ستبقى المنطقة معلّقة بين احتمال الانفجار الكبير وإمكانية احتواء الأزمة، في مشهد يختلط فيه الدخان بالتحليل، والرهان العسكري بالحسابات الإستراتيجية، ويظل فيه الشرق الأوسط مرة أخرى مسرحاً لصراع تتجاوز تداعياته حدوده الجغرافية إلى النظام الدولي بأسره.
تتجلى ريادة المملكة العربية السعودية وقوتها الدبلوماسية في مواقفها التاريخية الراسخة التي لا تقبل التأويل، حيث برزت مؤخراً كحائط صد منيع أمام التصريحات المتطرفة وغير المسؤولة التي أدلى بها السفير الأمريكي في تل أبيب، والتي حاولت المساس بسيادة الدول العربية أو الترويج لمشاريع توسعية واهية تتجاوز حدود المنطق والقانون الدولي، لتعيد الرياض ببيانها الحازم ترتيب أوراق المنطقة وتأكيد المؤكد بأنها مركز الثقل السياسي الذي لا يمكن تجاوزه في رسم ملامح الشرق الأوسط. إن الموقف السعودي الذي صدر عن وزارة الخارجية رداً على ما جهر به السفير الأمريكي في تل أبيب لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل كان تجسيداً حياً لمسؤولية المملكة التاريخية بصفتها قائدة العمل العربي المشترك وحاضنة العالم الإسلامي وموجهة بوصلته نحو الحق والعدل، إذ استندت في شجبها لتلك الادعاءات الباطلة إلى مرجعية قانونية دولية صلبة ترفض منطق الغطرسة وتتمسك بمبادئ السيادة الوطنية للدول، محذرة من أن مثل هذه الرؤى المتطرفة التي نطق بها السفير لا تخدم سوى الفوضى وتقوّض جهود السلام العالمي. إن القوة التي تستمدها المملكة في خطابها تنبع من ثوابت إستراتيجية لا تتغيّر بتغيّر الإدارات أو الظروف، وهي الثوابت التي تضع حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كشرط أساسي ووحيد لتحقيق الاستقرار الشامل في المنطقة، وهذا التمسك بالشرعية الدولية يثبت للعالم أجمع أن المملكة هي التي تحدد عناصر الحل الجذري للصراع العربي الإسرائيلي ولا تقبل ببدائل منقوصة أو تسويات مشبوهة تفتقر للعدالة. لقد برهنت الرياض من خلال قيادتها للمنظومة العربية والإسلامية أنها تمتلك الرؤية الشاملة والقدرة الفائقة على تحويل القضايا العربية من مجرد ملفات إقليمية إلى أولويات دولية لا يمكن للعالم تجاهلها، حيث تضع المملكة دائماً النقاط على الحروف فيما يتعلق بسلامة الأراضي العربية من نهر النيل إلى نهر الفرات، مؤكدة أن أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ وأن أي محاولة لإعادة رسم الخرائط بناءً على أوهام أو منطلقات غير قانونية ستصطدم بصخرة الموقف السعودي الصلب الذي يحظى بإجماع إسلامي وعربي منقطع النظير. إن لغة البيان السعودي الرصينة والقوية جاءت لتعكس هيبة الدولة التي تعرف حجم تأثيرها العالمي وتدرك أن استقرار الاقتصاد والسياسة في العالم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى احترام الحقوق المشروعة لشعوب هذه المنطقة، ومن هنا تبرز المملكة كقوة إقليمية عظمى لا تكتفي بالتحذير من المخاطر بل ترسم المسارات الآمنة للخروج من الأزمات، مشدّدة على أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني، وهو الموقف الذي يجعل من المملكة العربية السعودية المرجعية الأولى والأساسية في أي تحرك دولي يخص الصراع، فكلمتها هي الفصل وقرارها هو المحرك الذي يلتف حوله العرب والمسلمون في مشهد يجسّد أسمى معاني التضامن والقيادة الحكيمة التي لا تفرط في الحقوق ولا تتهاون في حماية الثوابت القومية، لتبقى السعودية دوماً هي المنارة التي تهتدي بها المنطقة نحو غدٍ يسوده القانون الدولي والعدالة الناجزة.
إن الدعوة إلى قيام «المملكة العربية السورية» ليست مجرد نكوص إلى الماضي أو بحث عن استعارة نظام سياسي من التاريخ، بل هي صرخة وعي تنطلق من تحت أنقاض التجربة الجمهورية التي أثبتت، ليس فقط في سوريا بل في محيطها العربي «الجمهوري»، أنها كانت وعاءً مثالياً لإنتاج الديكتاتوريات العسكرية وسحق التعددية السياسية وتجريف المجتمعات من نخبها الفاعلة، فمنذ جلاء المستعمر الفرنسي عام 1946 دخلت سوريا نفقاً مظلماً من الانقلابات العسكرية المتلاحقة التي كشفت هشاشة البنية الدستورية والسياسية للنظام الجمهوري الوليد، حيث عجزت تلك المنظومة عن خلق توازن يحمي الدولة من نزق الضباط وطموحات العسكر، حتى وصلنا إلى مرحلة «البعث» وحكم «الأسدين» التي تحوّلت فيها الجمهورية إلى مجرد لافتة خادعة لنظام شمولي حوّل البلاد إلى جحيم من الحزب الواحد والرئيس الأوحد والفكرة القسرية، فأُلغيت الحياة السياسية تماماً وصودرت كرامة المواطن تحت شعارات زائفة لم تنتج سوى التخلف الاقتصادي والتمزق الاجتماعي، وإذا ما أمعنا النظر في الخريطة العربية المحيطة بنا، فإن المقارنة التاريخية والواقعية تفرض نفسها بوضوح لا لبس فيه، حيث نجد أن الملكيات العربية استطاعت تحقيق معادلة الاستقرار السياسي المقترن بالازدهار الاقتصادي حتى في ظل أصعب الظروف الإقليمية، فالمؤسسة الملكية تعمل كصمام أمان يحول دون انزلاق البلاد نحو الفوضى أو الحروب الأهلية عند الأزمات الكبرى، لأن الملك يمثل رمزية وطنية تسمو فوق التجاذبات الحزبية والصراعات الطائفية والمناطقية، وهذا ما افتقدته الجمهوريات العربية التي غاصت في الدم وانتهت إلى دول فاشلة كما نرى اليوم في ليبيا والسودان وسوريا قبل سقوط النظام، فالنظام الملكي الدستوري يمنح الدولة شرعية تاريخية واستقراراً مؤسساتياً يسمح للعملية الديمقراطية بأن تنمو ببطء وثبات تحت سقف يمنع الانهيار الشامل، بعيداً عن صراعات «الجمهوريات الوراثية» المشوهة التي أهلكت الحرث والنسل، والآن ونحن نقف على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى في تاريخ سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد، يبدو من العبث ومن المخاطرة القاتلة إعادة تكرار التجربة الجمهورية الفاشلة التي أثبتت أنها الطريق الأقصر نحو حكم الفرد أو حكم المليشيات.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى نموذج سياسي جديد يتجاوز عقدة «الجمهورية» التي ارتبطت في ذاكرة السوريين بالقمع والفقر والتهجير، والملكية الدستورية تطرح نفسها حلاً عقلانيّاً يجمع بين الأصالة والحداثة، ويضمن وحدة الأراضي السورية تحت رمز وطني جامع ينهي عهود الاستقطاب القاتل، ويؤسّس لمستقبل يسوده القانون والرفاه، فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تعيد تكرار أخطائها، والبناء على أنقاض الجمهورية المنهارة يتطلب شجاعة فكرية للقول إن المملكة العربية السورية هي المخرج الحقيقي نحو دولة الاستقرار والكرامة، وهي الضمانة الوحيدة لعدم عودة «تجار الثورات» لتصدّر المشهد السياسي مرة أخرى، فالسوريون الذين ذاقوا الويلات على مدار ثمانية عقود يستحقون نظاماً سياسياً يحميهم من أنفسهم ومن مطامع الخارج، ولن يجدوا ذلك إلا في مظلة ملكية دستورية راسخة تضع حداً لدوامة الانقلابات والدمار التي لم تتوقف منذ الاستقلال.