أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1022.jpg?v=1763641491&w=220&q=100&f=webp

رامي الخليفة العلي

أوروبا إلى الفاشية سِرْ

لم تعد عبارة «أوروبا إلى الفاشية... سِرْ» مجرد صيحة تحذير مبالغ فيها؛ فنتائج انتخابات سكسونيا أنهالت الألمانية تكشف مقدار التآكل الذي أصاب المناعة السياسية والأخلاقية للقارة. لقد تصدّر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج، مقترباً من إمكان قيادة حكومة الولاية، وإن كان الفوز الانتخابي لا يعني أنه تسلّم الحكم بالفعل. وهذا التمييز ضروري، لكنه لا يخفف خطورة المشهد: حزب يصنّف فرعه المحلي متطرفاً يمينياً بات يطالب بتحويل تفوقه الانتخابي إلى سلطة على مؤسسات الدولة.

بعد أكثر من ثمانية عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، تواجه أوروبا امتحاناً يمس الأسس التي بنت عليها مشروعها الديمقراطي، خصوصاً في غرب القارة قبل امتداده شرقاً: كرامة الإنسان، والمواطنة المتساوية، وتقييد السلطة بالقانون، وحماية الأقليات، والتضامن الاجتماعي. لم يتحقق هذا المشروع كاملاً، وشابته تناقضات وانتهاكات، لكنه جعل تجاوز العنصرية والقومية العدوانية التزاماً سياسياً وأخلاقياً.

اليوم تتعرّض هذه المرجعية لمحاولة قلب منظمة، يصبح فيها المختلف متهماً، واللاجئ تفسيراً جاهزاً لكل أزمة، والحقوق عبئاً ينبغي التخلص منها. خطورة البديل تتجسّد في تحويل القلق الاقتصادي والاجتماعي إلى خصومة مع جماعات بشرية، ثم تقديم الإقصاء باعتباره برنامج إنقاذ. فالمواطن الذي يخشى تراجع دخله أو انهيار الخدمات يحتاج حلولاً للأجور والسكن والاستثمار، بينما يُدفع إلى الاعتقاد بأن استعادة مستقبله تمر عبر التضييق على جاره المختلف.

هكذا يُعاد توجيه الغضب بعيداً عن السياسات المسؤولة، ويُستبدل النقاش حول توزيع الثروة بصراع على هوية المستحقين للحقوق. ولا تنتهي التداعيات عند المهاجرين؛ فالدولة التي تقبل تفاوت الكرامة بحسب الأصل تفتح الباب لتفاوت الحريات بحسب الولاء. وعندما تُختزل الديمقراطية في أغلبية انتخابية، يمكن استخدام الصندوق لإضعاف الرقابة، ومحاصرة الإعلام، وإخضاع المؤسسات، وتجفيف المجال المدني. وفي هذا تحديداً تكمن قابلية الانزلاق نحو الفاشية: تفريغ التعددية من مضمونها تحت شعار إنقاذ الأمة.

لذلك يحمل احتمال وصول هذا الحزب إلى حكومة ولاية وزناً يتجاوز حدودها؛ فالسلطة المحلية تمنح أدوات للتأثير في التعليم والإدارة والأمن، وقد تصبح مختبراً لتطبيع ممارسات تنتقل لاحقاً إلى المستوى الاتحادي. أما الأحزاب التقليدية التي تواجه التطرف باستعارة مفرداته، فإنها تمنحه شهادة صلاحية وتساعده على تحديد أجندة النقاش. ومسؤوليتها تتضاعف حين تطلب من الناس الدفاع عن الديمقراطية من دون أن تقدّم لهم أمناً اجتماعياً أو أفقاً اقتصادياً مقنعاً.

ويتصل المشهد بموجة عابرة للحدود، سبق أن بشّر بها رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان. لا تتطابق هذه القوى في كل شيء، لكنها تتبادل التشجيع وتطبيع العداء للتعددية. وعالم تتقدّم فيه القوميات الإقصائية يصبح أكثر استعداداً للحروب التجارية، وأقل قدرة على التعاون بشأن المناخ واللجوء، وأكثر تسامحاً مع منطق القوة وازدواجية المعايير.

كما تتغذّى الصراعات الداخلية من خطاب يصور المعارضة خيانة والتنوع تهديداً، فينقلب الاختلاف الطبيعي إلى اشتباه دائم بين أبناء المجتمع. وتزداد الكلفة العالمية لأن تراجع أوروبا عن مرجعيتها الحقوقية يمنح السلطات القمعية حجة إضافية لتبرير انتهاكاتها، ويضعف صدقية المؤسسات الدولية التي تحتاج إلى دول تدافع عن قواعدها حتى حين تتعارض مع مصالحها المباشرة.

هذا هو الرهان الحقيقي: قدرة الدولة الحديثة على حماية الجميع من تعسف السلطة والأغلبية معاً. ليست الفاشية قدراً أوروبياً محتوماً، لكن منعها يتطلب مواجهة سياسية واجتماعية تتجاوز الاستنكار. يبدأ الخطر حين يصبح الإقصاء رأياً عادياً، ويتفاقم حين يصبح سياسة حكومية، وتكتمل الكارثة حين يعتاد المجتمع أن تُسلب حقوق الآخرين باسمه.

منذ يومين

السويداء.. حين يخسر الخطاب معركة السياسة

في الصراعات السياسية والاجتماعية، لا تُقاس كفاءة القيادة بقدرتها على التعبئة أو برفع سقف الخطاب فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة التوازنات، وحماية حاضنتها الاجتماعية، وتوسيع دائرة الأصدقاء، وتقليص عدد الخصوم، وصياغة رواية تستطيع العبور من الجمهور المؤيد إلى الجمهور المتردد، وربما حتى إلى جزء من جمهور الطرف المقابل. وهذه واحدة من أبسط قواعد السياسة وأكثرها صرامة: أن تجعل خصمك أكثر عزلة، لا أن تعزل نفسك معه، وأن تقدّم خطابًا يستطيع الآخرون فهمه والدفاع عنه، لا خطابًا يحتاج في كل مرة إلى سلسلة طويلة من التبريرات. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما جرى في السويداء خلال المرحلة الماضية، حيث تبدو المفارقة واضحة بين مسارين متعاكسين في إدارة الصراع. فمن جهة، سعت الحكومة السورية إلى تقديم نفسها باعتبارها ممثلًا لفكرة الدولة الجامعة، دولة واحدة بجيش واحد ومؤسسات واحدة وأرض واحدة ومرجعية سياسية واحدة. وهي صيغة، بصرف النظر عن الموقف من أداء الحكومة أو عن الأخطاء التي ارتُكبت أو الانتقادات الموجهة إليها، تملك بطبيعتها قدرة أكبر على مخاطبة الداخل السوري والمحيط العربي والفاعلين الإقليميين والدوليين، لأنها تقوم على مفاهيم مألوفة في النظام الدولي، مثل السيادة ووحدة الأراضي واحتكار الدولة للسلاح والقرار. ومن جهة أخرى، اندفع الشيخ حكمت الهجري نحو خطاب سياسي رفع سقف القطيعة إلى مستويات جعلت من الصعب تحويله إلى مشروع قابل للتسويق خارج دائرته المباشرة، ولا سيما حين اقترن هذا الخطاب بصورة متزايدة بإسرائيل وبمواقف تتعارض بصورة حادة مع المزاج العام السوري والعربي. المشكلة هنا ليست في مجرد الخلاف مع دمشق؛ فالخلاف السياسي أمر طبيعي، كما أن المطالبة بضمانات أو حقوق أو ترتيبات محلية ليست في ذاتها أمرًا خارجًا عن السياسة، وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي جرى بها تقديم هذه المطالب، وفي البيئة الرمزية والسياسية التي أُحيطت بها. فالقيادة التي تريد حماية مجتمعها يفترض أن تعمل على زيادة التعاطف معه، وتفكيك مخاوف الآخرين منه، وفتح قنوات التواصل مع أكبر عدد ممكن من الأطراف، لكن خطاب الهجري أدى في أحيان كثيرة إلى نتيجة معاكسة: تضييق مساحة التعاطف، وتوسيع دائرة الريبة، وإعطاء خصومه فرصة لتقديمه بوصفه طرفًا يبتعد عن الإجماع الوطني أكثر مما يقترب منه. وفي السياسة لا تُقاس الخيارات بالنوايا وحدها، وإنما بالنتائج التي تنتج عنها أيضًا. فإذا كان الهدف هو تعزيز الموقع التفاوضي للسويداء وحماية مصالح أبنائها، فإن السؤال المشروع يصبح: هل أصبح هذا الموقع أقوى أم أكثر عزلة؟ وهل ازدادت القدرة على كسب الحلفاء أم تراجعت؟ في المقابل، استطاعت الحكومة السورية، رغم الحملات التي واجهتها ورغم استمرار وجود معارضين لها في الداخل، أن توسع تدريجيًا دائرة القبول بخطابها، لأنها تتحدث بلغة الدولة والوحدة والمؤسسات، وهي لغة يجد كثير من السوريين والعرب، وكذلك أطراف إقليمية ودولية، مصلحة في دعمها أو على الأقل التعامل معها بوصفها الإطار الأكثر قابلية للاستمرار. وهذا لا يعني منح الحكومة السورية صك براءة مفتوحًا، ولا إلغاء النقد الموجه إلى أدائها، لكنه يعني أن معركة الرواية لا تُحسم بالصوت الأعلى، بل بالرواية الأكثر قابلية للتصديق والاستمرار. وهنا تحديدًا تكمن أزمة الهجري: أنه لم ينجح في تحويل خلافه مع دمشق إلى قضية قادرة على اجتذاب المترددين، بل سمح لهذا الخلاف بأن يتحوّل تدريجيًا إلى اختبار هوية واصطفاف، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قيادة محلية؛ لأن الزعيم الناجح لا يكتفي بالاحتفاظ بمن يؤيده، بل يجعل الوقوف معه ممكنًا سياسيًا وأخلاقيًا حتى لمن لا ينتمي إلى بيئته. وفي نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الأهم في تقييم حصيلة المرحلة بسيطًا للغاية: بعد كل هذا الوقت، من أصبح لديه أصدقاء أكثر، ومن أصبح لديه خصوم أكثر؟ ففي السياسة، كثيرًا ما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المعيار الأكثر دقة لقياس من يتقدّم في معركة الشرعية، ومن يبتعد عنها.

00:07 | 2-09-2026

من باريس.. السعودية ترسم شراكاتها الجديدة

تحمل زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى العاصمة الفرنسية باريس دلالات تتجاوز بكثير إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتكشف عن مستوى متقدّم من التقارب السياسي والإستراتيجي والاقتصادي بين الرياض وباريس، وعن رؤية مشتركة لعدد من الملفات التي ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد. فالتوافق السعودي الفرنسي لم يعد مقتصراً على تبادل المواقف، بل تحوّل تدريجياً إلى عمل مشترك في ملفات إقليمية حسّاسة، ظهر بوضوح في التحرك من أجل حل القضية الفلسطينية عبر تبني حل الدولتين، وفي التنسيق بشأن سوريا، حيث لعب ولي العهد السعودي دوراً مهماً في تعزيز الانفتاح الأوروبي على دمشق، انطلاقاً من إدراك أن استقرار سوريا ليس شأناً سورياً فحسب، بل جزء من منظومة الأمن القومي العربي واستقرار الإقليم بأكمله. وفي لبنان أيضاً يلتقي الحضور الفرنسي التاريخي مع الثقل السعودي السياسي والعربي، ضمن رؤية تدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها والرئيس جوزيف عون، وتدفع باتجاه استعادة الدولة لدورها وسيادتها. أما في الملف الإيراني وأمن الملاحة والطاقة، فتتقاطع المصالح السعودية والفرنسية في ضرورة حماية الاستقرار الإقليمي ومنع تهديد طرق التجارة والطاقة الدولية، بالتوازي مع تنسيق دفاعي وأمني يمنح العلاقة بعداً استراتيجياً متزايداً. غير أن أهمية الزيارة لا تتوقف عند السياسة؛ لأن التحول الأكبر ربما يجري في الاقتصاد. نحن أمام انتقال من نموذج قديم كانت فيه السعودية تُقرأ أساساً باعتبارها سوقاً ضخمة للسلع والخدمات، إلى نموذج جديد أصبحت فيه المملكة فضاءً للاستثمار والإنتاج والتقنية وتوطين الصناعة. وهنا تحديداً تكمن جاذبية السوق السعودية بالنسبة إلى فرنسا وشركاتها؛ فما تغيّر خلال السنوات الأخيرة ليس فرنسا بقدر ما تغيّرت السعودية نفسها. رؤية 2030 أعادت صياغة البيئة الاقتصادية السعودية، من تطوير البنية التحتية إلى تنويع مصادر الدخل، ومن استيراد التقنية إلى توطينها، ومن شراء المنتجات إلى بناء القدرات الوطنية القادرة على إنتاجها وإدارتها وتطويرها. ولعل مشروع العلا يقدّم نموذجاً شديد الوضوح لهذه الفلسفة: خبرة ومعرفة وتقنيات دولية، يقابلها تدريب وتأهيل لكوادر سعودية تتولى إدارة المشروع وتطويره. والمنطق نفسه يمتد إلى الصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، حيث لا تبحث الرياض عن شريك يبيعها منتجاً جاهزاً، بل عن شريك يساهم في بناء المعرفة ونقل التكنولوجيا وتدريب العقول السعودية. ومن هنا تصبح فرنسا جزءاً من شبكة واسعة ومتوازنة من الشراكات التي تبنيها المملكة مع قوى دولية متعددة، لا باعتبارها بديلاً عن طرف آخر، وإنما إضافة نوعية إلى سياسة سعودية أكثر استقلالاً وبراغماتية وانفتاحاً. وما تراه باريس اليوم في الرياض هو اقتصاد يتحول بسرعة، ودولة تطمح إلى أن تكون مركزاً إقليمياً للاستثمار والصناعة والطاقة والتقنية والخدمات، ولذلك فإن زيارة ولي العهد إلى فرنسا ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل تعبير عن شراكة تتشكّل على قاعدة المصالح المتبادلة، وتنتقل من إدارة الحاضر إلى الاستثمار المشترك في المستقبل.

23:59 | 25-08-2026

هدنةٌ بلا ضامن

منذ العاشر من أكتوبر 2025 يُقال إن في غزة وقفاً لإطلاق النار. وفي التوصيف وحده مأساة كاملة، إذ بلغت حصيلة الخروقات حتى اليوم ألفاً ومئتين وستةً وستين شهيداً وأكثر من أربعة آلاف جريح. حين يسقط هذا العدد تحت عنوان «الهدنة»، يصبح السؤال المشروع: ما الذي بقي من معنى الكلمة؟ الغارة الأخيرة على مقهى في ميناء مدينة غزة، التي أودت بستة فلسطينيين بينهم طفل، ليست حادثاً منفصلاً ولا خطأً في التقدير. هي حلقة في نمط، والنمط لا يُفسَّر بالصدفة بل بالوظيفة. وقعت الغارة بعد أيام قليلة من إعلان الفصائل الفلسطينية قبولها خارطة الطريق للمرحلة الثانية، وبعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه وثيقة النقاط الخمس عشرة. أي أن الرصاص جاء ليعوّض ما عجزت تل أبيب عن انتزاعه على الطاولة: تثبيت الخط الأصفر حدوداً دائمة، والاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل اتفاق يُفترض أنه ساري المفعول. هذا ليس دفاعاً عن النفس، بل تفاوضٌ بالنار. والأسوأ من الغارة توقيتها. فقد جاءت بعد يوم واحد فقط من دعوة الرئيس الأمريكي إسرائيل علناً إلى وقف ضرباتها. حين يتجاهل طرفٌ نداء حليفه الأقرب في اليوم التالي مباشرة، فإن ما يُختبر ليس صدقية ذلك الطرف وحده، بل صدقية من يدّعي ضمانه. وهنا يبدأ الجزء الأكثر إحراجاً في المشهد. لقد قدّم الجانب الفلسطيني، عبر فصائله مجتمعة، تنازلاً جوهرياً يمس السلاح والحكم معاً؛ وافق على خارطة طريق تنص على حصر السلاح الثقيل وتخزينه تحت مسؤولية لجنة وطنية، وعلى ترتيبات إدارية وأمنية جديدة، وطلب في المقابل ما هو أدنى ما يُطلب في أي تعاقد: جدولاً زمنياً مكتوباً، وآلية تحقّق التصادق على التنفيذ قبل الانتقال بين المراحل. فكان الجواب أن الانسحاب غير مطلوب قبل نزع السلاح كاملاً. أي أن التسلسل الذي يقوم عليه الاتفاق برمّته — التزام مقابل التزام — أُعيد ترتيبه لمصلحة طرف واحد. ومن أعاد ترتيبه ليس تل أبيب وحدها. هذه هي العقدة البنيوية: اتفاقٌ بلا آلية إنفاذ، وخرقٌ بلا ثمن، ونصوصٌ متعددة — بروتوكول شرم الشيخ، وخطة السلام الأمريكية، وقرار مجلس الأمن 2803 — يتيح تعددها التنصل الانتقائي. أما الوسطاء الإقليميون، ومصر في مقدمتهم، فيبذلون جهداً متواصلاً ويصطدمون بسقف واحد: من يملك أدوات الضغط الحقيقية هو من يتردد في استخدامها. والصمت الدولي أمام رقم يتصاعد شهراً بعد شهر لم يعد صمت عجز، بل صار جزءاً من المعادلة نفسها. في القاهرة، اجتمعت القوى والفصائل الفلسطينية أخيراً لترتيب بيتها وصياغة إستراتيجية جامعة، وحمّلت الجانب الإسرائيلي مسؤولية تعطيل خارطة الطريق. وهذا التحوّل جدير بالانتباه: لم يعد الملف ثنائية بين حركة وإسرائيل، بل بات موقفاً فلسطينياً عاماً، وهو ما يجعل تصوير الفلسطينيين طرفاً معرقلاً أمراً عسير التسويق. المسار الأرجح اليوم ليس الحرب ولا التسوية، بل ما بينهما: هدنة هشة تُدار بالتقادم، وإعمار مؤجل، وأفق سياسي مغلق. غزة تُدار بالتفاوض لا بالحرب، وهذا في ذاته تحوّل. لكن التفاوض حين يفتقر إلى ضامن يُلزِم، لا يُنتج سلاماً؛ يُنتج انتظاراً طويلاً على حافة الانفجار. والسؤال الذي سيُحاكَم عليه الجميع لاحقاً ليس فقط من أطلق النار، بل من كان يستطيع أن يوقفها ولم يفعل.

00:00 | 20-08-2026

من مكة يبدأ الأمن الإقليمي الجديد

تمثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحوّلاً نوعياً في التفكير الأمني الإقليمي، ليس لأنها تضيف اتفاقاً عسكرياً جديداً إلى شبكة العلاقات بين الدول الثلاث فحسب، بل لأنها تنقل مفهوم الأمن من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة ردع تمنع وقوعها أصلاً. فالقاعدة التي تقوم عليها الاتفاقية، ومفادها أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ترفع بصورة واضحة كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، وتبعث برسالة مفادها أن أمن المنطقة لم يعد مساحة مفتوحة للاختبار والضغط والابتزاز. والأهمية الأكبر أن هذا الترتيب لم يولد نتيجة انفعال سياسي أو رد فعل طارئ على أزمة آنية، بل جاء بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، وسبقته خطوات متدرجة من التعاون السعودي مع كل من تركيا وباكستان، ما يكشف عن رؤية إستراتيجية طويلة المدى لبناء منظومة أمن أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مصالح دول المنطقة. وفي قلب هذه المعادلة تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها مركز الثقل السياسي والاقتصادي الذي استطاع جمع قوتين عسكريتين كبيرتين في إطار واحد، وتحويل العلاقات الثنائية المتفرقة إلى بنية متعددة الأطراف يمكن أن تشكّل مستقبل نواة أوسع للأمن الإقليمي. هنا تحديداً تتجلى أهمية السياسة السعودية الجديدة: فالرياض لا تنتظر نظاماً إقليمياً تصنعه قوى أخرى ثم تبحث لنفسها عن موقع داخله، وإنما تتحرك للمشاركة في صياغة هذا النظام انطلاقاً من مصالحها ومصالح الاستقرار الإقليمي. كما أن الاتفاق يحقق تكاملاً نادراً بين قدرات مختلفة؛ فالمملكة تمتلك الوزن الاقتصادي والمالي والموقع السياسي والعمق العربي والإسلامي، وتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة مهمة في المسيّرات والمنظومات البحرية والإلكترونية، بينما تمتلك باكستان كتلة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وموقعاً إستراتيجياً بالغ الأهمية على بحر العرب. ولذلك فإن قيمة الاتفاق لا تكمن في تجميع الجيوش بقدر ما تكمن في تكامل القدرات والخبرات والتكنولوجيا. ويكتسب البعد الصناعي أهمية خاصة بالنسبة للمملكة، إذ إن الحديث عن مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ينسجم مباشرة مع أهداف رؤية السعودية 2030 في توطين الصناعة العسكرية ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التسليح وتقليل الارتهان لمورّد واحد يمكن أن تتحكم الاعتبارات السياسية في قراراته. ومن الضروري أيضاً قراءة تأكيد قادة الدول الثلاث أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأن الباب يمكن أن يكون مفتوحاً أمام دول شقيقة أخرى، باعتباره دليلاً على أن الغاية ليست إنشاء محور للحرب، بل إقامة مظلة للردع والاستقرار، وربما تطويرها مستقبلاً إلى منظومة أمن إقليمي أكثر اتساعاً. أما اختيار مكة المكرمة مكاناً للتوقيع، فإنه يمنح الاتفاق بعداً رمزياً استثنائياً، ويؤكد مكانة المملكة باعتبارها نقطة التقاء قادرة على تحويل ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي إلى مبادرات عملية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها واحدة من أهم خطوات إعادة تشكيل التوازن الإقليمي على أساس الشراكة والردع والاستقلال الإستراتيجي، وخطوة تستحق الترحيب لأنها تجعل الاستقرار مشروعاً تصنعه دول المنطقة بنفسها، وتضع الرياض في الموقع الذي يتناسب مع وزنها المتصاعد: دولة تقود المبادرة بدلاً من انتظار الآخرين ليحددوا قواعدها.

00:01 | 12-08-2026

زمن المليشيات يجب أن ينتهي

ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا ينبغي التعامل معه بوصفه حادثاً أمنياً محدوداً أو تفصيلاً في صراع إقليمي عابر. فاستهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق ما أعلنته الرياض وما نقلته تقارير دولية، من الأراضي العراقية وبصلة بفصائل مسلحة موالية لإيران، يمثل اعتداءً على أمن المملكة وعلى استقرار المنطقة واقتصادها. ومن الطبيعي أن يحظى الموقف السعودي المؤيد للدفاع الحازم عن المنشآت والسيادة الوطنية بتأييد واسع؛ إذ لا يمكن مطالبة أي دولة بأن تتفرج على تهديد مباشر لبنيتها الحيوية أو أن تقبل بأن تصبح أراضي دولة عربية مجاورة منصةً لضربها. تأييد هذا الموقف يعني الانطلاق من مبدأ واضح: أمن الدول العربية ليس مباحاً لفصائل مسلحة تتصرف فوق القانون، وتختار توقيت الحرب والتهدئة بحسب أجندة لا تصدر عن شعب العراق ولا عن مؤسساته الدستورية. وما يلفت في هذه التطورات أن الرسالة لم تعد سعودية وحدها. التحذيرات التي وصلت من الأردن وسوريا إلى بغداد تعكس اتساع القلق من تحوّل السلاح الفصائلي إلى مصدر دائم لتهديد الحدود والاستقرار. دمشق، التي رصدت تحركات لفصائل موالية لإيران قرب حدودها، أوصلت بوضوح أن أي اعتداء ينطلق من العراق لن يكون بلا تبعات، فيما نُقل عن عمّان موقف مماثل يحذّر من المساس بأمنها. هذه ليست دعوة إلى توسيع الحروب ولا إلى معاقبة العراق، بل دعوة إلى إنقاذ العراق نفسه من المعادلة التي أرهقته طويلاً: دولة رسمية تملك دستوراً وحكومة ومؤسسات، لكنها تتعايش مع قوى مسلحة تملك قراراً موازياً، بل متقدّماً في بعض الأحيان، على قرار الدولة. لا يمكن لأي بلد أن يطالب الآخرين باحترام سيادته بينما يسمح لجماعات على أرضه بتهديد سيادة جيرانه. ولا معنى للاستقلال إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات الدولة وغرف عمليات لا تخضع للمساءلة الشعبية أو القانونية. هنا تكمن المشكلة الجوهرية في النموذج الذي ترسّخ في العراق ولبنان واليمن: حكومة تدير الشؤون اليومية، ومليشيا تحتكر القوة الفعلية أو تملك حق النقض المسلح على السياسة الخارجية والأمن الوطني. والنتيجة دائماً واحدة: اقتصاد خائف، استثمارات مترددة، حدود متوترة، ومواطن يدفع ثمن حروب لم يخترها. السلاح الذي لا يخضع للدولة لا يحمي الدولة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها؛ بل يحولها إلى ساحة قابلة للاستخدام في صراعات الآخرين. وما حدث في سوريا ينبغي أن يكون درساً لكل المشرق العربي: لا استقرار حقيقياً من دون دولة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد. لقد انتهى، أو يجب أن ينتهي، زمن الشرعيات الموازية التي تبتلع الدولة من الداخل باسم المقاومة أو الطائفة أو الضرورة الاستثنائية. المطلوب في العراق ولبنان واليمن ليس إقصاء فئة أو استهداف مكوّن اجتماعي، بل إعادة السياسة إلى أهلها والسلاح إلى مؤسسات الدولة. هذه إرادة الشعوب التي أنهكتها الحروب بالوكالة، وإرادة إقليمية لحماية الأمن العربي، كما أنها تتقاطع مع اتجاه دولي متزايد يرفض بقاء المنطقة رهينة جماعات مسلحة عابرة للحدود. فإما دولة كاملة السيادة تحتكر السلاح والقرار، وإما فوضى مؤجلة لا تتوقف عن إنتاج الأزمات.

00:05 | 5-08-2026

الحسكة على حافة الاختبار الأخير

لم تكن الاجتماعات العشائرية التي شهدتها الحسكة في الأيام الأخيرة حدثاً معزولاً ولا انفعالاً عابراً، بل كانت الترجمة الطبيعية لتراكم سياسي وأمني امتدّ أشهراً حتى نضجت شروطه ووجد لسانه، فالأزمة خرجت من طور الكمون إلى طور التعبير، ومن لغة الشكوى إلى لغة الخيارات؛ فالبيانات الصادرة حملت نبرة أشدّ حدّة من كل ما سبقها، ولم تقف عند حدود الاحتجاج بل تجاوزته إلى التلويح بالبدائل، وهي لغة يقرأ فيها كثير من المحللين مؤشراً على أن المجتمع المحلي بلغ حدّ التشبّع، ليبقى السؤال معلّقاً بين تفسيرين: ضغط سياسي محسوب يُراد به تحسين شروط التفاوض، أم تهيئة ميدانية لمرحلة مختلفة تماماً؟ ولم تصل الأمور إلى هذه النقطة بغتةً، فاتفاق الاندماج تعثّر عند أول اختبار جدّي وبقي حبراً تتقاذفه التصريحات ولا تسنده الإجراءات، في حين استمرّت قسد في التصرّف بمنطق السلطة المستقلة لا بمنطق الشريك المندمج في جسم الدولة، فظلّت الملفات السيادية الكبرى من الأمن إلى الموارد إلى المعابر خارج نطاق الدولة عملياً، مع غياب شبه كامل لمؤسساتها الخدمية والقضائية، وهو غياب عمّق في وعي السكان شعوراً بالانفصال عن المركز، فلم يشعر المواطن العربي في الحسكة وريفها بأن ما بعد المرحلة الانتقالية يختلف عمّا قبلها في يومياته ولا في فرص أبنائه، والأزمة التي تُدار ولا تُحلّ تعود في كل مرة أثقل ممّا كانت. وهنا يذهب عدد من الباحثين إلى أن قسد أخطأت في قراءة المرحلة خطأً إستراتيجياً حين راهنت على أن الأمر الواقع قابل للاستمرار بالقوة والزمن، متجاهلةً أن البيئة الإقليمية والدولية التي أنتجته تغيّرت من أساسها، وأن تراجع النفوذ يستدعي تعديلاً في أسلوب الإدارة لا تشدّداً فيه، غير أن ما حدث كان العكس؛ فالتمسّك بالأدوات الأمنية زاد الاحتقان ولم يشتره، وكل تأجيل للحلّ يرفع كلفته على صاحب القرار نفسه، لأن بيئة كانت تقبل هذا الوضع على مضض بحكم الحرب صارت أقل تقبّلاً له بعد أن انتفت الحرب وبقيت الضرورة ذريعة وحدها. في المقابل يلفت هدوء دمشق الأنظار، إذ تتجنّب الإدارة السورية مواجهة عسكرية مباشرة تعرف أن كلفتها السياسية أكبر من عائدها الميداني، فالوقت يعمل لصالحها: كل شهر يمرّ يعزّز شرعيتها الدولية ويضيّق هامش الطرف الآخر، ولذلك فإن الاندماج القسري ليس خيارها الأول اليوم، لكن الصبر لا يعني التخلّي عن الهدف النهائي، فوحدة الأرض والسلاح والقرار ثابت لا تستطيع التنازل عنه، وهي تراهن على أن تبدّل موازين القوى سيوصل الآخر إلى الطاولة بشروط أفضل ممّا يُنتزع بالقوة. أما العشائر فمطالبها في جوهرها سياسية لا انقلابية: دور حقيقي داخل مؤسسات الدولة يوازي وزنها الاجتماعي، ورفض استمرار الواقع الأمني السابق، واستعادة الخدمات الأساسية، وإنهاء انقسام مزّق المحافظة إلى جزر متنافرة، وهي مطالب يصعب مواجهتها بالرفض المعلن، وذلك ما يجعلها ورقة ضغط ثقيلة. وتتوزّع الاحتمالات على مسارات عدة: استمرار الضغوط السياسية دون انفجار عسكري وهو الأرجح قريباً، أو مواجهات أمنية محدودة تبقى تحت سقف الحرب الشاملة، أو تدخّل حكومي أكثر حزماً لفرض تفاهمات جديدة، أو تسوية برعاية دولية، ويبقى التصعيد الواسع احتمالاً لا حتمية. والخلاصة أن مشكلة الحسكة لم تعد أمنية فحسب بل سياسية بالدرجة الأولى، وأن كل يوم تأخير يضيف طبقة احتقان ويقلّص مساحة الحلول الوسطى، وأن الحسكة صارت اختباراً مركزياً لمستقبل وحدة الدولة السورية ولقدرتها على إدارة التنوّع بالسياسة لا بالسلاح، وأن الحلّ السياسي ما يزال ممكناً لكن نافذته تضيق مع كل ساعة.

23:57 | 28-07-2026

إيران.. النظام الذي يلتهم جيرانه

منذ فجر السابع عشر من تموزـ يوليو، حين ارتفعت أعمدة الدخان معلنة سقوط أول القتلى الأمريكيين، دخلت المنطقة زمناً سياسياً جديداً تتكشف ملامحه يوماً بعد يوم، غير أن فهم هذا الزمن لا يبدأ من الحدث ذاته، بل من طبيعة النظام الذي صنعه. ليست الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط صراعاً بين قوتين تتنازعان النفوذ، بل هي فصل جديد من قصة قديمة عنوانها نظام اختار منذ ولادته أن يكون مشروع فوضى لا مشروع دولة، فإيران التي تلقّت من المجتمع الدولي فرصة نادرة للخروج من عزلتها عبر مذكرة إسلام آباد، لم تحتج سوى ثلاثة أسابيع لتنقلب على توقيعها وتعود إلى سيرتها الأولى، تقصف السفن التجارية في مضيق هرمز وتحوّل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي إلى أداة ابتزاز، وكأن قدرها ألا تجيد من لغات السياسة إلا لغة الرهائن، رهائن كانوا بشراً في سفارة طهران عام تسعة وسبعين، فصاروا اليوم ناقلات نفط وممرات ملاحة واقتصادات شعوب بأكملها، ثم جاءت جريمتها في استهداف دول الجوار لتكشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع، فاستهداف الأعيان المدنية بصواريخها الغادرة لم يكن عملاً عسكرياً ضمن حسابات الردع، بل اعتداء آثم على أرض دول عربية ذات سيادة لم تعلن حرباً على أحد، والمثال الأبرز استهدافها الإجرامي للمنشآت النفطية في الكويت ومحطات تحلية المياه التي يشرب منها المدنيون، وهي أهداف لا يختارها جيش يقاتل جيشاً، بل نظام يعاقب الشعوب على جريرة لم ترتكبها ويرى في معاناة الأبرياء ورقة تفاوض، والمفارقة أن طهران التي ترفع منذ أربعة عقود شعارات المقاومة والكرامة لم توجّه صواريخها يوماً نحو من تدّعي مقاومته بقدر ما وجّهتها نحو جيرانها العرب، فحيثما امتدت يدها امتد الخراب، من بيروت المخطوفة إلى صنعاء المدمرة إلى بغداد المستنزفة، واليوم تحاول تصدير محنتها إلى ضفة الخليج العربي الأخرى، حيث تنهض مشاريع التنمية والعمران، لكنها تصطدم هناك بمنظومة دفاعية متيقظة وإرادة راسخة حوّلت اعتداءاتها إلى شظايا تتساقط في الفراغ، وإذا كان بعض المحللين يجادلون بأن إيران أثبتت قدرتها على الصمود، فإن الحقيقة الأعمق أن هذا الصمود المزعوم ليس سوى قدرة نظام على التضحية بشعبه إلى ما لا نهاية، فأي إنجاز هذا الذي يتحقق بإحراق اقتصاد البلاد وعزلها عن العالم وتحويل شبابها إلى وقود لمغامرات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأي عقيدة تلك التي ترى النصر في كل خراب والكرامة في كل حصار، إن ما ينتظر المنطقة في الأسابيع المقبلة، سواء جاء على شكل حملة عسكرية حاسمة تقتلع أنياب هذا المشروع أو تسوية تكبّله بقيود صارمة، يجب أن ينطلق من درس لم يعد يحتمل التجاهل: أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بترويض سلوك طهران مرحلياً، بل بإنهاء قدرتها نهائياً على تهديد جيرانها، فالمنطقة التي قدّمت للعالم رؤى التنمية والانفتاح والمستقبل لم يعد مقبولاً أن تظل أسيرة نظام لا يجيد سوى صناعة الأزمات، والتاريخ لا يرحم من أُتيحت له فرصة السلام مراراً فاختار في كل مرة طريق النار. وحدها الشعوب التي اختارت البناء على الهدم، والمستقبل على الشعارات، ستكتب الفصل الأخير من هذه المواجهة، أما النظام الذي راهن على الفوضى طريقاً للبقاء فسيكتشف، كما اكتشف كل أشباهه عبر التاريخ، أن الفوضى لا تحمي أحداً، وأنها تلتهم صانعها قبل ضحاياه.

23:58 | 21-07-2026

مضيق هرمز.. عقدة الصراع الأمريكي–الإيراني

لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني يدور حول البرنامج النووي وحده، ولا حول العقوبات أو النفوذ الإقليمي فحسب، بل انتقل إلى قلب الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم، حيث يقف مضيق هرمز اليوم بوصفه العقدة الأشد تعقيداً في مواجهة لا يريد أي من طرفيها أن تتحوّل إلى حرب شاملة، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يتراجع فيها من دون أن يدفع ثمناً استراتيجياً باهظاً. فإيران لم تعد تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ورقة تهديد تُستخدم عند الضرورة، وإنما تسعى إلى تحويله إلى مصدر دائم للقوة والنفوذ، وإلى فرض نفسها حارساً للممر الذي تعبر منه نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية، بما يمنحها القدرة على الضغط على الولايات المتحدة ودول المنطقة والأسواق الدولية كلما اشتدت عليها العقوبات أو ضاقت خياراتها السياسية والعسكرية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن القبول بهذا الطموح الإيراني لا يمثل تنازلاً محدوداً يمكن استيعابه داخل تسوية مؤقتة، بل هزيمة تمس جوهر الهيمنة البحرية الأمريكية ومبدأ حرية الملاحة الذي قامت عليه شبكة التجارة العالمية لعقود. من هنا، أصبح مضيق هرمز حجر العثرة الحقيقي أمام أي اتفاق؛ لأن الخلاف لم يعد فنياً حول طرق عبور السفن أو تفسير بنود مذكرة التفاهم، وإنما بات صراعاً على السيادة غير المعلنة: من يقرر، ومن يحمي، ومن يفرض شروط المرور؟ تبدو الولايات المتحدة راغبة في توجيه ضربات قوية ومحسوبة لإضعاف قدرة إيران على استهداف السفن، لكنها لا تريد الذهاب إلى حرب برية مفتوحة، خصوصاً قبل الاستحقاقات السياسية الأمريكية المقبلة، لما قد تحمله مثل هذه الحرب من خسائر بشرية وارتفاع حاد في أسعار النفط واضطراب اقتصادي ينعكس على موقع الرئيس والحزب الجمهوري. أما إيران فتدرك أنها لا تستطيع تحقيق نصر عسكري مباشر على الولايات المتحدة، لكنها تراهن على الزمن، وعلى تحويل الصراع إلى استنزاف طويل يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويعيد الضغط إلى الاقتصاد العالمي، ويختبر قدرة واشنطن على الصبر أمام أزمة مفتوحة لا تملك لها حلاً سريعاً. لذلك تبدو فرص الوصول إلى اتفاق خلال المدة المحددة للمفاوضات ضعيفة؛ لأن طهران لا تريد التخلي عن مكاسبها الجديدة في المضيق، وواشنطن لا تستطيع الاعتراف لها بحق إدارته أو فرض الرسوم على السفن العابرة. كما يبدو الحسم العسكري الشامل مستبعداً في المدى القريب؛ لأن كلفته تتجاوز قدرة الطرفين على الاحتمال؛ ولأن إيران ليست ساحة يمكن إخضاعها بضربات محدودة، بل لها شبكات ممتدة من الحوثيين في اليمن إلى حزب الله والحشد الشعبي، بما يسمح لها بفتح جبهات متعددة. وبين اتفاق متعذّر وحرب شاملة غير مرغوبة، يبرز السيناريو الثالث بوصفه الأكثر واقعية: استمرار المناوشات والضربات المتبادلة والتهديدات البحرية، بالتوازي مع مفاوضات لا تصل إلى تسوية نهائية، ووساطات تمنع الانفجار من دون أن تنهي أسبابه. وقد يستمر هذا الوضع أشهراً أو سنوات؛ لأن الخلاف الأمريكي–الإيراني أعمق من أزمة عابرة، إنه صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى مستقبل الحضور الإيراني وشبكاته العسكرية، وعلى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص هذا النفوذ بعد أن أصبح التعايش معه، وفق الرؤية الحالية في واشنطن، أقل قبولاً من أي وقت مضى.

00:08 | 15-07-2026

فرنسا أمام الحقيقة السورية الجديدة..

ليست زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تفصيلاً دبلوماسياً عادياً، ولا مجرّد محاولة أوروبية متأخرة لاختبار مزاج القيادة السورية الجديدة؛ إنها في جوهرها إعلان سياسي مكثّف بأن فرنسا تريد العودة من الباب السوري إلى شرق المتوسط، بعدما اكتشفت أن الغياب عن دمشق يعني عملياً الغياب عن لبنان، وعن التوازنات الإقليمية، وعن واحد من أكثر مفاصل المنطقة حساسية. الزيارة محمّلة برمزية تتجاوز البروتوكول، وبمعنى سياسي يتخطى البيانات الرسمية، لأن باريس تدرك أن سوريا لم تعد ساحة انتظار أو فراغ، بل مركز ثقل يتشكّل من جديد. فرنسا التي لطالما احتفظت بخيوط معقدة مع المسيحيين في المشرق، والأقليات، والأحزاب الكردية، والنخب اللبنانية، تعرف أن العودة إلى التأثير لا تمر عبر الشعارات، بل عبر الدولة السورية الصاعدة من ركام الفوضى. لذلك تبدو هذه الزيارة محاولة لاستعادة دور تآكل بفعل التهميش الأمريكي، خصوصاً بعدما وجدت باريس نفسها خارج تفاهمات لبنانية-إسرائيلية جرت بمعزل عنها، وكأن واشنطن تقول لها بوضوح إن شرق المتوسط ليس ملعباً فرنسياً مفتوحاً. لكن فرنسا، وهي تتحرك اليوم باتجاه دمشق، تعرف أيضاً حدود اللعبة: لا دور في هذه المنطقة خارج الهامش الذي تسمح به الولايات المتحدة، ولا مبادرة فرنسية تستطيع أن تتجاوز السقف الأمريكي. الفارق هذه المرة أن واشنطن لا تبدو معترضة، أو على الأقل لا ترى في الانفتاح الفرنسي على دمشق خطراً على هندستها الأوسع للمنطقة. من هنا تتقدم سوريا بوصفها رقماً ضرورياً في المعادلة اللبنانية، لا عبر منطق التدخل العسكري أو استعادة نماذج الوصاية القديمة، بل عبر ضبط الإيقاع وملء الفراغ السياسي ومنع الانزلاق إلى الفوضى. وزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت ولقاؤه زعماء الطوائف والأحزاب لم تكن تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن دمشق تعود لاعباً لا يمكن تجاوزه، وأن باريس تحتاج إلى التنسيق معها إذا أرادت البقاء داخل الملف اللبناني لا خارجه. أما في شرق الفرات، فقد حسمت الوقائع ما لم تحسمه التصريحات: مشاريع الحكم الذاتي والفيدرالية والكونفدرالية انتهت عملياً بعد الانهيارات العسكرية السريعة، ولم يعد أمام باريس سوى محاولة إنقاذ حضور سياسي أو حزبي لقسد يمكن أن تقبل به الدولة السورية، لا الدفاع عن أوهام الانفصال التي طواها الميدان. وهذه هي الواقعية الغربية في أوضح صورها: الديمقراطية والتعددية عناوين جميلة للخطابات، لكنها ليست اليوم جوهر القرار في باريس ولا بروكسل ولا واشنطن. الأولوية الحقيقية هي الأمن، الاستقرار، الدولة المركزية، والجهة القادرة على ضبط الحدود والسلاح والجماعات العابرة للدول. لذلك ينظر الغرب إلى الرئيس أحمد الشرع باعتباره الرجل القوي في سوريا، لا لأنه يحقق كل ما تريده العواصم الغربية نظرياً، بل لأنه يملك ما تحتاجه عملياً: القدرة على الإمساك بالدولة ومنع انهيارها. حتى حديث ماكرون عن المجتمع المدني والمكونات السورية يبدو أقرب إلى رسالة موجهة للداخل الفرنسي منه إلى السوريين أنفسهم. في العمق، هناك تعاون أمني واستخباراتي يتسع بصمت بين دمشق والغرب في ملفات داعش، والعائلات الخارجة من مخيم الهول، والمقاتلين الأجانب الذين التزمت الإدارة السورية باحتوائهم داخل البلاد. وعلى الخط الاقتصادي، يجري إعداد المسرح لعودة كبرى: رفع جزئي للعقوبات، إعادة ربط سوريا بسويفت، واستثمارات خليجية من دول قريبة من فرنسا، من المملكة العربية السعودية إلى الإمارات وقطر. ومع عودة الحديث عن خط الحجاز، وخطوط الغاز، والتابلاين، لا تعود سوريا مجرد دولة خارجة من الحرب، بل عقدة جغرافية واستراتيجية في قلب المشرق. لذلك فإن الزيارة الفرنسية ليست مجاملة سياسية، بل قراءة متأخرة لحقيقة جديدة: من يريد أن يكون حاضراً في شرق المتوسط، عليه أن يطرق باب دمشق أولاً.

00:03 | 8-07-2026