تحميل...
منذ فجر السابع عشر من تموزـ يوليو، حين ارتفعت أعمدة الدخان معلنة سقوط أول القتلى الأمريكيين، دخلت المنطقة زمناً سياسياً جديداً تتكشف ملامحه يوماً بعد يوم، غير أن فهم هذا الزمن لا يبدأ من الحدث ذاته، بل من طبيعة النظام الذي صنعه. ليست الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط صراعاً بين قوتين تتنازعان النفوذ، بل هي فصل جديد من قصة قديمة عنوانها نظام اختار منذ ولادته أن يكون مشروع فوضى لا مشروع دولة، فإيران التي تلقّت من المجتمع الدولي فرصة نادرة للخروج من عزلتها عبر مذكرة إسلام آباد، لم تحتج سوى ثلاثة أسابيع لتنقلب على توقيعها وتعود إلى سيرتها الأولى، تقصف السفن التجارية في مضيق هرمز وتحوّل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي إلى أداة ابتزاز، وكأن قدرها ألا تجيد من لغات السياسة إلا لغة الرهائن، رهائن كانوا بشراً في سفارة طهران عام تسعة وسبعين، فصاروا اليوم ناقلات نفط وممرات ملاحة واقتصادات شعوب بأكملها، ثم جاءت جريمتها في استهداف دول الجوار لتكشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع، فاستهداف الأعيان المدنية بصواريخها الغادرة لم يكن عملاً عسكرياً ضمن حسابات الردع، بل اعتداء آثم على أرض دول عربية ذات سيادة لم تعلن حرباً على أحد، والمثال الأبرز استهدافها الإجرامي للمنشآت النفطية في الكويت ومحطات تحلية المياه التي يشرب منها المدنيون، وهي أهداف لا يختارها جيش يقاتل جيشاً، بل نظام يعاقب الشعوب على جريرة لم ترتكبها ويرى في معاناة الأبرياء ورقة تفاوض، والمفارقة أن طهران التي ترفع منذ أربعة عقود شعارات المقاومة والكرامة لم توجّه صواريخها يوماً نحو من تدّعي مقاومته بقدر ما وجّهتها نحو جيرانها العرب، فحيثما امتدت يدها امتد الخراب، من بيروت المخطوفة إلى صنعاء المدمرة إلى بغداد المستنزفة، واليوم تحاول تصدير محنتها إلى ضفة الخليج العربي الأخرى، حيث تنهض مشاريع التنمية والعمران، لكنها تصطدم هناك بمنظومة دفاعية متيقظة وإرادة راسخة حوّلت اعتداءاتها إلى شظايا تتساقط في الفراغ، وإذا كان بعض المحللين يجادلون بأن إيران أثبتت قدرتها على الصمود، فإن الحقيقة الأعمق أن هذا الصمود المزعوم ليس سوى قدرة نظام على التضحية بشعبه إلى ما لا نهاية، فأي إنجاز هذا الذي يتحقق بإحراق اقتصاد البلاد وعزلها عن العالم وتحويل شبابها إلى وقود لمغامرات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأي عقيدة تلك التي ترى النصر في كل خراب والكرامة في كل حصار، إن ما ينتظر المنطقة في الأسابيع المقبلة، سواء جاء على شكل حملة عسكرية حاسمة تقتلع أنياب هذا المشروع أو تسوية تكبّله بقيود صارمة، يجب أن ينطلق من درس لم يعد يحتمل التجاهل: أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بترويض سلوك طهران مرحلياً، بل بإنهاء قدرتها نهائياً على تهديد جيرانها، فالمنطقة التي قدّمت للعالم رؤى التنمية والانفتاح والمستقبل لم يعد مقبولاً أن تظل أسيرة نظام لا يجيد سوى صناعة الأزمات، والتاريخ لا يرحم من أُتيحت له فرصة السلام مراراً فاختار في كل مرة طريق النار. وحدها الشعوب التي اختارت البناء على الهدم، والمستقبل على الشعارات، ستكتب الفصل الأخير من هذه المواجهة، أما النظام الذي راهن على الفوضى طريقاً للبقاء فسيكتشف، كما اكتشف كل أشباهه عبر التاريخ، أن الفوضى لا تحمي أحداً، وأنها تلتهم صانعها قبل ضحاياه.
لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني يدور حول البرنامج النووي وحده، ولا حول العقوبات أو النفوذ الإقليمي فحسب، بل انتقل إلى قلب الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم، حيث يقف مضيق هرمز اليوم بوصفه العقدة الأشد تعقيداً في مواجهة لا يريد أي من طرفيها أن تتحوّل إلى حرب شاملة، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يتراجع فيها من دون أن يدفع ثمناً استراتيجياً باهظاً. فإيران لم تعد تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ورقة تهديد تُستخدم عند الضرورة، وإنما تسعى إلى تحويله إلى مصدر دائم للقوة والنفوذ، وإلى فرض نفسها حارساً للممر الذي تعبر منه نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية، بما يمنحها القدرة على الضغط على الولايات المتحدة ودول المنطقة والأسواق الدولية كلما اشتدت عليها العقوبات أو ضاقت خياراتها السياسية والعسكرية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن القبول بهذا الطموح الإيراني لا يمثل تنازلاً محدوداً يمكن استيعابه داخل تسوية مؤقتة، بل هزيمة تمس جوهر الهيمنة البحرية الأمريكية ومبدأ حرية الملاحة الذي قامت عليه شبكة التجارة العالمية لعقود. من هنا، أصبح مضيق هرمز حجر العثرة الحقيقي أمام أي اتفاق؛ لأن الخلاف لم يعد فنياً حول طرق عبور السفن أو تفسير بنود مذكرة التفاهم، وإنما بات صراعاً على السيادة غير المعلنة: من يقرر، ومن يحمي، ومن يفرض شروط المرور؟ تبدو الولايات المتحدة راغبة في توجيه ضربات قوية ومحسوبة لإضعاف قدرة إيران على استهداف السفن، لكنها لا تريد الذهاب إلى حرب برية مفتوحة، خصوصاً قبل الاستحقاقات السياسية الأمريكية المقبلة، لما قد تحمله مثل هذه الحرب من خسائر بشرية وارتفاع حاد في أسعار النفط واضطراب اقتصادي ينعكس على موقع الرئيس والحزب الجمهوري. أما إيران فتدرك أنها لا تستطيع تحقيق نصر عسكري مباشر على الولايات المتحدة، لكنها تراهن على الزمن، وعلى تحويل الصراع إلى استنزاف طويل يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويعيد الضغط إلى الاقتصاد العالمي، ويختبر قدرة واشنطن على الصبر أمام أزمة مفتوحة لا تملك لها حلاً سريعاً. لذلك تبدو فرص الوصول إلى اتفاق خلال المدة المحددة للمفاوضات ضعيفة؛ لأن طهران لا تريد التخلي عن مكاسبها الجديدة في المضيق، وواشنطن لا تستطيع الاعتراف لها بحق إدارته أو فرض الرسوم على السفن العابرة. كما يبدو الحسم العسكري الشامل مستبعداً في المدى القريب؛ لأن كلفته تتجاوز قدرة الطرفين على الاحتمال؛ ولأن إيران ليست ساحة يمكن إخضاعها بضربات محدودة، بل لها شبكات ممتدة من الحوثيين في اليمن إلى حزب الله والحشد الشعبي، بما يسمح لها بفتح جبهات متعددة. وبين اتفاق متعذّر وحرب شاملة غير مرغوبة، يبرز السيناريو الثالث بوصفه الأكثر واقعية: استمرار المناوشات والضربات المتبادلة والتهديدات البحرية، بالتوازي مع مفاوضات لا تصل إلى تسوية نهائية، ووساطات تمنع الانفجار من دون أن تنهي أسبابه. وقد يستمر هذا الوضع أشهراً أو سنوات؛ لأن الخلاف الأمريكي–الإيراني أعمق من أزمة عابرة، إنه صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى مستقبل الحضور الإيراني وشبكاته العسكرية، وعلى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص هذا النفوذ بعد أن أصبح التعايش معه، وفق الرؤية الحالية في واشنطن، أقل قبولاً من أي وقت مضى.
ليست زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تفصيلاً دبلوماسياً عادياً، ولا مجرّد محاولة أوروبية متأخرة لاختبار مزاج القيادة السورية الجديدة؛ إنها في جوهرها إعلان سياسي مكثّف بأن فرنسا تريد العودة من الباب السوري إلى شرق المتوسط، بعدما اكتشفت أن الغياب عن دمشق يعني عملياً الغياب عن لبنان، وعن التوازنات الإقليمية، وعن واحد من أكثر مفاصل المنطقة حساسية. الزيارة محمّلة برمزية تتجاوز البروتوكول، وبمعنى سياسي يتخطى البيانات الرسمية، لأن باريس تدرك أن سوريا لم تعد ساحة انتظار أو فراغ، بل مركز ثقل يتشكّل من جديد. فرنسا التي لطالما احتفظت بخيوط معقدة مع المسيحيين في المشرق، والأقليات، والأحزاب الكردية، والنخب اللبنانية، تعرف أن العودة إلى التأثير لا تمر عبر الشعارات، بل عبر الدولة السورية الصاعدة من ركام الفوضى. لذلك تبدو هذه الزيارة محاولة لاستعادة دور تآكل بفعل التهميش الأمريكي، خصوصاً بعدما وجدت باريس نفسها خارج تفاهمات لبنانية-إسرائيلية جرت بمعزل عنها، وكأن واشنطن تقول لها بوضوح إن شرق المتوسط ليس ملعباً فرنسياً مفتوحاً. لكن فرنسا، وهي تتحرك اليوم باتجاه دمشق، تعرف أيضاً حدود اللعبة: لا دور في هذه المنطقة خارج الهامش الذي تسمح به الولايات المتحدة، ولا مبادرة فرنسية تستطيع أن تتجاوز السقف الأمريكي. الفارق هذه المرة أن واشنطن لا تبدو معترضة، أو على الأقل لا ترى في الانفتاح الفرنسي على دمشق خطراً على هندستها الأوسع للمنطقة. من هنا تتقدم سوريا بوصفها رقماً ضرورياً في المعادلة اللبنانية، لا عبر منطق التدخل العسكري أو استعادة نماذج الوصاية القديمة، بل عبر ضبط الإيقاع وملء الفراغ السياسي ومنع الانزلاق إلى الفوضى. وزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت ولقاؤه زعماء الطوائف والأحزاب لم تكن تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن دمشق تعود لاعباً لا يمكن تجاوزه، وأن باريس تحتاج إلى التنسيق معها إذا أرادت البقاء داخل الملف اللبناني لا خارجه. أما في شرق الفرات، فقد حسمت الوقائع ما لم تحسمه التصريحات: مشاريع الحكم الذاتي والفيدرالية والكونفدرالية انتهت عملياً بعد الانهيارات العسكرية السريعة، ولم يعد أمام باريس سوى محاولة إنقاذ حضور سياسي أو حزبي لقسد يمكن أن تقبل به الدولة السورية، لا الدفاع عن أوهام الانفصال التي طواها الميدان. وهذه هي الواقعية الغربية في أوضح صورها: الديمقراطية والتعددية عناوين جميلة للخطابات، لكنها ليست اليوم جوهر القرار في باريس ولا بروكسل ولا واشنطن. الأولوية الحقيقية هي الأمن، الاستقرار، الدولة المركزية، والجهة القادرة على ضبط الحدود والسلاح والجماعات العابرة للدول. لذلك ينظر الغرب إلى الرئيس أحمد الشرع باعتباره الرجل القوي في سوريا، لا لأنه يحقق كل ما تريده العواصم الغربية نظرياً، بل لأنه يملك ما تحتاجه عملياً: القدرة على الإمساك بالدولة ومنع انهيارها. حتى حديث ماكرون عن المجتمع المدني والمكونات السورية يبدو أقرب إلى رسالة موجهة للداخل الفرنسي منه إلى السوريين أنفسهم. في العمق، هناك تعاون أمني واستخباراتي يتسع بصمت بين دمشق والغرب في ملفات داعش، والعائلات الخارجة من مخيم الهول، والمقاتلين الأجانب الذين التزمت الإدارة السورية باحتوائهم داخل البلاد. وعلى الخط الاقتصادي، يجري إعداد المسرح لعودة كبرى: رفع جزئي للعقوبات، إعادة ربط سوريا بسويفت، واستثمارات خليجية من دول قريبة من فرنسا، من المملكة العربية السعودية إلى الإمارات وقطر. ومع عودة الحديث عن خط الحجاز، وخطوط الغاز، والتابلاين، لا تعود سوريا مجرد دولة خارجة من الحرب، بل عقدة جغرافية واستراتيجية في قلب المشرق. لذلك فإن الزيارة الفرنسية ليست مجاملة سياسية، بل قراءة متأخرة لحقيقة جديدة: من يريد أن يكون حاضراً في شرق المتوسط، عليه أن يطرق باب دمشق أولاً.
شهدت الساعات الماضية توغلاً برياً جديداً لجيش الاحتلال الإسرائيلي في الريف الغربي لمدينة درعا، في سياق ضغط عسكري يومي لم يعد حادثاً منفصلاً أو خرقاً عابراً، بل تحوّل إلى نمط متكرر يستهدف مناطق الريف الغربي لمحافظتَي درعا والقنيطرة، من خلال المداهمات والاعتقالات التعسفية ثم الإفراج عن بعض المعتقلين دون أسباب واضحة أو تهم معلنة أو مسار قانوني مفهوم. هذا السلوك لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لفرض وقائع ميدانية على الجنوب السوري، وإبقاء السكان تحت ضغط الخوف والقلق، وكأن المطلوب هو كسر الإحساس بالأمان وإنتاج حالة استفزاز دائمة تدفع الناس أو الدولة إلى رد فعل غير محسوب. فالواضح أن الاحتلال الإسرائيلي، عبر هذه الانتهاكات اليومية واستهداف المدنيين والأبرياء، يسعى إلى جر سوريا إلى مواجهة عسكرية شاملة في توقيت لا تبدو فيه الدولة السورية مستعدة لفتح جبهة جديدة، خصوصاً في ظل مرحلة انتقالية دقيقة وأزمات إقليمية متشابكة تمتد من غزة إلى لبنان والعراق والملف الإيراني. الإدارة السورية الجديدة تدرك، على ما يبدو، طبيعة هذا الفخ، ولذلك تحاول تجنّب الانزلاق إلى حرب واسعة قبل استعادة الحد الأدنى من القدرة على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية. غير أن هذا التصعيد لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع استمرار الانتهاكات في قطاع غزة ومع شعور حكومة بنيامين نتنياهو بأنها تخسر سياسياً في أكثر من ساحة، خاصة بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، ومنها توقيع مذكرات التفاهم وبدء مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية في جنيف، بما يعني أن الهروب إلى الأمام عسكرياً قد يكون تعويضاً عن خسائر سياسية وإقليمية لا تستطيع تل أبيب الاعتراف بها علناً. وفي المقابل، تبدو محاولات التهدئة التي تقوم بها أطراف إقليمية ودولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، عاجزة عن إلزام الاحتلال بحدود القانون الدولي، إذ تقابل هذه الجهود بآذان صمّاء وبسلوك أقرب إلى حكومة مارقة تتعامل مع العدوان المجاني بوصفه حقاً دائماً لا يحتاج إلى تبرير ولا يخشى رادعاً. لكن المشكلة أن الصبر ليس بلا حدود، وأن اعتقاد الاحتلال الإسرائيلي بأن يده مطلقة في سوريا قد يتحوّل إلى وهم خطير. فالإدارة السورية قد ترغب في التهدئة والوصول إلى اتفاق أمني يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكن استمرار الاعتقالات والتوغلات والإهانات اليومية قد يدفع الشارع، ولا سيما الفتية والشباب في الجنوب، إلى مرحلة يصعب ضبطها. وعندها قد لا تبقى الجبهة هادئة، بل قد تنفتح خلال الأسابيع القادمة على مواجهات شعبية وسياسية وربما عسكرية أكثر حدة، في إطار حق مشروع بحماية الأرض والناس، وضمن منطق القانون الدولي الذي لا يمنح أي قوة احتلال حق تحويل السيادة السورية إلى ساحة مفتوحة للعدوان. إن رفض الغطرسة الإسرائيلية لم يعد موقفاً سورياً فحسب، بل ضرورة إقليمية؛ لأن تكريس العدوان بلا ثمن يعني فتح الباب أمام فوضى أوسع لا تقف عند حدود سوريا. وما يجري في الجنوب السوري هو رسالة خطرة إلى المنطقة برمتها: إذا تُركت القوة وحدها ترسم الحدود وتقرر مصائر الشعوب، فلن يبقى في الشرق الأوسط أمنٌ لأحد.
تجري المفاوضات الأمريكية–الإيرانية اليوم فوق أرضٍ رخوة لا تكاد تحتمل خطى المتفاوضين، إذ يقوم المشهد برمّته على انعدام ثقةٍ متجذّر بين طرفين يتبادلان الرسائل بقدر ما يتبادلان الشكوك، حتى لتبدو كل جولةٍ أقرب إلى اختبار قدرة الخصم على التحمّل منها إلى محاولة جسر الهوّة، فيما يأتي التصعيد الأخير في لبنان والتوتر المتصاعد حول مضيق هرمز ليضعا أمام أي اختراقٍ محتمل عقباتٍ لا تُتجاوز بالنوايا وحدها، فطهران لا تقصد الطاولة بحثاً عن تسويةٍ سريعة، بل تستحضر عقيدتها التفاوضية المعهودة القائمة على «النفس الطويل» وعلى إغراق خصمها في تفاصيل فنيةٍ لا تنتهي، حتى تنكشف المهلة المحدّدة بستين يوماً عن إطارٍ زمنيٍّ أضيق من أن يتّسع لمنطق الاستنزاف الذي تتقنه؛ لأن الزمن في الحسابات الإيرانية ليس عدوّاً يُخشى، بل ورقةٌ تُدار بصبرٍ بارد، وفق رؤيةٍ ترى في الاتفاق مساراً يُدار لا غايةً يُسارَع إليها. وفي قلب هذه المعادلة يبرز مضيق هرمز بوصفه أمضى أدوات الضغط التي لن تفرّط بها إيران ما دام الاتفاق الدائم غائباً، رغم إدراكها أن التلويح بإغلاقه يقذف بها إلى مواجهةٍ مفتوحة مع المجتمع الدولي ومع دول الإقليم التي تتقاسم معها هذا الممر الحيوي، وهي مواجهةٌ قد تدفع على المدى الأبعد نحو ابتكار مساراتٍ بديلة لتصدير الطاقة عبر أنابيب وموانئ تلتفّ على المضيق وتقلّص تدريجياً من قيمته بوصفه رهينةً بيد طهران. ولا ينفصل الملف اللبناني عن هذا الاشتباك بل يشكّل واحدةً من أعقد عقده، إذ تجد إيران في ربط جبهتها بالجبهة اللبنانية مكسباً استراتيجياً يمنحها عمقاً تفاوضياً وأوراق مساومةٍ إضافية، بينما تستنفد إسرائيل وسعها للفصل بين الساحتين كي تحرم طهران من هذا الامتداد، ويبقى وجود القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان معضلةً حقيقية تثقل المسار وتتحوّل إلى عقدةٍ يصعب حلّها دون أن ترتدّ تداعياتها على المشهد الإقليمي بأسره، حتى صار الجنوب اللبناني مقياساً تُقاس عليه جدّية أي تهدئةٍ موعودة. وفي خضمّ ذلك يستوقف الدورُ الذي يضطلع به نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الأنظارَ؛ لأنه يتجاوز حدود ما درج عليه نوّاب الرؤساء من قبله، فالجانب الإيراني يقرأه شخصيةً أكثر عقلانيةً ومرونة يمكن التعاطي معها بعيداً عن نهج المفاوضين المقرّبين من إسرائيل الذي طبع المراحل السابقة، غير أن هذا الدور لا يُفهم في سياقه الخارجي وحده بل يتنزّل ضمن ترتيباتٍ داخلية للحزب الجمهوري تستشرف المستقبل وتعيد توزيع مراكز الثقل تحضيراً لما هو آتٍ، وهو ما تتلقّفه طهران بوصفه نافذةً قد تتّسع إن نضجت الظروف، أو تُغلق سريعاً إن تبدّلت موازين الداخل الأمريكي. ويبقى التوتر الأعمق كامناً في الاصطدام بين عقيدتين متنافرتين: عقيدةٍ أمنيةٍ إسرائيلية ترى في إدامة حالة الحرب شرطاً لبقائها وضماناً لردعها، ورغبة أمريكية متنامية في «تبريد» الجبهات لاعتباراتٍ اقتصاديةٍ وسياسية تتصدّرها استحقاقات الانتخابات النصفية التي تُلزم واشنطن بخفض كلفة انخراطها في صراعات المنطقة؛ وبين هذا الإصرار الإسرائيلي على إبقاء الميدان مشتعلاً وذلك السعي الأمريكي إلى احتواء النيران، تتقدّم المفاوضات متعثّرةً محمّلةً بأكثر مما تطيق، عاجزةً عن أن تَعِد بأكثر من هدنةٍ هشّة قابلةٍ للانهيار عند أول اختبارٍ جدّي. وهكذا تبقى التسوية المنشودة أسيرةَ توازنٍ دقيقٍ بين إرادتين لا تلتقيان إلا عند حافة الكلفة، فيما يظل الإقليم برمّته رهينةَ نتيجةٍ لم تتبلور بعد.
يشكّل اتفاق الإطار الذي أُعلِنَ بين الولايات المتحدة وإيران نقطة تحوّل مهمة في المشهد الإقليمي، ليس لأنه أنهى الخلافات العميقة بين الطرفين، بل لأنه عكس إدراكاً متبادلاً بأن خيار المواجهة العسكرية المفتوحة لم يعد قادراً وحده على إنتاج حلول سياسية مستدامة. فمن الواضح أن الأشهر الماضية أظهرت حدود القوة العسكرية وحدود القدرة على تحويل التفوق الميداني إلى مكاسب سياسية نهائية، الأمر الذي دفع الطرفين إلى الانتقال من منطق الصدام المباشر إلى منطق التفاوض وإدارة التنافس ضمن قواعد جديدة. وفي هذا السياق يبدو أن واشنطن وصلت إلى قناعة بأن أي عمل عسكري مستقبلي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن أفق سياسي واضح، بينما أدركت طهران بدورها أن تثبيت نفوذها الإقليمي والحفاظ على مصالحها يتطلبان مساحة من المرونة السياسية لا تقل أهمية عن أدوات القوة التقليدية. هذا التحوّل لا يعني أن المنطقة تتجه نحو سلام شامل، كما أنه لا يشير إلى عودة وشيكة للحرب الكبرى، بل يفتح الباب أمام مرحلة وسطى تتسم بالمفاوضات الطويلة والمساومات المعقدة ومحاولات كل طرف تحسين موقعه التفاوضي. ومن المرجح أن تكون هذه المرحلة مليئة بالتجاذبات والأزمات المحدودة والاختبارات المتبادلة، لكنها تبقى أقل خطورة من سيناريو المواجهة الشاملة الذي كان يهدّد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي. أما إسرائيل فتجد نفسها أمام واقع جديد لا ينسجم بالكامل مع رؤيتها للأمن الإقليمي. فالتفاهم الأمريكي الإيراني، حتى وإن كان أولياً، أعاد الاعتبار للدبلوماسية بوصفها أداة رئيسية لمعالجة الأزمات، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف التكيّف مع بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي سادت خلال فترة التصعيد العسكري. ومن هنا يمكن فهم استمرار حالة الحذر والترقب في المشهد الإقليمي، حيث ما زالت العديد من الملفات الكبرى مفتوحة، ولم تصل بعد إلى تسويات نهائية. وفي المقابل، تبدو الدول الخليجية والعربية من أكثر الأطراف إدراكاً لأهمية استثمار هذه اللحظة في تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. فالمنطقة أثبتت خلال السنوات الماضية أن أمنها مترابط بصورة كبيرة، وأن مواجهة التحديات المتزايدة تتطلب قدراً أعلى من التنسيق والتعاون والعمل المشترك. وفي هذا الإطار يبرز الدور السعودي بوصفه أحد أهم عوامل التوازن والاستقرار في المنطقة، سواء من خلال دعم مسارات التهدئة أو عبر السعي إلى بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح بالتركيز على التنمية الاقتصادية ومشاريع التحول الكبرى التي تشهدها المنطقة. في المحصلة، لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب حرب جديدة، كما أنه لم يصل بعد إلى مرحلة السلام المستقر. ما نشهده هو بداية مرحلة انتقالية جديدة تُعاد خلالها صياغة التوازنات الإقليمية على أسس أكثر واقعية، حيث تتراجع رهانات الحسم العسكري لصالح التفاوض، وتتقدّم الحسابات الاقتصادية والأمنية على حساب المغامرات الكبرى. وقد تكون هذه المرحلة طويلة ومعقّدة، لكنها تحمل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لإعادة بناء قدر أكبر من الاستقرار إذا أحسنت الأطراف المختلفة استثمارها.
في الشرق الأوسط اليوم، لا يبدو أن المأساة ناتجة فقط عن الصراعات التقليدية بين الدول، بل عن هيمنة عقليتين أمنيتين تتغذيان من الخوف وتسعيان إلى فرض النفوذ خارج الحدود، ولو كان الثمن تدمير المجتمعات والدول. الأولى هي العقلية الإيرانية التي قامت لعقود على فكرة أن الدفاع عن الأمن القومي الإيراني لا يبدأ عند حدود إيران، بل في أراضي الآخرين. ومن هنا نشأت شبكات عابرة للحدود، من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، باعتبارها أدوات نفوذ وضغط ومساومة. لقد رأت طهران في هذه التشكيلات العسكرية الموازية للدولة وسيلة لتوسيع مجالها الحيوي، ولخوض معاركها السياسية والأمنية بأقل كلفة مباشرة ممكنة. غير أن النتيجة كانت كارثية على شعوب المنطقة، إذ تحوّلت دول بأكملها إلى ساحات صراع مفتوحة، وتآكلت مؤسساتها الوطنية، واهتزت سيادتها، وتعرّض نسيجها الاجتماعي لتصدّعات عميقة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. وفي المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة منطق إسرائيلي خطير، يقوم على اعتبار أن الأمن الإسرائيلي لا يكتمل إلا بإضعاف سيادة الدول المحيطة وتجريدها من القدرة على التحكم بأراضيها وحدودها. فمنذ السابع من أكتوبر أخذت إسرائيل تتصرف وفق نظرية أمنية توسعية ترى أن من حقها التدخل والضرب والاغتيال والاعتقال في أي مكان تراه تهديداً محتملاً، بينما لا تعترف عملياً بحق الآخرين في التمتع بالسيادة ذاتها التي تطالب بها لنفسها. وقد يكون من السهل على البعض تبرير هذا السلوك في حالات معينة بالاستناد إلى تهديدات فعلية من حماس أو حزب الله، لكن هذا التبرير يفقد الكثير من وجاهته عندما ننظر إلى الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد، حيث أعلنت السلطة الجديدة مراراً أنها لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل إلى ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار، ومع ذلك استمرت الانتهاكات والاختراقات العسكرية بصورة تكاد تكون يومية. والأخطر من ذلك أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الاتفاقات بوصفها إطاراً ملزماً لإدارة الصراع، بل بوصفها ترتيبات مؤقتة يمكن تجاوزها متى اقتضت الحسابات السياسية أو العسكرية ذلك، سواء في غزة أو في لبنان. وهكذا تجد المنطقة نفسها رهينة مشروعين متنافسين على الهيمنة، أحدهما يستخدم المليشيات لتفكيك الدول من الداخل، والآخر يستخدم القوة العسكرية لإفراغ السيادة من مضمونها. وبين المشروعين تضيع مصالح الشعوب التي تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الهيمنة الدائمة وهم سياسي، وأن القوى التي تتجاهل إرادة الشعوب قد تنجح في فرض نفوذها لبعض الوقت، لكنها تعجز في النهاية عن تحويله إلى واقع مستقر. وربما تشكّل التجربة السورية اليوم المثال الأوضح على أن شعوب المنطقة، مهما بلغت معاناتها، لن تقبل في نهاية المطاف أن تكون مجرد ساحة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، وأن كلفة مشاريع الهيمنة، الإيرانية منها والإسرائيلية، ستبقى أعلى بكثير من أي مكاسب يظن أصحابها أنهم حققوها.
يشهد النظام الدولي اليوم لحظةً فارقةً لا تقلّ دلالةً عمّا أحدثه انهيار جدار برلين قبل أكثر من ثلاثة عقود، إذ تكتشف أوروبا فجأةً أنّها باتت وحيدةً في مواجهة أعبائها الأمنية بعدما اعتادت طوال عقودٍ أن تستظلّ بالمظلّة الأمريكية وتدفع ثمنها السياسي أكثر من ثمنها المالي؛ فالموقف الأمريكي من حلف الأطلسي تحوّل من ضمانةٍ راسخةٍ إلى مصدرِ قلقٍ دائم، بعدما لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بانتقاد الحلفاء وتذمّره المتكرّر من تقاعسهم عن تحمّل أكلاف الدفاع، بل بدأ يلوّح بتخفيف الوجود العسكري في القارّة ويعيد النظر في فلسفة الالتزام التي قامت عليها المنظومة الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فوجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام فراغٍ إستراتيجيٍّ مفاجئٍ دفعها إلى البحث عن بدائل ذاتيةٍ كانت إلى الأمس القريب من المحرّمات. وفي هذا السياق يأتي القرار الفرنسي بمدّ مظلّتها النووية لتشمل شركاء القارّة عبر ما سمّاه الرئيس ماكرون «الردع المتقدّم»، وهي عقيدةٌ أعلنها في مارس الماضي وتقضي بزيادة الترسانة النووية الفرنسية وبإمكان نشر قواتها الجوية الإستراتيجية مؤقتاً على أراضي الحلفاء، لتصبح النرويج تاسع دولةٍ تنضمّ إلى هذه المنظومة بعد بلجيكا والدنمارك وألمانيا واليونان وهولندا وبولندا والسويد والمملكة المتحدة، موقّعةً في باريس اتفاق دفاعٍ مع فرنسا. ولم يكن هذا التحرّك معزولاً، بل رافقته خطواتٌ عسكريةٌ متسارعةٌ أبرزها رفع الإنفاق الدفاعي في عددٍ من الدول، وفي مقدّمتها القرار الألماني التاريخي بفكّ القيود الدستورية على الإنفاق وضخّ موازناتٍ ضخمةٍ في التسلّح، وهو ما يعكس قناعةً راسخةً بأنّ روسيا ما تزال يُنظر إليها بوصفها الخصم الأوّل الذي يستوجب أخذ كلّ الاحتياطات الأمنية في مواجهته. وقد جاء الردّ الروسي حادّاً وسريعاً، إذ حذّرت السفارة الروسية في أوسلو من أنّ التعاون النروجي-الفرنسي في مجال الردع وتبادل المعلومات يمثّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي ولن يبقى دون ردٍّ عسكريٍّ تقنيٍّ مناسب، خصوصاً مع نيّة النرويج نشر منظوماتٍ صاروخيةٍ في شمالها تطال شبه جزيرة كولا. غير أنّ المفارقة التي تختزل جوهر هذه المرحلة تكمن في أنّ المظلّة النووية لا تنقل الحماية وحدها، بل تنقل الخطر أيضاً؛ فالنرويج التي أكّدت أنّها لن تسمح بتمركز أسلحةٍ نوويةٍ على أراضيها في زمن السلم تبقى في منطقةٍ رماديةٍ من حيث الاستهداف، بينما تتركّز الترسانة الفعلية ومنصّات القرار في فرنسا وحدها، الأمر الذي يجعل باريس، لا أوسلو، هي الطرف الأكثر انكشافاً في أيّ معادلة تصعيدٍ نوويٍّ مقبلة، ويعيد إلى الأذهان منطق الحرب الباردة حين كانت الدولة المالكة للسلاح هي العنوان الأوّل لأيّ ردٍّ مضاد. إنّ ما يجري ليس مجرّد إعادة ترتيبٍ لتحالفاتٍ قائمة، بل هو إيذانٌ بأفول حقبةٍ كاملةٍ قامت على الضمانة الأمريكية وميلادِ لحظةٍ أوروبيةٍ مختلفة، تسعى فيها القارّة العجوز إلى استعادة سيادتها الإستراتيجية وبناء ردعٍ ذاتيٍّ لم تعتد عليه، في عالمٍ تتراجع فيه القواعد التي حكمت العلاقات الدولية طوال ثمانية عقود، لتدخل أوروبا مرحلةً يختلط فيها القلق بالطموح، ويغدو فيها امتلاك القرار السيادي في الأمن والدفاع شرطاً للبقاء لا ترفاً سياسياً.
لم تعد مسألة الضمانات في أي اتفاق محتمل مع إيران تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه على هامش المفاوضات، بل أصبحت جوهر القضية نفسها، لأن التجارب السابقة أثبتت أن المشكلة لم تكن دائماً في صياغة الاتفاقات بقدر ما كانت في آليات تنفيذها وفي غياب الضامن القادر على تحويل التعهدات إلى التزامات حقيقية قابلة للمراقبة والمحاسبة. ولهذا السبب تحديداً أصرت طهران خلال مراحل متعددة من مفاوضاتها مع الولايات المتحدة على فكرة «الضامن الدولي»، أي الجهة التي تضمن عدم انهيار الاتفاق مع تغيّر الإدارات الأمريكية أو تبدل التوازنات السياسية في واشنطن، لكن المفارقة هنا أن هذا المطلب الإيراني نفسه يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً بالنسبة لدول المنطقة: إذا كانت إيران تريد ضمانات لأمنها السياسي والاقتصادي، فمن يضمن أمن الدول العربية التي دفعت أثماناً باهظة نتيجة التمدد الإيراني وسياسات المليشيات والصراعات العابرة للحدود؟ فالدول التي تعرّضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو عاشت تحت ضغط الفوضى الأمنية والتدخلات المسلحة، لا يمكن أن تنظر إلى أي اتفاق جديد بوصفه إنجازاً دبلوماسياً ما لم يتضمن تحوّلاً حقيقياً في سلوك إيران الإقليمي، لأن الاستقرار لا يُقاس فقط بوقف تخصيب اليورانيوم أو بتجميد بعض الأنشطة النووية، بل يقاس أيضاً بمدى توقف مشروع تصدير النفوذ عبر الجماعات المسلحة، ومدى احترام سيادة الدول، ومدى الانتقال من منطق الثورة والتوسع إلى منطق الدولة الطبيعية التي تبحث عن التنمية والتعاون بدلاً من إدارة ساحات الاشتباك المفتوحة. ومن هنا تبدو فكرة الضمانات أكثر اتساعاً من مجرد رقابة تقنية على منشآت نووية، فهي تشمل منظومة سياسية وأمنية كاملة يجب أن تتأسس على مبدأ أن إيران ينبغي أن تصبح عنصر استقرار لا مصدر تهديد، وشريكاً في حماية أمن المنطقة لا عاملاً في إنهاكه واستنزافه. ولهذا حاولت دول الإقليم خلال السنوات الأخيرة ألا تبقى مجرد متلقٍ لنتائج التفاهمات الدولية، بل سعت إلى بناء مقاربات إقليمية موازية تقوم على الحوار واحتواء التوتر وتشكيل شبكة توازنات تمنع انفجار المنطقة مجدّداً، فشهدنا حراكاً إقليمياً واسعاً شاركت فيه قوى كبرى مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان، في محاولة لخلق بيئة سياسية جديدة تقلل احتمالات المواجهة المباشرة وتفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تتجاوز الثنائية الأمريكية الإيرانية الضيقة. غير أن هذه الجهود تبقى ناقصة إذا لم تتحوّل إلى جزء من أي اتفاق مستقبلي، لأن استبعاد الدول المتضررة من الطاولة يعني عملياً إنتاج اتفاق هش قابل للانفجار عند أول أزمة، بينما المطلوب اليوم هو اتفاق يعيد تعريف الأمن الإقليمي بصورة جماعية، ويمنح الدول العربية حق المشاركة في صياغة الضمانات لا الاكتفاء بانتظار نتائجها. فالمنطقة لم تعد تحتمل اتفاقات مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تعالجه، ولم تعد قادرة على التعايش مع معادلة تسمح لإيران بالحصول على ضمانات إستراتيجية في الوقت الذي تبقى فيه عواصم عربية كثيرة تحت هاجس الصواريخ والمليشيات والحروب غير المباشرة. إن الضمان الحقيقي لأي اتفاق لا يكمن في الأوراق الموقعة وحدها، بل في بناء ثقة إقليمية جديدة تقوم على احترام السيادة ووقف التدخلات وتحويل الشرق الأوسط من ساحة صراع مفتوح إلى فضاء توازن واستقرار، وهذه هي المعادلة التي ستحدد ما إذا كان أي اتفاق مقبل سيكون بداية لمرحلة مختلفة فعلاً، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوترات.
حين أغلقت إيران مضيق هرمز كانت تراهن على لحظة تاريخية قادرة على شل الاقتصاد العالمي وإغراق الأسواق في حالة من الذعر والفوضى، فالمضيق الذي يعبر عبره نحو عشرين مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية، لم يكن مجرد ممر بحري ضيّق، بل كان لعقود شرياناً استراتيجياً للاقتصاد الدولي بأكمله؛ ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصف وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ الحديث، خصوصاً مع الارتفاع الجنوني للأسعار ووصول خام برنت إلى حدود 120 دولاراً للبرميل خلال فترة قصيرة، لكن ما لم تتوقعه طهران بالكامل هو أن العالم الذي بدا في الظاهر رهينة لهذا الممر كان يعمل منذ سنوات طويلة بصمت لبناء مخارج بديلة وخطط طوارئ تقلل من تأثير هذا السيناريو الكارثي. السعودية، التي أدركت منذ حرب الناقلات في الثمانينيات أن الاعتماد الكامل على هرمز يمثل نقطة ضعف استراتيجية، سارعت إلى تشغيل خطها شرق-غرب بكامل طاقته، وهو الخط الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً، وهي بنية تحتية لم تُبنَ خلال الأزمة، بل كانت ثمرة تخطيط استراتيجي امتد لعقود طويلة تحسّباً للحظة كهذه. وفي الوقت نفسه فعلت الإمارات العربية المتحدة خط «أدكوب» الذي ينقل النفط مباشرة إلى الفجيرة خارج مضيق هرمز بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما منح أبوظبي قدرة على الاستمرار في التصدير رغم إغلاق المضيق بالكامل، بينما تحركت الولايات المتحدة بسرعة لرفع صادراتها النفطية إلى مستوى قياسي بلغ 12.9 مليون برميل يومياً في أبريل 2026 مستفيدة من ثورة النفط الصخري ومن تحوّلها خلال السنوات الماضية إلى قوة طاقة عالمية كبرى، ولم تتوقف محاولات التعويض عند هذا الحد، إذ دخلت دول أخرى بعيدة عن الخليج مثل النرويج والبرازيل ونيجيريا والأرجنتين على خط زيادة الإمدادات، مضيفة أكثر من مليون برميل يومياً إلى الأسواق العالمية في محاولة لاحتواء الصدمة ومنع الانهيار الكامل. ومع ذلك لم يكن ممكناً إلغاء الأزمة بالكامل، فالفجوة بقيت ضخمة والنقص الفعلي تجاوز 10 ملايين برميل يومياً، وهو رقم هائل يكفي لإرباك الاقتصاد العالمي ورفع تكاليف الشحن والتصنيع والطاقة في مختلف القارات، لكن الفارق الجوهري أن العالم لم ينهَر كما كانت تراهن طهران، ولم تتوقف الاقتصادات الكبرى عن العمل، ولم تدخل الدول الصناعية في حالة شلل كامل، بل ظهر بوضوح أن النظام الدولي بدأ يتكيّف تدريجياً مع فكرة تقليل الاعتماد على هرمز باعتباره نقطة اختناق استراتيجية خطيرة. المفارقة الكبرى أن إيران ربما نجحت في صناعة أزمة طاقة عالمية بالفعل، لكنها في المقابل سرّعت عملية تاريخية قد تؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف أهم ورقة جيوسياسية تمتلكها، لأن الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة خرجت من هذه الأزمة بقناعة أكثر رسوخاً بضرورة بناء مسارات بديلة للنفط والغاز بعيداً عن الخليج، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ الجديدة أو زيادة الإنتاج في مناطق أخرى من العالم، ما يعني أن هرمز الذي كان لعقود مصدر قوة استراتيجية لإيران قد يتحوّل تدريجياً إلى ورقة أقل تأثيراً مع كل مشروع جديد وكل خط أنابيب جديد وكل استثمار عالمي يهدف إلى تجاوز هذا الممر الحسّاس.