تشهد الساحة السياسية العراقية حراكاً محموماً مع اقتراب استحقاقات تشكيل الحكومة الجديدة في مطلع عام 2026، وهو حراك يضع الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي لموازنة علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية والإقليمية في ظل تجاذبات جيوسياسية حادة. يبرز في هذا المشهد اسم نوري المالكي كواحد من الأقطاب السياسيين الفاعلين ضمن تحالف الإطار التنسيقي، حيث يُطرح اسمه أو من يمثله كمرشح محتمل لقيادة المرحلة المقبلة، وهو طرح يستند إلى ثقل انتخابي وسياسي لا يمكن تجاوزه في المعادلة الداخلية. ومع ذلك، يواجه هذا المشهد تعقيدات خارجية تتمثل في سلسلة من التحذيرات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، وتحديداً عبر تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي ركّز على ضرورة ابتعاد الحكومة العراقية القادمة عن التبعية لأطراف إقليمية، في إشارة صريحة إلى المخاوف من تعاظم النفوذ الخارجي عبر الفصائل المسلحة. إن هذا التوتر الأمريكي-الإيراني لا ينفصل عن الرؤية الإستراتيجية لواشنطن تجاه أمن الطاقة واستقرار الممرات المائية في المنطقة، مما يجعل من هوية رئيس الوزراء القادم في بغداد ملفاً ذا أبعاد دولية تتجاوز الحدود الجغرافية للعراق. من الناحية الموضوعية، يمكن تحليل الموقف الأمريكي تجاه احتمالية عودة المالكي أو أي شخصية قريبة من نهجه على أنه محاولة لفرض «فيتو» استباقي يهدف إلى ضمان بقاء العراق ضمن منظومة المصالح الغربية، مستخدماً في ذلك أدوات الضغط الاقتصادي والتلويح بالعقوبات المصرفية. وفي المقابل، يرى مراقبون أن السيادة العراقية تقتضي أن يكون اختيار القيادة شأناً داخلياً خالصاً يخضع لصناديق الاقتراع والتوافقات الوطنية بين المكوّنات المختلفة. وفي خضم هذه التجاذبات، تبرز مواقف القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، كعنصر استقرار وتوازن؛ حيث تنطلق الرؤية السعودية من مبدأ ثابت وهو احترام السيادة الوطنية العراقية والوقوف على مسافة واحدة من كافة الأطراف السياسية. إن المملكة، ومن خلال نهجها الدبلوماسي القائم على دعم مؤسسات الدولة، تؤكد باستمرار أن استقرار العراق هو ركيزة أساسية لأمن المنطقة، وأنها ستتعامل بمرونة وإيجابية مع أي قيادة يختارها الشعب العراقي وتنبثق عن التوافقات الدستورية، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزّز الروابط الأخوية والتاريخية بين البلدين. إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط في اختيار شخص رئيس الوزراء، بل في صياغة برنامج حكومي قادر على تحييد البلاد عن الصراعات المحورية؛ فبينما تحذر واشنطن من مغبة تشكيل حكومة «موالية لإيران» وتلوّح بسلاح الدولار، تحاول القوى السياسية العراقية بناء تفاهمات تضمن استمرارية تدفق الاستثمارات وإعادة الإعمار. ومن هنا، يبرز التناول الموضوعي لشخصية مثل نوري المالكي بعيداً عن السجالات التاريخية أو المواقف الجدلية السابقة، بل كجزء من عملية ديمقراطية معقدة تحاول إيجاد مخرج للأزمات الاقتصادية والخدمية. إن نجاح أي حكومة قادمة سيتوقف بالدرجة الأولى على قدرتها على إقناع المجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديداً، بأن العراق لن يكون منطلقاً لتهديد المصالح الدولية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجارة إيران. وفي نهاية المطاف، يبقى الموقف السعودي بمثابة صمام أمان، حيث يعكس ثقة الرياض في قدرة العراقيين على تجاوز هذه المرحلة الحساسة واختيار مسار يحفظ وحدة بلادهم بعيداً عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من حدة الاستقطاب، مؤكدة أن التعاون الاقتصادي والسياسي بين الرياض وبغداد سيستمر ويتطوّر بغض النظر عن الأسماء، طالما أن الهدف هو الاستقرار الإقليمي والنماء المشترك.