سقطت «قسد»، ليس لأن القوة العسكرية كانت العامل الوحيد في معادلة الصراع، بل لأن التاريخ وقوانينه الصارمة لا يقبلان الأجسام الغريبة التي تُزرع قسراً في تربة لا تشبهها، فقد تهاوت هذه الهيكلية السياسية؛ لأنها اصطدمت بوعي شعبي رفضها على الدوام، مدركاً بفطرته القومية والوطنية أنها لم تحمل يوماً مشروع خير لهذه المنطقة ولا لهذه البلاد المثقلة بالجراح، بل كانت بمثابة «نبات شيطاني» برز فجأة في غفلة من الزمن دون أن يقدّم ثمرة واحدة تشفي غليل الأرض أو تسد رمق البشر، بل تمسّكت بالجغرافيا رغماً عن إرادة سكانها الأصليين، وحاولت بعبثية منقطعة النظير أن تغيّر هوية المنطقة الضاربة في عمق التاريخ، ممارسةً نوعاً من الهندسة الاجتماعية القسرية لربط هذه الأرض بمشاريع «ما وراء الحدود»، التي لا تمت لواقع السوريين بصلة، حيث سعت عبر دعم دولي إلى فرض مشروع «عبدالله أوجلان» الأممي الغريب على شعب لا يشارك هذا التوجه لا في الهوية ولا في الأهداف ولا في المسارات السياسية، ومن هنا كانت الخطيئة الكبرى حين تعاملت هذه الإدارة مع المواطن العربي، صاحب الأرض والحق، بوصفه مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة، وحرمته من أبسط حقوقه السياسية والمدنية، بل ومن هويته الثقافية، لتفرض عليه نمطاً حياتياً وأيديولوجياً مستورداً، وجلبت عناصر غريبة من جبال قنديل ومن مناطق في تركيا لتنصبهم قادة وأوصياء على شعب عريق، مما أدّى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي السوري وضرب وحدة المجتمع في مقتل، ورغم أن هذه المنطقة هي الأغنى في سوريا بما تكتنزه من ثروات نفطية هائلة ومساحات زراعية شاسعة كانت تمثل سلة الغذاء الوطنية، إلا أن «قسد» حوّلتها إلى منطقة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، حيث مارست سياسة إفقار ممنهجة وحوّلت عوائد الثروات الوطنية إلى خزائن التنظيمات الخارجية في جبال قنديل، تاركةً الشباب السوري أمام خيارات مريرة، فدفعهم العوز وضيق ذات اليد للانضمام إلى صفوفها طلباً لقوت يومهم لا إيماناً بمشروعها التقسيمي الذي كان يضمر الشر لسوريا ووحدتها، ولكن العالم اليوم يتغيّر، ومنطقة الشرق الأوسط تشهد مخاضاً جديداً يعيد إنتاج مفهوم الدولة الوطنية المركزية القوية القادرة على بسط سيادتها وحماية حدودها، وهو التوجه الذي حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، وتجلى بوضوح في المواقف التاريخية للمملكة العربية السعودية التي لطالما نادت بوحدة وسلامة الأراضي السورية، ودعمت الأشقاء السوريين دون تمييز بين عرق أو معتقد، مما أعاد الزخم والقوة للإدارة السورية لاستعادة أجزاء عزيزة وغالية من جسد الوطن، وإن كانت «قسد» قد انتهت اليوم كمشروع سياسي وكتجربة مريرة دفع ثمنها الشعب السوري من دموعه وأمنه، لكن الخطر لم يزل بسبب بقايا حزب «البي واي جي» و«البي كي كي» التي ستحاول جر البلاد إلى معارك عبثية جديدة لا تجلب سوى الدمار، فالرهان اليوم هو على وحدة المصير والالتفاف حول الدولة لاستكمال مسيرة البناء، مبارك لهذا الشعب الصامد الذي لفظ الغريب وأثبت أن الهوية السورية عصية على التزوير، ومبارك لكل من آمن بأن وحدة الشعوب وسلامة الأوطان هي الحقيقة الوحيدة التي تبقى، بينما تذرو الرياح كل المشاريع الدخيلة التي حاولت العبث بمقدرات الأمة وتاريخها.