إن ما شهده الأسبوع الماضي من استعادة الحكومة السورية للسيطرة الكاملة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب لم يكن مجرد حدث ميداني عابر، بل مثّل حالة استثنائية في أهميتها الجيوسياسية، باعتبار أن هذا التحوّل الاستراتيجي يمهّد الطريق بشكل جدي لاستعادة الدولة السورية سيطرتها على كافة أراضيها وتوحيد البلاد تحت راية جيش واحد وعلم واحد وسلطة مركزية واحدة، ومن هنا تبرز الأهمية الكبرى لهذا الإنجاز الذي يضع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أمام خيارات ضيقة، إما الانصياع لتطبيق اتفاق العاشر من آذار مارس والاندماج في مؤسسات الدولة، أو مواجهة الخيارات الأخرى المفتوحة التي يبدو أن الاستعدادات لها تجري على قدم وساق، لا سيما مع رصد تحشيد عسكري متبادل في منطقة دير حافر الواقعة شرق حلب، التي تمثّل نتوءاً جغرافياً تسيطر عليه «قسد» ويُتوقع أن يكون نقطة الانطلاق لأي مواجهة شاملة قادمة، وبالعودة إلى كواليس ما جرى في الأشرفية والشيخ مقصود، نجد عملاً عسكرياً ودبلوماسياً اتّسم باحترافية كاملة، حيث سبقت التحرك الميداني جهود دبلوماسية مكثفة أدّت إلى تأمين تأييد إقليمي وتفهم دولي، بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد الداعم الأبرز لـ «قسد»، وقد لعبت أطراف إقليمية وازنة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، دوراً جوهرياً من خلال تأكيدها المستمر في المحافل الدولية على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، مما سهّل مهمة الدبلوماسية السورية بشكل كبير، فضلاً عن وجود مساندة وتنسيق في هذه النقطة من الجانب التركي، أما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد كانت التوقعات، حتى من جانب «قسد» نفسها، تشير إلى أن عملية السيطرة على هذين الحيين اللذين يقطنهما قرابة 400 ألف نسمة ستكون معقدة وطويلة قد تمتد لأشهر بسبب التحصينات والتجهيزات الأمنية، لكن الواقع أثبت قدرة استخباراتية سورية عالية وقراءة دقيقة للميدان، حيث لم يستغرق الأمر سوى ساعات معدودة، وكان لموقف العشائر العربية الثقل الأكبر في ترجيح الكفة، ونخص بالذكر هنا عشيرة البقارة التي أثبتت انتماءها الوطني الصادق من خلال مسارعة وجاهاتها للتفاهم مع أبناء العشيرة المنخرطين في صفوف «قسد»، مما أدّى إلى انشقاقهم الفوري وفتح الأبواب والحارات أمام قوات الجيش العربي السوري، وهو ما شكّل «ضربة قاصمة» أفقدت «قسد» توازنها وأدّت إلى انهيار دفاعاتها بسرعة خاطفة وبأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية، وهذا النموذج الناجح في حلب يقدم استشرافاً دقيقاً لما سيكون عليه الوضع في منطقة الجزيرة السورية والفرات، حيث تعاني العشائر هناك من حالة تململ واحتقان شديد نتيجة السياسات القمعية التي تمارسها «قسد» ومحاولاتها سلخ المنطقة عن هويتها السورية. إن العشائر الكبرى مثل شمر وجبور والعقيدات والبقارة والبوسرايا تنتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض من الداخل، مما يعني أن الخطر الحقيقي الذي يهدد بقاء «قسد» ليس قادماً فقط من التشكيلات العسكرية النظامية، بل من الحاضنة الشعبية والعشائرية التي ترى في الجيش السوري المخلص الوحيد من المليشيات الانفصالية، إن الرهان القادم يعتمد بشكل كبير على المزاوجة بين الغطاء الدبلوماسي والتحرك العسكري المكثف؛ لأن «قسد» لن تستطيع الصمود طويلاً أمام انتفاضة داخلية تقودها العشائر التي تتوق لاستعادة الوحدة الوطنية والعودة إلى كنف الدولة الأم، مما سيحول أي مواجهة قادمة إلى حدث وطني ينهي سنوات من التشرذم ويعيد ضبط البوصلة نحو سوريا واحدة موحدة قوية بكل أبنائها.


