تشهد الساحة الدولية في مطلع عام 2026 تحوّلاً جذرياً وعميقاً في العقيدة السياسية والأمنية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو تحوّل يتجاوز مجرد تغيير في الوجوه الإدارية ليصل إلى إعادة صياغة كاملة لمفهوم الهيمنة العالمية انطلاقاً مما يمكن وصفه بفائض القوة الاستخباراتية الذي بات المحرك الفعلي للأحداث الكبرى. إن هذا الانتقال التاريخي من مبدأ مورو التقليدي، الذي كان يكتفي برسم خطوط حمراء أمام القوى الخارجية في القارة الأمريكية، إلى ما يمكن تسميته بمبدأ ترمب الجديد، يمثل حقبة تتّسم بالتدخل العنيف والمباشر القائم على استغلال التفوق التكنولوجي والمعلوماتي لفرض واقع سياسي جديد يتماشى مع الأيديولوجيا اليمينية الشعبوية التي تتبناها الإدارة الحالية. ولم يعد هذا النهج مجرد شعارات انتخابية، بل تحوّل إلى ممارسة واقعية تجلّت بوضوح في أحداث فنزويلا الأخيرة، ما جرى كان عملية استخباراتية جراحية معقّدة أدّت إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وتصعيد نائبة الرئيس للسلطة في ترتيب يبدو ظاهرياً أنه انتقال دستوري، لكنه في الحقيقة يمثّل انقلاباً من داخل النظام نفسه وبتدبير استخباراتي خارجي، حيث وافقت المؤسسة الحاكمة في كاراكاس على التضحية برأس النظام لضمان بقائها تحت المظلة الأمريكية الجديدة، وهو ما يفسر عدم وجود أي تحرك جدي لاستعادة مادورو بالرغم من كل الصخب الإعلامي. إن هذا النموذج الفنزويلي هو جوهر مبدأ ترمب الذي يغض الطرف عن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية لتحقيق مصالح واشنطن الاستراتيجية، وهو نهج من المتوقع أن يمتد ليشمل دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا؛ بهدف اجتثاث النهج اليساري وقطع الطريق تماماً أمام أي نفوذ لروسيا أو الصين في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. إن القوة الأمريكية اليوم لا تعتمد فقط على تفوقها العسكري التقليدي بل تعتمد بشكل أساسي على تطوّر هائل وغير مسبوق في المجال الاستخباراتي، حيث باتت أجهزة المخابرات قادرة على شل إرادة الخصوم وتصفية القيادات الكبرى بدقة متناهية، كما رأينا في عمليات تصفية كبار القادة في الحرس الثوري الإيراني، وهي عمليات أكّدت أن التدخل الاستخباري بات بديلاً فعّالاً وأقل كلفة من الحروب الشاملة. هذا الفائض من القوة والاستعلاء التقني جعل واشنطن تتعامل مع العالم كمنطقة نفوذ مفتوحة، حيث لم يعد هناك مكان للخصوصية السيادية، فأمريكا اليوم تتجسّس على الجميع بلا استثناء، حلفاء وأعداء، وإذا كانت المعلومات التي كُشفت قبل سنوات قد أظهرت حجم التنصت الأمريكي في عهد أوباما، فإن القدرات الحالية في عام 2026 جعلت كل زعماء العالم تحت المجهر اللحظي. إن هذه الهيمنة المعلوماتية تمنح الإدارة الأمريكية القدرة على إطلاق تهديدات حقيقية وملموسة تجاه دول مثل كولومبيا أو حتى في مناطق بعيدة مثل غرينلاند؛ لأن هذه التهديدات مسنودة ببنك أهداف معلوماتي يجعل أي مقاومة لهذا التدخل تبدو شبه مستحيلة للدول التي لا تملك تحصينات سيبرانية واستخباراتية تضاهي ما تملكه الصين وروسيا. إننا أمام عالم جديد يقسمه مبدأ ترمب إلى مربعات نفوذ، حيث تمنح واشنطن لنفسها الحق في التصرف المطلق داخل مجالها الحيوي، مما يشرعن بشكل ضمني للقوى الكبرى الأخرى أن تحذو حذوها، ليبقى العالم رهينة لهذا التغول الاستخباراتي الذي جعل من سيادة الدول مجرد حبر على ورق أمام خوارزميات التجسس وعمليات الاختطاف الصامتة، التي أصبحت الأداة المفضلة لتغيير الأنظمة أو السيطرة عليها من الداخل، وما حالة مادورو إلا البداية لسلسلة من التحوّلات التي ستعيد رسم خريطة القوى العالمية وفقاً لمنظور القوة العنيفة، التي لا تعترف إلا بالمصالح القومية الضيّقة المسنودة بآلة استخباراتية لا تنام.