تُعدّ التطوّرات المتسارعة في شمال شرق سوريا، والمتوجة باتفاق الـ30 من يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، منعطفاً تاريخياً يتجاوز في أبعاده مجرد الترتيبات العسكرية الميدانية ليلامس جوهر بنية الدولة السورية ومستقبل سيادتها الوطنية، إذ يبرز هذا الاتفاق كمحاولة لردم فجوة عميقة من عدم الثقة تراكمت عبر سنوات من الصراع والرهانات المتناقضة. وبالنظر إلى مسار التفاوض الذي سبق هذا الاتفاق، وتحديداً منذ تفاهمات الـ10 من مارس 2025، يتضح أن حجر العثرة الحقيقي لم يكن تقنياً بقدر ما كان بنيوياً، حيث اصطدمت رغبة دمشق في استعادة «الاندماج الكامل» الذي يصهر كافة القوى العسكرية والأمنية ضمن هيكلية الدولة المركزية، بإصرار «قسد» على الحفاظ على «كينونة سياسية وأمنية» ذات استقلالية ذاتية، تكتفي بالتنسيق مع المركز دون الذوبان فيه. إن الجدل القائم اليوم حول تنفيذ بنود الاتفاق الأخير يكشف قراءتين متباينتين للمستقبل؛ فبينما ترى الحكومة السورية برئاسة الشرع أن دخول قوى الأمن الداخلي إلى الحسكة وعين العرب ودمج المقاتلين ضمن ألوية تتبع لوزارة الدفاع هي خطوات حتمية نحو تفكيك حالة الاستقلال الذاتي وإعادة صياغة العلاقة وفق منطق «السيادة المطلقة»، مع تقديم تنازلات إدارية مثل تعيين محافظ مرشح من «قسد» أو معاون لوزير الدفاع، نجد في المقابل أن «قسد» تسعى جاهدة لتطويع هذا الاتفاق ليكون مجرد «غطاء شرعي» يضمن بقاء استقلاليتها العسكرية والأمنية تحت لواء الدولة السورية شكلياً، مع الاحتفاظ بخصوصية القيادة والقرار ميدانياً. هذه المعضلة الوجودية بين منطق «الاندماج» ومنطق «الاستقلالية» تضع الاتفاق أمام اختبار عسير في كل مرحلة من مراحله الأربع، حيث تصبح التفاصيل اللوجستية مثل تسليم المعابر الحدودية كمعبري سيمالكا ونصيبين، أو إدارة حقول النفط في الرميلان والسويدية، ساحات صراع خفي بين رؤية تريد استعادة الموارد والسيادة بالكامل، ورؤية تدافع عن مكتسبات «الإدارة الذاتية» التي استمرت عقداً من الزمن. إن القوة الجدلية لهذا الاتفاق تكمن في كونه اضطرارياً للطرفين؛ فالحكومة تريد تجنّب الصدام العرقي والحفاظ على وحدة الأراضي أمام التهديدات الإقليمية، و«قسد» تدرك أن المظلة الدولية والتحوّلات الميدانية بعد انهيار النظام السابق لم تعد تسمح بمشاريع الانفصال أو الأقاليم المستقلة تماماً. ومع ذلك، تبقى الإشكالية الكبرى في «هندسة السلطة» المقترحة؛ فهل ينجح دمج «الأسايش» في وزارة الداخلية في تحويلها إلى قوة وطنية تلتزم بأجندة المركز، أم ستظل ولادتها التنظيمية حاجزاً يحول دون التماهي الكامل مع الدولة؟ إن قراءة المشهد السوري الحالي تقتضي الاعتراف بأن اتفاق يناير 2026 هو «هدنة سيادية» أكثر من كونه حلاً نهائياً، فالعقبة الأساسية تظل كامنة في التفاصيل الأمنية التي قد تنفجر عند أول اختبار لتراتبية القيادة، مما يجعل هذا المسار محكوماً بتوازن القوى على الأرض وبمدى قدرة الضامنين الدوليين على منع انزلاق التنسيق إلى صدام، في ظل إدراك الجميع أن «قسد» ستقاتل سياسياً وأمنياً حتى الرمق الأخير للحفاظ على استقلالية قرارها، بينما لن تقبل دمشق بأقل من عودة جغرافية الشمال الشرقي كجزء لا يتجزأ من النسيج الإداري والأمني والعسكري السوري الشامل، وهو ما يجعل تطبيق الاتفاق عملية معقدة تشبه السير في حقل ألغام سياسي.