قبل أيام، روى رئيس المركز الوطني لسلامة النقل الكابتن طيّ الشمري، قصة طائرة هوت أثناء الهبوط من ارتفاع يقارب 10 أمتار قبل ملامسة الأرض، وعند التحقيق اكتشف أن الخلل لم يكن في المحركات، ولا الأنظمة ولا الطقس، كان السبب أبسط وأكثر خطورة، عبارات قاسية ولوماً متكرراً، وضغطاً نفسيّاً متصاعداً من القائد إلى مساعده الذي كان يتولى القيادة تلك اللحظة.

في توقيت مقارب، تناقلت وسائل التواصل خبراً عن إيقاف أحد طيّاري شركة EVA Air التايوانية بعد حادثة وقعت في قمرة القيادة أثناء التحرك للإقلاع، حيث فقد القائد أعصابه، واعتدى على مساعده مرات عدة، بينما الطائرة تسير إلى المدرج في رحلة من لوس أنجلوس إلى تايبيه.

تفاصيل الحادثة تكشف هشاشة الأسباب؛ فقد وجّه مساعد الطيار (ماليزي) تحذيراً لزميله الطيّار (تايواني)، بأن سرعة التحرك تجاوزت الحد المسموح «30 عقدة» وعندما لم يستجب القائد، استخدم المساعد الفرامل لتقليل السرعة، حينها تفجّر غضب القبطان ووجّه أربع لكمات لمساعده، في وقت ومكان يُفترض أنهما الأكثر انضباطاً وهدوءاً في العالم.

الرحلة أقلعت رغم ما حدث، وواجهت انتقادات واسعة في أوساط سلامة الطيران، إذ رأى كثيرون أن خللاً بهذا الحجم كان يجب أن يوقف الرحلة؛ لأن الطائرة التي تقلع بنفسيات مشوّشة لا تقل خطورة عن طائرة تقلع بخلل تقني.

الشركة فتحت تحقيقاً داخلياً، وأكّدت أن السرعة المسجلة ضمن بيانات الطائرة لم تتجاوز الحدود، فيما بدأت سلطات الطيران التايوانية تحقيقاً مستقلاً لتحديد ما إذا كان في التصرفات خرقاً للسلامة.

«الهوشات» بين الطيارين ليست خيالية، ولا حكراً على ثقافة أو شركة بعينها، هي تحدث أحياناً محلياً وإقليمياً ودولياً، لكن الفارق يكمن في كيفية إدارتها، وفي قدرة المنظومة على إيقاف السلوك الخاطئ قبل أن يتحوّل إلى خطر تشغيلي.

من أجل هذه الحالات وُجد مفهوم CRM، اختصار لـ

Crew Resource Management

وهو ليس برنامجاً تدريبياً ولا دورة علاقات، هو ضوابط عامة وضعها «علماء سلوك وعوامل بشرية» في سبعينات القرن الماضي عبر وكالة الفضاء الأمريكية، بعد أن طُلب منهم تفسير حوادث كانت الطائرات فيها سليمة تقنياً لكن نتائجها كارثية، مثل حادثة تنريفة عام 1977 التي اصطدمت فيها طائرتا B747 على الأرض وراح ضحيتها 583 شخصاً في لحظة واحدة.

المفهوم تطوّر في الثمانينات ليصبح جزءاً من التدريب الرسمي للطيارين، وفي التسعينات لم يعد محصوراً على الكابينة وشمل الإنسان ضمن الطاقم كله.

لسنوات طويلة، كانت قمرة القيادة تُدار بوصفها ساحة سلطة أكثر من كونها مساحة إدارة.. الكابتن في المقدّمة، القرار عنده، والكلمة النهائية له، بينما يتحرك الآخرون داخل هذا الإطار المشحون بالهيبة المهنية، هذا النموذج خدم الطيران في زمنه، لكنه مع تعقّد العمليات وكثافة الحركة كشف ثغراتٍ خطيرةً، لا في الطيران كتقنية إنما في الطيران كمنظومة بشرية.

الـ CRM لا يعني «تنظيم العلاقة بين الطيارين» كما يُختصر أحياناً، إنه إعادة تعريف القيادة بوصفها نظاماً تشغيليّاً متكاملاً، تُدار فيه الموارد البشرية والعقلية والزمنية بدقة لا تقل عن دقة قياس الوقود والارتفاع والسرعة.

الدراسات التي قادت لهذا المفهوم لم تستنتج أن الطيارين لا يعرفون، بل استنتجت ما هو أخطر، كانوا يعرفون، لكنهم لم يتكلموا في الوقت المناسب، أو ترددوا خوفاً من الإحراج، أو سكتوا احتراماً للسلطة، وهي لحظة يتحوّل فيها الصمت من «ذهب» إلى «حطام».

الـ CRM لا ينتزع القرار من القائد، ولا يُضعف هيبته، لكنه يمنع تحوّل السلطة إلى تخويف، ويمنح القائد فريقاً يفكّر معه ليجعل التواصل عنصر أمان إضافياً، فالجملة غير الواضحة خطر، والتلميح في موقف حرج خطأ مهني، والسكوت ليس احتراماً، بل تقصير.

أسوأ ما يمكن أن يحدث في الطيران أن تكون كل الأنظمة تعمل، بينما الصورة الذهنية معطّلة، حينها لا تسقط الطائرة بسبب عطل، إنما بسبب قرار لم يُناقش أو اعتراض لم يُنطق؛ لذلك يدرّب الـ CRM العقل على التيقظ المستمر وإدارة عبء العمل، فالطيار المرهق مهما بلغت خبرته، يقل تقديره للموقف، كما يركّز على إدارة الخطأ، باكتشافه مبكراً واحتوائه قبل أن يتضخّم.

اليوم، امتد الـ CRM إلى المراقبة الجوية وأطقم الضيافة والصيانة وثقافة الشركات نفسها، كل منظومة تحتفي بالسؤال وتحمي الملاحظة، وتقبل التحدي المهني، هي منظومة تقلّ فيها الحوادث حتى لو زادت فيها الحركة.

الـ CRM لا يهدف لجعل الجميع متساوين، لكنّه يسعى لضمان وصول المعلومة الصحيحة في اللحظة الصحيحة، مهما كان قائلها، فالإنسان يخطئ لكن المنظومة التي لا تسمح بالاعتراض هي التي تصنع الكارثة، بينما الفريق المُدار جيداً يكتشف الخطأ قبل أن يصبح عنوان تحقيق.

الإشكالية ما زالت في التطبيق، فلو كان الـ CRM يُطبّق كما كُتِب لما احتجنا إلى مناقشة هذه القصص أصلاً.