أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

الأمير سلطان.. والطيران

في تاريخ الدول هناك أشخاص ارتبطت أسماؤهم بملفات معينة حتى أصبح من الصعب الحديث عن تلك الملفات دون استحضار أدوارهم، وفي تاريخ الطيران السعودي يصعب تجاوز اسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بوصفه أبرز من أسهموا في بناء هذا القطاع وصياغة ملامحه الحديثة، حتى غدا حضوره جزءاً رئيسياً من ذاكرة الطيران في المملكة رغم المناصب الكبرى التي تقلدها.

لطالما راودتني فكرة تأليف كتاب يوثق تلك المراحل، ليس لأن الأمير سلطان كان مسؤولاً عن قطاع الطيران لسنوات طويلة فقط، إنما لأن التحوّلات التي شهدها الطيران السعودي في عهده تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة وطنية متكاملة، وأن توثق للأجيال القادمة باعتبارها جزءاً مهماً من تاريخ المملكة الحديث.

حين نتأمل واقع الطيران السعودي بما يضمّه من مطارات وشركات ناقلة، ومنظومة تشريعية متقدّمة وحضور دولي مؤثر، فإننا أمام نتائج تراكمية جاءت بعد عقود من التخطيط والعمل والبناء، ومن الإنصاف توثيق اللبنات الأولى ومن حمل مسؤولية هذا القطاع سنوات طويلة.

آمن الأمير سلطان بأن الطيران قوة سيادية ورافعة اقتصادية وجسر يربط المملكة بالعالم، لذلك امتد اهتمامه من شراء الطائرات وإنشاء المطارات إلى بناء منظومة متكاملة من التشريعات والأنظمة وتنمية الكفاءات وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الحضور السعودي في المنظمات الدولية.

شهد الطيران المدني السعودي تحت قيادته توسعاً كبيراً في شبكة النقل الجوي، وتحسّناً مستمراً في الخدمات وتطوراً في الأنظمة والإجراءات، بما يتناسب مع النمو الذي كانت تعيشه المملكة آنذاك، وفي نفس الوقت كان الطيران العسكري يسير بخطوات متسارعة نحو التحديث والتطوير، حتى أصبحت المملكة تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الجوية تقدّماً في المنطقة.

إن النجاحات الكبرى تُصنع بالرؤى بعيدة المدى، والاستمرار في البناء، وتأسيس مؤسسات قادرة على البقاء مع مرور الزمن، لهذا أرى أن الحديث عن الأمير سلطان في سياق الطيران لا يكون حديثاً عاطفياً أو احتفالياً بقدر ما هو قراءة موضوعية لتجربة إدارية وتنموية أثرت في قطاع إستراتيجي أصبح اليوم أحد أهم القطاعات التي تراهن عليها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

يرحل الأشخاص، لكن يبقى العمل والأثر الذي تركوه في حياة الناس، وهذه هي القيمة الحقيقية في الأوطان.

اليوم، ونحن نشهد التحوّلات الكبرى التي يعيشها قطاع الطيران في المملكة من توسع غير مسبوق في المطارات، وإطلاق ناقلات جديدة واستثمارات ضخمة، ومستهدفات تجعل المملكة مركزاً عالمياً للطيران، فإن من الجميل أن نستحضر التاريخ الذي بدأت منه هذه المسيرة ونحن ننطلق إلى آفاق مدهشة ترسمها رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هذه الرؤية المباركة التي تأخذ الوطن بكافة قطاعاته إلى مدار آخر من النجاح والازدهار.

ما زالت فكرة الكتاب ترافقني، لا بوصفه كتاباً عن شخصية إنما بوصفه كتاباً عن مرحلة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الطيران السعودي، وعن رجل ارتبط اسمه بهذا القطاع لعقود طويلة حتى أصبح حضوره جزءاً من هويته، والأمير سلطان يستحق عملاً يوثّق علاقته بالطيران، ويستعرض المشاريع والإنجازات والتحديات التي صاحبت تلك المرحلة، ففي هذا تكريم لشخصية رائدة وحفاظ على ذاكرة قطاع أسهم في ربط المملكة بالعالم.

قطاع كان ولا يزال أحد أعمدة التنمية الوطنية السعودية.

منذ ساعتين

سلامة الطيران.. وخداع الأرقام

قبل أيام أصدرت المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) تقريرها السنوي للسلامة، متضمّناً بيانات عام 2025م، وهو من أهم التقارير التي تترقبها صناعة النقل الجوي كل عام، لأنه يقدّم إحصاءات موثوقة ويقيس مستوى السلامة العالمي، ويكشف الاتجاهات التي ينبغي أن تتوقف عندها الحكومات والهيئات التنظيمية، وشركات الطيران، والمختصون.

أول ما يلفت الانتباه في التقرير هو المفارقة التي حملها عنوانه، فقد انخفض عدد الحوادث بينما ارتفع عدد الوفيات، وهي نتيجة قد تبدو متناقضة لكنها تعكس حقيقة أساسية في عالم الطيران، وهي أن سلامة الطيران لا يحكمها عدد الحوادث فقط، إنما شدتها وتأثيرها.

عام 2025 شهد تشغيل أكثر من 38 مليون رحلة تجارية نقلت 4.95 مليار مسافر حول العالم، وهو رقم يقترب من أعلى مستويات الحركة الجوية في تاريخ الصناعة، وخلال هذا التشغيل الهائل انخفض عدد الحوادث من 95 حادثاً في عام 2024 إلى 85 حادثاً، كما تراجعت الحوادث المميتة من 10 إلى 4 فقط، إلا أن عدد الوفيات ارتفع إلى 387 وفاة نتيجة وقوع حادث واحد شديد الخطورة (حادث الطائرة الهندية) وهو ما رفع الحصيلة السنوية بصورة لافتة.

الأرقام تؤكد أن الإحصاءات المجردة قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة إذا جرى التعامل معها بمعزل عن سياقها، فمن ينظر إلى عدد الوفيات فقط ربما يظن أن السلامة تراجعت، بينما تشير بقية المؤشرات إلى أن الصناعة واصلت تحقيق تقدم واضح في الحد من الحوادث وتقليل معدل وقوعها مقارنة بحجم الحركة الجوية المتزايد.

من أكثر المؤشرات أهمية في التقرير معدل الحوادث لكل مليون رحلة، حيث بلغ 2.23 حادث لكل مليون رحلة، وهو أفضل أداء عالمي منذ عام 2021 مما يعني استمرار التحسّن في كفاءة الأنظمة، رغم النمو المتسارع في أعداد الرحلات والمسافرين.

التقرير سلّط الضوء أيضاً على طبيعة المخاطر الأكثر حضوراً، فقد بقي فقدان السيطرة أثناء الطيران (LOC-I) والاصطدام أثناء الطيران (MAC) والاصطدام بالتضاريس (CFIT) ضمن أهم المخاطر التي تستوجب اهتماماً دائماً، إلى جانب الحوادث المرتبطة بالمدارج والاضطرابات الجوية الشديدة، كان لافتاً أن الاضطرابات الجوية أصبحت تمثل نسبة متزايدة من الإصابات بسبب زيادة الظواهر الجوية المتطرفة التي تشهدها مناطق عديدة من العالم.

التقرير تناول كذلك أداء الدول في تطبيق نظام الرقابة على السلامة، حيث بلغ المتوسط العالمي للتطبيق الفعّال 68.8%، بينما تجاوزت 46% من الدول هدف منظمة الطيران المدني الدولي البالغ 75%. ورغم هذا التقدّم، ما زالت مجالات مثل «التحقيق في الحوادث» و«إدارة المخاطر» تتطلب مزيداً من التطوير في عدد من الدول.

من الجوانب المهمة التي كثيراً ما تغيب عن الأذهان، أن سلامة الطيران ليست مسؤولية الطيار أو شركة الطيران وحدهما، بل هي مسؤولية منظومة متكاملة تبدأ من التشريعات، وتمتد إلى تصميم المطارات، وصيانة الطائرات، وتأهيل المراقبين الجويين، وإدارة المجال الجوي، وجودة التدريب، وثقافة الإبلاغ عن الأخطاء، وانتهاءً بعمليات التحقيق التي لا تبحث عن المذنب بقدر ما تبحث عن السبب حتى لا يتكرر.

لهذا أصبحت صناعة الطيران من أكثر الصناعات اعتماداً على مفهوم إدارة المخاطر الاستباقية، فهي تعتمد على تحليل ملايين البيانات اليومية لاكتشاف المؤشرات المبكرة قبل أن تتحول إلى حادث فعلي، وهذا التحوّل في فلسفة السلامة كان أحد أهم أسباب الانخفاض المستمر في معدلات الحوادث خلال العقود الماضية.

في منطقتنا، يعكس التقرير أهمية استمرار الاستثمار في البنية التنظيمية والرقابية، خصوصاً مع الطفرة التي يشهدها قطاع الطيران في المملكة العربية السعودية، سواء عبر توسع الناقلات الوطنية، أو مشاريع المطارات الجديدة، أو المستهدفات الطموحة للإستراتيجية الوطنية للطيران. فكل زيادة في أعداد الرحلات تستوجب نمواً موازياً في قدرات الإشراف، والتدريب، وإدارة الحركة الجوية، والمحافظة على ثقافة السلامة باعتبارها أولوية لا تقبل المساومة.

ويبقى الدرس الأهم الذي يقدّمه تقرير هذا العام أن النجاح الحقيقي هو أن تصل الرحلات بسلام دون أن يشعر أحد بما عملت عليه آلاف العقول خلف الكواليس.

في عالم الطيران، أفضل خبر لا يكون الخبر الذي يُنشر، بل الذي لا ينشر لأنه عن رحلة انتهت كما كان مخططاً لها تماماً دون لفت انتباه، فالسلامة الحقيقية هي الإنجاز الذي لا يراه أحد، لكن يستمتع به الجميع.

23:57 | 28-07-2026

معارض الطيران.. ملامح المستقبل

عام 2019 مررت بتجربة شخصية أعتز بها كثيراً، حيث كُلِّفت برئاسة اللجنة الإعلامية في أول معرض طيران دولي يُقام في المملكة العربية السعودية، ثم جاءت جائحة كورونا لتتسبّب في إلغاء نسخة 2021، قبل أن يحل «معرض الدفاع العالمي» مكان «معرض الطيران»، ويحقق نجاحات كبيرة عاماً بعد عام.

منذ تلك التجربة، أصبحت أنظر إلى معارض الطيران نظرة مختلفة، فالزائر يرى الطائرات على الأرض، ويشاهد العروض الجوية الرائعة، والأجنحة التي تعرض أحدث التقنيات، بينما يرى العاملون في هذا القطاع ما هو أبعد بكثير، المكان الذي تُولد فيه الأفكار، وتُرسم فيه ملامح الصناعة لسنوات طويلة قادمة.

أمس الأول انطلق حدثان يعدّان من أهم معارض الطيران في العالم، معرض فارنبرة الدولي في المملكة المتحدة، ومعرض أوشكوش في الولايات المتحدة. وقد يظن البعض أن المعرضين يؤديان الدور نفسه، بينما الحقيقة أن كلاً منهما يمثل مدرسة مختلفة في عالم الطيران.

فارنبرة يمثل عالم الصفقات والتكنولوجيا والسياسات الصناعية، فيه تلتقي الحكومات والمصنّعون، وشركات الطيران، وشركات المحركات ومطوري الأنظمة، وهيئات الطيران والمستثمرين.

في أروقته تُعلن طلبيات بمليارات الدولارات، وتُكشف برامج جديدة، وتُناقش تشريعات وتنظيمات تؤثر في مستقبل الصناعة بأكملها. كثير من القرارات التي غيرت خرائط النقل الجوي بدأت من قاعات الاجتماعات.

أما أوشكوش، فيمثل ثقافة الطيران والمجتمع والهواة، والابتكار من القاعدة إلى القمة، يلتقي فيه الطيار المتقاعد مع الطالب المستجد، وصانع الطائرات المنزلية مع مهندس عمل في أكبر شركات العالم، والعائلة التي جاءت لمشاهدة العروض مع طفلها الذي يحلم بأن يصبح طياراً.

في أوشكوش يُقدَّم عالم الطيران بوصفه شغفاً وثقافة وأسلوب حياة، وليس مجرد صناعة.

هذا الاختلاف يعطينا صورة متكاملة عن صناعة الطيران. فالمصانع تحتاج إلى أسواق، والأسواق تحتاج إلى مستخدمين، والمستخدمون يحتاجون إلى مجتمع يؤمن بالطيران ويستثمر فيه ويتفاعل معه ويقوده نحو المستقبل، لذلك حافظ المعرضان على مكانتهما لعقود طويلة، رغم اختلاف فلسفة كل منهما.

أيضاً تؤدي معارض الطيران وظيفة اقتصادية مهمة، فالشركات تستعرض منتجاتها وتبحث عن عملاء وموردين وشركاء ومستثمرين، وفي الوقت نفسه تستفيد الدول المستضيفة من تدفق الوفود، وأنشطة الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، والتغطيات الإعلامية العالمية، وهي مكاسب تبقى آثارها حتى بعد انتهاء المناسبة.

غير أن الجانب الأهم هو بناء الإنسان، آلاف الطلاب يزورون هذه المعارض، ويلتقون بطيارين ومهندسين وروّاد فضاء وخبراء تصنيع، وكثير من المسارات المهنية تبدأ من زيارة واحدة، أو حديث قصير أو تجربة داخل قمرة قيادة، أو مشاهدة محرك تم تفكيكه أمام الجمهور، الاستثمار الحقيقي يبدأ بإلهام الأجيال.

السعودية تدرك قيمة هذه الفعاليات، لذلك شهدت السنوات الأخيرة حضوراً سعودياً متنامياً في أهم معارض الطيران العالمية، سواء عبر الهيئة العامة للطيران المدني، أو شركات الطيران أو المؤسسات الوطنية العاملة في القطاع. وهذا الحضور يعكس حجم التحول الذي يشهده قطاع الطيران، ويعزّز فرص جذب الاستثمارات ونقل المعرفة وبناء العلاقات مع الشركاء الدوليين.

وقد أثبت معرض الدفاع العالمي الذي يقام كل عامين في ملهم (شمال الرياض)، أن المملكة قادرة على تنظيم فعاليات دولية بمستوى رفيع، تجمع بين التنظيم الاحترافي والحضور الدولي والزخم الإعلامي والمردود الاقتصادي.

تنظيم المعارض الكبرى أصبح صناعة قائمة بذاتها، وليست مجرد حدث يقام ثم ينتهي، وعندما تُفتح أبواب فارنبرة وأوشكوش في اليوم نفسه، تبدو الصورة وكأن العالم يحتفل بالطيران بطريقتين مختلفتين؛ الأولى تتحدث بلغة الاقتصاد والإستراتيجية، والثانية تتحدث بلغة الشغف والإنسان، وبين اللغتين تنمو الصناعة وتتطور تقنياتها وتتوسع أسواقها، وتجد الأجيال الجديدة فيها آفاقاً للتحليق.

تنتهي المعارض بعد أيام، وتغادر الطائرات مكان العرض وتزال ديكورات الأجنحة، لكن الأثر يبقى سنوات طويلة في ملفات الشركات وخطط الحكومات، وأحلام الشباب ومستقبل صناعة لا تزال تثبت أن السماء هي معرضها الأكبر.

23:58 | 21-07-2026

سماء السعودية فوق الضجيج..

المجال الجوي في الطيران المدني تحكمه القوانين وتحميه الاتفاقيات، وتديره الدول وفق قواعد دقيقة تراكمت على مدى عقود.

كل طائرة تعبر من دولة إلى أخرى تظل داخل منظومة عالمية هدفها حماية الأرواح، وضمان انسياب الحركة الجوية، وإبعاد النقل المدني عن نزاعات السياسة والحروب.

من هنا تأتي سذاجة التصريح الذي أطلقه المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، حين حذر شركات الطيران من عبور الأجواء السعودية. هذا الهراء لا يمكن وضعه في خانة الخطاب السياسي أو الدعاية العسكرية، لأنه موجه بصورة مباشرة إلى شركات مدنية، وطائرات تحمل مسافرين من دول مختلفة، وتعبر ممرات جوية تخدم حركة الطيران بين قارات العالم.

منذ توقيع اتفاقية شيكاغو عام 1944م، عمل المجتمع الدولي على بناء نظام للطيران المدني يقوم على سيادة الدول على أجوائها، والتعاون بينها وحماية الرحلات المدنية من التدخلات غير المشروعة، ثم جاءت اتفاقيات طوكيو ولاهاي ومونتريال لتشدّد على تجريم الاعتداء على الطائرات والمطارات وسلامة الملاحة الجوية، هذه المنظومة لم تنشأ لحماية شركة أو دولة بعينها، وإنما لحماية الإنسان حين يكون داخل طائرة على ارتفاع آلاف الأقدام.

أي تهديد للطيران المدني يضرب جوهر هذا النظام العالمي، فالطائرة التجارية لا تحمل صفة عسكرية، والمسافرون ليسوا طرفاً في أي نزاع صادف أن رحلتهم مرّت من فوقه، وعندما تهدد جماعة مسلحة حركة الطيران العالمي فهي تعلن تمردها على القانون الدولي، وتكشف استعدادها لاستخدام أرواح المدنيين كورقة مساومة.

هذا السلوك الهمجي ينسجم مع تاريخ الحوثيين في استهداف المطارات والمنشآت المدنية وتهديد الممرات البحرية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي كل مرة تحاول هذه الجماعة تغليف أفعالها بشعار سياسي، يظهرها الواقع عاريةً أمام العالم، فهي مجرد مشروع تمرد يعتمد على السلاح ويعيش على التوتر، ويستمد حضوره من الخوف الذي يصنعه في بلده.

في المقابل تقف المملكة العربية السعودية بسياسة هادئة وصبر طويل.

حيث تعرّضت السعودية خلال سنوات لاعتداءات متكررة كان في مقدورها أن تتعامل معها بمنطق مختلف، مع ذلك أبدت حرصها على أمن المنطقة ومصالح شعوبها، وقدمت الحل السياسي ودعمت الجهود الإنسانية، وفتحت أبواب الحوار، وراعت أوضاع الشعب اليمني رغم ما تعرّضت له من تنكر ومزايدات.

هذا النهج العقلاني صادر عن دولة تعرف مكانتها، فالسعودية تدرك أن دورها يتجاوز حدودها وأن قراراتها تنعكس على محيطها وعلى الاقتصاد العالمي وعلى استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة والطيران، لذلك لا تدير سياستها بانفعال لحظي، ولا تسمح لمناكفات الجماعات الصغيرة أن تدفعها إلى خيارات قصيرة النظر.

الأجواء السعودية اليوم شريان رئيسي في شبكة الطيران العالمية، وموقع المملكة في قلب حركة الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا منح مجالها الجوي أهمية استثنائية، كما أن استقرارها وتطور بنيتها التحتية جعلاها جزءاً أساسياً من انسياب الرحلات الدولية، حيث تعبر آلاف الطائرات هذه الأجواء، تحمل ملايين المسافرين وتربط مدناً واقتصادات وأسواقاً في جهات العالم الأربع.

هذه القيمة تبنيها الدولة بالأمن والكفاءة والالتزام ولا تصنعها الشعارات الفارغة.

في الوقت الذي تستثمر فيه السعودية بالمطارات والملاحة الجوية وتوسيع الشبكات وربط العالم، تقف مليشيا مأزومة ومهزومة لتلوّح بتهديد الطائرات المدنية، هنا يظهر الفارق بين مواقف دولة تضيف للعالم، وجماعة تبحث عن تعطيل مصالحه.

التاريخ لا يرحم المشاريع القائمة على الكراهية والتهديد، بينما يحتفظ بأثر من بنى وغرس، السعودية تعرف هذه الحقيقة لذلك تمضي بثقة دولة كبيرة، فيما يكرر الحوثي اللغة نفسها التي استخدمها كثيرون قبله، ثم انتهوا خارج المشهد.

من يحمي السماء يحمي العالم، ومن يهددها يعلن عداءه للإنسان، هذه الحقيقة تختصر المشهد كله، دولة تحفظ الاستقرار الدولي، ومليشيا تتغذى على الفوضى.

00:08 | 15-07-2026

طائرة رونالدو.. حينما يحمل الطيران أعمارنا

منذ سنوات، لم تكن الطائرة الخاصة لكريستيانو رونالدو مثل بقية الطائرات، كانت جزءاً من حكايته.

نقلته من مانشستر إلى مدريد، ومن مدريد إلى تورينو، ثم إلى الرياض، وبين كل هذه المحطات عشرات الملاعب والبطولات والمؤتمرات واللحظات التي صنعت إحدى أشهر القصص الرياضية في العصر الحديث. لم تكن الرحلات مجرد تنقل بين المدن، كانت انتقالاً بين مراحل العمر، حيث كان كل هبوط يفتح فصلاً جديداً، وكل إقلاع يقوده إلى حلم أكبر من السابق.

الطائرة نفسها التي اعتادت أن تعود محملة بالانتصارات، أقلعت هذه المرة من كأس العالم وهي تحمل شيئاً مختلفاً، حملت الشخص نفسه، لكن بمشاعر مغايرة آمنت أن بعض الرحلات لا تعود.

هناك رحلات لا تختلف مسيرتها، لكن يختلف معناها؛ لأن الإنسان حين يعود منها لا يكون الإنسان الذي غادر.

الطيران يتعامل مع الرحلات بالأرقام، رقم الرحلة ووقت الإقلاع والوصول، وعدد ساعات الطيران، أما الإنسان فيقيس رحلته بما تركه من أثر، وما تركه رونالدو أكبر من أن يقاس، صحيح أن الأرقام تظل جزءاً من الحكاية، لكن الأثر هو الذي يبقى في الذاكرة بعد أن تُطفأ الأضواء، وتُطوى الصفحات.

لم تكن دموع رونالدو بعد مباراته ضد إسبانيا دموع خسارة مباراة، فاللاعب الذي فاز بكل شيء تقريباً يعرف أن الخسارة واردة، لكن الأصعب من النتيجة هو الإحساس بأن الزمن تجاوز الأحلام، تلك اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى الطريق خلفه، فيكتشف أن ما مضى أصبح أطول بكثير مما بقي، وأن بعض الأبواب تُغلق الآن ولن تُفتح مرة أخرى.

كل إنسان له طائرته الخاصة، ليس بالضرورة أن تكون من أجنحة ومحركات، فقد تكون من الطموح والعمل، تقلع سنوات العمر ونحن نعتقد أن أمامنا وقتاً طويلاً، ثم نكتشف دون إعلان أن الرحلة اقتربت من الهبوط، ربما لهذا يختلف الناس في أحلامهم، لكنهم يتشابهون في شعورهم عندما يقترب آخر المشوار.

في رأيي، تبدو المطارات أماكن استثنائية؛ لأنها لا تستقبل المسافرين بقدر ما تستقبل قصصهم المليئة بالتفاصيل والمسافات، الذين يغادرون إلى بدايات جديدة، والعائدين من مشاوير امتدت على مدى العمر.

في صالاتها يلتقي الفرح بالوداع، وتتعانق البدايات مع النهايات، وكأنها تختصر حياة الإنسان في لوحة واحدة.

أحياناً أنظر إلى الطائرات على أنها محملة بآلاف الأحلام لا المقاعد، وأرى محطات العمر على الطريق تتلاشى بين الشروق والغروب؛ لهذا السبب، كلما أقلعت طائرة، شعرتُ أنها تحمل معها شيئاً من أعمارنا، لا من حقائبنا.

لم تكن قصة رونالدو في مونديال 2026م قصة لاعب خرج من بطولة، بل قصة إنسان ركض طويلاً حتى منتهى الحلم.

أما الطائرة فستظل تفعل الشيء نفسه، تقلع في موعدها، وتحلّق في مسارها، وتعود إلى محطتها، بينما يبقى جزء من صاحبها هناك، في الملعب حيث ترك حلماً عاش معه كل العمر، قبل أن يدرك أن الزمن هو الخصم الوحيد الذي لا يستطيع هزيمته.

00:03 | 8-07-2026

يونيو يرسم ملامح النصف الثاني للطيران

قبل إغلاق الصفحة الأخيرة من شهر يونيو، بدا وكأن صناعة الطيران تعيد ترتيب أوراقها استعداداً للنصف الثاني من العام.

لم يكن أول أشهر الصيف مجرد محطة زمنية، فقد حمل العديد من المؤشرات التشغيلية والاقتصادية التي ربما ترسم ملامح القطاع خلال المرحلة المقبلة، سواءً ما يتعلق بأسواق الطاقة أو بحركة السفر العالمية، أو الاستثمارات الجديدة.

كان من أبرز المؤشرات تراجع التوترات الإقليمية والتوصل إلى اتفاق مبدئي أعاد قدراً كبيراً من الاستقرار إلى المنطقة، وهو ما انعكس على أسعار النفط ووقود الطائرات، وعودة بعض المسارات الجوية التي كانت مغلقة، لتستعيد شركات الطيران جزءاً من مرونتها التشغيلية وتقلص بعض تكاليفها.

مع ذلك، فإن هذا الانخفاض قد لا يؤثر على أسعار التذاكر خلال الصيف، فما زالت الأسعار تخضع لمستويات الطلب المرتفعة ولا يُتوقع أن يظهر الأثر قبل الربع الأخير من العام إذا استمر استقرار الأسعار.

في نفس الوقت، واصل الطلب العالمي على السفر الجوي نموه مع دخول موسم الإجازات، لتؤكد شركات الطيران أن السوق ما زالت تحتفظ بزخمها رغم التحديات التي شهدها النصف الأول من العام، كما استمرت شركات تصنيع الطائرات في تسليم الطلبيات، في مؤشر على الثقة بمستقبل القطاع واستعداد الناقلات لتوسيع أساطيلها.

محلياً، كان شهر يونيو لافتاً لصناعة الطيران السعودية، حيث انطلق «طيران الرياض» رسمياً في احتفال كبير مع استلام أربع طائرات جديدة، كما تسلّمت الخطوط السعودية أول طائرة من طراز A321XLR، بالتزامن مع فوزها بعدة جوائز عالمية، فيما حصل طيران ناس على تصنيف الأربع نجوم من سكاي تراكس للناقلات الاقتصادية، وأعلن افتتاح مركز عملياته الجديد في القصيم، وبنفس الوقت كشفت «ناس سورية» عن بدء رحلاتها بين دمشق وعدد من المدن الأوروبية، في تأكيد لأثر الطيران السعودي على الأسواق الإقليمية.

مطار الملك خالد حقّق المركز 14 ضمن قائمة أفضل 100 مطار في العالم، فيما شهد مطار الملك عبدالعزيز اختتام موسم الحج بنجاح تشغيلي مميز يعكس قدرة منظومة الطيران السعودية على إدارة واحدة من أكبر عمليات النقل الجوي الموسمية في العالم، عبر تنسيق متقن بين المطارات والناقلات والجهات التشغيلية والأمنية والخدمية.

خليجياً، واصلت الشركات الناقلة تعزيز حضورها، واقتربت من استعادة مستوياتها التشغيلية التي سبقت الأزمة، مدعومة بأحدث الأساطيل وزيادة السعات وتوسيع الشبكات الدولية، فالمنطقة واحدة من أكثر أسواق الطيران نشاطاً واستثماراً على مستوى العالم.

حمل يونيو كلّ هذه الرسائل، وكأنه يرسم صورة واضحة للنصف الثاني من عام 2026، لم تختفِ التحديات لكن مؤشرات الثقة تبدو أكثر حضوراً.

استقرار أسواق الطاقة وعودة المسارات الجوية، واستمرار الطلب العالمي، وتسارع الاستثمارات، كلها عوامل تمنح القطاع قاعدة أكثر صلابة للنمو، ويبقى العامل الأهم خلال الأشهر المقبلة هو قدرة شركات الطيران على استثمار هذا التحسّن التشغيلي مع الحفاظ على الكفاءة وإدارة التكاليف، في سوق لا تزال سريعة التغيّر وشديدة الحساسية.

00:00 | 1-07-2026

الكتابة على السماء

هناك فارق بين أن تكتب عن الطيران أو تكتب عن أي قطاع آخر، ليس لأن الطيران أكثر أهمية أو تعقيداً، إنما لأنك تكتب عن عالم ضد التسرع، لا يسمح للكلمات أن تسبق الحقائق.

في السياسة بإمكانك أن تبني رأياً على قراءة جيدة للمواقف، وفي الرياضة يمكن أن تنحاز لفريق أو رواية، وفي الاقتصاد تتعدد المدارس والنظريات، أما في الطيران فإن الحقيقة غالباً تكون مرتبطة بإجراءات ولوائح وتقارير، وسلسلة طويلة من الأسباب التي لا تظهر للعلن؛ لذلك قد يبدو هامش النقد في الطيران أضيق مما يظنه البعض، لكنها طبيعة هذا العالم، فالطيران ليس ساحة للمزايدات قدر ما هو منظومة تقوم على الانضباط والدقة، وعندما تتعلق الأمور بسلامة البشر تكون المسؤولية الأخلاقية في الكلمة أكبر من أي فرصة إثارة، فكلمة واحدة غير دقيقة قد تصنع انطباعاً مضللاً أو تهز الثقة.

ولذلك فإن الكتابة عن الطيران لا تبدأ من الخبر بقدر ما تبدأ من فهم المنظومة التي صنعته، فالكاتب يحاول أن يقرأ العلاقات الخفية بين الأنظمة والقرارات والتقنية والإنسان؛ لأن الحدث في الطيران غالباً ليس سوى النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الأسباب.

كل رحلة تحمل كثيراً من القصص التي لا يراها المسافرون، يمكن الكتابة عن الاقتصاد من نافذة الطيران، وعن التقنية من قمرة القيادة، وعن الإدارة من برج المراقبة، وعن الفلسفة من فكرة الإنسان الذي قرر منذ آلاف السنين أن يتحدى الجاذبية ونجح.

ويذهب الطيران أبعد من ذلك فيعيد تعريف الزمن نفسه، تأخير عشر دقائق قد يعني فقدان مئات المسافرين لرحلاتهم اللاحقة وبالتالي تعطل طائرات في مطارات أخرى، وإعادة جدولة الأطقم، وخسائر مالية تمتد عبر قارات الأرض.. هنا يصبح الزمن قيمة تشغيلية لا أرقاماً تتحرك.

الكتابة عن الطيران ليست كتابة عن الطائرات أو المطارات فقط، إنها كتابة عن الإنسان حين يحاول جعل العالم أصغر والمسافات أقرب والحدود بوابات، هي كتابة عن الأثر قبل الحدث، ولعل أكثر ما يجذب في هذا المجال أن زوايا التناول لا تنتهي، كلما ظننت أنك كتبت كل شيء اكتشفت أفقاً جديداً تحلق فيه الحروف، لهذا لا تشعر أنك تقترب من محطة أخيرة.

الطيران مرآة تعكس حالة الاقتصاد والسياسة والتقنية، والطاقة والسياحة والتجارة، وحتى المزاج العالمي، وهنا تكمن متعة الكتابة عنه وفيه، أن تلتقط العلاقة بين الأشياء قبل أن يراها الآخرون، أن ترى الخبر الصغير وهو يخفي وراءه حكاية كبيرة.

كلما سمعت سؤال: ألم تتعب من الكتابة في الطيران؟

أقول: لا؛ لأنني أكتب عن حضارة تتحرك وعن أحلام تحلّق، وطريق طويل يبدأ بفكرة قصيّة، وينتهي بعوالم أكثر قرباً واتصالاً.

المتعة الخفية أنه كلما حلّقت الطائرات اتسعت سماء الكتابة.

00:26 | 24-06-2026

ما بعد التوتر.. إلى أين يتجه الطيران؟

عندما تتوتر الجغرافيا على الأرض تتغيّر خرائط الطيران في السماء، فالمسارات التي كانت تقطع المنطقة خلال ساعات قليلة تضطر للالتفاف مئات الأميال وزيادة ساعات إضافية، حيث تجد شركات الطيران نفسها أمام واقع تشغيلي أكثر كلفة وأقل طمأنينة.

خلال الأشهر الأخيرة عاش قطاع الطيران في المنطقة واحدة من أكثر الفترات تعقيداً، سادت حالة من عدم اليقين، وأُغلقت أجواء وفُرضت على شركات الطيران مسارات طويلة، ما أدى لارتفاع التكاليف مع كل ميل تقطعه الطائرات بعيداً عن مساراتها المعتادة.

هذا الأسبوع، ومع ظهور مؤشرات إيجابية على إنهاء الحرب عاد السؤال الذي يشغل شركات الطيران والمطارات والمستثمرين، ماذا بعد ذلك؟

الإجابة المختصرة هي أن القطاع يتجه نحو مرحلة أكثر وضوحاً، لكن التعافي لن يكون سريعاً، فالطيران بطبيعته صناعة حسّاسة لأي عامل، عندما تتراجع المخاطر يبدأ المسافر بالتخطيط لرحلاته بثقة، وتستعيد الأسواق هدوءها، وتعود الشركات إلى تصميم جداولها التشغيلية، لكن هذه التغيّرات تحتاج وقتاً حتى تتحوّل من توقعات إلى أرقام حقيقية.

من أبرز التحوّلات موضوع «المسارات الجوية»، فخلال فترات التوتر تجنّبت الناقلات بعض الأجواء، الأمر الذي أدى إلى زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود. مع تحسن المشهد تدريجياً قد تبدأ بعض الشركات في إعادة تقييم المسارات وإعادة فتح خطوط جوية كانت أقل جدوى خلال الأشهر الماضية.

الجانب الآخر يتعلّق بأسعار الطاقة، فكلما انخفضت المخاطر حول إمدادات النفط وتدفّقت التجارة عبر مضيق هرمز تراجعت الضغوط على الأسواق، ورغم أن أسعار الوقود لا تتغير في ليلة وضحاها، إلا أن استقرارها يمنح شركات الطيران قدرة أكبر على التخطيط، خاصةً أن الوقود ما يزال أحد أكبر عناصر التكلفة في الصناعة.

أيضاً يراقب قطاع الشحن الجوي التطورات باهتمام، فهدوء المنطقة يعني انسيابية أكبر في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

من الخطأ الاعتقاد أن بوادر الاتفاق وحدها ستعيد الأمور مباشرةً إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، فشركات الطيران تتخذ قراراتها بحذر شديد، وتحتاج إلى مؤشرات مستقرة ومتواصلة قبل إجراء تغييرات كبيرة في شبكاتها أو زيادة السعات.

العالم اليوم يواجه تحديات لا تقل أهمية عن التوترات السياسية، فهناك أزمة سلاسل التوريد التي ما زالت منذ ما بعد الجائحة تؤثر على تسليم الطائرات الجديدة، ونقص بعض قطع الغيار، والتكاليف التشغيلية المرتفعة، فضلاً عن المنافسة الشرسة بين الناقلات العالمية التي حاولت إعادة التموضع واستثمار الأزمة لصالحها.

مستقبل الطيران في المنطقة لا تحدده نهاية الحرب وحدها، فهو يعتمد أولاً على خطط الشركات لإدارة مرحلة ما بعد الأزمة وتحويلها إلى نمو مستدام.

الجيد أن دول الخليج تذهب للمستقبل وهي تمتلك واحداً من أقوى قطاعات الطيران في العالم. فالمطارات الجديدة تحت التطوير، والناقلات الوطنية تواصل التوسع، فيما مشاريع كبرى مثل مطار الملك سلمان الدولي، وطيران الرياض تستعد للعب دور محوري في إعادة تشكيل خريطة النقل الجوي العالمية خلال السنوات المقبلة.

لهذا يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره نقطة بداية لا نهاية. فالأجواء تستجيب تدريجياً لمجموعة من العوامل التي تعيد بناء الثقة وتفتح المجال أمام الحركة والتجارة والاستثمار.

الحروب عند بدايتها قادرة على تغيير مسار الطائرات خلال ساعات، لكن استعادة الثقة عند انتهائها تحتاج إلى شهور، ومع ذلك فإن أول خطوة في أي رحلة طويلة هي مغادرة منطقة الاضطراب، وهو ما يحدث حالياً في رحلة التعافي الجديدة.

00:04 | 17-06-2026

أربعة دولارات ونصف.. وكل هذا الطيران!

حين يشتري أحدنا تذكرة سفر، ثم يصعد للطائرة ويجلس على مقعده لينشغل بمشاهدة السحب أو متابعة فيلم أو النوم فوق ارتفاع 35 ألف قدم، فإنه غالباً لا يخطر بباله كم ربحت شركة الطيران منه.


مؤتمر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في ريو دي جانيرو هذا الأسبوع كشف جانباً من الأمر، فمتوسط الربح الصافي الذي تحققه شركات الطيران من كل مسافر حول العالم خلال عام 2026 لا يتجاوز أربعة دولارات ونصف الدولار.


4.5 دولار، رقم صغير ينفقه كثير من الناس على كوب قهوة في المطار قبل الرحلة، لكن خلف هذا الرقم الصغير تقف واحدة من أعقد الصناعات في العالم وأكثرها تكلفة.


صناعة تنقل أكثر من 5.1 مليار مسافر في العام، وتشغّل عشرات الآلاف من الطائرات، وتربط القارات والثقافات والاقتصادات، وإيراداتها المتوقعة تتجاوز 1.165 تريليون دولار، مع ذلك تبقى هوامش أرباحها من الأقل بين القطاعات الاقتصادية الكبرى.


في الماضي، كانت شركات الطيران تخشى قلة الركاب، كانت المسألة تتعلق بجذب المسافرين وإقناعهم بالسفر، أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة لأن الطلب موجود والمقاعد تُباع والمطارات مزدحمة بالبشر، ومعدل إشغال المقاعد (حسب المؤتمر) مرشح للوصول إلى 84%، وهو من أعلى المعدلات في تاريخ الطيران.


رغم كل ذلك، لا تبدو شركات الطيران مرتاحة، والسبب أن المشكلة انتقلت من جانب الطلب إلى جانب القدرة على تلبية الطلب.


الناس تريد السفر أكثر، لكن الصناعة تواجه نقصاً في الطائرات وتأخراً في المحركات و ارتباكاً في سلاسل الإمداد، وكذلك ارتفاعاً في تكاليف الوقود، إضافة إلى تحديات جيوسياسية تجعل بعض المسارات الجوية أطول وأكثر تكلفة.


إن الطائرة التي يراها المسافر على البوابة قبل الإقلاع ليست وسيلة نقل فقط، إنها مشروع اقتصادي معقّد يحلّق في مدارات هوامش ربح منخفضة جداً.


ارتفاع بسيط في الوقود يحرق جزءاً من الأرباح، وتأخر ساعة في الصيانة ربما يعطّل شبكة تشغيل كاملة، وإغلاق مجال جوي في منطقة ما قد يضيف زمن طيران وتكاليف لم تكن في الحسبان.


لهذا السبب كانت أهم رسالة خرجت من مؤتمر إياتا هذا العام مختلفة عن السنوات الماضية، فالمجتمعون لم يبحثوا مسألة جذب المزيد من المسافرين، لكن تحدّثوا عن كيفية المحافظة على خدمتهم، فهذه الصناعة يعتمد نجاحها على توازن بالغ الحساسية بين مئات المتغيرات الصغيرة.


مع كل هذه التعقيدات، ما زال موظفو البوابات ينادون بأرقام الرحلات، وما زال الركاب يصطفون أمام الكاونترات، وما زالت الطائرات تسبح مع الرياح وكأن شيئاً من تلك المعارك الاقتصادية لا يحدث خلف الستار.


أربعة دولارات ونصف.. قد يبدو الرقم صغيراً جداً، لكنه يحكي سرَّ صناعة عملاقة ما زالت تحمل العالم فوق أجنحتها، وتواصل الطيران.

00:19 | 10-06-2026

مطار لا ينزع إحرامه

في كل عام، حينما تتجه أنظار المسلمين إلى مكة المكرمة، هناك مكان يعيش المشهد بشكل مختلف، ليس في المشاعر المقدسة، إنما على بعد عشرات الكيلومترات غربها، حيث يقف مطار الملك عبدالعزيز الدولي بوصفه واحداً من أكثر الأماكن ارتباطاً بفكرة الحج الحديثة.

هذا المطار ليس منشأة للنقل الجوي فقط، إنه بوابة زمنية عبرت منها ذاكرة ملايين البشر، وجوه جاءت من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، ولهجات مختلفة، وملابس وألوان وأعمار متعددة، كلها تنوي الوجهة نفسها.. مكة.

قبل عقود، كان المطار في مقره القديم بحيّ البغدادية، لم تكن جدة قد تمدّدت ولم يكن الطيران بهذه الضخامة والتعقيد، كانت الرحلات أقل، والطائرات أصغر، والإجراءات أبسط، لكن المشهد الإنساني كان هائلاً.

من هناك بدأت الحكاية الأولى لبوابة الحج الجوية، حتى صار المطار جزءاً من الرحلة الروحية نفسها، لا محطة عبور.

ثمّ جاءت مرحلة الصالات الجنوبية التي ارتبطت في ذاكرة السعوديين والمسافرين بصور من الحراك البشري، أصوات النداءات، عربات الحقائب، الباصات المتنقلة، ازدحام المواسم، ورائحة السفر القديمة التي يعرفها أبناء جيل عاشوا زمن المطارات قبل التحوّل الرقمي.

في تلك المرحلة تحديداً، بدأت جدة تتحوّل إلى مركز جوي عالمي مرتبط بالحج والعمرة كعملية تشغيلية معقّدة، تتطلب تنسيقاً هائلاً بين الطيران والملاحة والجوازات والنقل والخدمات الأرضية، لكن اللحظة الأكثر رمزية ربما جاءت مع إنشاء صالات الحجاج الشهيرة، التي كانت إعلاناً مبكراً عن فهم سعودي مختلف لفكرة استقبال الحجاج جواً.

تحوّلت الصالات، بخيامها البيضاء الشهيرة إلى واحدة من العلامات المعمارية المعروفة عالمياً، حتى أن كثيراً من المتخصصين في هندسة المطارات كانوا ينظرون إليها بوصفها تجربة فريدة تمزج الوظيفة بالرمزية الثقافية، ولم تكن شهرتها معمارية فقط، بل إنسانية أيضاً؛ لأنها استقبلت عبر عقود ملايين الحجاج القادمين من أنحاء العالم الإسلامي، حتى أصبحت لدى كثير منهم أول صورة حقيقية للمملكة.

الجميل في مطار الملك عبدالعزيز أن تاريخه لا يُقرأ عبر الخرسانة والمدارج، بل عبر القصص البشرية التي مرّت منه، هذا المطار شاهد على لحظات لا يمكن كتابتها بسهولة، دموع الوصول الأولى، ارتباك الذين يركبون الطائرة لأول مرة، ووجوه كبار السن الذين ظلوا يحلمون بالحج عشرات السنين.

مع مرور الوقت، تغيّر كل شيء تقريباً في صناعة الطيران، كبرت الطائرات، وتعقّدت الأنظمة، وتحوّلت المطارات إلى مدن ذكية مكتملة الخدمات، لكن مطار جدة بقي محتفظاً بشخصيته المختلفة؛ لأنه يتعامل مع واحدة من أكبر الحركات البشرية الموسمية في العالم.

اليوم، مع الصالة رقم 1، تبدو الحكاية وكأنها دخلت مرحلة جديدة بالكامل. واجهات ضخمة، تقنيات تشغيل متقدّمة، أنظمة ذكية، وربط متسارع مع مشاريع النقل الحديثة، لكن خلف كل هذا التطور ما زالت الفكرة القديمة نفسها حاضرة، أن هذه البوابات هي نقاط عبور روحية تربط الأرض بملايين القلوب المتطلعة للسماء.

في قطاع الطيران، لا توجد مطارات كثيرة تستطيع إدارة هذا الحجم الموسمي الهائل بالكفاءة نفسها؛ لأن الأمر يعتمد على خبرة تراكمت عبر عقود طويلة، لذا لا يبدو مطار الملك عبدالعزيز مجرد مكان، إنما جزء من ذاكرة الحج العالمية، فكما ارتبطت القوافل قديماً بطرق الصحراء والبحر، ارتبط الحج في عصرنا هذا بمدارج جدة وشاشات الوصول وأصوات الطائرات القادمة من كل جهات الأرض.

هناك مطارات تصنعها المدن، وهناك مطارات تصنعها الجغرافيا، لكن مطار الملك عبدالعزيز صنعته الحكاية ذاتها، حكاية الملايين الذين مرّوا منه في طريقهم إلى مكة، ثم عادوا وهم يحملون في ذاكرتهم صورة أول بوابات الأرض نحو السماء.

00:05 | 3-06-2026