أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

أخلاقيات الإنترنت فوق السحاب

كانت الرحلات الجوية شكلاً من أشكال «العزلة الاختيارية» التي يفرضها الواقع.. عزلة يدخلها المسافر حين يغلق هاتفه أو يضعه على «وضع الطيران» ويستسلم لإيقاع أزيز المحركات وحفيف الهواء.

كان الانفصال عن العالم جزءاً من تجربة السفر، فسحة زمنية خارج الشبكة، بلا إشعارات ولا مكالمات.

هذا المشهد بدأ يتغيّر مع انتشار الإنترنت عالي السرعة على متن الطائرات، تحوّلت كابينة الركاب من مساحة (أوفلاين) إجبارية، إلى بيئة متصلة بالعالم على مدار اللحظة.

هذا التحوّل، على الرغم من كونه قفزة في رفاهية السفر، إلا أنه يفتح الباب لتحديات أخلاقية وسلوكية جديدة، فكيف يمارس الراكب حقه في الاتصال دون أن يصادر حق الآخرين بالهدوء؟

الطائرة ليست مقهى ولا حديقة ولا حتى مساحة عمل، هي بيئة مغلقة، ضيّقة نسبياً، يتشاركها غرباء من كل المستويات لساعات عدة، ويُجبرون بحكم الواقع على القرب المكاني والسمعي والبصري، هنا يفقد البصر حدوده العادية ويتعرّض السمع لإزعاج قسري.

توفر الإنترنت المجاني ربما يخلق نوعاً من «السيولة السلوكية»؛ لأن المسافر صار متاحاً للمكالمات والبث المباشر والردود الفورية، وكأن الطائرة امتداد لغرفته الخاصة.

المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في نسيان السياق الذي تُستخدم فيه، وتتجلى الإشكالية في المكالمات الصوتية والمرئية والبث المباشر.

تخيّل رحلة ليلية طويلة، وأضواء المقصورة خافتة، والركاب يحاولون النوم، فيما أحدهم يجري بثاً مباشراً ليحكي تفاصيل وجبته بصوت مرتفع، هذا «تلوث ضوئي وسمعي» مستفز، ما يجعل خفض السطوع وتفعيل الوضع الليلي سلوكاً واجباً لمراعاة الجار الذي يحاول أن يغفو على بُعد سنتيمترات، ليس من حق أحد أن يجعلك خلفية فلوق أو قصة، ولا أن يوضع طاقم الطائرة في محتوى لا علاقة لهم به.

التحدي يمتد ليشمل «الأمان الرقمي»، فالمسافر الذي يحوّل مقعده لمكتب عمل مفتوح، يعرّض بيانات شركته لنظر المتطفلين، كما أن إجراء اجتماعات العمل عبر «التطبيقات» ينتهك خصوصية الهدوء وخصوصية المعلومات.

أيضاً، لا يقلّ الإزعاج السمعي في الألعاب الإلكترونية الجماعية عن المكالمات، فحماس الأطفال أو الشباب أثناء اللعب قد يكون عادياً في المنزل، لكنه داخل الطائرة سيكون فوضى، مما يجعل استخدام سماعات الرأس التزاماً أخلاقياً، كما أن وضع الأجهزة على الصامت هو أبسط قواعد الذوق؛ لأن صوت التنبيهات في مقصورةٍ هادئة صداع غير مبرر.

الإنترنت فوق السحاب نعمة حقيقية تكسر عزلة السفر، لكنها دون «إتيكيت رقمي» قد تتحوّل إلى مصدر احتكاك يفسد التجربة ويقتل لحظات التأمل التي كانت تمنحها الرحلات سابقاً، والمسؤولية هنا تقع على المسافر وشركات الطيران، فالشركات مطالبة بصياغة ميثاق سلوك واضح يبدأ بتنبيهات قبل الإقلاع، وقد يصل مستقبلاً إلى تخصيص «مناطق صامتة» تمنع فيها الضوضاء الرقمية تماماً.

أن نكون «متصلين بالعالم» أمر رائع، لكن الأهم أن نظل «متصلين بإحساسنا بالآخرين» وبحقهم في السكينة، حتى ونحن نحلّق فوق الغيوم.

00:00 | 21-01-2026

مليون حركة جوية.. سماء السعودية لا تنام

في الدقائق الأولى من العام الجديد، بينما كان العالم مشغولاً بالعدّ التنازلي وطقوس الاحتفالات، كانت هناك طائرات تعبر المحيطات، وأخرى تهبط في اليوم السابق عكس اتجاه الزمن، وثالثة تنتظر إذن الإقلاع لتسابق الشمس في الشروق.

لم تتوقف العمليات لتعلن بداية عام، ولم تُغلق شاشات الرادار، ولم يتغيّر شيء في عالم الطيران سوى أرقام التاريخ؛ لأن الطيران لا يبدأ من الصفر.

مطلع العام، أعلنت شركة الملاحة الجوية السعودية أنها أدارت مليون حركة جوية في عام 2025م، وهو رقم ضخم في قواميس الطيران العالمية، إذا ما قيس بضوابط السلامة وصرامة الإجراءات والمعايير الدولية.

مليون حركة جوية، ليس إنجازاً تشغيلياً فقط، إنه قبل ذلك علامة فارقة تؤكد أن سماء الوطن دخلت مرحلة مختلفة.

«مليون حركة جوية» تعني مليون قرار دقيق، ومليون لحظة تركيز، ومليون مرة كان فيها الإنسان حاضر الذهن خلف الأجهزة وأمام المستقبل.

هذا الرقم لا يُورد إحصائيةً بقدر ما يُروى حكايةً مليئةً بالتفاصيل، حكاية أجواء شهد العالم أنها ليست هامشية على الخرائط، وأنها أصبحت ممراً رئيسياً في شبكة جوية معقدة.

في كثير من الصناعات، يُنظر إلى العام الجديد على أنه صفحة بيضاء، أما الطيران فلا يقلب الصفحة، هو يدخل العام محمّلاً بما قبله، ويخرج منه بأثقال جديدة.

السماء لا تمحو السجلات.. بل تراكمها، وكل عام يضيف طبقة جديدة من الضغوط والتحديات.

وعلى امتداد المشهد العالمي الحالي، تشير التقديرات إلى تسجيل أكثر من 100 ألف رحلة جوية يومياً، أي ما يتجاوز 36 مليون رحلة سنوياً، تنقل قرابة 6 مليارات من البشر، واللافت أن جزءاً متزايداً من هذا الزخم بات يعبر منطقتنا، ومعه تتغير أدوار الدول ومواقعها على خرائط النقل الجوي.

إدارة هذا الحجم من الحركة الجوية تضع السعودية في قلب التحوّل الدولي، نقطةَ ضبطٍ وتنظيمٍ وثقةٍ.

في الطيران، تمر المناسبات بخفة؛ هناك استشعار للزمن، لكن لا وقت للاحتفال؛ لأن الدقة هي اللغة الوحيدة، والاستمرارية هي العنوان الحقيقي.

إدارة مليون حركة جوية ليست ازدحاماً فقط، إنها فوق ذلك طرق جوية صُممت بفاعلية، وتدريب مستمر يجعل هامش الخطأ أضيق، وعناية لحظية بالمؤثرات صغيرها وكبيرها، ومتابعة لا تتوقف.

السماء ليست واسعة كما في المخيلة العامة؛ لأنها في الواقع مجال محسوب بالدقائق، ونقاط تقاطع هائلة، وفواصل تُقاس بالأميال.

هذا الرقم الكبير يمهّد لما بعده، فطموحات السعوديين تنطلق دائماً إلى الأمام وتتجه إلى الأعلى، ومن يدير مليون حركة، يستعد ذهنياً وتشغيلياً لإدارة مليونين وما هو أكثر.

الطموح مشروع، والأرقام ضرورية للقياس، لكن جوهر الطيران لا يتغير؛ فالسلامة لا تقبل القسمة، والثقة لا تُبنى بالسرعة، تُبنى بالاتساق، لذلك كل رحلة تصل بسلام هي نتيجة عمل، وكل بوابة تُفتح لقدوم الغائبين هي محصلة جهد، وكل إقلاع محمّل بالآمال هو مؤشر عطاء.

عاماً بعد عام يتغيّر إيقاع الأجواء السعودية، تزداد الكثافة والمسؤوليات، ويتحوّل المجال الجوي إلى اختبار يومي للجاهزية والمرونة والانضباط، تقوده منظومة الملاحة الجوية السعودية بوصفها العقل المنظّم لهذا الفضاء.

في الدقيقة الأولى من العام كانت الطائرات تعبر السماء؛ لتذكرنا بأن ما يتغيّر ليس الوقت فقط، إنما القرب من تحقيق طموحات وطن لا يتوقف عن التقدم.

00:05 | 14-01-2026

السعودية.. وأمن أجواء اليمن..

منذ بدايات تشكّله، كان الطيران المدني في اليمن أحد أهم وسائل ربط الجغرافيا الوعرة في جنوب الجزيرة العربية بالعالم الخارجي، ومع اتساع رقعة البلاد وتعدّد مدنها وتباعدها، أصبح الطيران ضرورة تنموية واجتماعية، وعنصراً أساسيّاً في حركة الأفراد والاقتصاد والتواصل الإنساني.

لاحقاً، تطوّر القطاع تدريجياً عبر مطارات رئيسية وناقل وطني ومجال جوي اندمج في شبكة الطرق الجوية الإقليمية، وأدّى دوره ضمن المعايير الدولية المعروفة، وإن ظلَّ بإمكانات محدودة وموارد شحيحة.

خلال عقود ما قبل الحرب الداخلية، كان التقدّم بطيئاً لكنه مستمر، غير أن التحوّل الجذري جاء مع اندلاع الصراع، حيث تراجع القطاع بشكل كامل، فأُغلقت مطارات، وتضررت بنى تحتية، وتقلص الأسطول، وتحوّل المجال الجوي إلى ملف سيادي شديد الحساسية.

شكّل إغلاق مطار صنعاء الدولي نقطة فاصلة، فهو المطار الأكبر، والشريان الإنساني لملايين اليمنيين، ونافذة البلد على العالم.

في هذا السياق المربك، برزت أهمية إدارة المجال الجوي قضيةً تتجاوز الداخل اليمني؛ لأن أجواء اليمن تعبرها مسارات جوية دولية تربط الجزيرة العربية بجنوب أفريقيا والبحر الأحمر، وأي خلل في إدارتها يمتد أثره إقليمياً؛ لذلك جاء الدور السعودي، الذي اتسم بالمنهجية المهنية والبعد الاستراتيجي.

منذ سنوات، يُدار المجال الجوي اليمني بدعم وإشراف فني من المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مسؤولية سلامة الملاحة الجوية الإقليمية، هذا الدور لم يكن خياراً قدر ما كان قراراً تم اتخاذه لمنع الفوضى، وتأمين الأجواء، والحيلولة دون الفراغ التشغيلي.

الدعم السعودي تجاوز توفير البنية التحتية وتعزيز الأدوات إلى عمقٍ أكثر استدامة، حيث امتد إلى الاستثمار في الإنسان اليمني لمصلحة بلده، ففي عام 2017م، جرى تدريب مجموعة من المراقبين الجويين اليمنيين في أكاديمية الطيران المدني بجدة على حساب المملكة، في خطوة هدفت للحفاظ على استمرارية عمل أحد أكثر التخصصات حساسية في صناعة الطيران، وفي عام 2019م، تم أيضاً تدريب أكثر من 76 مراقباً جوياً يمنياً ضمن برامج متقدّمة، وفق رؤية طويلة المدى ترى أن استعادة اليمن لدوره تبدأ من الإنسان.

شكّل تأهيل الكفاءات اليمنية ركيزة أساسية للحفاظ على القدرة التشغيلية، تمهيداً ليوم تستعيد فيه اليمن إدارة مجالها الجوي بكوادرها الوطنية.

أما الخطوط الجوية اليمنية، فواقعها يعكس حال القطاع بأكمله؛ ناقل وطني بأسطول تقلّص إلى 6 طائرات فقط، يعمل في بيئة شديدة الصعوبة، ويؤدي دوراً يفوق قدراته التجارية.

أنشئت (اليمنية) عام 1949م لكن انطلاقتها الحقيقية كانت في 1962م وفي مطلع الألفية وصل عدد موظفيها إلى أكثر من 4,200 موظف وأسطولها إلى 22 طائرة.

حالياً، أهمية الشركة لا تُقاس باتساع شبكة وجهاتها، بقدر رمزيتها السيادية، وبقائها شاهداً على حضور اسم اليمن في خرائط الطيران.

تاريخ الطيران المدني اليمني يؤكد أن هذا القطاع قادر على النهوض متى ما توفرت له بيئة مستقرة ودعم حقيقي، وقد كان الدور السعودي ولا يزال، في السماء وعلى الأرض، عامل توازن أساسيّاً، نابع من حرص ثابت على اليمن دولة ومؤسسات وشعباً.

الطيران لا يحتمل الفوضى، وإدارته بعقلانية هي الخطوة الأولى لاستعادة الإيقاع الطبيعي لبلدٍ أنهكته الأرض، لكنه ما زال يملك أفقاً مفتوحاً على أحلام الاستقرار والنهوض.

إن الدعم السعودي لليمن في المجالات كافة التزام أخلاقي يضع الإنسان اليمني في صدارة الحلول، ويحفظ له حقه في إدارة بلاده أرضاً وسماءً، وما جرى خلال السنوات القليلة الماضية هو إدارة أزمة بعقلية دولة كبرى، كانت ولا تزال صمام أمان لليمن وللمنطقة بأسرها.

00:00 | 7-01-2026

الكابتن.. علوّ بلا تعالٍ

عندما يجلس في المقدّمة ويطلّ من علوّ، فهو يتهيّأ لعلوّ أكبر.

المقعد الأمامي في قمرة القيادة ميزة بصرية، نعم، لكنه قبل ذلك حالة ذهنية؛ انتقال هادئ من الأرض إلى السماء، من التفاصيل الصغيرة إلى الصورة الكبرى.

تمتد أمامه لوحة العدادات كخريطةٍ مصغّرة للعالم، أرقامٌ وألوان وإشارات، هناك تبدأ رحلة الكابتن.. قبل الإقلاع.

هو رجل اعتاد أن يكون وحيداً في أكثر اللحظات ازدحاماً، حارساً للوقت، ومسؤولاً عن زمنٍ معلّق بين نقطتين.

يعرف أن أمامه مهام دقيقة، وخلفه ثقة ممتدة، أودعها مئات البشر في يد شخص واحد لا يعرفونه، لكنهم يسلّمونه أحلامهم ومواعيدهم بكل طمأنينة.

الكابتن الذي نراه بالزي المميّز، وربطة العنق الأنيقة، وأشرطة الكتف، هو في حقيقته شخص اختار «قيود» النظام؛ لأنها تُحرّره من المفاجآت، واختار التحليق لأنه يحب «الانطلاق».

في اللحظات الأولى للرحلة، وحين تُغلق الأبواب، تُفتح الذاكرة على مراحل طويلة من التدريب، من الأخطاء التي صُحّحت، ومن القرارات التي لا مجال فيها للاجتهاد.

يتطلّع الكابتن إلى السماء بمسؤولية، وينظر إلى الغيم الذي نتغنّى به على أنه معادلاتٌ تحتاج لحلول.

هو يعرف أن الطيران ثقة، لكنه أيضاً شكٌّ دائم، شكّ صحي لا يسمح للأمور أن تمرّ دون سؤال.

حين تبدأ الطائرة بالتخفف على المدرج، يشعر بثقل القرار، فالثواني التي تسبق الإقلاع تختصر فلسفة القيادة كلها؛ إمّا المضيّ بكل يقين، أو التوقّف بلا تردّد.. لا مكان هنا لمنطقة رمادية.

في الجو، يندمج القبطان مع فضاءٍ أوسع من الطائرة، ينفصل عن الأرض، لكنه لا يبتعد عنها في وعيه.

المدن تحته تتحوّل إلى قطع من الكريستال اللامع، والبحار مساحات صامتة تشي بالسفن على شكل نقاط صغيرة، ومع ذلك يبقى منتبهاً للتفاصيل، السرعة، الارتفاع، الاتجاه، وصوتٌ بعيد يذكّره بأن الطريق، مهما بدا فارغاً، فهو مليء بالاحتمالات.

الكابتن الجيّد لا يتكبّر؛ لأن الطيران، في مفهومه، ممارسة يومية للتواضع.

حين تقترب مرحلة الهبوط، تعود الأرض إلى المشهد، الوصول إلى المطار جزء من امتحانٍ مستمر؛ سرعة الرياح، مدى الرؤية، حالة المدرج، عناصر تعيد الكابتن إلى درسٍ مكرّر، القيادة أن تُنهي الرحلة كما يجب.

بعد أن تتوقّف الطائرة ويبدأ الركّاب في المغادرة، يخرجون وهم يعرفون أن رحلتهم انتهت، أمّا الكابتن، فيدرك أن فصلاً من رحلته المستمرة سيبدأ من جديد، بثقةٍ جديدة.

يغادر القمرة دون أن يلتفت إليه أحد، لكنه في قرارة نفسه يعرف أن هذا أعلى درجات الحضور.

الكابتن ليس بطلاً بالمعنى الرومانسي، ولا فيلسوفاً بالمعنى العلمي، لكنه يجمع بين الاثنين؛ رجل تعلّم أن العلوّ لا يعني التعالي، وأن السيطرة لا تُلغي التسليم، وأن أقوى القرارات أحياناً هي تلك التي لم تُتخذ.

في عالمٍ يركض بسرعة الضوء، يقف الكابتن شاهداً على قيمة الهدوء والانضباط، وعلى أن بعض المهن تُمارَس بالعقل، وبقلبٍ يعرف أن العطاء فضاء، وأن الحدود تُحترم.

حين يجلس في المقدّمة ويطلّ من علوّ على التفاصيل، لا يكون قد ارتفع بعد...

لكنه، مرةً أخرى، يتهيّأ للعلوّ.

00:02 | 31-12-2025

إدارة التجربة الإنسانية في أزمات المطارات..!

الأزمات في المطارات لا تبدأ فجأة، ولا تنتهي بإعادة فتح البوابات وإقلاع الرحلات، هي غالباً تكون نتيجة عوامل متداخلة، مثل الطقس، التشغيل، كثافة الحركة، البنية التحتية، وسلسلة قرارات دقيقة يكفي أن يختل أحدها حتى يظهر الأثر للجميع.

ما حدث في مطار الملك خالد الدولي قبل أيام أعاد إلى الواجهة سؤالاً مهمّاً حول إدارة الأزمات في المطارات الكبرى؟ وهل المشكلة تكمن في الحدث ذاته، أم في طريقة التعامل معه والتواصل مع الناس؟

بدايةً، لا يمكن فصل حجم ما جرى عن طبيعة المطار نفسه، فهو بوابة العاصمة، ويعمل بطاقة عالية، ويمثّل نقطة محورية في شبكة الطيران الإقليمي والدولي؛ لذلك أي اضطراب مهما كان محدوداً سيتضخم أثره تلقائياً، تأخير رحلة واحدة في مطار كبير يقود لتأخيرات تمتد إلى ثلاث قارات، لكن الواقعية تقول إن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بسرعة إعادة التشغيل، بل بجودة القرار في اللحظة الأولى، التوقيت هنا جوهري، فهو الفارق بين احتواء الموقف وتضخيمه.

في مثل هذه الحالة، لا يكفي أن تعمل الفرق الميدانية بأقصى طاقة بل لا بد من الشفافية، والشفافية لا تعني كشف كل التفاصيل، يكفي تقديم صورة صادقة تحترم عقل العميل ووقته.

المسافر لا يطلب معجزات، ولا ينتظر كمالاً مطلقاً، يريد فقط أن يفهم ما يحدث وكم سيستغرق؟ وما الخيارات المتاحة؟ فحين يغيب التواصل، تتفاقم الأزمة.

ما حدث كشف الحاجة إلى أدوات أكثر مرونة، وخطط بديلة أوضح، وسيناريوهات جاهزة، ونماذج تشغيل تسمح بتخفيف التكدّس، حتى لو تطلّب الأمر قرارات صعبة ومؤلمة على المدى القصير، لكنها أقل تكلفة على المدى المتوسط.

وما يُحسب لمطار الملك خالد أن الخدمة لم تتوقف، كانت الحركة مستمرة رغم الضغط، والفرق تعمل في ظروف معقدة، هذه ليست مجاملة، بل حقيقة يجب أن تُقال إنصافاً لمن يعملون بعيداً عن الأضواء، لكن في المقابل، المسافر لا يرى التعقيد، هو يرى النتيجة فقط.

الأزمات في وجهها الآخر ليست دليلاً على الضعف، بل على حجم العمل، والمطارات التي لا تمر بأزمات غالباً هي مطارات لا تعمل عند حدود طاقتها، الفارق الحقيقي هو ما بعد الأزمة، هل تتحوّل إلى درس، بحيث تُراجع الإجراءات وتُصنع ذاكرة مؤسسية تمنع تكرار المشهد؟

الحدث يجب أن يُقرأ من هذه الزاوية، لا كتقصير يدان، ولا كملف يُغلق، بل كمرآة تعكس ما نملك من إمكانات، وما نحتاج من تحسين.

الفرق بين من يتجاوز الأزمة ومن يتعلم منها، أن الأول يراها طارئة، بينما الثاني يتعامل معها كجزء من طبيعة العمل، خاصةً والطيران صناعة تقوم على التفاصيل، وأي تفصيل صغير لا يُدار جيداً يظهر فوراً بحجم أكبر، لذلك تحتاج المطارات الانتقال من عقلية «إدارة الحدث» إلى فكر «إدارة الاحتمال» كما أن «إدارة التجربة الإنسانية» أثناء الأزمة لا تقل أهمية عن إدارة المشكلة ذاتها؛ كلمة واحدة قد تغيّر مزاج آلاف الأشخاص خلال دقائق.

لقد ارتفعت توقعات الناس في هذا الزمن، وأصبحت «إدارة الاحتمالات» جزءاً أساسياً من جودة الخدمة، هذه هي المعادلة الجديدة، ومن يفهمها يحوّل أصعب اللحظات إلى نقاط قوة؛ لأن القيمة الحقيقية للحدث ليست في القدرة على تجاوزه، بل في توثيقه وتحليله، وتحويله إلى معرفة تشغيلية تحمي المستقبل.

00:02 | 24-12-2025

حين يمتحن المطر الطيران..!

هذا الأسبوع، تعيش السعودية حالة مطرية منعشة تملأ القلوب بالبهجة، لكنها في الوقت ذاته تضع قطاع الطيران في حالة انتباه، فالمطر مهما بدا رقيقاً من نوافذ البيوت، يظل عنصراً مؤثراً في معادلات الطيران، تاريخاً وحاضراً، تخطيطاً وتشغيلاً، وسلامةً قبل كل شيء.

حين تهطل السماء، لا يتغيّر المشهد على الأرض وحدها، بل تتبدّل لغة الجو بأكملها، ويعيد الطيران ترتيب علاقاته القديمة مع الغيم والمطر.

منذ البدايات الأولى لاستخدامات الطيران المدني، كان المطر خصماً عنيداً، طائرات البريد التي كانت تجوب أجواء الأمريكتين وأوروبا في بدايات القرن العشرين (وشكّلت مادة خصبة للروايات الأدبية)، لم تكن تمتلك رفاهية المجازفة؛ هياكل هشّة، وأجنحة صغيرة، ومحركات محدودة القدرة، وملاحة بدائية تعتمد على النظر والمعالم الأرضية. في تلك الفترة، كان المطر يعني ببساطة: «لا طيران».

لم يكن الخطر في قطرات الماء ذاتها، بل في ما تحمله معها من سحب منخفضة، ورياح متقلبة، وانعدام للرؤية. كانت الرحلات تؤجَّل، والبريد ينتظر، والظروف تفرض كلمتها بلا نقاش.

مع تطوّر صناعة الطيران تغيّر كل شيء، وبقي المطر حاضراً لكن بصيغة مختلفة. الهياكل المعدنية، ثم المركّبة، وأنظمة الملاحة المتقدمة، والرادارات الجوية، وأنظمة إزالة الجليد، كلها أعادت تعريف العلاقة مع الطقس. لم يعد المطر مانعاً، لكنه ظل مؤثراً لا يُستهان به.

في الطائرات الحديثة، المطر محسوب في كلّ شيء؛ فالبدن مصمم لتحمّل الأمطار الغزيرة، والزجاج الأمامي للقمرة مزوّد بأنظمة تسخين تمنع تشكّل الجليد وتضمن رؤية جيدة، والمحركات مجهّزة لاستيعاب دخول كميات ضخمة من الهواء المحمّل بالماء دون أن تتأثر، كما خضعت أنظمة القياس والسرعة لاختبارات قاسية لضمان دقتها حتى في أسوأ الأحوال.

المطر في الطيران واجهة لعناصر أخرى أكثر حساسية، كالعواصف الرعدية، والرياح الهابطة، والقصّ الهوائي، وانخفاض مستوى الاحتكاك على المدارج، وهنا تنتقل القصة من السماء إلى الأرض.. من الطائرة إلى المطار.

على الأرض، تعكس تصاميم المطارات أيضاً هذه العلاقة الدقيقة مع الطقس، أنظمة تصريف المياه في المدارج ليست تفاصيل ثانوية، بل عنصراً أساسياً في سلامة السفر؛ فأي تجمع للمياه قد يؤدي إلى الانزلاق، حيث تفقد الطائرة تماسك عجلاتها على سطح المدرج عند الهبوط أو الإقلاع، لذلك تُصمَّم المدارج بميول دقيقة، ومواد سطحية مدروسة، وأنظمة صرف قادرة على التعامل مع كميات كبيرة من السيول خلال وقت قصير.

كما أن أنظمة الإضاءة الملاحية، وأجهزة الهبوط الآلي، ورادارات الطقس، أصبحت العمود الفقري للتشغيل الآمن في الأجواء الماطرة.

الحالات المطرية تظهر آثارها المباشرة على حركة الطيران وجداول الرحلات، سواء من ناحية التأخير، أو تحويل المسارات، أو الانتظار في الجو، أو حتى إلغاء الرحلات، وهي قرارات مزعجة للمسافر، لكنها في الحقيقة انعكاس لثقافة سلامة صارمة، ترى أن «ساعات الانتظار» أهون من «لحظة مخاطرة».

المطر ليس عدوَّ الطيران، بل أحد اختباراته الدائمة، فهو امتحان لقدرة الإنسان على فهم الطبيعة، والتكيّف معها، واحترام حدودها. وكما تعلّم الإنسان كيف يشق طريقه بين السحب، تعلّم أيضاً أن يتوقف حين يجب التوقف، وأن ينتظر حين يكون الانتظار حكمة.

إنّ ذاكرة الطيران تحتفظ بسجلّ ثقيل من المآسي والحوادث التي شكّلت منعطفات قاسية في تاريخ الصناعة، وأعادت صياغة معايير السلامة، ودفعت إلى مراقبة حدود التشغيل، وطريقة قراءة الأجواء قبل دخولها.

لم تكن تلك الحوادث بسبب المطر، بل نتيجة سوء تقدير، أو تجاوز لحدود الطقس الآمن؛ لذلك أصبح التعامل مع الطقس علماً يُدرّس، ويُختبر، ويُعاد اختباره. فالطيارون اليوم يخضعون لتدريبات دقيقة ومكثفة على محاكيات متقدمة، تُعيد خلق أسوأ السيناريوهات الجوية من أمطار غزيرة، وعواصف رعدية، وانخفاض حاد في الرؤية، يتعلمون من خلالها كيف يتخذون القرار الصحيح تحت الضغط، ومتى يُكملون، ومتى يكون التراجع هو الخيار الأكثر احترافية.

في كل مرة يهطل المطر، يعيد الطيران درسه الأول، السماء ليست طريقاً مفروشة بالورود، بل فضاء يُدار بالعلم والانضباط، والالتزام الصارم بالسلامة، وقبل كل شيء بالتوكل على الله سبحانه، والأخذ بالأسباب.

00:05 | 17-12-2025

الخليج.. سماء واحدة

قبل نحو قرن من الزمان، تخلّى الجمل والسفينة عن دورهما الرئيسي في الخليج العربي لصالح السيارة والطائرة. كانت المطارات في البدايات بسيطة والرحلات قليلة والطائرات نادرة، لكن المنطقة أدركت مبكراً أن السماء ستكون امتداداً طبيعياً لخيرات الأرض، وأن المستقبل الذي تريده يحتاج فضاءات مختلفة، فأصبح الطيران جزءاً من مشروع نهضة لا يتوقف، حتى تحوّل الخليج اليوم إلى أحد أهم أقاليم الطيران في العالم.

قطاع الطيران الخليجي يحقّق حالياً نمواً سنوياً يراوح بين 5-7%؜، وارتفعت أعداد المسافرين فيه إلى أكثر من 200 مليون راكب في العام، مع توقعات بتضاعف الأعداد خلال السنوات القادمة.

يضمّ الخليج أكثر من 23 مطاراً دوليّاً و17 شركة طيران وطنية، بينها 3 شركات ضمن قائمة أفضل 10 شركات طيران عالمية لعام 2025، فيما تتقدّم مطاراته الكبرى قوائم الجودة والخدمة والابتكار، من الرياض إلى دبي، ومن أبوظبي إلى الدوحة.

هذا التطوّر لم يكن مجرد توسع في الأساطيل أو الرحلات، بل تحوّل عميق في طريقة التفكير الإداري، وهكذا أضحت المطارات الخليجية منصات اقتصادية وسياحية وثقافية، وشركات الطيران صارت واجهات دولية تستعرض بها المنطقة قدرتها على المنافسة في سوق شديدة التعقيد.

ومع تصدّر الشركات الخليجية المراكز المتقدّمة في الجوائز العالمية، أصبحت المنطقة لاعباً رئيسياً في النقل الجوي العالمي شرقاً وغرباً، وفي إعادة تشكيل جغرافيا السفر.

في هذا السياق، جاء قرار القمة الخليجية في البحرين الأسبوع الماضي بإنشاء هيئة موحدة للطيران المدني الخليجي خطوةً تعكس رغبة حقيقية في توحيد المعايير وتنسيق التشريعات ورفع مستوى السلامة والكفاءة، وتم اختيار الإمارات مقراً للهيئة احتراماً لتجربتها وخبرتها التنظيمية الواسعة، وإيماناً بالتكامل الخليجي، خاصة والسعودية بموقعها المميّز ومساحتها وإمكاناتها تعتبر صمام أمان الحركة الجوية العالمية، وتشكّل عمقاً استراتيجياً يسند الحركة في الخليج كلّه.

إن الهيئة الجديدة ليست إطاراً شكليّاً، بل بداية مرحلة يتجه فيها الخليج إلى بناء سماء مشتركة تُدار بفكر واحد ومقاييس واحدة، تعزز قوة القطاع وتضاعف فرصه في المستقبل.

أيضاً جاء القرار متناغماً مع اعتماد نظام «النقطة الواحدة» الذي سيسمح للمسافر بإنهاء إجراءات السفر من مطار واحد دون تكرارها في المطار الخليجي الآخر، في نقلة نوعية ستبدأ تجريبياً هذا الشهر بين البحرين والإمارات، مما يختصر الوقت والجهد ويمهّد لبيئة سفر موحّدة تقترب من نموذج السوق الجوية المشتركة، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على تجربة المسافر، وعلى حركة التجارة و تكامل سلاسل السياحة والنقل بين دول الخليج.

كذلك لا يمكن فصل هذا التحوّل عن المشاريع الكبرى التي تتشكّل في المنطقة، مثل مطار الملك سلمان الدولي وتوسّع المطارات في دبي والقطار الكهربائي بين الرياض والدوحة وخطط الأساطيل لشراء مئات الطائرات، وأنظمة الملاحة الجوية الجديدة، وارتفاع الطلب على الطيران نتيجة المشاريع السياحية العملاقة في البحر الأحمر والعلا ونيوم.

هذه المشاريع ليست منفصلة بل شبكة تغيّر المشهد بأكمله، ما يشير إلى أن الخليج يستعد لمرحلة أكثر كثافة في الحركة، وأكثر تنافسية في السوق، وأكثر تأثيراً على خريطة الطيران الدولية.

لم يكن إنشاء هيئة خليجية للطيران المدني قراراً إداريّاً، بل إعلان ناضج بأن دول المجلس تريد أن تنتقل من التنسيق إلى التكامل، ومن تحسين التجربة إلى إعادة تشكيلها، ومن التطوير المتفرق إلى رؤية واحدة، تعكس مكانة المنطقة وقدرتها على قيادة واحدة من أعقد الصناعات وأسرعها نمواً في العالم.

هنا السماء ليست شركات ومسارات، بل مشروع إقليمي، ورغبة جماعية في أن يكون المستقبل مفتوحاً على اتساعه، تماماً كما تبدو السماء حين تُرى من مقعد الطائرة وهي تعكس زُرقة الخليج الشاسعة.

00:47 | 10-12-2025

الطيران.. بين الثقة والهشاشة

الحدث الأبرز في عالم الطيران هذا الأسبوع كان التنبيه الذي أرسلته شركة إيرباص إلى شركات الطيران حول العالم، وتبعه طلب من وكالة سلامة الطيران الأوروبية «EASA» بوقف أكثر من 6,000 طائرة من طراز A320 عن الخدمة حتى يتم التحقق من أنظمتها.

هذا الحدث أعاد للأذهان «هشاشة قطاع الطيران»، الذي يتعامل مع الأجواء بثقة؛ كميدان عمل لا مجال فيه للخطأ.

القضية بدأت الشهر الماضي عندما تعرضت إحدى طائرات شركة JetBlue الأمريكية خلال رحلتها رقم B61230 المتجهة من كانكون إلى نيويورك؛ لانخفاض مفاجئ في الارتفاع دون أي تدخل من الطيارين، كانت مدة الانخفاض 5 ثوانٍ فقط، لحظات قصيرة لكنّها كفيلة بأن تذكّر العالم أن الطيران رغم رقابته الصارمة، يبقى صناعة تعيش على التفاصيل الدقيقة، استطاع الطيارون إعادة الطائرة للارتفاع الصحيح لكن لا وقت للبحث أو التحليل؛ لذلك هبطت الطائرة اضطراريّاً في تامبا، ونتج عن الحادثة إصابة 15 راكباً، نُقل بعضهم إلى المستشفى، فيما خرجت الطائرة من الخدمة مباشرة.

لاحقاً، تبيّن أن المشكلة تتعلق بإصدار حديث لأحد أجهزة الكمبيوتر الرئيسية في الطائرة، تحديداً كمبيوتر التحكم بأسطح الطيران ELAC المسؤول عن التحكم بالجنيحات والدفة الخلفية، وهو جهاز حساس يتعامل مع حركة الطائرة بدقة تماثل الإشارات العصبية في جسم الإنسان.

الجانب المضيء في القصة أن المشكلة أُغلقت خلال أربعة أيام فقط في جميع أنحاء العالم دون تأثير على السلامة، واقتصر الأثر على بعض التأخيرات في عدد من المطارات، وهذا يعكس قدرة الطيران على التعامل مع أزماته بسرعة، ومرونة المنظومة التقنية والتشريعية في احتواء المشكلات.

في المقابل، أعادت هذه القصة التذكير بهشاشة القطاع أمام الأزمات، وكيف أنه يعيش دائماً في اختبار مستمر، ويستعيد توازنه بقدرته على امتصاص الصدمات والتعافي السريع.

قرار «EASA» بإيقاف آلاف الطائرات لم يكن إجراءً متعجلاً، بل خطوة استباقية تؤكد أن السلامة في الطيران لا تُدار بالاجتهادات، وأن كل طرف من أطراف الصناعة يتحمّل مسؤوليته كاملة عندما يحدث أي خلل.

أسرة الطيران منظومة عملاقة تتكوّن من الشركات المصنّعة، والجهات التشريعية، والشركات الناقلة، ومنظومات السلامة.. كل طرف فيها يعمل بتناغم ضمن سلسلة من الإجراءات التي تحكمها إرادة جماعية، دون هذا التكامل يختل التوازن وتصعب المهام، فالتنسيق هو ما يضمن استمرار الثقة في صناعة بهذا الحجم.

الحادثة تذكّرنا أيضاً بأن الطيران هو أكثر الصناعات حساسية على مستوى العالم، وأن خلف كل رحلة ناجحة يقف آلاف الأشخاص والأنظمة والقرارات.

صحيح أن المسافرين لا يرون إلا مقاعدهم وتذاكرهم، لكن العمل أكبر مما يبدو، وأكثر تعقيداً من مسألة إقلاع وهبوط.

من الجيّد أن يدرك المسافر حجم التحديات التي تواجهها الصناعة، وأن ثقته بها ثقة مبنية على منظومة إجراءات صارمة وتاريخ طويل من التطوير المستمر، فالطيران رغم هشاشته يبقى واحداً من أعظم إنجازات الإنسان في تنظيم الفوضى وتحويلها إلى متعة آمنة لا غنى عنها.

00:02 | 3-12-2025

رمال الثمامة تلوّن سماء الرياض

كتبت الأسبوع الماضي عن معارض الطيران التقليدية، وهذا الأسبوع تفرض معارض الطيران نفسها أيضاً، لكن بنوع مختلف هو الطيران العام، حيث انطلق أمس الثلاثاء معرض Sand and Fun في الثمامة بنسخته الثانية، وهو المعرض الذي أوجد لنفسه مكاناً ثابتاً على خارطة الطيران العام في الشرق الأوسط، حتى بات موسماً ينتظره محبو الطيران بشغف لما يحمله من روح مختلفة وطابع أقرب للناس.

يستمر المعرض (الذي ينظمه نادي الطيران السعودي) من 25 حتى 29 نوفمبر، ويحظى برعاية كريمة من أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، ومتابعة دقيقة من عرّاب الطيران السعودي الأمير سلطان بن سلمان، رئيس مجلس إدارة النادي، الرجل الذي يتعامل مع الطيران على أنه قصة وطن ونهوض ثقافة ورسوخ هوية، ومعه فريق عمل مميّز يعمل بجهد لافت، على رأسهم الدكتور أحمد الفهيد المشرف العام على النادي، والكابتن فارس منير مستشار الأمير، في عمل يعكس جاهزية منظومة أثبتت دائماً قيمة أن تصنع فعلاً يليق بقطاع الطيران السعودي الطموح وتمنحه مشهداً يستحقه.

خمسة أيام تتحوّل فيها الرياض إلى منصة طيران مفتوحة، يطير فيها المرح فوق الرمال مثل تيار يرفع الجميع إلى الأعلى، حيث تجاوز «ساند آند فن» كونه احتفالاً موسمياً، ليصبح مساحة تجعل الطيران أقرب للناس، للعائلات، للهواة، ولأولئك الذين يحلمون بأن تلامس أيديهم جسد طائرة.

المعرض يضم العديد من العروض الجوية والعروض الثابتة وورش العمل، وقد زاره العام الماضي 120 ألف شخص، وشارك فيه 100 عارض، وشهد 30 جلسة حوارية، وهذا العام يأتي حضور مجموعة 1,706 إضافةً لافتةً، فهي المرة الأولى التي يُفتح فيها الباب أمام فكرة الطيران العام بوصفه مجالاً للابتكار والمغامرة والثقافة وليس مجرد ممارسة تقنية.

هنا يقف الزائر أمام سؤال يبدو خيالياً: هل يمكن أن أبني طائرتي الخاصة؟ الإجابة لم تعد حلماً طوباوياً؛ لأن آلاف الهواة حول العالم يبنون طائراتهم بأنفسهم وتُسمّى «طائرات الهواة» أو «المصنعة منزلياً»، يضعون فيها شغفهم وخبرتهم ووقتهم حتى تصبح حقيقة تعانق الهواء.

اليوم عبر الفرع المحلي لجمعية EAA يتشكّل هذا الحلم واقعاً على جغرافيا المملكة، مدفوعاً بروح رؤية 2030 التي تشجع الابتكار وتستثمر في الشغف وتستدعي المستقبل إلى الحاضر.

«ساند آند فن» لا يتوقف عند حدود المتعة البصرية، فهو يتوجّه لإدارات المطارات والمشغلين والشركات ومقدمي خدمات الصيانة ومحترفي الطيران ومالكي الطائرات الخاصة، ليكون نقطة التقاء بين الصناعة والجمهور، بين الخبرة والحلم، بين السماء والأرض.

ليست فكرة المعرض في طائرات تحلّق وعروض ليلية ساحرة وورش عمل نابضة فقط، بل في طموح تحويل الطيران لثقافةٍ عامةٍ، وخيارٍ مفتوحٍ وشغفٍ قابلٍ للتعلم والممارسة.

صارت العاصمة كل شتاء تلوّن السماء بريشة الثمامة وتكتب فصلاً جديداً من قصة الطيران السعودي، فصلاً يكتبه الحالمون الذين يهتفون بحب: «نحن أبناء أرض خُلقت لتعلو».

00:02 | 26-11-2025

معارض الطيران.. سرديّة الإنسان والجو

منذ بدايات الطيران قبل قرن من الزمان، جاءت معارض الطيران كفكرة لاستعراض ما تملكه الدول من إمكانات، كانت باريس ولندن من أوائل المدن التي احتضنت هذه الفعاليات قبل أن يتحول الأمر إلى تقليد عالمي يجمع سباق السماء على الأرض في تنافس اقتصادي وتقني وعسكري.

أشهر معارض الطيران وأكبرها هو «معرض لوبورجيه» الفرنسي الذي تأسس عام 1909م، يليه «معرض فارنبورو» البريطاني ثم «معرض دبي»، وهناك معارض أخرى مثل سنغافورة والصين والبحرين، كما توجد معارض طيران متخصصة بالمطارات فقط أو الشركات الناقلة، لكنها أقل حضوراً وأكثر تركيزاً على جزئيات محددة.

معارض الطيران الدولية ليست مجرد ساحة تمتلئ بالطائرات وشعارات الشركات، أو صالة تزدحم بأجنحة الجهات المشاركة، لقد تحوّلت في شكلها الجديد إلى فضاءات تلتقي بها حكايات الصناعة مع طموحات الدول، وتُصاغ فيها ملامح المستقبل على مهل فيما تُقدّم خلالها الأفكار بتسارع عجيب، واتضحت أهمية المعارض حين اكتشف العالم أن الصناعة تحتاج منصات تُعرض فيها الرؤى، وتتلاقى عبرها مصالح المصنّعين والناقلات والهيئات، ويتجاوز فيها الحديث حدود القطاع إلى اقتصاديات الدول، وسياسات النقل، ومستقبل التنقل البشري الذي يزداد زحاماً وتعقيداً.

بدأت معارض الطيران تتحوّل من تجمعات مهنية إلى ملتقيات تُعلن فيها تحالفات بمليارات الدولارات، وتكشف من خلالها اتجاهات السوق وضخامة الأساطيل ونوايا الشركات المصنّعة، وآفاق التقنية.

«معرض دبي للطيران» الذي انطلقت نسخته التاسعة عشرة قبل يومين هو نموذج متميّز لهذه التحوّلات، فمنذ انطلاقته عام 1989م وهو يؤكد هدفه كمشروع رؤية أرادت الإمارات من خلاله أن تضع نفسها في قلب الصناعة حتى صار من أكبر المعارض العالمية التي تُقرأ من خلالها مؤشرات نمو الطيران في الكوكب.

أكتب هذا المقال من وسط المعرض (الذي يقام في شهر نوفمبر من كل عام فردي) حيثُ يتقاطع صخب الطائرات مع هدوء غرف المفاوضات، وتختلط فيه رائحة الوقود بالبخور.

هنا يُكتب مستقبل النقل الجوي وتُرسم ملامحه، فالنسخة الحالية تجمع أكثر من 100 دولة وما يزيد على 1,300 جهة عارضة، من كبار المصنعين إلى الشركات الناشئة ومن منظومات الدفاع المتطورة ومقاتلات الجيل الخامس إلى تقنيات الطيران الأخضر، والوقود المستدام إضافة لابتكارات الذكاء الاصطناعي في إدارة الحركة الجوية ومنصات الطائرات الكهربائية والهجينة، وأنظمة الصيانة التنبؤية، والعروض الجوية التي تخطف الأبصار.

إن كل حركة في المعرض تحمل وراءها رسالة عن اتجاهات الصناعة وموقعها في المنافسة العالمية والتحديات التشغيلية في السنوات المقبلة.

شخصياً، لمعارض الطيران عندي ذاكرة خاصة، فقد تشرفت برئاسة اللجنة الإعلامية في النسخة الأولى (والوحيدة) من المعرض السعودي الدولي للطيران عام 2019 في مطار الثمامة بالرياض؛ تجربة كان يمكن أن تصبح محطة سنوية مهمة على خارطة معارض الطيران لولا توقفها بسبب جائحة كورونا، لكنها فتحت نافذة اتسعت لاحقاً لتكون معرض الدفاع الدولي في ملهم الذي وجد مكانه سريعاً بين المعارض العالمية الكبرى.

اليوم، وأنا أتنقل بين أجنحة معرض دبي؛ أشعر أن الطيران ليس مجرد صناعة تتطوّر بشكل مذهل، بل سردية إنسانية مشتركة تنسج العمل والخيال، أشعر أن المعارض صارت نقطة التقاء للأزمنة واللغات والأحلام.. مرآة مصغرة للعالم تعكس تحوّلاته وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء.

01:11 | 19-11-2025