أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

أثقل راكب في الطائرة

تقلق شركات الطيران من أشياء كثيرة: الرحلات المتأخرة، والمنافسين، واضطراب المسارات، وغير ذلك، لكن شيئاً واحداً يستطيع أن يقلب حساباتها بسرعة أكبر من كل هذه الأشياء، هو الوقود.

مع عودة التوترات في المنطقة، عاد النفط للصعود، وتجاوز سعر برنت 100 دولار للبرميل، بينما ارتفع متوسط سعر وقود الطائرات عالمياً الأسبوع الماضي إلى أكثر من 181 دولاراً للبرميل، بزيادة 6.1% خلال أسبوع واحد.

الرقم هنا لا يعني شركات الطيران وحدها؛ لأنه في النهاية سيصل جزء من فاتورته إلى المسافر.

وقود الطائرات أحد أكبر تكاليف التشغيل لدى الناقلات الجوية، وفي الأحوال الطبيعية يشكّل تقريباً ربع تكاليفها، لكن عندما ترتفع الأسعار بهذه السرعة تتغيّر المعادلة، فشركات الطيران لا تستطيع إيقاف طائراتها وانتظار انخفاض النفط، ولا تستطيع دائماً رفع أسعار التذاكر بالنسبة نفسها، خاصةً في الأسواق شديدة المنافسة.

في 2025، شكّل الوقود 25.4% من مصروفات تشغيل شركات الطيران، بينما تتوقع تقديرات «إياتا» أن تقفز هذه النسبة إلى 31.4% خلال العام الحالي، وهو فارق ضخم في صناعة تعمل أساساً بهوامش ربح محدودة.

في صيف 2008م، عاش القطاع واحدة من أقسى موجات ارتفاع أسعار الوقود، عندما اقترب سعر البرميل من 182 دولاراً، وقفزت حصة الوقود إلى 38% من تكاليف شركات الطيران، ثم جاءت أزمة 2022م بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ووصل السعر في بعض الأسواق إلى 200 دولار للبرميل، وها هو عام 2026 يعيد كتابة الأرقام، ففي ذروة الاضطرابات خلال الربيع تجاوز وقود الطائرات في بعض الأسواق حاجز 200 دولار للبرميل.

الإشكالية أن وقود الطائرات لا يتحرك دائماً بنفس سرعة النفط، فقد يرتفع النفط عشرة دولارات بينما يقفز وقود الطائرات أكثر، بسبب تكلفة التكرير ونقص الإمدادات، لهذا يراقب الاقتصاديون ما يسمى بالفارق بين سعر النفط الخام ووقود الطائرات، أو Jet Fuel Crack Spread؛ لأنه يكشف مقدار الضغط الحقيقي على شركات الطيران.

ويتوقّع الاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» أن يبلغ متوسط هذا الفارق خلال 2026 نحو 57 دولاراً للبرميل، وهو مستوى تاريخي مرتفع، ويعني ببساطة أن المشكلة بالنسبة لشركات الطيران لا تتوقف عند ارتفاع النفط نفسه، بل تمتد إلى تكلفة تحويله إلى الوقود الذي تحتاجه الطائرات.

ماذا سيحدث إذا استمرت الأسعار مرتفعة؟

أول ما سيُلاحظ هو الضغط على أرباح شركات الطيران، خاصةً الشركات الصغيرة والناقلات التي تعمل بهوامش ربح محدودة. هناك شركات تحمي نفسها بعقود التحوّط، لكنها حماية مؤقتة وغير متساوية، وتشير تقديرات «إياتا» إلى أن شركات الطيران تحوّطت لنحو ثلث استهلاكها المتوقع من الوقود خلال هذا العام.

أيضاً، يتوقع «اتحاد النقل الجوي الدولي» أن يصل متوسط سعر وقود الطائرات خلال 2026 إلى 152 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 70% عن متوسط 2025، وهي قفزة كافية لتغيير حسابات الصناعة، ودفعت بالفعل إلى خفض توقعات أرباح شركات الطيران العالمية لهذا العام.

وتكشف الأرقام حجم التأثير بصورة أوضح، إذ توقع «إياتا» أن تنخفض الأرباح الصافية لصناعة الطيران العالمية من 45 مليار دولار في 2025 إلى 23 مليار دولار في 2026، وأن يتراجع هامش الربح من 4.2% إلى 2%.

بعد ذلك تبدأ الحسابات الأصعب، فقد ترتفع أسعار التذاكر وتعود رسوم الوقود بصورة أوسع، وتصبح بعض الرحلات الهامشية أقل جدوى فتتوقف، خصوصاً الخطوط الطويلة أو الوجهات الموسمية ضعيفة الطلب. وقد تعيد الشركات النظر في التوسع وافتتاح وجهات جديدة، وتضغط أكثر على التكاليف وتسرّع عملية إخراج الطائرات القديمة التي تستهلك وقوداً أكبر.

هنا تظهر قيمة الطائرات الحديثة، فكل نسبة توفرها طائرة جديدة في استهلاك الوقود تتحوّل عند هذه الأسعار من رقم صغير في الشركة المصنعة إلى ملايين الدولارات في حسابات الناقل.

أما المسافر فقد لا يرى كلمة «وقود» مكتوبة على تذكرته، لكنه سيدفع ثمنه بطريقة أو بأخرى، سواءً في سعر أعلى، أو عروض أقل، أو نقص الرحلات إلى بعض الوجهات.

الطيران صناعة غريبة، تحمل الطائرة مئات الركاب، لكن أثقل راكب فيها قد لا يجلس على أي مقعد.. إنه «الوقود».

حين يصبح البرميل بهذا الثقل، تبدأ شركات الطيران بحساب كل كيلوغرام، وكل ميل، وكل مقعد فارغ.

00:02 | 16-09-2026

ممر السعادة!

نصادف في المطارات أشياءً كثيرةً دون أن ننتبه لها، نعبرها سريعاً؛ لأنها جزء من روتين إجراءات السفر، لكن لو تأملناها قليلاً سنجد أنها تحمل معاني كثيرة.

أحد هذه الأشياء الممر الذي يصل بوابة المغادرة بالطائرة، ويسميه البعض «ممر السعادة»، وفي لغة المطارات Jetway.

المفارقة أن هذا الممر، الذي يبدو اليوم جزءاً بديهياً من المطار، لم يكن موجوداً بهذه الصورة في بدايات السفر الجوي. كان المسافر يخرج من مبنى المطار مشياً على الأقدام إلى ساحة الطائرات، ثم يصعد سلماً إلى باب الطائرة، تحت الشمس والمطر والبرد، وبين ضجيج المحركات وحركة المركبات.

مع دخول الطائرات النفاثة واتساع السفر الجوي في الخمسينيات، ظهرت الحاجة إلى طريقة أكثر راحة وأماناً وسرعة لنقل الركاب مباشرة من مبنى المطار إلى الطائرة، وكان من أبرز من عملوا على تطوير الفكرة مهندس الطيران فرانك دير يوين، الذي طوّر تصوراً لممر مغلق ومتحرك يستطيع التكيف مع اختلاف أنواع الطائرات وارتفاع أبوابها.

في 28 مارس 1958 ظهر في مطار أوهير بشيكاغو أحد أوائل جسور الصعود المغلقة تجارياً، وعُرف باسم Aero-Gangplank واستخدمته الخطوط المتحدة، وفي 14 يوليو 1959 أدخلت الخطوط الأمريكية في مطار سان فرانسيسكو أول نظام حديث متكامل التشغيل لجسور صعود الركاب، وكان هناك جسران مختلفان، أحدهما حمل اسم Jet Airwalk والآخر Jetway، وهو الاسم الذي تجاوز لاحقاً كونه اسماً تجارياً ليصبح عند كثير من الناس اسماً لهذا الممر.

لم يكن الجسر هو الحل الوحيد الذي تخيلته المطارات في ذلك الوقت، فقد ظهرت فكرة أخرى ربما كانت أكثر غرابة وإثارة.

عند افتتاح مطار دالاس في واشنطن عام 1962، لم تكن الطائرات تقترب من المبنى، وإنما كانت هناك مركبات ضخمة تسمى Mobile Lounges، أشبه بصالات انتظار تسير على عجلات، يدخل إليها المسافر من مبنى المطار فتنقله عبر ساحة الطائرات حتى طائرته دون أن يضطر للخروج إلى الخارج.

كانت الفكرة أن تذهب البوابة إلى الطائرة بدلاً من أن تأتي الطائرة إلى البوابة.

صمّمت المركبات شركة كرايسلر بالتعاون مع شركة Budd، وكانت الواحدة منها بطول يقارب 16 متراً وتتسع لأكثر من مئة مسافر. ثم تطورت الفكرة لاحقاً إلى مركبات Plane Mate التي يمكنها أن ترتفع إلى مستوى باب الطائرة، وكأنها مصعد ضخم قرر أن يسير.

كلا الفكرتين جاءتا لحل مشكلة حقيقية؛ حماية المسافر من المطر والحر والبرد، وإبعاده عن ضجيج المحركات ومخاطر الحركة في ساحة الطائرات، وجعل الصعود والنزول أكثر راحة وانسيابية.

لكن الزمن اختار في النهاية الجسر، حيث انتشر الـJetway في مطارات العالم، وتراجعت فكرة الصالات المتحركة، وإن بقي بعضها حتى اليوم في مطار دالاس شاهداً على مرحلة كانت المطارات فيها تبحث عن أفضل طريقة لعبور تلك الأمتار القليلة بين الصالة والطائرة.

والفارق بين الفكرتين لافت؛ في الأولى كانت بوابة المطار تذهب بالمسافرين إلى الطائرة، وفي الثانية مدّ المطار ذراعه ليعانق الطائرة المقتربة.

لا يُعرف من أطلق تسمية «ممر السعادة» أول مرة، لكن يبدو لي أنه كان مسافراً يعرف شعور الإنسان وهو يخطو داخله متجهاً إلى الطائرة. هناك شيء يتغير في تلك اللحظة، كأن السفر يبدأ مع أول خطوة على هذا الممر.

قبل دخوله نحن في المطار، وبعد الخروج منه نكون داخل الطائرة.. ممر قصير لكنه يفصل بين عالمين وكأنه عمر.

خلفك صالة المغادرة بكل ما فيها من انتظار ومقاعد وشاشات ومواعيد، وأمامك باب ضيق يفضي إلى السماء، بينهما تمشي خطوات قليلة حاملاً حقيبتك وربما أشواقك.

يبدو لي «ممر السعادة» أكبر من مجرد جسر معدني يصل مبنى المطار بالطائرة.

إنه عتبة.. والعتبات دائماً لها معنى مختلف؛ لأن الإنسان يقف عندها بين ما كان وما سيكون.

السفر يمنح الإنسان فرصة قصيرة للخروج من نسخته اليومية؛ لذلك أحب الناس تسمية «ممر السعادة»، رغم أنه ليس كل من يعبره سعيداً، لكن جمال الاسم يكمن هنا؛ فالسعادة ليست دائماً في الوجهة، أحياناً تكون في اللحظة، في القدرة على الذهاب، في أن تظل أمامك أماكن لم ترها وأشخاص تشتاق إليهم وطرق لم تمشها.

تبدو الطائرة في نهاية الممر وكأنها احتمال؛ احتمال اكتشاف، وبدايات، وأحلام.

بعض السعادة ليست في الوصول، إنها تزهر في ذلك الممر القصير الذي يهمس في قلبك.. أمامك عالم آخر.

00:38 | 9-09-2026

النداء الأخير.. يُغادر المطار

أصوات المطارات جزء من ذاكرة السفر، مثل حقيبة الأمتعة وبطاقة الصعود ورائحة القهوة في صالات المغادرة وانتظار الإعلان، حتى إن عبارة «النداء الأخير لرحلة الخطوط.. رقم..» أصبحت واحدة من أكثر الجمل التصاقاً بذاكرة المسافرين، لكن يبدو أن هذا الصوت الذي رافق المسافرين لعقود بدأ يستعد للمغادرة.


هذا الأسبوع بدأ مطار الملك خالد الدولي بالرياض المرحلة الأولى من مشروع «المطار الهادئ» في الصالة رقم 5، والفكرة باختصار تقوم على تقليل الإعلانات العامة عبر مكبرات الصوت، وحصر معظم ما يتعلّق بالرحلات بالقرب من بوابات المغادرة، مقابل زيادة الاعتماد على الشاشات والموقع الإلكتروني وخدمة «الواتساب» واللوحات الإرشادية وفرق خدمة المسافرين، أما الرسائل الضرورية وحالات الطوارئ والأمن فلن يشملها الصمت بطبيعة الحال.


الخبر يبدو بسيطاً، لكنه في رأيي يحمل شيئاً أكبر من مجرد خفض الإعلانات الصوتية؛ إنه يختصر التحوّل الذي تعيشه المطارات نفسها، من مكان يخاطب الجميع بصوت واحد، إلى مكان يحاول أن يصل إلى كل مسافر بالمعلومة التي تخصه.


لفترة طويلة كانت مكبرات الصوت واحدة من أهم أدوات تشغيل المطارات، وقبل الشاشات الرقمية والهواتف والتطبيقات لم يكن أمام المطار وسيلة أفضل من الصوت ليخبر مئات المسافرين بأن الرحلة جاهزة للصعود، أو أن البوابة تغيّرت، أو أن هناك مسافراً يتم البحث عنه.


مع تطوّر أنظمة الـPublic Address أصبحت للمطارات أصواتها المميزة، وبعض تلك الأصوات صار مشهوراً أكثر مما يتخيّل المسافرون. في مطار سخيبول بأمستردام مثلاً، ظلت ميكي بارت-فيرهايست تعمل في الإعلانات منذ عام 1978 حتى 2005، وبقي صوتها مسموعاً في المطار حتى بعد تقاعدها.


المطارات اكتشفت أن كثرة الكلام تفقده قيمته، فحين يسمع المسافر إعلاناً كل بضع دقائق، تختلط عليه دعوات الصعود بتغيير البوابات ورسائل الأمن والبحث عن المسافرين، ويتحوّل الصوت من «وسيلة لتنبيه الإنسان» إلى «جزء من ضجيج المكان»، فتضيع الرسالة المهمة وسط عشرات الرسائل غير المهمة.


من هنا بدأت فلسفة «المطار الهادئ» تنتشر.


في دبي مثلاً استطاع مطار دبي الدولي خفض عدد الإعلانات اليومية من أكثر من ألفي إعلان إلى أقل من 700، وفي هلسنكي أصبح المطار «هادئاً» منذ عام 2015، أما مطار شانغي في سنغافورة فعمّم في يناير 2018 مبادرة «Quiet Terminal» وخفّض عدد الإعلانات إلى النصف تقريباً.


أما في السعودية فقد بدأت الحكاية في مايو 2024 عندما أعلن مطار أبها الدولي تحوّله إلى أول مطار هادئ في المملكة، وما يحدث اليوم في مطار الملك خالد يعني انتقال التجربة إلى مطار أكبر وأكثر تعقيداً وكثافة.


«المطار الهادئ» لا يعني مطاراً أبكم، ولا يعني أن يتخلّى المطار عن مسؤوليته في إبلاغ المسافر، بل يعني تغيير الطريقة التي تصل بها المعلومة إليه، وهنا تحديداً يظهر ارتباط الفكرة بالتحوّل الرقمي.


المطار التقليدي كان يبث المعلومة إلى آلاف الأشخاص سواء كانت تعنيهم أم لا، أما مطار المستقبل فيعرف رحلة المسافر وبوابته وموعد صعوده وحالة أمتعته، ويستطيع أن يرسل إليه المعلومة التي يحتاجها في اللحظة التي يحتاجها، فلا داعي أن يسمع عشرة آلاف شخص نداءً يخص مئة مسافر.


التقنية تذهب إلى أبعد من ذلك، ففي يناير الماضي بدأ مطار فرانكفورت اختبار تقنية «Auracast» في بوابتين، وهي تتيح إرسال إعلانات البوابة مباشرة عبر البلوتوث إلى سماعات الأذن وأجهزة السمع والهواتف المتوافقة، في خطوة تجعل الصوت نفسه شخصياً بدلاً من أن يملأ الصالة كلها.


لهذا السبب لا يبدو «المطار الهادئ» مشروعاً لتقليل الضوضاء فقط، إنما كجزء من إعادة تعريف تجربة السفر، فالمطارات تتجه إلى القياسات الحيوية والبوابات الذكية وتتبّع الأمتعة رقمياً، والخدمات الشخصية عبر الهاتف، والذكاء الاصطناعي في إدارة تدفق المسافرين، ومن الطبيعي أن تصل الرقمنة في النهاية إلى واحد من أقدم مكونات المطار «الإعلانات الصوتية».


نجاح التجربة له شرط مهم، هو أن تكون المعلومة الرقمية أسرع وأوضح وأكثر موثوقية من مكبّر الصوت، وأن تُراعى احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة والمسافرين غير المعتادين على التقنية.


في مطار المستقبل قد لا تسمع اسم رحلتك ولا رقم بوابتك، ولا «النداء الأخير» الذي ظل لعقود يطارد المتأخرين في الأسواق الحرّة والمقاهي.


المطارات لا تختار الصمت، هي فقط تغيّر الطريقة التي تتحدّث بها إلينا، ويبدو أن «النداء الأخير» هو الذي يستعد للمغادرة هذه المرة.

00:12 | 2-09-2026

رفقاً بالطيارين

لكل مهنة مخاطرها، لكن حينما نتحدث عن مخاطر مهنة الطيار، غالباً تتجه التوقعات إلى الحوادث والإرهاق وضغط العمل والساعات الطويلة والفوارق الزمنية بين المناطق، لكنّ هناك خطراً آخر لم يتحدث عنه أحد بالشكل الكافي رغم أنه يرافق الطيارين ومضيفي الطيران أثناء آلاف الساعات التي يقضونها فوق السحاب، إنه «الإشعاع الكوني».

قبل أيام نشرت دورية JAMA Internal Medicine دراسة لباحثين من كلية الطب بجامعة هارفارد، حللت نحو 12.7 مليون حالة وفاة في الولايات المتحدة بين عامي 2020 و2024، وشملت الدراسة 503 مهن مختلفة، بينها أكثر من 14 ألف طيار و7 آلاف من مضيفي الطيران.

النتيجة تستحق التوقف عندها، فقد جاء مضيفو الطيران في المرتبة الأولى والطيارون في الثانية، من بين المهن التي شملتها الدراسة حول نسبة الوفيات الناتجة عن سرطانات مرتبطة بالإشعاع، حيث بلغت نحو 6.9% من وفيات المضيفين و6.7% من وفيات الطيارين، فيما كانت النسبة أقل لدى بقية المهن.

والمفارقة اللافتة أن الطيارين ومضيفي الطيران تقدموا في هذا المؤشر حتى على العاملين في مهن ترتبط بالإشعاع بصورة مباشرة، فقد جاء تقنيو الطب النووي في المرتبة 12 بينما احتل أفراد أطقم الطائرات صدارة القائمة، ونتيجة كهذه تستحق أن تؤخذ بجدية.

الدراسة لا تقول إن الطيران يسبب السرطان، ولا ينبغي أن نقرأها بهذه الطريقة، لكنها تضع أمام صناعة الطيران سؤالاً يستحق الاهتمام: ماذا تفعل آلاف الساعات على ارتفاعات شاهقة بجسم الإنسان على امتداد ثلاثين أو أربعين عاماً؟

على ارتفاعات الطيران المعتادة تقل الحماية التي يوفرها الغلاف الجوي من الإشعاع الكوني، لذلك يتعرّض الطيارون وأطقم الضيافة لجرعات تراكمية أكثر من الشخص العادي، وتشير تقديرات أوردتها الدراسة إلى تعرض أفراد الطواقم لنحو 3 إلى 6 ملي سيفرت سنوياً بحسب مسارات الطيران، وتتغير الجرعة حسب الارتفاع وخط العرض ومدة الرحلة والنشاط الشمسي.

اللافت أن القضية لم تعد مجرد نقاش أكاديمي، ففي يونيو الماضي أصدرت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب تقريراً توصل إلى أن الأساليب الحالية لمراقبة تعرض أطقم الطائرات للإشعاع وإبلاغهم بمخاطره في الولايات المتحدة غير كافية، وطالب التقرير بالتعامل مع التعرّض باعتباره خطراً مهنياً يستحق المتابعة.

صناعة الطيران شديدة الحساسية لكل ما يتعلق بالسلامة، يتم احتساب ساعات عمل الطيار وراحته، وتتم مراقبة لياقته الطبية، وتوضع حدود دقيقة لكل جزئية يمكن أن تؤثر في أدائه، لكن الدراسة الجديدة تفتح باباً آخر، فربما حان الوقت لأن تدخل «الجرعة الإشعاعية التراكمية» ضمن سجل الحياة المهنية لمن يقضون أعمارهم في الأجواء.

القصد ليس إثارة الخوف، ولا القول إن الطيران مهنة خطرة صحياً؛ لأن المعلومات العلمية الحالية لا تقول هذا، لكن المطلوب هو مزيد من الدراسات ومراقبة التعرض التراكمي، والتوعية والفحوص الوقائية، والبحث في إمكانية توزيع الرحلات بما يقلل الجرعات المرتفعة قدر الإمكان.

الطيار مطالب دائماً بأن يكون في أفضل حالاته من أجل سلامة مئات المسافرين خلفه، وقد حان الوقت أن نسأل: من يحمي صحة الطيار بعد آلاف الرحلات وملايين الأميال؟

رفقاً بالطيارين، فبعض المخاطر لا تُرى، ولا تظهر إلا في الوقت الضائع.

23:59 | 25-08-2026

طيران إيران.. يكشف المستور

هناك قطاعات تستطيع الدول أن تخفي تعثرها فيها لسنوات، وقطاعات أخرى يصعب تجميل واقعها مهما حاولت، الطيران واحد من أكثر القطاعات التي تكشف حقيقة الدول وكفاءة إدارتها وانفتاحها على العالم، وقدرتها على استيعاب التقنية.

أصبحت المطارات وشركات الطيران والمجال الجوي جزءاً من صورة الدول والطريقة التي تنظر بها إلى المستقبل، فالدول المتقدّمة والناهضة التي ترسم لها مكاناً في العقود المقبلة، تضع الطيران في قلب مشاريعها الكبرى.

من الصعب أن تتصور دولة تريد بناء اقتصاد حديث وجذب الاستثمارات بينما طائراتها قديمة ومطاراتها متهالكة وشركاتها تكافح لتوفير قطع الغيار.. إيران نموذج واضح لهذه الحالة.

دولة عدد سكانها 90 مليون نسمة، ومساحتها تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، ولديها موقع جغرافي يمكن أن يمنحها دوراً في حركة الطيران بالمنطقة، كما أنها ليست حديثة عهد بالطيران، فالخطوط الإيرانية تأسست عام 1946م وهناك تقريباً 30 شركة طيران و49 مطاراً، مع ذلك عندما تنظر إلى واقع الطيران الإيراني اليوم تجد أنه متأخر عشرات السنوات عن محيطه.

الأسطول المدني الإيراني يضم 200 طائرة لكن جزءاً كبيراً من هذه الطائرات يبقى على الأرض فترات متفاوتة، ومتوسط عمر الطائرات في إيران 29.3 سنة، تنقل نحو 18 إلى 23 مليون مسافر سنوياً، وهو رقم متواضع في بلد سكانه يناهزون الـ100 مليون، بينما يبلغ عمر أسطول الطائرات في دول مثل السعودية وقطر والبحرين والإمارات بين 5 إلى 9 سنوات، وتنقل أساطيلها مئات الملايين سنوياً.

مع شح الأرقام التشغيلية تعاني الطائرات الإيرانية من نقص كبير في قطع الغيار والمحركات وخدمات الصيانة والتمويل والتأجير، في صناعة تعتمد على سلسلة إمداد عالمية شديدة التعقيد، وهذا يضاعف تحديات الصيانة واستدامة التشغيل ويزيد الضغط على السلامة.

حاول الإيرانيون تعويض ذلك بالتصنيع المحلي وإصلاح بعض المكوّنات وإطالة أعمار الطائرات، ونجحوا أحياناً في إبقاء طائرات قديمة بالخدمة لفترات معينة، لكن هذه الحلول في النهاية لا تعالج المشكلة.

صناعة الطيران الحديثة لا تقوم على مهارة إبقاء الطائرة القديمة أطول فترة ممكنة، وإنما على منظومة متكاملة من المصنع والتمويل والصيانة والتدريب والرقابة والتحديث المستمر.

على الضفة الأخرى من الخليج دول أصغر من إيران في المساحة وعدد السكان استطاعت أن تبني خلال سنوات منظومات طيران عالمية، وحوّلت موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية.

أما السعودية فالفارق أصبح أبعد بكثير، نحن أمام استثمارات بعشرات المليارات في المطارات والأساطيل والتقنية والخدمات اللوجستية وربط الطيران بالسياحة والتنمية والمدن الجديدة.

نعم، العقوبات لها دور كبير في واقع إيران الحالي لكن الفارق بينها وبين جيرانها الخليجيين لا يمكن اختزاله بالعقوبات، لأن السؤال الأهم ما الخيارات التي أوصلت إيران أصلاً إلى هذه العزلة؟

الدول تختار أين تضع مواردها، وما هي الملفات التي تستنزف طاقتها السياسية والاقتصادية، وما هي الصورة التي تريد أن تكون عليها بعد 20 عاماً. وحين تنشغل دولة مثل إيران على مدى نصف قرن بخلق صراعات إقليمية ومشروعات ممتدة خارج حدودها، من الطبيعي أن تدفع قطاعاتها المدنية الثمن.

حتى الموقع الجغرافي الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم أصول إيران الجوية فقد جزءاً كبيراً من قيمته، فالمجال الجوي الإيراني كان بالإمكان أن يصبح مصدراً مهماً لرسوم العبور، إلا أن التوترات العسكرية المتكررة دفعت الشركات الدولية إلى تجنّبه، فالثقة في الطيران عنصر اقتصادي والشركات تبحث دائماً عن المسار الآمن.

المواطن الإيراني يدفع ثمن كل هذا التخلف، وهكذا تتحوّل مشكلات الطيران إلى قيود إضافية على الاقتصاد كله.

قل لي كيف هي مطاراتك، وما عمر طائراتك، وإلى كم مدينة في العالم تستطيع الوصول مباشرة، وما حجم الحركة في أجوائك، وكم تستثمر في التقنية والملاحة والخدمات اللوجستية، وسأعرف الكثير عن اقتصادك وطموحك ونظرتك إلى المستقبل، لأن الدول التي تفكر في الغد تبني المطارات، وتشتري الطائرات، وتفتح الأسواق، وتستثمر في الإنسان والتقنية، فهي تعرف أن الطيران حين ينمو تتحرك معه السياحة والتجارة والاستثمار والخدمات والمدن.

لو أن جزءاً من الجهد والمال الذي أنفق على القلاقل والصراعات والمشروعات خارج الحدود ذهب إلى تحديث المطارات والطائرات والاقتصاد والبنية التحتية وتحسين حياة الإيرانيين، ربما كنا اليوم نتحدث عن مركز طيران إقليمي كبير على الضفة الأخرى من الخليج، لكن الطائرات، مثل الاقتصاد، لا تطير بالشعارات.

00:03 | 19-08-2026

«وضع الطيران».. تجربة تبحث عن شكلها

حين بدأت فكرة «وضع الطيران» لم يكن في ذهني الوصول إلى رقم معيّن، بقدر ما كان السؤال الذي يشغلني هو «هل بالإمكان تقديم شكل صحفي جديد يخاطب ذائقة جمهور اليوم، دون التخلي عن أصول المهنة التي تعلمناها وعشنا معها سنوات طويلة»؟

تغيّرت علاقة الناس بالمعلومة، فالهاتف أصبح صحيفة وتلفزيوناً وإذاعة ومكتبة في شاشة واحدة، والجمهور الذي كان يمنح المقالة أو التقرير عدة دقائق أصبح يمر أمام عشرات المواد خلال ثوانٍ قليلة، الصورة تتقدّم والنصوص تقصر والمنافسة على انتباه المتلقي أشرس، حتى صار النجاح الإعلامي أحياناً يُقاس بعدد المشاهدات أكثر مما يُقاس بقيمة العمل.

وسط هذه التحوّلات جاءت فكرة «وضع الطيران» النشرة اليومية المتخصصة بالطيران والتي يصدر غداً عددها رقم 100، أردتها منذ البداية محاولة للجمع بين مدرستين؛ مدرسة الصحافة التي تؤمن بأن المصداقية أهم من السرعة والأمانة أهم من الإثارة، ومدرسة العصر التي تعرف أن الجمهور ليس مستعداً لقراءة الصفحات الطويلة.

قامت الفكرة على الاختصار والإشباع البصري، وعلى تقديم المعلومة بأقل عدد ممكن من الكلمات مع مساحة للتحليل العميق الرشيق الذي يذهب إلى المعنى مباشرة، الاختصار في رأيي لا يعني تسطيح الفكرة كما أن العمق لا يحتاج إلى ألف كلمة، وهذه المعادلة تصبح أكثر صعوبة عندما يكون الحديث عن الطيران لأن الطيران ليس قطاعاً مناسباً للابتذال الإعلامي، هذه صناعة قامت منذ بداياتها على الانضباط وعلى أنظمة شديدة الصرامة دقيقة التفاصيل، لذلك فإن اختزال الصناعة في أخبار خفيفة ومعلومات مثيرة ومقاطع تبحث عن «الترند» يظلمها أكثر مما يخدمها.

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام المتخصص.

الإعلام المتخصص في رأيي ليس إعلاماً للنخبة، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى لغة فنية مغلقة لا يفهمها سوى العاملين في القطاع.

مهمته الأصعب أن يعرف التفاصيل ثم يعيد تقديمها للناس بلغة واضحة دون أن يفقدها معناها، أن يبسط المعلومة دون أن يسطحها وأن يجعل المادة جذابة دون أن يبتذلها، وأن يلاحق الجديد دون أن يتحول إلى أسير للترند.

أيضاً تعمّدت ألا تكون «وضع الطيران» نشرة أخبار، فالأخبار موجودة في كل مكان، ما حاولت تقديمه هو ما بعد الخبر، ماذا يعني ولماذا حدث؟ وما الرقم الذي يستحق التوقف عنده؟ وأين يقع ضمن الصورة الأكبر للصناعة؟

حاولت أن تتنوع المواد بين رقم يستحق الرصد وتصريح يحمل ما وراءه، وتطور عالمي يمكن أن ينعكس على السوق، وزاوية تحليلية تحاول وضع الأحداث في سياقها.

عند نهاية كل شهر يصدر تقرير مفصّل يختلف عن الإيقاع اليومي، يقرأ اتجاهات السوق ويجمع الأرقام المتفرقة، ويحلل معطيات الفترة الماضية، لأن بعض تحوّلات الطيران لا يمكن فهمها من خبر يوم إنما من مراقبة الاتجاه عبر فترة زمنية أطول، التحدي الأصعب كان الالتزام اليومي، فـ «وضع الطيران» حتى عددها المئة هي جهد فردي بحت، من البحث عن الفكرة الرئيسية ومتابعة المصادر والتحقق من الأرقام والمعلومات، واختيار الزاوية وكتابة النصوص واختصارها، وصولاً إلى بناء الشكل النهائي لكل عدد، لهذا كان إصدارها يومياً اختباراً مضاعفاً فالعمل الفردي يمنح صاحبه حرية كبيرة في رسم هوية المشروع والمحافظة عليها، لكنه في المقابل يضع كامل مسؤولية الاستمرار والجودة والتجديد على شخص واحد.

مع ذلك كان الرهان أن أستطيع كل يوم إيجاد زاوية جديدة في صناعة واسعة ومتحركة مثل الطيران حتى وصلت إلى العدد المئة، وفي كل عدد كان التحدي يتجدّد، فكرة مختلفة ومعلومة موثقة واختصار لا يخل بالمعنى، وشكل بصري يجعل القراءة جزءاً من التجربة.

أنشأت للنشرة قناة خاصة على «واتساب»، ووصل عدد متابعيها حتى الآن إلى 266 متابعاً، معظمهم من العاملين والمهتمين بقطاع الطيران، وما يقارب 15%؜ منهم أسماء معروفة تشغل مناصب رفيعة في الصناعة. قد يبدو الرقم صغيراً بمنطق حسابات التواصل الاجتماعي، لكنه بالنسبة إلى إعلام متخصص يحمل دلالة مختلفة، لأن قيمة الجمهور المتخصص تقاس بعلاقته بالمحتوى وتأثيره داخل المجال.

بعد مئة عدد، لا أعتقد أن «وضع الطيران» وصلت إلى شكلها النهائي ولا أريد لها ذلك، فالتجارب الإعلامية التي تتوقف عن التطور تبدأ في تكرار نفسها، الجمهور يتغيّر وأدوات النشر تتغيّر، وصناعة الطيران نفسها تتغيّر بسرعة كبيرة، لذلك قد لا تكون «وضع الطيران» في مئويتها الثانية هي نفسها التي عرفها القارئ في المئة الأولى.

ربما تتغيّر بعض أقسامها أو إيقاع صدورها، وربما تتسع التجربة إلى شكل آخر يواكب ما تعلمته خلال الأعداد الماضية، فالفكرة منذ البداية لم تكن صناعة قالب ثم البقاء داخله إنما البحث عن صيغة إعلامية تستطيع أن تتطور دون أن تفقد هويتها، مع الإيمان بأن تحديث شكل الصحافة لا يعني التخلي عن قيمها.

مئة عدد كانت محاولة لاختبار هذه الفكرة، وكانت تجربة تعلمت منها بقدر ما كتبت فيها.

وغداً تبدأ المئة الثانية، بشكل مختلف وروح مغايرة وسماء جديدة.

00:01 | 12-08-2026

الأمير سلطان.. والطيران

في تاريخ الدول هناك أشخاص ارتبطت أسماؤهم بملفات معينة حتى أصبح من الصعب الحديث عن تلك الملفات دون استحضار أدوارهم، وفي تاريخ الطيران السعودي يصعب تجاوز اسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بوصفه أبرز من أسهموا في بناء هذا القطاع وصياغة ملامحه الحديثة، حتى غدا حضوره جزءاً رئيسياً من ذاكرة الطيران في المملكة رغم المناصب الكبرى التي تقلدها.

لطالما راودتني فكرة تأليف كتاب يوثق تلك المراحل، ليس لأن الأمير سلطان كان مسؤولاً عن قطاع الطيران لسنوات طويلة فقط، إنما لأن التحوّلات التي شهدها الطيران السعودي في عهده تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة وطنية متكاملة، وأن توثق للأجيال القادمة باعتبارها جزءاً مهماً من تاريخ المملكة الحديث.

حين نتأمل واقع الطيران السعودي بما يضمّه من مطارات وشركات ناقلة، ومنظومة تشريعية متقدّمة وحضور دولي مؤثر، فإننا أمام نتائج تراكمية جاءت بعد عقود من التخطيط والعمل والبناء، ومن الإنصاف توثيق اللبنات الأولى ومن حمل مسؤولية هذا القطاع سنوات طويلة.

آمن الأمير سلطان بأن الطيران قوة سيادية ورافعة اقتصادية وجسر يربط المملكة بالعالم، لذلك امتد اهتمامه من شراء الطائرات وإنشاء المطارات إلى بناء منظومة متكاملة من التشريعات والأنظمة وتنمية الكفاءات وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الحضور السعودي في المنظمات الدولية.

شهد الطيران المدني السعودي تحت قيادته توسعاً كبيراً في شبكة النقل الجوي، وتحسّناً مستمراً في الخدمات وتطوراً في الأنظمة والإجراءات، بما يتناسب مع النمو الذي كانت تعيشه المملكة آنذاك، وفي نفس الوقت كان الطيران العسكري يسير بخطوات متسارعة نحو التحديث والتطوير، حتى أصبحت المملكة تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الجوية تقدّماً في المنطقة.

إن النجاحات الكبرى تُصنع بالرؤى بعيدة المدى، والاستمرار في البناء، وتأسيس مؤسسات قادرة على البقاء مع مرور الزمن، لهذا أرى أن الحديث عن الأمير سلطان في سياق الطيران لا يكون حديثاً عاطفياً أو احتفالياً بقدر ما هو قراءة موضوعية لتجربة إدارية وتنموية أثرت في قطاع إستراتيجي أصبح اليوم أحد أهم القطاعات التي تراهن عليها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

يرحل الأشخاص، لكن يبقى العمل والأثر الذي تركوه في حياة الناس، وهذه هي القيمة الحقيقية في الأوطان.

اليوم، ونحن نشهد التحوّلات الكبرى التي يعيشها قطاع الطيران في المملكة من توسع غير مسبوق في المطارات، وإطلاق ناقلات جديدة واستثمارات ضخمة، ومستهدفات تجعل المملكة مركزاً عالمياً للطيران، فإن من الجميل أن نستحضر التاريخ الذي بدأت منه هذه المسيرة ونحن ننطلق إلى آفاق مدهشة ترسمها رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هذه الرؤية المباركة التي تأخذ الوطن بكافة قطاعاته إلى مدار آخر من النجاح والازدهار.

ما زالت فكرة الكتاب ترافقني، لا بوصفه كتاباً عن شخصية إنما بوصفه كتاباً عن مرحلة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الطيران السعودي، وعن رجل ارتبط اسمه بهذا القطاع لعقود طويلة حتى أصبح حضوره جزءاً من هويته، والأمير سلطان يستحق عملاً يوثّق علاقته بالطيران، ويستعرض المشاريع والإنجازات والتحديات التي صاحبت تلك المرحلة، ففي هذا تكريم لشخصية رائدة وحفاظ على ذاكرة قطاع أسهم في ربط المملكة بالعالم.

قطاع كان ولا يزال أحد أعمدة التنمية الوطنية السعودية.

00:05 | 5-08-2026

سلامة الطيران.. وخداع الأرقام

قبل أيام أصدرت المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) تقريرها السنوي للسلامة، متضمّناً بيانات عام 2025م، وهو من أهم التقارير التي تترقبها صناعة النقل الجوي كل عام، لأنه يقدّم إحصاءات موثوقة ويقيس مستوى السلامة العالمي، ويكشف الاتجاهات التي ينبغي أن تتوقف عندها الحكومات والهيئات التنظيمية، وشركات الطيران، والمختصون.

أول ما يلفت الانتباه في التقرير هو المفارقة التي حملها عنوانه، فقد انخفض عدد الحوادث بينما ارتفع عدد الوفيات، وهي نتيجة قد تبدو متناقضة لكنها تعكس حقيقة أساسية في عالم الطيران، وهي أن سلامة الطيران لا يحكمها عدد الحوادث فقط، إنما شدتها وتأثيرها.

عام 2025 شهد تشغيل أكثر من 38 مليون رحلة تجارية نقلت 4.95 مليار مسافر حول العالم، وهو رقم يقترب من أعلى مستويات الحركة الجوية في تاريخ الصناعة، وخلال هذا التشغيل الهائل انخفض عدد الحوادث من 95 حادثاً في عام 2024 إلى 85 حادثاً، كما تراجعت الحوادث المميتة من 10 إلى 4 فقط، إلا أن عدد الوفيات ارتفع إلى 387 وفاة نتيجة وقوع حادث واحد شديد الخطورة (حادث الطائرة الهندية) وهو ما رفع الحصيلة السنوية بصورة لافتة.

الأرقام تؤكد أن الإحصاءات المجردة قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة إذا جرى التعامل معها بمعزل عن سياقها، فمن ينظر إلى عدد الوفيات فقط ربما يظن أن السلامة تراجعت، بينما تشير بقية المؤشرات إلى أن الصناعة واصلت تحقيق تقدم واضح في الحد من الحوادث وتقليل معدل وقوعها مقارنة بحجم الحركة الجوية المتزايد.

من أكثر المؤشرات أهمية في التقرير معدل الحوادث لكل مليون رحلة، حيث بلغ 2.23 حادث لكل مليون رحلة، وهو أفضل أداء عالمي منذ عام 2021 مما يعني استمرار التحسّن في كفاءة الأنظمة، رغم النمو المتسارع في أعداد الرحلات والمسافرين.

التقرير سلّط الضوء أيضاً على طبيعة المخاطر الأكثر حضوراً، فقد بقي فقدان السيطرة أثناء الطيران (LOC-I) والاصطدام أثناء الطيران (MAC) والاصطدام بالتضاريس (CFIT) ضمن أهم المخاطر التي تستوجب اهتماماً دائماً، إلى جانب الحوادث المرتبطة بالمدارج والاضطرابات الجوية الشديدة، كان لافتاً أن الاضطرابات الجوية أصبحت تمثل نسبة متزايدة من الإصابات بسبب زيادة الظواهر الجوية المتطرفة التي تشهدها مناطق عديدة من العالم.

التقرير تناول كذلك أداء الدول في تطبيق نظام الرقابة على السلامة، حيث بلغ المتوسط العالمي للتطبيق الفعّال 68.8%، بينما تجاوزت 46% من الدول هدف منظمة الطيران المدني الدولي البالغ 75%. ورغم هذا التقدّم، ما زالت مجالات مثل «التحقيق في الحوادث» و«إدارة المخاطر» تتطلب مزيداً من التطوير في عدد من الدول.

من الجوانب المهمة التي كثيراً ما تغيب عن الأذهان، أن سلامة الطيران ليست مسؤولية الطيار أو شركة الطيران وحدهما، بل هي مسؤولية منظومة متكاملة تبدأ من التشريعات، وتمتد إلى تصميم المطارات، وصيانة الطائرات، وتأهيل المراقبين الجويين، وإدارة المجال الجوي، وجودة التدريب، وثقافة الإبلاغ عن الأخطاء، وانتهاءً بعمليات التحقيق التي لا تبحث عن المذنب بقدر ما تبحث عن السبب حتى لا يتكرر.

لهذا أصبحت صناعة الطيران من أكثر الصناعات اعتماداً على مفهوم إدارة المخاطر الاستباقية، فهي تعتمد على تحليل ملايين البيانات اليومية لاكتشاف المؤشرات المبكرة قبل أن تتحول إلى حادث فعلي، وهذا التحوّل في فلسفة السلامة كان أحد أهم أسباب الانخفاض المستمر في معدلات الحوادث خلال العقود الماضية.

في منطقتنا، يعكس التقرير أهمية استمرار الاستثمار في البنية التنظيمية والرقابية، خصوصاً مع الطفرة التي يشهدها قطاع الطيران في المملكة العربية السعودية، سواء عبر توسع الناقلات الوطنية، أو مشاريع المطارات الجديدة، أو المستهدفات الطموحة للإستراتيجية الوطنية للطيران. فكل زيادة في أعداد الرحلات تستوجب نمواً موازياً في قدرات الإشراف، والتدريب، وإدارة الحركة الجوية، والمحافظة على ثقافة السلامة باعتبارها أولوية لا تقبل المساومة.

ويبقى الدرس الأهم الذي يقدّمه تقرير هذا العام أن النجاح الحقيقي هو أن تصل الرحلات بسلام دون أن يشعر أحد بما عملت عليه آلاف العقول خلف الكواليس.

في عالم الطيران، أفضل خبر لا يكون الخبر الذي يُنشر، بل الذي لا ينشر لأنه عن رحلة انتهت كما كان مخططاً لها تماماً دون لفت انتباه، فالسلامة الحقيقية هي الإنجاز الذي لا يراه أحد، لكن يستمتع به الجميع.

23:57 | 28-07-2026

معارض الطيران.. ملامح المستقبل

عام 2019 مررت بتجربة شخصية أعتز بها كثيراً، حيث كُلِّفت برئاسة اللجنة الإعلامية في أول معرض طيران دولي يُقام في المملكة العربية السعودية، ثم جاءت جائحة كورونا لتتسبّب في إلغاء نسخة 2021، قبل أن يحل «معرض الدفاع العالمي» مكان «معرض الطيران»، ويحقق نجاحات كبيرة عاماً بعد عام.

منذ تلك التجربة، أصبحت أنظر إلى معارض الطيران نظرة مختلفة، فالزائر يرى الطائرات على الأرض، ويشاهد العروض الجوية الرائعة، والأجنحة التي تعرض أحدث التقنيات، بينما يرى العاملون في هذا القطاع ما هو أبعد بكثير، المكان الذي تُولد فيه الأفكار، وتُرسم فيه ملامح الصناعة لسنوات طويلة قادمة.

أمس الأول انطلق حدثان يعدّان من أهم معارض الطيران في العالم، معرض فارنبرة الدولي في المملكة المتحدة، ومعرض أوشكوش في الولايات المتحدة. وقد يظن البعض أن المعرضين يؤديان الدور نفسه، بينما الحقيقة أن كلاً منهما يمثل مدرسة مختلفة في عالم الطيران.

فارنبرة يمثل عالم الصفقات والتكنولوجيا والسياسات الصناعية، فيه تلتقي الحكومات والمصنّعون، وشركات الطيران، وشركات المحركات ومطوري الأنظمة، وهيئات الطيران والمستثمرين.

في أروقته تُعلن طلبيات بمليارات الدولارات، وتُكشف برامج جديدة، وتُناقش تشريعات وتنظيمات تؤثر في مستقبل الصناعة بأكملها. كثير من القرارات التي غيرت خرائط النقل الجوي بدأت من قاعات الاجتماعات.

أما أوشكوش، فيمثل ثقافة الطيران والمجتمع والهواة، والابتكار من القاعدة إلى القمة، يلتقي فيه الطيار المتقاعد مع الطالب المستجد، وصانع الطائرات المنزلية مع مهندس عمل في أكبر شركات العالم، والعائلة التي جاءت لمشاهدة العروض مع طفلها الذي يحلم بأن يصبح طياراً.

في أوشكوش يُقدَّم عالم الطيران بوصفه شغفاً وثقافة وأسلوب حياة، وليس مجرد صناعة.

هذا الاختلاف يعطينا صورة متكاملة عن صناعة الطيران. فالمصانع تحتاج إلى أسواق، والأسواق تحتاج إلى مستخدمين، والمستخدمون يحتاجون إلى مجتمع يؤمن بالطيران ويستثمر فيه ويتفاعل معه ويقوده نحو المستقبل، لذلك حافظ المعرضان على مكانتهما لعقود طويلة، رغم اختلاف فلسفة كل منهما.

أيضاً تؤدي معارض الطيران وظيفة اقتصادية مهمة، فالشركات تستعرض منتجاتها وتبحث عن عملاء وموردين وشركاء ومستثمرين، وفي الوقت نفسه تستفيد الدول المستضيفة من تدفق الوفود، وأنشطة الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، والتغطيات الإعلامية العالمية، وهي مكاسب تبقى آثارها حتى بعد انتهاء المناسبة.

غير أن الجانب الأهم هو بناء الإنسان، آلاف الطلاب يزورون هذه المعارض، ويلتقون بطيارين ومهندسين وروّاد فضاء وخبراء تصنيع، وكثير من المسارات المهنية تبدأ من زيارة واحدة، أو حديث قصير أو تجربة داخل قمرة قيادة، أو مشاهدة محرك تم تفكيكه أمام الجمهور، الاستثمار الحقيقي يبدأ بإلهام الأجيال.

السعودية تدرك قيمة هذه الفعاليات، لذلك شهدت السنوات الأخيرة حضوراً سعودياً متنامياً في أهم معارض الطيران العالمية، سواء عبر الهيئة العامة للطيران المدني، أو شركات الطيران أو المؤسسات الوطنية العاملة في القطاع. وهذا الحضور يعكس حجم التحول الذي يشهده قطاع الطيران، ويعزّز فرص جذب الاستثمارات ونقل المعرفة وبناء العلاقات مع الشركاء الدوليين.

وقد أثبت معرض الدفاع العالمي الذي يقام كل عامين في ملهم (شمال الرياض)، أن المملكة قادرة على تنظيم فعاليات دولية بمستوى رفيع، تجمع بين التنظيم الاحترافي والحضور الدولي والزخم الإعلامي والمردود الاقتصادي.

تنظيم المعارض الكبرى أصبح صناعة قائمة بذاتها، وليست مجرد حدث يقام ثم ينتهي، وعندما تُفتح أبواب فارنبرة وأوشكوش في اليوم نفسه، تبدو الصورة وكأن العالم يحتفل بالطيران بطريقتين مختلفتين؛ الأولى تتحدث بلغة الاقتصاد والإستراتيجية، والثانية تتحدث بلغة الشغف والإنسان، وبين اللغتين تنمو الصناعة وتتطور تقنياتها وتتوسع أسواقها، وتجد الأجيال الجديدة فيها آفاقاً للتحليق.

تنتهي المعارض بعد أيام، وتغادر الطائرات مكان العرض وتزال ديكورات الأجنحة، لكن الأثر يبقى سنوات طويلة في ملفات الشركات وخطط الحكومات، وأحلام الشباب ومستقبل صناعة لا تزال تثبت أن السماء هي معرضها الأكبر.

23:58 | 21-07-2026

سماء السعودية فوق الضجيج..

المجال الجوي في الطيران المدني تحكمه القوانين وتحميه الاتفاقيات، وتديره الدول وفق قواعد دقيقة تراكمت على مدى عقود.

كل طائرة تعبر من دولة إلى أخرى تظل داخل منظومة عالمية هدفها حماية الأرواح، وضمان انسياب الحركة الجوية، وإبعاد النقل المدني عن نزاعات السياسة والحروب.

من هنا تأتي سذاجة التصريح الذي أطلقه المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، حين حذر شركات الطيران من عبور الأجواء السعودية. هذا الهراء لا يمكن وضعه في خانة الخطاب السياسي أو الدعاية العسكرية، لأنه موجه بصورة مباشرة إلى شركات مدنية، وطائرات تحمل مسافرين من دول مختلفة، وتعبر ممرات جوية تخدم حركة الطيران بين قارات العالم.

منذ توقيع اتفاقية شيكاغو عام 1944م، عمل المجتمع الدولي على بناء نظام للطيران المدني يقوم على سيادة الدول على أجوائها، والتعاون بينها وحماية الرحلات المدنية من التدخلات غير المشروعة، ثم جاءت اتفاقيات طوكيو ولاهاي ومونتريال لتشدّد على تجريم الاعتداء على الطائرات والمطارات وسلامة الملاحة الجوية، هذه المنظومة لم تنشأ لحماية شركة أو دولة بعينها، وإنما لحماية الإنسان حين يكون داخل طائرة على ارتفاع آلاف الأقدام.

أي تهديد للطيران المدني يضرب جوهر هذا النظام العالمي، فالطائرة التجارية لا تحمل صفة عسكرية، والمسافرون ليسوا طرفاً في أي نزاع صادف أن رحلتهم مرّت من فوقه، وعندما تهدد جماعة مسلحة حركة الطيران العالمي فهي تعلن تمردها على القانون الدولي، وتكشف استعدادها لاستخدام أرواح المدنيين كورقة مساومة.

هذا السلوك الهمجي ينسجم مع تاريخ الحوثيين في استهداف المطارات والمنشآت المدنية وتهديد الممرات البحرية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي كل مرة تحاول هذه الجماعة تغليف أفعالها بشعار سياسي، يظهرها الواقع عاريةً أمام العالم، فهي مجرد مشروع تمرد يعتمد على السلاح ويعيش على التوتر، ويستمد حضوره من الخوف الذي يصنعه في بلده.

في المقابل تقف المملكة العربية السعودية بسياسة هادئة وصبر طويل.

حيث تعرّضت السعودية خلال سنوات لاعتداءات متكررة كان في مقدورها أن تتعامل معها بمنطق مختلف، مع ذلك أبدت حرصها على أمن المنطقة ومصالح شعوبها، وقدمت الحل السياسي ودعمت الجهود الإنسانية، وفتحت أبواب الحوار، وراعت أوضاع الشعب اليمني رغم ما تعرّضت له من تنكر ومزايدات.

هذا النهج العقلاني صادر عن دولة تعرف مكانتها، فالسعودية تدرك أن دورها يتجاوز حدودها وأن قراراتها تنعكس على محيطها وعلى الاقتصاد العالمي وعلى استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة والطيران، لذلك لا تدير سياستها بانفعال لحظي، ولا تسمح لمناكفات الجماعات الصغيرة أن تدفعها إلى خيارات قصيرة النظر.

الأجواء السعودية اليوم شريان رئيسي في شبكة الطيران العالمية، وموقع المملكة في قلب حركة الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا منح مجالها الجوي أهمية استثنائية، كما أن استقرارها وتطور بنيتها التحتية جعلاها جزءاً أساسياً من انسياب الرحلات الدولية، حيث تعبر آلاف الطائرات هذه الأجواء، تحمل ملايين المسافرين وتربط مدناً واقتصادات وأسواقاً في جهات العالم الأربع.

هذه القيمة تبنيها الدولة بالأمن والكفاءة والالتزام ولا تصنعها الشعارات الفارغة.

في الوقت الذي تستثمر فيه السعودية بالمطارات والملاحة الجوية وتوسيع الشبكات وربط العالم، تقف مليشيا مأزومة ومهزومة لتلوّح بتهديد الطائرات المدنية، هنا يظهر الفارق بين مواقف دولة تضيف للعالم، وجماعة تبحث عن تعطيل مصالحه.

التاريخ لا يرحم المشاريع القائمة على الكراهية والتهديد، بينما يحتفظ بأثر من بنى وغرس، السعودية تعرف هذه الحقيقة لذلك تمضي بثقة دولة كبيرة، فيما يكرر الحوثي اللغة نفسها التي استخدمها كثيرون قبله، ثم انتهوا خارج المشهد.

من يحمي السماء يحمي العالم، ومن يهددها يعلن عداءه للإنسان، هذه الحقيقة تختصر المشهد كله، دولة تحفظ الاستقرار الدولي، ومليشيا تتغذى على الفوضى.

00:08 | 15-07-2026