أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

أربعة دولارات ونصف.. وكل هذا الطيران!

حين يشتري أحدنا تذكرة سفر، ثم يصعد للطائرة ويجلس على مقعده لينشغل بمشاهدة السحب أو متابعة فيلم أو النوم فوق ارتفاع 35 ألف قدم، فإنه غالباً لا يخطر بباله كم ربحت شركة الطيران منه.


مؤتمر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في ريو دي جانيرو هذا الأسبوع كشف جانباً من الأمر، فمتوسط الربح الصافي الذي تحققه شركات الطيران من كل مسافر حول العالم خلال عام 2026 لا يتجاوز أربعة دولارات ونصف الدولار.


4.5 دولار، رقم صغير ينفقه كثير من الناس على كوب قهوة في المطار قبل الرحلة، لكن خلف هذا الرقم الصغير تقف واحدة من أعقد الصناعات في العالم وأكثرها تكلفة.


صناعة تنقل أكثر من 5.1 مليار مسافر في العام، وتشغّل عشرات الآلاف من الطائرات، وتربط القارات والثقافات والاقتصادات، وإيراداتها المتوقعة تتجاوز 1.165 تريليون دولار، مع ذلك تبقى هوامش أرباحها من الأقل بين القطاعات الاقتصادية الكبرى.


في الماضي، كانت شركات الطيران تخشى قلة الركاب، كانت المسألة تتعلق بجذب المسافرين وإقناعهم بالسفر، أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة لأن الطلب موجود والمقاعد تُباع والمطارات مزدحمة بالبشر، ومعدل إشغال المقاعد (حسب المؤتمر) مرشح للوصول إلى 84%، وهو من أعلى المعدلات في تاريخ الطيران.


رغم كل ذلك، لا تبدو شركات الطيران مرتاحة، والسبب أن المشكلة انتقلت من جانب الطلب إلى جانب القدرة على تلبية الطلب.


الناس تريد السفر أكثر، لكن الصناعة تواجه نقصاً في الطائرات وتأخراً في المحركات و ارتباكاً في سلاسل الإمداد، وكذلك ارتفاعاً في تكاليف الوقود، إضافة إلى تحديات جيوسياسية تجعل بعض المسارات الجوية أطول وأكثر تكلفة.


إن الطائرة التي يراها المسافر على البوابة قبل الإقلاع ليست وسيلة نقل فقط، إنها مشروع اقتصادي معقّد يحلّق في مدارات هوامش ربح منخفضة جداً.


ارتفاع بسيط في الوقود يحرق جزءاً من الأرباح، وتأخر ساعة في الصيانة ربما يعطّل شبكة تشغيل كاملة، وإغلاق مجال جوي في منطقة ما قد يضيف زمن طيران وتكاليف لم تكن في الحسبان.


لهذا السبب كانت أهم رسالة خرجت من مؤتمر إياتا هذا العام مختلفة عن السنوات الماضية، فالمجتمعون لم يبحثوا مسألة جذب المزيد من المسافرين، لكن تحدّثوا عن كيفية المحافظة على خدمتهم، فهذه الصناعة يعتمد نجاحها على توازن بالغ الحساسية بين مئات المتغيرات الصغيرة.


مع كل هذه التعقيدات، ما زال موظفو البوابات ينادون بأرقام الرحلات، وما زال الركاب يصطفون أمام الكاونترات، وما زالت الطائرات تسبح مع الرياح وكأن شيئاً من تلك المعارك الاقتصادية لا يحدث خلف الستار.


أربعة دولارات ونصف.. قد يبدو الرقم صغيراً جداً، لكنه يحكي سرَّ صناعة عملاقة ما زالت تحمل العالم فوق أجنحتها، وتواصل الطيران.

00:19 | 10-06-2026

مطار لا ينزع إحرامه

في كل عام، حينما تتجه أنظار المسلمين إلى مكة المكرمة، هناك مكان يعيش المشهد بشكل مختلف، ليس في المشاعر المقدسة، إنما على بعد عشرات الكيلومترات غربها، حيث يقف مطار الملك عبدالعزيز الدولي بوصفه واحداً من أكثر الأماكن ارتباطاً بفكرة الحج الحديثة.

هذا المطار ليس منشأة للنقل الجوي فقط، إنه بوابة زمنية عبرت منها ذاكرة ملايين البشر، وجوه جاءت من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، ولهجات مختلفة، وملابس وألوان وأعمار متعددة، كلها تنوي الوجهة نفسها.. مكة.

قبل عقود، كان المطار في مقره القديم بحيّ البغدادية، لم تكن جدة قد تمدّدت ولم يكن الطيران بهذه الضخامة والتعقيد، كانت الرحلات أقل، والطائرات أصغر، والإجراءات أبسط، لكن المشهد الإنساني كان هائلاً.

من هناك بدأت الحكاية الأولى لبوابة الحج الجوية، حتى صار المطار جزءاً من الرحلة الروحية نفسها، لا محطة عبور.

ثمّ جاءت مرحلة الصالات الجنوبية التي ارتبطت في ذاكرة السعوديين والمسافرين بصور من الحراك البشري، أصوات النداءات، عربات الحقائب، الباصات المتنقلة، ازدحام المواسم، ورائحة السفر القديمة التي يعرفها أبناء جيل عاشوا زمن المطارات قبل التحوّل الرقمي.

في تلك المرحلة تحديداً، بدأت جدة تتحوّل إلى مركز جوي عالمي مرتبط بالحج والعمرة كعملية تشغيلية معقّدة، تتطلب تنسيقاً هائلاً بين الطيران والملاحة والجوازات والنقل والخدمات الأرضية، لكن اللحظة الأكثر رمزية ربما جاءت مع إنشاء صالات الحجاج الشهيرة، التي كانت إعلاناً مبكراً عن فهم سعودي مختلف لفكرة استقبال الحجاج جواً.

تحوّلت الصالات، بخيامها البيضاء الشهيرة إلى واحدة من العلامات المعمارية المعروفة عالمياً، حتى أن كثيراً من المتخصصين في هندسة المطارات كانوا ينظرون إليها بوصفها تجربة فريدة تمزج الوظيفة بالرمزية الثقافية، ولم تكن شهرتها معمارية فقط، بل إنسانية أيضاً؛ لأنها استقبلت عبر عقود ملايين الحجاج القادمين من أنحاء العالم الإسلامي، حتى أصبحت لدى كثير منهم أول صورة حقيقية للمملكة.

الجميل في مطار الملك عبدالعزيز أن تاريخه لا يُقرأ عبر الخرسانة والمدارج، بل عبر القصص البشرية التي مرّت منه، هذا المطار شاهد على لحظات لا يمكن كتابتها بسهولة، دموع الوصول الأولى، ارتباك الذين يركبون الطائرة لأول مرة، ووجوه كبار السن الذين ظلوا يحلمون بالحج عشرات السنين.

مع مرور الوقت، تغيّر كل شيء تقريباً في صناعة الطيران، كبرت الطائرات، وتعقّدت الأنظمة، وتحوّلت المطارات إلى مدن ذكية مكتملة الخدمات، لكن مطار جدة بقي محتفظاً بشخصيته المختلفة؛ لأنه يتعامل مع واحدة من أكبر الحركات البشرية الموسمية في العالم.

اليوم، مع الصالة رقم 1، تبدو الحكاية وكأنها دخلت مرحلة جديدة بالكامل. واجهات ضخمة، تقنيات تشغيل متقدّمة، أنظمة ذكية، وربط متسارع مع مشاريع النقل الحديثة، لكن خلف كل هذا التطور ما زالت الفكرة القديمة نفسها حاضرة، أن هذه البوابات هي نقاط عبور روحية تربط الأرض بملايين القلوب المتطلعة للسماء.

في قطاع الطيران، لا توجد مطارات كثيرة تستطيع إدارة هذا الحجم الموسمي الهائل بالكفاءة نفسها؛ لأن الأمر يعتمد على خبرة تراكمت عبر عقود طويلة، لذا لا يبدو مطار الملك عبدالعزيز مجرد مكان، إنما جزء من ذاكرة الحج العالمية، فكما ارتبطت القوافل قديماً بطرق الصحراء والبحر، ارتبط الحج في عصرنا هذا بمدارج جدة وشاشات الوصول وأصوات الطائرات القادمة من كل جهات الأرض.

هناك مطارات تصنعها المدن، وهناك مطارات تصنعها الجغرافيا، لكن مطار الملك عبدالعزيز صنعته الحكاية ذاتها، حكاية الملايين الذين مرّوا منه في طريقهم إلى مكة، ثم عادوا وهم يحملون في ذاكرتهم صورة أول بوابات الأرض نحو السماء.

00:05 | 3-06-2026

اقتصاد الحنين الجوي

في مواسم الأعياد والإجازات ترتفع حركة الطيران، وترتفع أيضاً قيمة شيء آخر لا يظهر في نشرات الاقتصاد ولا تقارير الأسواق.. هو الحنين.

ذلك الشعور الذي يدفع الناس لشراء التذاكر بأسعار مرتفعة، وتحمّل ساعات الانتظار والزحام والتأخير، فقط ليصلوا إلى مائدة أسرة أو حضن أم أو ضحكة أثيرة في مدينة بعيدة.

العالم الحديث غيّر شكل العلاقات البشرية، فالوظائف وزعت البشر بين الدول والقارات، ودفعت ملايين الشباب للعيش بعيداً عن عائلاتهم، لكن الطيران أعاد ترميم جزء من هذه المسافات، ليس بوصفه وسيلة نقل فقط إنما أيضاً بوصفه صناعة تعيش على الاشتياق الإنساني.

سابقاً، كانت المسافات الطويلة تعني الغياب الطويل، وكانت بعض الرحلات تحتاج أياماً وربما أسابيع من التنقل، أما اليوم فيستطيع شخص أن يتناول غداءه في الرياض، ثم يجد نفسه مساءً وسط عائلته في القاهرة أو لندن. هذه القدرة على اختصار المسافة صنعت شكلاً جديداً من الاقتصاد يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحنين الجوي».

شركات الطيران تعرف ذلك جيداً، حتى وإن لم تعلنه بهذه اللغة الشاعرية، لذلك تصبح مواسم الأعياد والصيف أكثر الفترات ازدحاماً وربحية، فالقرار هنا لا يخضع للحسابات العقلانية دائماً، لأن الإنسان قد يؤجل شراء شيء يريده، لكنه غالباً لا يؤجل رؤية عائلته في العيد إذا كان قادراً على الوصول، هنا لا يمكن قراءة أسعار التذاكر المرتفعة دائماً باعتبارها مجرد أرقام مرتبطة بالعرض والطلب، إنما باعتبارها أيضاً انعكاساً لقيمة عاطفية يختزلها السفر نفسه.

في المواسم، غالباً لا تبيع شركات الطيران مقعداً بقدر ما تبيع فرصة للحضور الإنساني، فرصة ألا يغيب الأب عن أطفاله في العيد، أو ألا تبقى الأم وحيدة.

أثناء الأعياد تتغيّر خرائط الحركة الجوية، وتمتلئ المطارات بوجوه تحمل ملامح متشابهة مهما اختلفت الجنسيات؛ حقائب كثيرة، استعجال، مكالمات قصيرة، ورسائل تطمئن المنتظرين بأن الرحلة أقلعت أخيراً.

المطارات نفسها أصبحت جزءاً من الذاكرة العاطفية، وصالات الوصول تلخّص جانباً كبيراً من الحكاية الإنسانية للطيران حينما يتحوّل المطار من منشأة تشغيلية باردة إلى مساحة مزدحمة بالمشاعر البشرية.

ربما لهذا السبب، بقي الطيران رغم كل الأزمات العالمية واحداً من أكثر القطاعات قدرة على التعافي.

فالإنسان قد يتوقف مؤقتاً عن السفر للسياحة أو الترفيه، لكنه يعود سريعاً عندما يتعلق الأمر بالعائلة والذاكرة والحنين.

في النهاية، الطائرات في مواسم الأعياد تتحوّل من أجسام معدنية تعبر السماء، إلى جسور طويلة بين القلوب، وكلما اتسعت المدن وتشعبت الحياة الحديثة، سيبقى هناك اقتصاد خفي يحرك ملايين الرحلات حول العالم، اسمه الحنين.

كلّ عام وأنتم بخير.

00:39 | 27-05-2026

من المطارات إلى المشاعر

في المؤتمر الصحفي الحكومي الـ34 الذي نظّمته وزارة الإعلام الأسبوع الماضي بكفاءة لافتة، وشارك فيه خمسة وزراء يمثلون قطاعات الصحة والنقل والإعلام والحج والإسكان، بدا المشهد وكأنه عرض متعدد لفكرة واحدة، هي أن الحج لم يعد يقرأ كموسم ديني فقط بل أيضاً كواحدة من أعقد العمليات التشغيلية التي تتحرك فيها آلاف التفاصيل بتناغم بين الوزارات والقطاعات وشركات النقل والمطارات والتقنية والخدمات.

وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر أشار إلى تخصيص أكثر من 12 ألف رحلة و6 مطارات رئيسية لخدمة الحجاج، إضافة إلى أكثر من 110 خطط تشغيل وطوارئ تعمل منذ وقت مبكر لضمان انسيابية الحركة وسلامة التنقل.

بالنسبة لقطاع الطران فالحج ليس موسماً عادياً، بل اختبار سنوي هائل لقدرة الدولة على إدارة واحدة من أعقد الحركات البشرية في العالم خلال فترة زمنية قصيرة وجغرافيا محدودة، هنا تظهر قيمة الخبرة الفريدة التي بنتها المملكة عبر عقود، خصوصاً في الطيران.

لنأخذ مثلاً «الخطوط السعودية» لا يمكن النظر إليها كشركة طيران تنقل الحجاج فقط، إنها جزء تاريخي من ذاكرة الحج الحديثة، فمنذ عشرات السنين، تشكّلت لدى الشركة خبرة تشغيلية نادرة يصعب تكرارها عالمياً، تبدأ من فهم ثقافات الحجاج المختلفة، مروراً بإدارة الرحلات الكثيفة والمتزامنة، وانتهاءً بالتعامل مع الحالات الإنسانية واللغوية والدينية والخدمية المرتبطة بهذه الرحلات.

لقد استطاعت الخطوط السعودية عبر سنوات طويلة أن تطور نموذجاً خاصاً بالحج، انعكس على تجربة الحاج منذ لحظة الصعود للطائرة حتى الوصول إلى المشاعر المقدسة.

ولذلك لا أبالغ لو قلت إن تجربة الحج الجوية التي تديرها السعودية تكاد تكون حالة فريدة عالمياً، ليس فقط بسبب الحجم، بل بسبب تراكم المعرفة التشغيلية المرتبطة بالحجاج أنفسهم.

اللافت حديثاً أن موسم الحج لم يعد مقتصراً على ناقل واحد. دخول شركتي ناس وأديل إلى رحلات الحج أوجد ديناميكية داخل السوق، ورفع من مرونة التشغيل والطاقة الاستيعابية، وخلق تنوعاً أكبر في إدارة الرحلات والخدمات. هذا التوسع انعكاس لتحوّل أوسع تعيشه منظومة الطيران السعودية نفسها، التي أصبحت أكثر قدرة على توزيع الأدوار بين الناقلات الوطنية، والمطارات، والجهات التنظيمية، مع الحفاظ على مركزية القرار والتنسيق.

هيئة الطيران المدني هي المظلة التي عملت منذ البدء على إدارة الحركة الجوية وجدولة الرحلات وتخصيص الخانات الزمنية والتنسيق بين المطارات وحصص الناقلات، مروراً بالمطارات التي تتحوّل إلى مدن تعمل على مدار الساعة، وانتهاءً بالتكامل مع وزارات الداخلية والصحة والحج والنقل والإعلام.

مبادرة «طريق مكة» أصبحت مثالاً على هذا النوع من التكامل، حيث استفاد منها أكثر من 1.2 مليون حاج منذ إطلاقها، عبر إنهاء إجراءات السفر والجوازات في بلدان المغادرة قبل الوصول إلى المملكة.

كما أن أكثر من 820 ألف حاج وصلوا هذا الموسم عبر المنافذ الجوية حتى الآن، من أصل نحو 860 ألف حاج وصلوا إلى المملكة وقت انعقاد المؤتمر، وهي أرقام تعكس بوضوح أن الطيران لم يعد مجرد وسيلة للحج، بل العمود الفقري للحج.

الحج رحلة إيمانية كبرى، وهو أيضاً واحدة من أعقد العمليات اللوجستية والطيرانية في العالم، والمملكة بفضل الله تدير هذه التجربة بخبرة دولة تراكمت عبر عقود حتى أصبح هذا التعقيد الهائل يُدار بهدوء يكاد لا يشعر به ملايين الحجاج وهم ينتقلون من المطارات إلى المشاعر، ثم من المشاعر إلى المطارات.

00:07 | 20-05-2026

صيف التذاكر الملتهب

قبل أن يبدأ الصيف فعلياً، تبدو المطارات وكأنها دخلت الموسم مبكراً، لكن بصورة أكثر سخونة من المعتاد.

ارتفعت أسعار التذاكر بشكل لافت، وامتلأت شاشات المغادرة بإعلانات التأخير والإلغاء، فيما تعود كلمة «الفوضى» تدريجياً إلى أحاديث المسافرين، بعد سنوات قليلة حاول فيها قطاع الطيران أن يقنع العالم أنه تجاوز آثار الجائحة واستعاد توازنه.

المشهد الحالي لا يمكن قراءته من زاوية واحدة، فالطلب على السفر ما زال مرتفعاً عالمياً، لكن في المقابل هناك ضغط هائل على سلاسل التشغيل، وارتفاع حاد في تكاليف الوقود، ونقص في بعض الموارد البشرية والفنية، إضافة إلى توترات جيوسياسية تضغط على خطوط الإمداد ومسارات الطيران.

خلال الأيام الماضية، حذّر الاتحاد الألماني للمطارات من احتمال تأثر نحو 20 مليون مسافر إذا استمرت أزمة الوقود الحالية، مع توقّعات بإلغاء رحلات وتقليص السعات التشغيلية في بعض المطارات الأوروبية بنسبة قد تصل إلى 10%. كما أشار مسؤولون إلى أن أسعار الكيروسين تضاعفت مقارنة بفترة ما قبل التوترات الأخيرة في المنطقة.

هذه ليست مجرد أرقام عابرة؛ لأن وقود الطائرات يمثل أحد أكبر عناصر التكلفة لدى شركات الطيران، وعندما يرتفع سعره بشكل حاد، تصبح الشركات أمام ثلاثة خيارات، رفع أسعار التذاكر، أو تقليص عدد الرحلات، أو تحمّل خسائر مالية ضخمة، وفي العادة تحدث الثلاثة معاً بدرجات مختلفة.

بعض شركات الطيران الأوروبية تحدثت صراحة عن تقليص الرحلات خلال الصيف الحالي، مع زيادات في أسعار التذاكر لتعويض فاتورة الوقود.

إحدى الشركات الكبرى أعلنت أن تكاليف الوقود الإضافية قد تصل إلى 1.7 مليار يورو خلال 2026م.

في خلفية المشهد، هناك عامل أكثر حساسية وهو هشاشة الشبكة التشغيلية العالمية للطيران.

صناعة الطيران تعمل بدقة، لكنها أيضاً حساسة للغاية أمام أي اضطراب.. إغلاق مجال جوي، نقص في الوقود، أعطال تقنية، إضرابات، أحوال جوية، أو حتى انتشار فايروس جديد، كلها كفيلة بإرباك آلاف الرحلات خلال أيام قليلة، لهذا عاد القلق مجدّداً مع ظهور أخبار عن فايروس «هانتا» في بعض مناطق العالم، حتى وإن كان تحت السيطرة.

المشكلة لا تنحصر في خطورة الفايروس إنما في «الأثر النفسي» الذي يصيب الأسواق بسرعة، وشركات الطيران تتذكر جيداً كيف تحوّلت أزمة صحية قبل 5 سنوات إلى أكبر انهيار في تاريخ النقل الجوي الحديث.

صحيح أن العالم اليوم أكثر استعداداً مما كان عليه في 2020م، لكن القطاع صار يقرأ أي خبر صحي عالمي بحذر شديد.

مع كل ذلك، من الخطأ أيضاً تصوير الوضع وكأن العالم مقبل على انهيار جديد في الطيران، فالطلب ما زال قوياً، وكثير من الرحلات ما زالت تمتلئ بالكامل رغم الشكاوى المتزايدة من الأسعار.

هذا يكشف حقيقة مهمة، الطيران أصبح جزءاً من نمط الحياة العالمي، سواء للسياحة أو الأعمال أو حتى العلاقات الاجتماعية، لكن بين التفاؤل والتخوّف، تبقى الحقيقة الأهم أن صناعة الطيران أصبحت أكثر حساسية للأحداث السياسية والطاقة، والشركات أصبحت أكثر تشدّداً في إدارة التكاليف، بينما أصبح المسافر نفسه أكثر قلقاً وأقل صبراً أمام التأخير والإلغاء وارتفاع الأسعار.

السؤال: هل يستطيع القطاع الحفاظ على توازنه إذا استمرت الضغوط الحالية طوال الصيف وربما بعده؟

حتى الآن، يبدو أن السوق يعيش حالة «تفاؤل حذر».

الطلب قوي، لكن الصناعة كلها تتحرك وهي تنظر باستمرار إلى أسعار النفط، والأوضاع الجيوسياسية، وأخبار الصحة العالمية، وكأنها تمشي فوق مطبات لا تعرف متى تهدأ.

في عالم الطيران، أحياناً يكفي اضطراب صغير في شرق الأرض ليشعر به مسافر بريء ينتظر رحلته في الطرف الآخر من العالم.

00:02 | 13-05-2026

أخطاء لا تُرى.. ما لا تقوله الفحوصات..

في الطيران، نطمئن غالباً إلى ما نراه، الشاشات المضيئة، والأرقام والأنظمة التي تعمل، لكن ما لا يُرى هو ما يقلق أكثر.

ليس كل خلل يصدر إنذاراً، ولا كل خطر يظهر على لوحة العدادات، أحياناً يبدأ الاضطراب في مكان أبعد من أن تصل إليه الحساسات، يبدأ من داخل الإنسان نفسه.

هناك حالات لا تكون واضحة، تتخفى في هيئة إرهاق أو تشتّت، أو سهو يمكن تمريره بسهولة.

بعض هذه الأخطاء لا تبدأ في السماء، بل في تفاصيل صحية صغيرة على الأرض.

انقطاع النفس أثناء النوم مثال شائع يصيب نسبة من البالغين، وكثير منهم دون تشخيص، في بيئة تعتمد على التوقيت الدقيق كالطيران قد يظهر أثره على هيئة تراجع بسيط في سرعة الاستجابة أو بطء في معالجة المعلومة. فارق ثوانٍ لكنه فارق مؤثر.

أيضاً، قد تظهر اضطرابات عصبية كنوبات عابرة، أو لحظات شرود قصيرة لا تتجاوز ثواني، لكنها تكفي لإرباك التسلسل الذهني، أما بعض الاضطرابات الإدراكية مثل «الخرف الجبهي الصدغي» (FTD)، فقد تبدأ، بتغيّرات في الحكم على الأمور والسلوك. قد يبدو الشخص طبيعياً، بينما تتآكل قدرته على تقدير المخاطر بهدوء.

هذه الحالات لا تُسقط الطائرة، لكنها قد تُضعف الإنسان الذي يقودها، أو الشخص الذي يتحكم بالحركة الجوية.

من هنا نشأ واحد من أكثر فروع الطب صرامة وخصوصية، «طب الطيران». بدأ الاهتمام به مع توسع الطيران في بدايات القرن العشرين، حين أدركت المؤسسات أن سلامة الطيار لا تتعلق بمهارته فقط، إنما بقدرته الفسيولوجية على التكيّف مع بيئة غير طبيعية، ضغط منخفض، نقص أكسجين، إجهاد ذهني مستمر، ومع تطور الطيران المدني تحوّل هذا الفهم إلى منظومة دقيقة من الفحوصات والمعايير.

يوجد تكامل وترابط بين مفهومَي الصحة والسلامة، فالإحصاءات العالمية أظهرت أن نحو 50% من حوادث الطيران مرتبطة بالأخطاء البشرية، ويعود جزء من هذه الأخطاء إلى الوضع الصحي للقائمين بعمليات الطيران المدني من طيارين وفنيين؛ لذلك فإن طب الطيران يولي اهتماماً كبيراً بدراسة أسباب هذه الحوادث ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لمنع حدوثها وتجنبها ما أمكن، كما ينطوي طب الطيران على جوانب متعددة تتعلق بالأشخاص القائمين على عمليات الطيران، حيث يعنى بدراسة الحالة البدنية والصحية والعقلية والنفسية.

اليوم، يخضع الطيارون والعاملون في الطيران لتقييمات دورية شاملة، تمتد من القلب والحواس إلى الحالة الذهنية والسلوكية، في محاولة لقراءة ما لا يظهر.

ما يميّز طب الطيران ليس كثرة الفحوصات، بل فلسفته. في الطب التقليدي، الهدف علاج المريض، أما هنا فالهدف منع الخطر قبل أن يظهر، حتى لو استدعى ذلك إيقاف طيار أو موظف يبدو سليماً ظاهرياً، هذا الطب يقرأ الاحتمالات، لا ينتظر الأعراض ولا يتعامل مع الفرد كحالة بمعزل عن المنظومة كاملة.

لكن، ماذا يحدث حين يمر كل ذلك دون أن يُنتبه للخلل؟

حادثة سقوط رحلة Germanwings 9525 أعادت هذا السؤال إلى الواجهة، في تلك الكارثة لم يكن الخلل تقنياً ولا صحّياً، بل إنسانياً بحتاً، مرتبطاً بحالة نفسية لم تُدار كما يجب. الحادثة غيّرت إجراءات الفحص، وأعادت تعريف العلاقة بين الطيار والجهة الطبية وبيئة العمل.

كانت تنبيهاً مؤلماً أن الإنسان، رغم كل ما حوله من أنظمة، يظل العنصر الأكثر حساسية.

ومع هذا التطور، يبرز تساؤل آخر يرتبط بزمن مختلف. فطب الطيران رغم دقته، بُني على معايير زمنية وسلوكية تشكّلت في بيئات مختلفة عن واقعنا اليوم. نحن أمام أجيال اعتادت السرعة، تتعامل مع المعلومة بشكل فوري، ولم تعتد على الصبر أو التحمل الطويل، وهو ما قد لا يتوائم مع متطلبات السلامة التي تقوم في جوهرها على الانضباط والتركيز الممتد، والقدرة على التعامل مع الرتابة دون فقدان اليقظة. هنا، ربما يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض معايير العمل والراحة، ليس لتخفيفها، بل لمواءمتها مع التحوّلات النفسية والسلوكية القادمة.

الطيران ليس علماً آلياً، إنما فهم عميق للإنسان، كل إجراء، كل فحص، كل بروتوكول هو محاولة لإبقاء هذا التوازن الدقيق بين الإنسان والآلة.

في الطيران، نثق كثيراً في ما نراه، لكن السلامة الحقيقية تُبنى على ما لا يُرى.

هناك، حيث لا ألوان الشاشات ولا وميض الأجنحة.. يجب أن تكون أعماق الإنسان ساطعة بلا ظلال.

00:12 | 6-05-2026

ما طائرتك المفضلة؟

عندما يحجز المسافر رحلته، يهتم غالباً بوقت المغادرة، وسعر التذكرة، وعدد ساعات التوقف، وجودة الخدمة، وموقع المقعد (إن كان يستطيع الاختيار).

قليل من يتوقف عند سؤال مختلف: ما نوع الطائرة التي سأطير عليها؟ مع أن هذا السؤال قد يكون أكثر أهميّة من فرق مئات الدولارات.

الطائرة أحياناً أكثر من مجرد وسيلة نقل، خاصة في الرحلات الطويلة، إنها البيئة التي ستعيش داخلها أكثر من 12 ساعة؛ ستنام أو تحاول، ستأكل وتتأمل، وستجرب فيها الراحة أو الضيق، لهذا أعتقد أن سؤال: «ماه طائرتك المفضلة؟» ليس زائداً عن الحاجة، بقدر ما هو جزء من وعي المسافر المعاصر، خاصة المسافرين الدائمين.

مثلاً، طائرة الدريملاينر B787 حقّقت شهرتها من تجربة مختلفة يشعر بها كثير من الركاب، ضغط المقصورة فيها يعادل ارتفاعاً يقارب 6 آلاف قدم بدلاً من 8 آلاف في الطائرات التقليدية، ما يقلّل الجفاف والصداع والإرهاق، الرطوبة أعلى والضجيج أقل والنوافذ أكبر، والإضاءة الداخلية مصمّمة لتنسجم مع إيقاع الجسم، لكن الصورة ليست مثالية دائماً، فبعض شركات الطيران استغلت كفاءة الطائرة وشعبيتها ورفعت كثافة المقاعد في الدرجة الاقتصادية، فكسبت الشركة وخسر الراكب مساحة الكتف والركبة، هنا يظهر الفرق بين طائرة ممتازة وتجربة متوسطة؛ فالطراز وحده لا يكفي.

في الجهة الأخرى تقف إيرباص A330 بهدوء، ليست صاخبة إعلامياً، لكنها تمنح في كثير من الشركات ترتيب مقاعد 2-4-2، وهو توزيع يفضله كثيرون خاصة الأزواج والعائلات، أن تجلس بجوار شخص واحد بدلاً من اثنين قد يبدو أمراً بسيطاً، لكنه في رحلة طويلة يصنع فرقاً واضحاً.

ثم تأتي إيرباص A350 التي تمثّل توازناً ناضجاً بين التقنية والراحة، مقصورة هادئة، ضغط أفضل، تصميم داخلي أنيق وكفاءة تشغيلية عالية، لهذا أصبحت خياراً مفضلاً لكثير من شركات الطيران، ولعدد متزايد من المسافرين.

في الرحلات القصيرة والمتوسطة، يبرز التنافس بين A320neo و737 MAX هنا تختلف الحسابات فالرحلة غالباً أقصر، والتركيز على الوصول أكثر من التجربة، ولا تبدو الفوارق حاسمة للراكب العادي، مع أن عائلة A320 تقدم مقصورة أعرض قليلاً، في المقابل، تبقى B737 خياراً مألوفاً، ارتبط في ذاكرة المسافرين بمئات الرحلات، رغم ما مرت به من تداعيات في السنوات الأخيرة.

جزء من تفضيلات المسافرين نفسي أكثر من كونه تقنياً، قد يحب المسافر طائرة؛ لأنها كانت رفيقة أول رحلة مهمة في حياته، أو لأنها حملته مع أحبته إلى مدينة لا ينساها، الطيران ليس أرقاماً فقط، هو ذاكرة وقلب أيضاً.

لكن هل يستطيع المسافر اختيار الطائرة التي يفضلها فعلاً؟

نظرياً نعم، خاصة في رحلات الترانزيت حين تختار أن تطير لمكان بعيد عبر الدوحة أو إسطنبول أو باريس مثلاً، كثير من مواقع الحجز تعرّض نوع الطائرة وتفاصيل المقاعد، والمسافر يقارن ويختار، لكن عملياً، شركات الطيران قد تغيّر الطائرة في أي وقت لأسباب تشغيلية، كما أن العمر التشغيلي عامل مؤثر؛ فطائرتان من النوع نفسه قد تقدّمان تجربتين مختلفتين تماماً، واحدة بمقصورة محدثة وأنظمة ترفيه متطورة، وأخرى بتصميم قديم؛ لذلك الحكم على الطراز من تجربة واحدة قد يكون مضللاً.

مع تطور الوعي، بدأ بعض المسافرين ينظرون أيضاً إلى الجانب البيئي، طائرات الجيل الجديد مثل B787 وA350 وA320neo تحقّق توفيراً في الوقود وانبعاثات أقل لكل مقعد، وهذا العامل يزداد الاهتمام به عالمياً وقد يفرق في التكلفة.

ومن الزوايا اللافتة دخول طائرات مثل إيرباص A321XLR إلى الوجهات المباشرة البعيدة، وهذا يفتح مسارات جديدة، لكنه يضع الراكب أحياناً في رحلة تمتد لسبع أو ثماني ساعات داخل مقصورة أضيق، هنا ينقسم الناس بين من يفضل رحلة مباشرة ومن يفضّل راحة أكبر؟

شركات الطيران تدرك أن الطائرة أصبحت جزءاً من تسويقها، إدخال طراز جديد لم يعد قراراً تشغيلياً فقط، إنه جزء من رسالة تقول للمسافر: «نحن نستثمر في تجربتك».

في النهاية، لا يوجد تفضيل واحد حاسم، من يسافر لمسافات طويلة قد يفضل B777 أو A350، أو A380 ومن يهتم بتوزيع المقاعد قد يميل إلى A330. ومن يريد رحلة داخلية سريعة ربما لا يعنيه الطراز بقدر ما يعنيه الوقت والسعر.

السؤال الأدق ليس «ما أفضل طائرة»، بل ما الرحلة التي أمامك؟ وما الذي تريده منها؟

في المرة القادمة، حين تصعد إلى الطائرة انظر حولك قليلاً، لاحظ ارتفاع السقف وصوت المحركات وسعة النوافذ وعرض الممرات وحجم المقعد وإحساس المكان، وستدرك أن الرحلة تبدأ قبل الاقلاع بوقت طويل.. من اختيار طراز الطائرة لا من وقت إغلاق الأبواب.

22:46 | 28-04-2026

لماذا لا يعجبنا طعام الطائرة؟

أثناء الطيران، لا يتغيّر ما نراه من النافذة في الخارج فقط، يتغيّر أيضاً ما نشعر به من الداخل دون أن ننتبه. الطعام، الوجبة التي تبدو عادية على الأرض، تتحوّل فوق الغيوم إلى تجربة مختلفة؛ أحياناً باهتة وأحياناً لذيذة، بشكل يصعب تفسيره إلا إذا فهمنا ما يحدث لأجسادنا وما يحدث لأطباقنا.

يشتكي كثيرون من وجبات الطائرة، البعض يتهم الشركات بالبخل، والبعض يتعامل معها باعتبارها شيئاً ثانوياً في الرحلة، لكن الحقيقة أن الطعام على متن الطائرة منظومة تشغيلية وتجارية وعلمية معقدة، تشارك فيها المطابخ الضخمة والهندسة، وسلامة الغذاء وعلم النفس، والوقت والمسافة، وحتى صوت المحركات وضجيج الهواء.

بدأت قصة الطعام الجوي مبكراً، حين كان السفر بالطائرة كأنه مناسبة اجتماعية، كان الطيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي نادراً ومكلفاً، وكان المسافرون من طبقات غنيّة، لهذا كانت الخدمة تركّز على الرفاهية، فطائرات مثل DC-3 كانت ترى الرحلة نفسها جزءاً من المتعة، لذا كانت الوجبات تُقدَّم بأدوات حقيقية وأطباق ساخنة، وخدمة تشبه ما يُقدَّم في الفنادق الراقية.

ثم جاء العصر الذهبي للطيران في الخمسينيات والستينيات، ومع دخول الطائرات النفاثة بلغت الضيافة الجوية ذروة بريقها، كان المسافر على بعض الرحلات الطويلة يجد أنواع اللحم، والمأكولات البحرية، والحلويات الفاخرة، وخدمة طاولات تضاهي مطاعم المدن الكبرى.

بعض الشركات استعانت بطهاة مشهورين، وأخرى جعلت الطعام جزءاً من هويتها التجارية.

حاليّاً تغيّر العالم واتسعت الأسواق وزاد عدد المسافرين، إذ يتجاوز عددهم عالمياً 5 مليارات سنوياً، وتحوّل السفر الجوي من رفاهية محدودة إلى صناعة جماهيرية، هنا بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها الوجبات من المطابخ الصغيرة إلى مصانع ضخمة، وأصبح ما يُعرف اليوم بالتموين الجوي أو «الكاترينغ» قطاعاً مستقلاً تتجاوز قيمته عشرات المليارات ويخدم آلاف الرحلات يومياً.

بعض مراكز التموين الكبرى في مطارات عالمية مثل لندن وسنغافورة تنتج أكثر من 200 ألف وجبة في اليوم، هذه الصناعة تقوم على إدارة زمنية دقيقة، إعداد آلاف الوجبات، وفرزها حسب الرحلات والدرجات والطلبات الخاصة، ثم نقلها إلى الطائرات وتحميلها في فترات قصيرة، مع الالتزام الكامل بسلامة الغذاء وضوابط التبريد؛ لأن أي تأخير بسيط قد ينعكس على جدول الرحلات بالكامل.

مع كل هذا العمل، يتكرر سؤال، لماذا يبدو طعام الطائرة مختلفاً؟

الإجابة تبدأ من المقصورة، فالطائرة عند التحليق تضبط ضغطها الداخلي ليعادل ارتفاعاً يقارب 8 آلاف قدم فوق سطح البحر، وجسم الإنسان يشعر بهذا التغيّر حتى لو لم ينتبه له، حاسة الشم وهي مهمة في التذوق تتراجع كفاءتها بسبب انخفاض الضغط وجفاف الهواء، كذلك هناك عامل آخر لا يراه الراكب لكنه يعايشه وهو الضجيج، صوت المحركات وأنظمة التهوية وحركة المقصورة، تعزف خلفية صوتية مستمرة، وهناك أبحاث أشارت إلى أن الضوضاء تؤثر في المذاق، وتخفف الإحساس بالحلا أو الملح، بينما تجعل النكهات العميقة أكثر وضوحاً، بمعنى أن الأذن تشارك اللسان في تشكيل رأيك عن الوجبة.

أيضاً الرطوبة مؤثر مهم؛ لأنها تنخفض داخل الطائرة إلى مستويات أقل بكثير من البيئات المريحة للإنسان، وهذا يؤثر على الجلد والأنف والفم وكذلك الطعام الذي يبدو أكثر جفافاً وأقل جاذبية؛ لذلك تعتمد شركات الطيران على الصلصات والمكوّنات الرطبة، والوصفات التي تحتفظ بعصارتها بعد التسخين.

هنا يظهر الجانب الخفي من هندسة الطعام الجوي، فالوجبة التي تصل إلى مقعدك لم يتم إعدادها لتكون لذيذة فقط، بل لتتجاوز سلسلة طويلة من التحضير، والتبريد، والنقل، والتخزين داخل الطائرة، ثم إعادة التسخين في أفران محدودة الإمكانات، لذا يغلب اختيار أنواع معينة، مثل الفطر والطماطم، وبعض الأجبان، والتتبيلات الأقوى؛ لأنها تحتفظ بنكهاتها رغم ظروف الرحلة.

وجبة الطائرة أصبحت اليوم جزءاً من المنافسة التجارية، خاصةً في الدرجات المميّزة، بعض الشركات عادت للتعاون مع طهاة معروفين واهتمت بأطباق تعكس هوية بلدها وثقافته، ليعود الطعام إلى دوره القديم.. رسالة ضيافة لكن بأدوات حديثة.

في النهاية، حين تتناول وجبتك على ارتفاع 35 ألف قدم فأنت تجرّب تفاعل الإنسان مع الضغط والضوضاء والجفاف، والزمن والارتفاع واللوجستيات. قطعة الدجاج أو البيتزا أو كوب العصير الذي أمامك مرّ برحلة معقدة قبل أن يصل إليك.

في رحلتك المقبلة، عندما تجد أن وجبتك مختلفة عمّا توقعت لا تستعجل الحكم، فالمشكلة قد لا تكون في مقادير الطبخ، قدر ما تكون في بيئة الارتفاع.

00:08 | 22-04-2026

السعودية.. الممر الآمن للعالم..

عند الأزمات، تظهر قيمة الدول التي تستطيع أن تحافظ على استقرارها واستقرار محيطها.

قبل سبعة أشهر، وخلال حرب الاثني عشر يوماً، أُغلقت مجالات جوية في الشرق الأوسط، وتغيّرت مسارات آلاف الرحلات، حينها سألت مسؤولاً رفيعاً في الطيران المدني السعودي: لماذا لا يتم إبراز الجهود الاستثنائية التي يقدّمها قطاع الطيران في المملكة؟ لماذا لا يُشرح أن السماء السعودية هي الممر الآمن الذي يربط الغرب بالشرق في اللحظات الحرجة؟

كان جوابه هادئاً لكنه عميق الدلالة، قال: «إن الدول الكبيرة تترك العمل يتحدث، ولا تحتاج حملات دعائية مهما كانت المزايدات، فالواقع يراه العالم والحقيقة تكتبها الطائرات على صفحات السماء».

وأضاف: «إن من أخلاقيات المملكة ألا تلمّع دورها بينما المنطقة تعيش حرباً، والسعودية ترى أن تأمين سلامة الملاحة الجوية العالمية جزء من مسؤوليتها الطبيعية كدولة محورية على الخريطة الجيوسياسية».

في الأسابيع الأخيرة؛ عادت الأحداث لتؤكد الفكرة نفسها، عندما تضيق الأجواء في بعض الأماكن، يبحث العالم عن المساحة الأكثر استقراراً وأماناً، وغالباً ما تكون تلك المساحة هي الأجواء السعودية.

لقد أثبتت الاحداث دائماً قدرة البنية التحتية السعودية على استيعاب أوضاع الطوارئ الإقليمية بسرعة، وتوفير بدائل تشغيلية حينما تتعطل المطارات والأجواء.

في عالم الطيران ما حدث ليس عادياً، فاستضافة طائرات عالقة لشركات أخرى وتوفير مطارات لتكون قاعدة تشغيلية، أمر يحتاج ترتيبات قانونية وتشغيلية ومساحات مواقف وخدمات أرضية وتنسيقاً تشغيلياً في ظرف استثنائي.

كانت الرسالة واضحة، فعندما تضطرب الحركة الجوية في الشرق الأوسط، تصبح المملكة نقطة الارتكاز الطبيعية للحركة الجوية في المنطقة، وهذا انعكاس طبيعي لدور ومكانة المملكة على المستويات كافة.

كانت المشاهد في القيصومة والرياض والدمام، ومسارات العبور، تشكّل صورة أوسع من مجرد تعاون تشغيلي؛ إنها تعكس حقيقة جيوسياسية يعرفها العاملون في هذا القطاع منذ زمن طويل، وهي أن المملكة العربية السعودية تمثّل العمق الاستراتيجي الحقيقي للخليج والعالمين العربي والإسلامي.

الأمر لا يتعلق بالمساحة الشاسعة فقط، ولا بالموقع الجغرافي المتميّز، بل يرتبط أيضاً بقدرة منظومة الطيران السعودي على إدارة أجوائها الواسعة بكفاءة وتنظيم. إدارة هذا المجال الكبير تحتاج منظومة ملاحة متقدّمة وبنية تحتية قادرة على استيعاب الحركة الجوية بكفاءة، سواء ما يتعلق بإدارة الأجواء وحركة المطارات، أو ما يتعلق بشبكات الملاحة المرنة ومنظومة التنسيق الدولي.

اللافت أن المملكة لا تقدّم هذا الدور بوصفه استعراضاً للقوة أو فرصة للدعاية، بل باعتباره جزءاً من مسؤوليتها الطبيعية تجاه استقرار المنطقة وسلامة شبكة الملاحة الجوية العالمية.

في أوقات الرخاء قد تبدو الجغرافيا مجرد حدود على الخريطة، لكن في أوقات الأزمات تتحوّل تلك الخطوط إلى حقائق ناصعة، وما يحدث اليوم في سماء الخليج يذكّرنا بأن هناك دولاً لا تحتاج أن تقول إنها مركز الاستقرار؛ لأن حركة الطيران نفسها تقول ذلك كل يوم، والعالم كله يرى هذه الحقيقة، على الأرض ومن فوق السحاب.

00:33 | 15-04-2026

وقود الطيران يربك العالم

تبدأ الأزمات في الطيران حينما يبدأ النظام يفقد مرونته، فتصبح القرارات التشغيلية اليومية تحت ضغط قد يتطور ليغيّر عمل الصناعة بالكامل، وهذا ما يهدّد به وقود الطائرات حالياً.

في أوروبا أدى نقص الإمدادات إلى ارتباك منظومة الطيران، بعد القيود التي فُرضت في معظم المطارات الإيطالية مثل ميلانو ليناتي، وفينيسيا، ومطار بولونيا، ومطار تريفيزو، حيث كشف هذا الإجراء اضطراب سلاسل التوريد في إحدى أكثر الدول كثافة في الحركة الجوية، ما أدى إلى قرارات بتقييد الرحلات القصيرة، ومنح رحلات الإسعاف والرحلات الحكومية الأولوية على غيرها.

أيضاً أبدت شركات مثل «لوفتهانزا» و«رايان إير» قلقها من احتمالات الإلغاء وارتفاع أسعار التذاكر بما قد يتجاوز الضعف.

في آسيا أطلّت الأزمة بملامح مغايرة، حيث أصدرت باكستان إشعاراً للشركات بضرورة تحميل أكبر كمية ممكنة من الوقود؛ لأن التزوّد به داخل البلاد غير مضمون، وهذا يضيف ضغوطاً تشغيلية أخرى من ناحية عبء زيادة الوزن وتقليل عدد الركاب.

أيضاً، في أستراليا وأمريكا الجنوبية امتد التأثير على شكل مصاعب وتأخيرات، يخشى المراقبون أن تتصاعد بسرعة، وفي خلفية هذا المشهد يظل «مضيق هرمز» النقطة الأكثر حساسة التي انطلق منها كل هذا الارتباك العالمي.

الأرقام لا تتعلق بقطاع الطيران فقط، إنما تمتد إلى قطاعات أخرى، لعل أولها القطاع السياحي الذي خسر أرقاماً كبيرة جداً، وبالتالي تكبّد الاقتصاد العالمي خسائر مزعجة.

«أزمة وقود الطائرات» الحالية ليست الأولى، ففي سبعينيات القرن الماضي، ومع أزمة النفط عام 1973م، وجدت شركات الطيران نفسها أمام وضع صعب أعاد تشكيل الصناعة، ودفع نحو البحث عن كفاءة أعلى في التشغيل ومحركات أقل استهلاكاً، وكانت مقدمة لغياب الأحجام الكبيرة وتلاشي الطائرات رباعية المحركات.

عام 2008م، حينما قفزت أسعار النفط، وعام 2020م، مع جائحة كورونا، وغيرها من الأعوام الصعبة، منحت قطاع الطيران العالمي القدرة على تعزيز مرونته وقوته، كما كانت مفتاحاً لحلول جديدة تزيد الكفاءة وتقلّل الاعتماد على مصدر واحد؛ لذلك قد نشهد الاعوام المقبلة تسارعاً أكبر في الاستثمار بالوقود المستدام (SAF) sustainable aviation fuel أو إعادة النظر في نماذج التشغيل الحالية.

شركات الطيران مع الوضع الحالي وجدت نفسها أمام معادلات مقلقة، فالتقديرات تشير إلى إمكانية ارتفاع أسعار التذاكر بنحو 20% لمعادلة تكلفة الوقود فقط، فيما بدأت بعض الناقلات الجوية بفرض رسوم إضافية على الرحلات الطويلة.

في المقابل، بدأت الشركات الكبرى محاولة استثمار الأزمة لإعادة التموضع ورسم خريطة المنافسة من جديد، حيث تملك هذه الشركات القوية القدرة على امتصاص الصدمات لفترة أطول، بينما تجد الشركات الأضعف نفسها أمام ضغط أشد، والفجوة بين الطرفين مرشحة للاتساع، مما قد يفرض اندماجات أو خروج بعض اللاعبين من السباق.

التجارب في سوق الطيران أثبتت أنه لا يختنق فجأة، إنما يتباطأ أولاً، ثم يبدأ بالتراجع، لكن الوضع اليوم مصحوب بتعقيدات أكبر لأن صناعة الطيران لم تتعافَ بشكل كامل من تبعات جائحة كورونا ومتاعب بوينج وايرباص ونقص المحركات.

الطيران بُني على فكرة «الثقة».. الرحلة تنطلق في وقتها، الوقود متوفر دائماً، والخدمات مكفولة، وحين يتراجع هذا الافتراض يتغيّر سلوك السوق بالكامل.

مع ذلك، كل أزمة تحمل داخلها إعادة ضبط؛ لأن الطائرات لا بد أن تستمر في التحليق، والناس تريد الانطلاق حتى لو كان بكلفة أعلى وقيود أكثر.

00:06 | 8-04-2026