في الدقائق الأولى من العام الجديد، بينما كان العالم مشغولاً بالعدّ التنازلي وطقوس الاحتفالات، كانت هناك طائرات تعبر المحيطات، وأخرى تهبط في اليوم السابق عكس اتجاه الزمن، وثالثة تنتظر إذن الإقلاع لتسابق الشمس في الشروق.

لم تتوقف العمليات لتعلن بداية عام، ولم تُغلق شاشات الرادار، ولم يتغيّر شيء في عالم الطيران سوى أرقام التاريخ؛ لأن الطيران لا يبدأ من الصفر.

مطلع العام، أعلنت شركة الملاحة الجوية السعودية أنها أدارت مليون حركة جوية في عام 2025م، وهو رقم ضخم في قواميس الطيران العالمية، إذا ما قيس بضوابط السلامة وصرامة الإجراءات والمعايير الدولية.

مليون حركة جوية، ليس إنجازاً تشغيلياً فقط، إنه قبل ذلك علامة فارقة تؤكد أن سماء الوطن دخلت مرحلة مختلفة.

«مليون حركة جوية» تعني مليون قرار دقيق، ومليون لحظة تركيز، ومليون مرة كان فيها الإنسان حاضر الذهن خلف الأجهزة وأمام المستقبل.

هذا الرقم لا يُورد إحصائيةً بقدر ما يُروى حكايةً مليئةً بالتفاصيل، حكاية أجواء شهد العالم أنها ليست هامشية على الخرائط، وأنها أصبحت ممراً رئيسياً في شبكة جوية معقدة.

في كثير من الصناعات، يُنظر إلى العام الجديد على أنه صفحة بيضاء، أما الطيران فلا يقلب الصفحة، هو يدخل العام محمّلاً بما قبله، ويخرج منه بأثقال جديدة.

السماء لا تمحو السجلات.. بل تراكمها، وكل عام يضيف طبقة جديدة من الضغوط والتحديات.

وعلى امتداد المشهد العالمي الحالي، تشير التقديرات إلى تسجيل أكثر من 100 ألف رحلة جوية يومياً، أي ما يتجاوز 36 مليون رحلة سنوياً، تنقل قرابة 6 مليارات من البشر، واللافت أن جزءاً متزايداً من هذا الزخم بات يعبر منطقتنا، ومعه تتغير أدوار الدول ومواقعها على خرائط النقل الجوي.

إدارة هذا الحجم من الحركة الجوية تضع السعودية في قلب التحوّل الدولي، نقطةَ ضبطٍ وتنظيمٍ وثقةٍ.

في الطيران، تمر المناسبات بخفة؛ هناك استشعار للزمن، لكن لا وقت للاحتفال؛ لأن الدقة هي اللغة الوحيدة، والاستمرارية هي العنوان الحقيقي.

إدارة مليون حركة جوية ليست ازدحاماً فقط، إنها فوق ذلك طرق جوية صُممت بفاعلية، وتدريب مستمر يجعل هامش الخطأ أضيق، وعناية لحظية بالمؤثرات صغيرها وكبيرها، ومتابعة لا تتوقف.

السماء ليست واسعة كما في المخيلة العامة؛ لأنها في الواقع مجال محسوب بالدقائق، ونقاط تقاطع هائلة، وفواصل تُقاس بالأميال.

هذا الرقم الكبير يمهّد لما بعده، فطموحات السعوديين تنطلق دائماً إلى الأمام وتتجه إلى الأعلى، ومن يدير مليون حركة، يستعد ذهنياً وتشغيلياً لإدارة مليونين وما هو أكثر.

الطموح مشروع، والأرقام ضرورية للقياس، لكن جوهر الطيران لا يتغير؛ فالسلامة لا تقبل القسمة، والثقة لا تُبنى بالسرعة، تُبنى بالاتساق، لذلك كل رحلة تصل بسلام هي نتيجة عمل، وكل بوابة تُفتح لقدوم الغائبين هي محصلة جهد، وكل إقلاع محمّل بالآمال هو مؤشر عطاء.

عاماً بعد عام يتغيّر إيقاع الأجواء السعودية، تزداد الكثافة والمسؤوليات، ويتحوّل المجال الجوي إلى اختبار يومي للجاهزية والمرونة والانضباط، تقوده منظومة الملاحة الجوية السعودية بوصفها العقل المنظّم لهذا الفضاء.

في الدقيقة الأولى من العام كانت الطائرات تعبر السماء؛ لتذكرنا بأن ما يتغيّر ليس الوقت فقط، إنما القرب من تحقيق طموحات وطن لا يتوقف عن التقدم.