ما حدث، يوم قبل أمس الإثنين، يُعتبر بحق اختراقاً دبلوماسياً مهماً لحالة التوتر الشديد التي تسيطر على المنطقة، بعد التصعيد الأمريكي/الإسرائيلي بعودة الهجمات على إيران بشكل أشد وأعنف. حالة الترقب بلغت أقصاها بسبب عدم إحراز أي تقدم لافت في مذكرة التفاهم بين الأمريكي والإيراني، وعودة الأمور إلى المربع الأول. وفي الجانب الآخر، كان نتنياهو يهدد بشن هجوم منفرد دون انتظار لضوء أخضر من واشنطن، ومع كل يوم يزداد الوضع سوءاً حتى غلب على الجميع أن لحظة الانفجار وشيكة جداً، ولو حدثت فإنها سوف تدفع بالمنطقة إلى أخطر ما يمكن أن يحدث لها.

فجأة، كان هناك وفد يهبط طهران، ويجري مباحثات مع كبار مسؤوليها ومنهم الرئيس الإيراني. وفد مهم جداً من دول اتفاقية مكة، المملكة وباكستان وتركيا، ليس ممثلاً بوزراء الخارجية وإنما بوزير دفاع وقائد جيش ورئيس استخبارات.

وزارة الخارجية السعودية، أصدرت بياناً يوم الزيارة، أكدت فيه على «أن الزيارة التي يقوم بها صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وزير الدفاع، وممثلو دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، إلى العاصمة الإيرانية طهران للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين، تأتي في إطار استمرار جهود دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك لخفض التصعيد بين أطراف الأزمة الحالية وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تقوم بها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية».

وبالتالي، يتضح أن الوفد يقوم بجهود حثيثة لصالح كل الأطراف، ولصالح المنطقة والعالم، لأن دوله تعرف جيداً خطورة المواجهة العسكرية المقبلة، لا سيما بعد النتائج الوخيمة للمواجهة السابقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.

دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك لا تسعى إلى عسكرة الحلول من خلال طبيعة الاتفاقية، بل تسعى دائماً، قبل الحلف وبعده، إلى حل الأزمة دبلوماسياً بكل الوسائل، وذهاب وفدها إلى إيران هو دليل حرصها على تفادي الحرب بكل الجهود والوسائل، وتجنيب دول المنطقة الدخول في أزمة كبرى، ستكون إيران المتضرر الأكبر فيها، لأنها ستواجه هذه المرة أسلحة غير تقليدية كما تلمّح أمريكا بذلك، تضيف مزيداً من الدمار لبنيتها وشعبها واقتصادها المخنوق بفعل الحصار.

التصريحات الإيرانية بعد الزيارة أقل تشدداً مما اعتدناه من مسؤوليها، وإن كانت لا تتضمن ما يؤكد رغبتها التجاوب مع المبادرة بشكل إيجابي، ربما تكون تجاوبت معها لكنها لا تريد أن تبدو في العلن وكأنها خضعت للضغط الأمريكي. وفي كل الأحوال فإن مبادرة دول اتفاقية مكة قد تكون طوق النجاة الأخير لإنقاذ المنطقة، وإيران على وجه الخصوص، من بشاعة ما سوف ينتج عن الحرب إذا ما اشتعلت، وعلى إيران أن تتعامل بمسؤولية مع هذه المبادرة قبل فوات الأوان.