عجيب أمرنا مع «التنوع». نردد هذه الكلمة في كل مؤلفاتنا ومحافلنا وكأنها عصا سحرية تزيل تهمة الانغلاق، ونرفعها شعاراً في كل خطاباتنا عن الثقافة والمجتمع وقبول الآخر. لكن ما إن يختبرنا الواقع، وتطل علينا ملامح التنوع الحقيقي، حتى نصاب بالهلع. نتراجع فوراً حين نصطدم بمن يفكر بطريقة لا نفهمها، أو بمن يحمل ذاكرة لا تشبه ذاكرتنا، أو ينظر إلى تفاصيل الحياة من نافذة عالية لم نجرؤ يوماً على الوقوف عندها.

فنحن لا نحب إلا التنوع الذي يشبهنا قليلاً. ذلك الديكور الآمن الذي يُشعرنا بالتقدم دون أن يزعج استقرارنا.

أما الاختلاف الحقيقي، الاختلاف الخشن المزعج الذي لا يمكن تزيينه أو تهذيبه، فهو يضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال جارح ومؤرق: هل فعلاً نريد أن نرى الآخر كما هو؟ أم أن غايتنا هي أن نصنع منه «نسخة مكررة» منا، تكرر أخطاءنا وتصفق لآرائنا؟

هنا تحديداً تكمن العقدة: حين تتحوّل «الخصوصية» من مجرد دفء داخلي واعتزاز عفوي بالهوية، إلى أسمنت مسلح وجدار خرساني عالٍ. أن أعرف من أنا، ومن أين أتيت، هو أمر صحي وضروري. لكن الطامة الكبرى تبدأ حين يتوهم الإنسان أن معرفته بذاته تمنحه توكيلاً لتعريف الآخرين، وتصنيفهم، وتحديد مسارهم. حينها يفسد الاعتزاز بالهوية ويتحول إلى عزلة مروعة.

ولعل أكثر ما يدعو للأسى هو ارتباكنا الدائم بين «فهم الآخر» و«الموافقة عليه». لقد صنعنا في عقولنا معادلة زائفة توهمنا بأن محاولة الإنصات لثقافة مختلفة، أو محاولة فهم فكرة شاردة، تعني بالضرورة أننا نوقّع صك تنازل ونقبلها بكل تفاصيلها وعلاتها.

الآخر يا سادة ليس مؤامرة، ولا يمثل خطراً داهماً لمجرد أنه وُلِد في الجهة المقابلة، وليس عدواً أبدياً لمجرد أن عدسته ترى العالم بألوان أخرى.

وأسوأ ما ترتكبه الخصوصية حين تغلق أبوابها وتسدل ستائرها، هو أنها تحبس صاحبها داخل قفص صغير من التعريفات الضيقة، ثم تهمس في أذنه شعوراً كاذباً بأنه يملك مفاتيح الحقيقة.. وهو لا يرى سوى جدران غرفته الضيقة.