أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

التغيير لا يحدث خلال يوم واحد!

في الأسبوع الماضي انتشر مقال لكاتب اسمه دان كو بعنوان «كيف تصلح حياتك بأكملها في يوم واحد» يتناول فكرة التغيير خلال يوم واحد، لم يكن انتشار المقال مسبوقاً، فقد قرأه الملايين حول العالم، لكن لا أتذكر أن أحد القراء أخبرنا في اليوم التالي بحجم التغيير الذي طرأ على حياته بعد قراءة المقال.

بالنسبة للمقال فلم أجد فيه أمراً جديداً ولم يبهرني، بل كان يحوي بعض المغالطات إلى جانب فقرات بديهية مطولة.

بالنسبة لي يحدث التغيير عبر سلسلة من عمليات التعلم، فالنتيجة النهائية للتعلم هي التغيير على الصعيدين، تغيّر السلوك الشخصي إلى جانب قدرة الإنسان على تغيير بيئته وبالتالي مصيره.

يزدهر التعلم في نظامٍ ثريّ يتألف من أفرادٍ ومجتمعاتٍ ومؤسسات، يؤدي كلٌّ منها دوراً جوهرياً في رعاية النمو. التعلّم ليس المعرفة لأن التعلم فعلٌ وهو عملية اكتساب المعرفة، ولا تكتسب المعرفة لتحقيق ميزة على الآخرين، بل هي جزءٌ من رسالتنا في الحياة. التعلّم في جوهره هو التفاعل الفعّال مع العالم، والتفكير العميق، والسماح للفضول والتأمل بتوجيه أفعالنا.

التعلم الحقيقي يعزّز المرونة في أنفسنا، وفي الأفراد، وفي المجتمعات، بل ويحمي العالم الطبيعي. فكما أن النظم البيئية المتنوعة أكثر قدرة على التكيّف والبقاء، فإن ثقافة التعلم الغنية تُهيئ البشرية لمواجهة عدم اليقين والخوف والتغيير. وهذا يتطلب منا شجاعة: شجاعة مواجهة ما نجهله، وتحدي المسلّمات القديمة، وربط الجهود المحلية بالاهتمامات العالمية من أجل الرفاه المادي والروحي.

في نهاية المطاف، التعلم رحلةٌ مدى الحياة. فمنذ الولادة وحتى آخر لحظة في العمر، تتشكّل شخصياتنا من خلال استعدادنا للبقاء متعلمين، منفتحين، متكيفين، ومتواضعين. في أوقات التغيّر السريع، لا يزدهر من يتمسكون بما يعرفونه، بل من يواصلون التعلم، والتخلي عن بعض المفاهيم القديمة، والنمو. ومن خلال هذه العملية المستمرة يصبح التحول الإيجابي ممكناً، سواءً في أنفسنا أو في العالم. وهذا ما يحدث خلال عمر الإنسان بالكامل وليس في يوم واحد.

00:00 | 21-01-2026

تأثير فارتر

في عام 1774، نُشر عمل في ألمانيا أحدث تأثيراً نادراً ما يحدثه عمل روائي.

‏في ذلك العام، نشر غوته رواية «آلام فارتر»، وهي رواية حقّقت مبيعات هائلة، وارتفعت بسببها مبيعات الكتب الأدبية، لكنها جلبت معها موجة من حالات الانتحار، ثم خضعت للرقابة، وقيل حينها إن الرواية تسبّبت للقراء بظاهرة نفسية.

‏حقّقت رواية «آلام فارتر» نجاحاً فورياً عند نشرها، وأعيدت طباعتها ثلاث مرات في غضون بضعة أشهر.

‏أما أحداث الرواية فهي أن البطل وهو فنان شاب ذو شخصية حسّاسة، يقع في حب فتاة جميلة مخطوبة بالفعل.

‏فارتر، الذي واجه رفض الفتاة، انتهى به الأمر إلى إنهاء حياته بإطلاق النار على نفسه.

‏أصبحت الرواية موضة رائجة وعملاً كلاسيكياً ذا شعبية كبيرة، مما أدّى إلى انتشار ملابس الشخصيات وبيع عطور «أو دو فارتر» وتماثيل خزفية للشخصيات.

‏كما أثارت الرواية موجة من حالات الانتحار في جميع أنحاء أوروبا. فقد أقدم مئات الشباب على الانتحار بدافع الحب، مقلدين بذلك شخصية فارتر.

‏وقد دفع هذا الأمر العديد من الدول، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا والدنمارك، إلى حظر هذا العمل، معتبرة إياه «تحريضاً على الانتحار» وبأنه عمل يمكن أن «يصدم الضعفاء والنساء».

‏حتى اليوم، يُستخدم مصطلح «تأثير فارتر» في علم النفس لوصف تقليد السلوك الانتحاري. ومن المعروف أنه بعد وفاة نجوم مثل مارلين مونرو وكورت كوبين، ازدادت حالات الانتحار المقلدة، مما أدّى إلى تغييرات في كيفية تغطية هذه الأخبار.

‏لم يتخيل غوته قط الأثر والعواقب التي ستترتب على عمله. ولهذا السبب، قام بعد سنوات بتنقيح عمله، عازياً قرار فارتر إلى مرض عقلي، وموجّهاً هذا التحذير للقارئ على لسان فارتر بنفسه: «كن رجلاً ولا تحذو حذوي».

في النسخة العربية المترجمة لا أتذكر هذا التحذير.

00:02 | 31-12-2025

القبيلة الثقافية داخل غرفة الصدى..!

القبلية في أبسط تعريفاتها عندي، هي ولاء وانتماء الفرد لجماعة، أما القبيلة الثقافية فهي تعني تقسيم المجتمع إلى مجموعات تتحد بنمط تفكير أو سلوك مشترك أو محدد.

وفي عصرنا الحاضر ما زال الإنسان يحب العيش داخل جماعة؛ لذا يشجع الأندية الرياضية، وينتمي للفرق حتى تكاد أن تصبح هويته التي يصف بها نفسه في كثير من المناسبات فيقول إنه: هلالي أو نصراوي أو اتحادي أو أهلاوي.. إلخ

وسيعاقب الدخلاء والغرباء، ويضحّي بوقته وماله، وقد تصل التضحية لحياته في مقابل فوز فريقه وانتصار جماعته.

المثال أعلاه ينطبق على طيف واسع من الجماعات والانتماءات داخل المجتمع، صحيح أن هذه القبيلة تمنحك الولاء والانتماء، لكنها قد تسلبك حرية التفكير واتخاذ القرارات، إن لم تكن واعياً أو أنها ستدخلك داخل (غرفة الصدى).

أحد أشكال القبيلة الثقافية نشاهده في جماعات مواقع التواصل الاجتماعي الذين يدخلون غرفة الصدى واحداً تلو الآخر، يكتب أحدهم رأياً فتجد الأغلبية يرددون صدى أفكاره. وإن كتب شخصاً آخر رأياً آخر فسيعاقب وينبذ ويسخر منه.

وهذا الأمر خطير؛ لأن غياب الحوار وقبول الآراء المختلفة يغتال البدائل الصحيحة التي من الممكن أن تكون تصويباً لرأي خاطئ.

وعادة ما تميل المجتمعات التي تكتفي بآراء محددة لفترة طويلة إلى التحوّل من الاعتدال إلى التطرّف. وفي النهاية، تظهر معتقدات هامشية خطيرة للغاية، معتقدات قد تؤدي إلى العنف.

ومع ذلك، النزعة القبلية بجميع أشكالها لا تُزعزع استقرار المجتمع إلا عندما تتصلب لتصبح شيئاً أكبر وأكثر حدة من ولاءاتنا المتعددة الأصغر حجماً، أو عندما تُنافس تعلّقنا بالأمة والوطن.

00:02 | 24-12-2025

ولاية الذكاء الاصطناعي

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تُعرف بـ«ولاية الذكاء الاصطناعي»؛ لأن أغلب النمو الاقتصادي ناتج عن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، رغم أنه لا يُنتج أي نتاج اقتصادي حقيقي وملموس.

يبدو أن اقتصاد «الذكاء الاصطناعي» ليس سوى عملية تضخيم، تُتيح أيضاً فرصاً لعمليات تضخيم وتفريغ صغيرة هنا وهناك، مثل كارثة أوراكل.

فقد قفز سهم أوراكل بما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدولة متوسطة الحجم، ثم عاد الآن إلى ما دون مستواه الابتدائي بعد اكتمال عملية التلاعب بالأسهم.

يقول الخبراء أن أغلب عمليات الاحتيال مؤخراً تهدف إلى رفع أسعار العملات الرقمية ثم بيعها. المحتالون في الآونة الأخيرة يركّزون على النصب عن طريق شراء وبيع العملات الرقمية.

يتلقى الناس إشارات لشراء عملة رقمية، ثم بعد نصف ساعة يتلقون إشارة لبيعها. من يتحقّق قبل الشراء والبيع يدرك أن هذه العملات ستنخفض أسعارها على المدى الطويل، ولكن إذا كان هناك ارتفاع طفيف، فمن المربح المخاطرة الآن.

يقول «جيم كوفيلو» من غولدمان ساكس، وهي مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية: «عادةً ما ينتهي الإفراط في بناء أشياء لا يحتاجها العالم، أو ليس مستعداً لها، نهايةً سيئة»، لكنه يضيف بعد هذا: «مع ذلك، فإن أحد أهم الدروس التي تعلمتها على مدى العقود الثلاثة الماضية هو أن الفقاعات قد تستغرق وقتاً طويلاً لتنفجر. ولهذا السبب أوصي بالاستمرار في الاستثمار في مزودي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي».

قرأت محادثات بين مستثمرين عرب للعملات الرقمية يشتكون من خسائرهم.

بينما منطق السوق واضح، إذا استطعت استشعار المؤشرات قبل حدوثها بقليل، فبإمكانك تحقيق مكاسب هائلة، أما إذا كنت مستثمراً فرديّاً تكتفي بالاحتفاظ بأسهمك، فستتحمل الخسارة، فالأمر للأسف أشبه بلعبة أطفال رقمية. وأتمنى أن لا يكون هذا مصير اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

00:05 | 17-12-2025

تجديد خزانة ملابسك

في أفلام العهد الفيكتوري والأفلام المصرية القديمة مشهد أيقوني يتكرّر بأساليب تصوير مختلفة وسيناريوهات متباينة، نشاهد الترزي أو الخيّاطة وهما يلفان حول عنقهما شريط قماشي مرصوف بالدبابيس بينما يعدّان بدلة البطل أو فستان السيدة، يبدو أنهما أخذا المقاسات في مشهد سابق، يتبع هذا المشهد مشهد بروفا آخر قبل أن يستلم البطل بدلته التي تأخر الخياط عن موعد تسليمها.

كانت صناعة الملابس عملية فنية معقدة تستهلك عدداً من الصناعات اليدوية منذ أول إزرار إلى تثبيت آخر شريط دانتيل.

يستغرق العمل على الملابس وقتاً طويلاً. كما كان جلوس سيدة المنزل خلف ماكينة الخياطة أمراً معتاداً حتى وقت قريب.

كانت أمهاتنا يملكن ماكينة خياطة كما نملك اليوم جوالات ذكية، ماكينة الخياطة تبدو كيد إضافية تعمل على رتق ثياب الأطفال وإصلاح ثياب الزوج وتصميم فستان مطرز فاخر للأعياد والأعراس، إلى جانب خياطة الستائر وأكياس المخدات ومفارش ومشغولات أخرى كثيرة.

وفي الأحياء السكنية كانت تنتشر محلات الخياطين الذي يوشكون الآن على الانقراض، الثياب كانت نادرة وباهظة الثمن، أما الآن فأشد الناس فقراً لديه خزانة ثياب مملوءة عن آخرها بأحدث التصميمات العالمية المقلدة التي نسختها المصانع في خطوط إنتاج تراعي رخص الخامات وكذلك رخص اليد العاملة.

عنوان المقال (جدد خزانتك) كان موضوع رسالة وصلتني عبر الإيميل كإعلان لموقع صيني شهير يبيع أردأ أنواع الثياب بأرخص الأسعار، لا أتحدث هنا عن الطبقية بل عن الثورة الصناعية التي قضت على الفرادة والبطء والفن ولم يبقَ منها غير ما كان موقعاً باسم مصمم عالمي رغم ما يتردد من أن هذه المنتوجات أيضاً مصنوعة في مصانع تستغل رخص اليد العاملة في دول العالم الثالث.

إن ما حدث لتاريخ الملابس يتكرر من حولنا في كل شيء يتم أتمتته ونحن نشاهد هذا التشوه والافتقار للذوق والإبداع من حولنا لكننا نحتفل بالغزارة والوفرة والكلفة الرخيصة. غداً سينطبق هذا الحديث على عالم الثقافة والتأليف والكتب، وقد بدأ هذا المد فعلاً، قرأت عن دار نشر ترجمت كتاباً ضخماً لشاتوبريان لكن أحداً لم يستطع قراءته بسبب الترجمة السيئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وسيكون هناك آلاف الكتب الذكية التي لا يستطيع قراءتها والاستمتاع بها أي أحد.

00:02 | 3-12-2025

في بطن الحوت الإلكتروني..!

ابتلع الحوت نبي الله يونس ثم ألقاه على الشاطئ بعد أن دعا الله: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

أما نحن فالذي ابتلعنا كمبيوتر سيبراني عملاق، وفي الحالتين لا يهم إن كان الذي ابتلعنا وحش من لحم ودم أم وحش من خوارزميات وأكواد، يربّت علينا ويتحسّسنا عند كل منفذ ووجهة لنثبت أننا بشر ولسنا روبوتاً، نعبر البوابات في المطارات والمؤسسات ليتأكد من بصمات أصابعنا وحدقات عيوننا، نخضع للمسح كي نثبت هويتنا؛ لأن الإنسان لم يعد مخلوقاً بشرياً، بل أصبح سطراً في قاعدة بيانات عالمية ضخمة، جميعنا داخل بطن الآلة ولن يفيدنا الاعتراف بالذنب الذي لم نقترفه.

«عبور الإنسانية» أو «تجاوز الإنسانية» أو «ما فوق الإنسانية» أو «ما بعد الإنسانية» هو تيار فلسفي اجتماعي يهتم بالدراسات المستقبلية وعبور الإنسان وتعديل بنيته وتحسينها وإدخال تجهيزات تكنولوجية لجسده، وهذه أخطر فكرة في العشرين سنة الماضية كما يصفها فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب نهاية التاريخ وكتاب الإنسان الأخير.

إن ظننتم أن هذا الحديث من وحي أدب وأفلام الخيال العلمي فعليكم بالاطلاع على وثيقة أصدرتها وزارة الدفاع البريطانية عام 2021، بمشاركة مع عدد من الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا، عنوان الوثيقة:

(التعزيز البشري، فجر نموذج إرشادي جديد، مشروع تداعيات بعيدة المدى).

يتحدث هذا المشروع أو الوثيقة عن تحسين جذري للبنية البشرية تساعد على إحكام جانب الأمن والدفاع، أما جملة «المدى البعيد» في عنوان الوثيقة فحدها التعريفي ثلاثون عاماً. وإن كان التركيز طوال عمر البشرية أثناء الحروب على الآلات العسكرية فهدف هذه الوثيقة تطوير جسد الجندي عبر دمجه مع الآلة، لكن المشكلة التي تواجه وزارة الدفاع هنا ليست المعضلة الأخلاقية، بل ندرة الدراسات النفسية والاجتماعية التي تتناول موضوع التعزيز البشري.

01:11 | 19-11-2025

ما بين الحلم والفيلم!

تُمثّل الأحلام جزءاً لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، وهو أمرٌ لا يزال غامضاً بالنسبة للعلم. فما سر هذه التجربة شبه العالمية، والتي لم نتوصل إلى إجماع حول سبب حدوث الأحلام أو معناها، والفيلم حلم جمعي.

إن النظر عن كثب إلى خصائص الأحلام يُظهر أوجه تشابه عديدة مع الأفلام. بدايةً، لغة الفيلم، مثل لغة الأحلام، بصريةٌ بامتياز. والأهم من ذلك، أن الأفلام قادرة على نقل الصور والحركة دون أن تكشف لنا أياً من أهدافها الكامنة: فالمخرج، في تركيبه للفيلم، يتصرّف مثلما تتصرّف أدمغتنا، مستخدماً مواد مألوفة نوعاً ما بتقدير فني كبير.

إن الطابع البصري للأفلام يُمكّنها أيضاً من التلاعب بالرمزية، إذ تُعرض أحياناً بشكل متكرر لتأكيد أهمية معينة، أو تُخفيها أحياناً أخرى عن الأنظار للتنبؤ بأحداث لاحقة. يمكن جعل الرموز في الأفلام عادية وغير مُزعجة، ولا تُفهم أهميتها تماماً إلا بعد فترة طويلة من مشاهدة الفيلم، وهو ما يُشبه استخدام الأحلام للرموز العادية لإخفاء رسائل كامنة.

وعلى الرغم من عدم تماسك الأحلام في أغلب الأحيان، لكنها مثل الأفلام تتميّز بالتقدّم للأمام: فهناك شعور بمرور الوقت أثناء الحلم. ولهذا السبب، نادراً ما تستحضر الأعمال الفنية الثابتة مثل الصور الفوتوغرافية للتشبيه بالحلم.

والأفلام والأحلام في جوهرها مجرد أوهام ليس لها أي تأثير خاص على الواقع.

الأحلام زائلة - مهما حاولنا، لا سبيل لإعادة إنتاجها. لكن الأفلام دائمة، وقابلة للمشاركة. استغرقت البشرية آلاف السنين لتبتكر تقنيةً كافيةً لطبع غرائزنا الأصيلة، حتى نتمكّن من تحليلها، وإحيائها، ومشاركتها في وعي جماعي، والذكي من يستغل الأفلام في بناء قوة ناعمة تخدم أهدافه.

00:03 | 12-11-2025

الرواية الرقمية

القصة أداة وجودية، فهي تضفي للوجود معنى وعبرها تتناقل الخبرات الإنسانية، فالقصة والأسطورة جند من جنود الله، والقرآن كتاب يحوي «أحسن القصص» ومجمع المعجزات السردية، ومنذ فجر حكايات الجدات وحتى عصر الرواية الحديثة، كان جوهر السرد إجابة لثلاثة أسئلة: ما القصة؟ ومن يرويها؟ ولماذا يقصها؟.

واليوم في عالمنا الرقمي نشهد على السرد التفاعلي والميتاسرد الذي يجعلنا أكثر من متلقين بل نحن جزء من القصة.

فالراوي العليم التقليدي أصبح خوارزميات ذكية موزعة.

السرد التقليدي عند ديفيد هيرمان هو: «طريقة لتنظيم التجربة البشرية في شكل متسلسل من الأحداث، يقدم إحساسًا بالتماسك والمعنى».

وهو بهذا المعنى ليس حكرًا على الأدب، بل يشمل الصحافة والعلوم والتاريخ...

أما السرد الرقمي فهو استخدام الوسائط الرقمية كالنص والصورة والصوت والفيديو في بناء القصة.

فهو سرد يتجاوز النص المكتوب ليصبح متعدد الوسائط قائم على التوليد والتفاعل.

فالقصة التي كانت مغلقة صارت قصة مفتوحة، ولم يعد مؤلفها واحدًا بل متعدد: هو المؤلف والجمهور والخوارزميات.

والقصة العابرة للمنصات تتوزع في لعبة فيديو وفيلم وأغنية... ويستطيع المستخدم أن يغيّر سيناريو الأحداث ومصائر الأبطال، بمعنى أن الراوي العليم نزل من عرش إبداعه وصار راويًا متعدد الأكوان، يعرف كل شيء، وهذا يعني أن الراوي العليم لم يغب لكنه فقد سلطته الأحادية وأصبح أشبه بالشبكة السردية، التي لا تعرف للقصة مسارًا واحدًا بل تعرف كل المسارات الممكنة للقصة.

يبدو أنه لا بأس بأن نسلم أنفسنا لراوي الأكوان المتعددة، لكن لدي مأخذ أخلاقي واحد على الأقل يخص هذا الراوي وهو أنك كمستخدم لو راجعته وأبديت إعجابك بعمله فسيطريك ويكيل لك المديح ويعترف بفضلك، وإن قلت أنه أخطأ وعمله لم يعجبك فسيعتذر عن الخطأ ويبجلك ويثني عليك كذلك.

فلو كان الراوي الرقمي الذكي هذا شخص بيولوجي بلحم ودم لما كان له صفة أشد وضوحًا من كونه منافقًا كبيرًا.

00:17 | 5-11-2025

زوجات مخلصات

يقال إن أحد الملوك الألمان والذي يدعى كونراد الثالث حاصر مدينة واينسبرغ الألمانية لكن المدينة صمدت طويلاً أمام الحصار، وكانت بسالة رجال المدينة ودفاعهم عن مدينتهم سبباً رئيساً في أن الملك كونراد استشاط غضباً؛ لذا قرر أن يدمر المدينة ويهدم بيوتها بعد أن ينتصر في معركته الطويلة، وهذا ما كان، انتصر الملك ولكنه قرر أن يكون نبيلاً مع النساء والمساكين ويخرجهم من المدينة قبل تدميرها؛ لذا نادى المنادي أن على كل امرأة أن تخرج من المدينة قبل إزالتها ولها أن تحمل شيئاً واحداً فقط من ممتلكاتها على ظهرها قبل الخروج، بالطبع كان يظن الملك أن نساء المدينة سيحملن ما غلا ثمنه وخف وزنه من متاع مثل الذهب أو الممتلكات المادية، لكن المشهد الأسطوري حدث في صباح اليوم التالي، حين خرجت كل امرأة من باب المدينة وهي تحمل زوجها المقاتل الباسل على ظهرها وتغادر واينسبرغ، هذا الأمر جعل الملك يكبر إخلاصهن ولم يمنعهن من الخروج وإنقاذ أزواجهن.

وهكذا نجا رجال واينسبرغ - ليس بالجيوش أو الأسلحة، بل بحب زوجاتهم وإخلاصهم.

تركت قصة زوجات واينسبرغ المخلصات أثراً لا يُمحى على الثقافة الألمانية. وقد أدى هذا الحدث إلى ظهور مصطلح «وايبرترو» (Weibertreu)، أي «ولاء الزوجات».

لا تزال أطلال قلعة وايبرترو قائمةً أعلى مدينة واينسبرغ، تخليداً لذكرى النساء. وقد ألهمت هذه القصة أعمالاً فنيةً وأدبيةً وتقاليد محلية.

تُبرز هذه الأسطورة موضوع الإخلاص وسرعة البديهة، ولا تزال تُروى حتى يومنا هذا، مُحتفيةً بالإبداع والإخلاص والذكاء الذي حوّل هزيمة عسكرية إلى نصر أخلاقي.

01:12 | 22-10-2025

الحروب التجارية

كيف بنت الأمم اقتصاداتها وحمتها؟ وكيف تعاملت مع الحروب التجارية؟
في بداية الثورة الصناعية تلمع بريطانيا واحدةً من أفضل الدول انتقالاً من الاقتصادات المحلية الزراعية إلى اقتصاد صناعي رعته الدولة، وكانت تفرض تعريفات جمركية وعدداً من العوائق لإجبار المستهلك البريطاني على شراء المنتجات المصنوعة داخل بريطانيا، وهذا ما فعلته الولايات المتحدة وألمانيا بعد ذلك بعقود، وفعلته عدد من دول أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية.
أما السياسة التي اتّبعتها دول صناعية أخرى، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين، أنها جمعت، بين الحماية الرسمية أو غير الرسمية لأسواقها المحلية، وصمّمت استراتيجيات ترويج الصادرات الفعّال.
يعتقد الكثير من الاقتصاديين أن خفض حواجز التجارة الدولية، كالرسوم الجمركية أو قيود التصدير، يمكن أن يعود بالنفع على جميع الدول. ومع ذلك، غالباً ما تواجه الحكومات تناقضات سياسية بين زيادة التجارة وحماية الصناعات المحلية.
وعندما تنشأ مثل هذه الصراعات، فإن الحواجز التي تفرضها دولة واحدة قد تدفع شركاء التجارة إلى الرد بقوانين خاصة بهم، مثلما حدث بين أمريكا والصين قبل أعوام، مما أدّى إلى تصعيد متبادل وتصريحات نارية، وهذا ما يُعرف باسم الحرب التجارية.
طوال فترة الحرب الباردة وما بعدها، كان يُنظر إلى الولايات المتحدة في كثير من الأحيان على أنها صانعة التجارة الحرة، وقادت الجهود الرامية إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995. ولكن مثل العديد من البلدان الأخرى، انخرطت الولايات المتحدة بشكل دوري في حروبها التجارية الخاصة، سواء في الآونة الأخيرة أو في الماضي.
مرة قرأت عبارة لمحامٍ اسمه روبرت هوديك وهو يعمل قانونياً في قضايا التجارة الدولية، قال: «إن القانون الاقتصادي الدولي له بعد مسرحي سياسي». وهذا الحديث مفهوم لكن النقاد عادةً يقولون إن الرأي الفصل حول أي مسرحية هو ما يطلقه الجمهور وليس الممثلون.
01:06 | 15-10-2025