أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

الحرب المعنوية على الخليج

يقف جنودنا الخليجيون البواسل على الحدود، يصدّون العدوان الأعمى بكل بسالة وإيمان.

وبينما هم يقاتلون بالسلاح والدم على الجبهة، يبقى علينا نحن المواطنين أن نخوض معركة موازية لا تقل خطورة: الحرب المعنوية التي تشنّها جيوش الشامتين وأصحاب الفتنة على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه الحرب لا تهدف إلى احتلال أرض، بل إلى احتلال العقول وكسر الإرادة وخفض الروح المعنوية للمواطن الخليجي. وفي عصرنا الرقمي أصبحت أخطر أنواع الحروب، لأن تأثيرها ينتشر كالنار في الهشيم، ويصل إلى ملايين في ثوانٍ.

من هم أصحاب هذه المقولات الاستفزازية؟

أود التذكير أن من يروّج لهذه السموم الإلكترونية ينقسم إلى صنفين لا ثالث لهما:

الصنف الأول: أصحاب الأجندات المدفوعة.

هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عاديين، بل أدوات منظمة تعمل وفق خطة ممنهجة لخدمة جهات معادية. يحاولون النيل من تماسك مجتمعاتنا وزرع الشك واليأس.

الصنف الثاني: الجهلة الذين يتلقفون الأخبار دون تحليل.

هؤلاء لا يحملون نية سيئة بالضرورة، لكنهم يفتقرون إلى الوعي والقدرة على تمييز الحقيقة من الشائعة، فيعيدون نشر المحتوى المضلل بلا تفكير.

كيف نتعامل مع كل صنف؟

أما الجهلة فالرد عليهم يمنحهم شهرة ومتابعين لم يكونوا يحلمون بها، وهذا بالضبط ما يريده أصحاب الأجندات الذين يستغلونهم كوقود.

أما أصحاب الأجندات، فالتعامل معهم بثلاث خطوات واضحة وفعّالة:

1- فنّد مقولتهم بأدب ولغة واضحة بليغة وموجزة، مدعومة بحقائق وأرقام.

2- اكشف خلفية الحساب (الدولة أو الجهة المرتبطة به، تاريخ التغريدات، التناقضات).

3- أوضح للمتابعين المنطلق الحقيقي وراء الكلام حتى لا ينجرف أحد وراء التضليل.

أتذكر أنه خلال عاصفة الحزم في اليمن ظهرت حسابات تروّج عبارات مثل «الخليج يدفع ثمن طموحه» أو «الجنود يموتون عبثاً»، مع اجتزاء صور وفيديوهات لإيهام الناس بالهزيمة. وهدفهم إضعاف الثقة بين الشعب وقيادته وجنوده.

في الآونة الأخيرة انطلقت تحذيرات رسمية خليجية من فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى بث الذعر ومحاولة جر الدول إلى صراعات غير مرغوبة. كذلك انتشار «الشماتة» غير المبررة من بعض الحسابات التي تفرح بأي خبر سلبي يمس أمن الخليج.

نحن جيش واحد الجندي على الحدود يدافع عنا بالرصاص والدم، ونحن ندافع عنه وعن أوطاننا بالوعي والكلمة الصادقة والتحليل الرصين. لا تدعوا أحداً يكسر معنوياتكم، فمعنويات الشعب هي أقوى سلاح في أي معركة.

دعونا نكون جيوش الوعي في الخلف، نسند جيوش البسالة في الميدان. الخليج قوي بجنوده وأقوى بشعبه الواعي.

منذ 22 ساعة

وعي المواطن الخليجي

لا تصوّر القصف، ولا تساهم في نشر المقاطع، لأنك بذلك تنخرط في الإستراتيجيات العسكرية للعدو وتتحوّل إلى أداة لترويع المدنيين. لا تساهم مهما كانت المغريات، ولا تنشر الدعاية أو الأخبار الكاذبة.

تهدف هذه الأخبار والصور إلى كسر الروح المعنوية، أو خلق حالة من الذعر الجماعي. تاريخياً، أصبح ترويع المدنيين جزءاً أساسياً من الحرب النفسية، حيث يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية. ومع ذلك، يُعتبر هذا النهج انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، مثل اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين من الاستهداف المتعمّد.

أمثلة تاريخية بارزة:

• حملة «البليتز» خلال الحرب العالمية الثانية (1940-1941): شنّت ألمانيا غارات جوية مكثفة على مدن بريطانية مثل لندن، مستهدفة المناطق السكنية والمدنية بشكل مباشر. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير مبانٍ تاريخية، مما أثار رعباً واسع النطاق. كان الهدف الرئيسي ترويع السكان لإجبار الحكومة البريطانية على الاستسلام. بالتوازي، استخدمت الدعاية النازية وسائل الإعلام مثل الراديو والصحف لنشر أخبار غير موثوقة، مثل تضخيم حجم الخسائر البريطانية أو اختلاق قصص عن هجمات وشيكة، لتعزيز الذعر والانهيار المعنوي.

• حرب فيتنام (1955-1975): استخدمت الولايات المتحدة والفيتناميون الشماليون الدعاية لترويع السكان. على سبيل المثال، أذاع الجانب الشمالي شائعات عن هجمات كيمياوية وشيكة، مما أدى إلى نزوح جماعي وانهيار معنوي واسع.

• حرب أوكرانيا (منذ 2022): لعب نشر الأخبار غير الموثوقة دوراً كبيراً، حيث انتشرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لشائعات عن «هجمات نووية وشيكة» أو «تجنيد إجباري»، مما زاد من الرعب والفوضى بين السكان.

يظهر التاريخ أن ترويع المدنيين ونشر الأخبار الكاذبة أدوات فعالة ومدمرة، تؤدي إلى خسائر إنسانية هائلة وتطيل النزاعات.

على المجتمع الدولي تعزيز آليات المساءلة لمنع تكرار هذه الممارسات، مع التركيز على التحقّق من المعلومات في عصر الإعلام الرقمي. كن حذراً، وتحقق دائماً من مصادرك الوطنية قبل النشر لتجنّب أن تصبح جزءاً من الدعاية.

00:04 | 4-03-2026

الإيماءات بوصفها لغة نسويّة

الإيماءات هي حركات جسدية غير لفظية تستخدم في التواصل البشري.

في طفولتي كنت أشاهد بدهشة كبيرة إشارات متواطأ عليها بين كبيرات السن، قلة قليلة منها تسلل للنساء الشابات والأطفال، فيما يخص الأطفال فلا أتذكر أن أحدنا كان يأخذ قسم وحلف طفل آخر على محمل الجد إن لم يرافق القسم بالله رسم علامة على العنق تشبه مرور سكين وهمية، أما حركات النساء فكثيرة لا أحصي أغلبها ولا أفهم دلالة بعضها.

أتذكّر إحداهن حين تنتهي من نميمتها وقبيل نهوضها من مجلسها تبلّل سبابتها وإبهامها بريقها ثم تنفضهما وكأنها تلفظ الكلمة الأخيرة المحرّمة، هي بذلك تبرئ ذمتها من حديثها فلم تعد مسؤولة عما قالت.

أما إن أرادت أن تستقبح فعلاً أو كلمة سواء بسبب الحرام الديني أو العيب الاجتماعي فهي ستتبع شهقتها برسم خط طولي وهمي بسبابتها، بدءاً من جفن عينها الأسفل بطول الخد. وهذه الحركة نفسها تعبّر عن استحسانها لشخص أو شيء جميل.

وتضع المرأة سبابتها معقوفة حول أرنبة أنفها على سبيل التأمل أو الاستغراب، ويرافق هذه الحركة جملة لطيفة هي: يا فكرتي!

أما إن وقعت مصيبة أو قيل كلام خطير فالأمر يستأهل استخدام كلتا اليدين لتطويق الرأس وربما الضرب عليه مراراً.

أما تقبيل الصغار فيشغل أكثر من إيماءة، أحدها مثلاً: قرص الطفل قرصة خفيفة وتقبيل الأصابع في موضع القرصة.

هذه الإشارات الظريفة تضفي نوعاً من الجاذبية للمتحدثة، وتضفي عليها جمالاً، خاصة لو صبغتها بأداء يخصها ويعبّر عن ذاتيتها. وغالباً في عالم الرجال إيماءات لم أتبيّن أغلبها.

جميع ما سبق وصفه ينتمي لنساء من كبيرات السن في قبيلة عتيبة، وأظن أنها تشمل طيفاً واسعاً من قبائل المملكة، وإن وجدت فروق طفيفة.

هذه الإيماءات وغيرها الكثير يذكرني بحقيقة أن اللغة البدائية للبشر كانت أغلبها إشارات وإيماءات إن لم يكن جميعها.

صحيح أني لم أعد أرى إحداهن تستعمل هذه الإيماءات اللطيفة، ربما لأن الناس لم يصبحوا يتحدثون مع بعضهم بحضور جسدي كامل في زمن التواصل التكنولوجي والانشغال بالجوال. لم تعد هناك أحاديث عميقة وطويلة ولا مستمعون غير نافذي الصبر من المعتادين على الفديوهات القصيرة والملخصات.

هذا النوع من التواصل انقرض تقريباً.

لكني ألاحظ نشوء لغة إيماءات عالمية يتفق فيها الرجال والنساء مثل رسم القلب بالسبابة والإبهام، تساعد تطبيقات التواصل الاجتماعية والإيموجي في نشوئها وسرعة انتشارها، بالنسبة لدخول الرجال عالم الإيماءات فأنا لا أستغربه؛ لأنه مع التقدّم البشري يبدو وكأن الحضارة تتأنث، الرجال دخلوا عالم الأناقة والأثاث والطبخ وأصبحوا ينافسون المرأة في مجالات كانت حصراً للنساء، لكن الآن قد يتفوقون فيها بسهولة، وأنا لا أقول ذلك على سبيل الانتقاد بل أصف ما يحدث على نحو دقيق.

لكني لا أفهم حاجة الإنسان المعاصر سواء الرجال أو النساء في ظل غنى قواميس المشاعر العالمية وتعدّد مستوياتها وأطيافها، غنى غير مسبوق تاريخياً. لكن مع ذلك لا يزال الإنسان يحتاج للتعبير الإيمائي عبر الجسد.

ربما لأن الجسد أقدم من اللغة وأصدق منها.

00:00 | 18-02-2026

الخبز في التاريخ والأدب

في ملحمة جلجامش التي هي أقدم نص مكتوب في التاريخ، كانت شخصية (إنكيدو) أقرب للوحوش منها للبشر، حتى أكل الخبز فتحوّل إلى إنسان.

يُمثّل الخبز في ملحمة جلجامش رمزاً محورياً للحياة المتحضرة، والزراعة، والفرق بين الإنسان البدائي والمتحضر. فقد كان أكله دليلاً على تمدّن (إنكيدو) وتحوله من حياة البرية إلى المدينة.

أول طعام يطاله الشح ويفتقده الناس في الحروب هو الخبز؛ لذا هناك قائمة من الأدب العالمي تصف حالة شح الخبز في الحروب وأكثرها تأثيراً في نفسي هي القصص الألمانية حيث يعتبر الخبز موضوعاً متكرراً في الأدب الألماني، خاصة في الأدب الذي يصوّر فترة ما بعد الحرب، حيث يرمز إلى الحاجة واليأس والصراع من أجل البقاء، بل في مدينة أولم الألمانية متحف مخصص للخبز يعرض تاريخه وأهميته الثقافية والرمزية عبر الحضارات المختلفة.

في رواية «خبز السنوات الأولى» للكاتب هاينريش بول تدور الأحداث في يوم واحد يقابل فيه البطل فتاة ويتذكّر طفولته ووفاة أمه والجوع خلال الحرب.

أما القصة القصيرة «الخبز» للألماني بورشرت فتحكي قصة عجوز تدعي النوم حين يستيقظ زوجها الشيخ ويتناول بجشع قطعة الخبز الوحيدة في الثلاجة بينما تفكر هي بالبرد الذي سيجمّد عظامه في المطبخ وهو يتسلل بلا حذاء. ومن هنا وبعد سنوات طويلة من الزواج تعيد الزوجة تقييم علاقتهما. وقد كذب عليها بعد تسعٍ وثلاثين سنة من الزواج وقال إنه خرج للمطبخ؛ لأنه سمع صوتاً وقد خبأ فتات الخبز في فمه.

يُنسب إلى المصريين القدماء ابتكار أول خبز مُخمّر (يُصنع من الخميرة) حوالى عام 3000 قبل الميلاد. فقد اكتشفوا أن خلط الدقيق والماء معاً وتركه أياماً عدة يُحفّز الخمائر، مما ينتج عنه عجين مُرتفع. وفي العصر الروماني، كان الدقيق المطحون ناعماً من القمح عالي الجودة حكراً على الأغنياء، بينما كان يُستخدم دقيق النخالة من قِبل عامة الناس. أما في عصرنا الحالي فقد (تمكنن) الخبز ولن نستطيع إحصاء أنواع الخبز الجاهز على أرفف السوبرماركت.

00:02 | 11-02-2026

لقاء السحاب

أحياناً حين أقرأ لبعض الكتّاب والمفكرين الذين ينتمون لبقع جغرافية متقاربة ويتحاذون في الزمان والعصور، أفكّر في شكل اللقاءات التي من الممكن أن تجمعهم، بعض هذه اللقاءات موثّقة ومعروفة وبعضها نكتشفه بالصدفة، فمثلاً شاهدت صورة لجموع تسير في شارع هافانا وكان بينهم وجهان معروفان!

في عام 1960، سافر جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار إلى كوبا خلال ما وصفه سارتر بأنه «شهر عسل الثورة».

‏تمّت الرحلة بعد عام واحد فقط من انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو وجيفارا.

‏في ذلك الوقت، كان سارتر ودي بوفوار يتمتّعان بشهرة عالمية، وكانا أقوى زوجين فكريين في القرن العشرين. وقد مثّل هذا دعماً قوياً للحكومة الكوبية الجديدة.

‏وكتبت سيمون دي بوفوار بخصوص تلك الرحلة: «بعد باريس، انفجرت بهجة المكان مثل معجزة تحت السماء الزرقاء... ولأول مرة في حياتنا، شهدنا سعادة تحقّقت من خلال العنف».

أما الشاعرة غابرييلا ميسترال فالتقت الشاعر بابلو نيرودا صدفةً عندما كانا صغيرين جداً. وبعد سنوات، أصبحا الكاتبين التشيليين اللذين حصلا على جائزة نوبل في الأدب.

‏كانت لوسيلا دي ماريا ديل بيربيتيو سوكورو غودوي، المعروفة عالمياً باسم غابرييلا ميسترال، امرأة عصامية. بدأت كتابة الشعر منذ صغرها، وبحلول سن السابعة عشرة كانت تدرس في مدرسة ريفية بالقرب من كوكيمبو.

‏عندما بلغت غابرييلا الحادية والثلاثين من عمرها، تولّت منصب مديرة مدرسة تيموكو الثانوية. في العام نفسه، كان ريكاردو إلييسير نيفتالي رييس، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، الذي بدأ يستخدم الاسم المستعار بابلو نيرودا، في سنته الأخيرة من المدرسة الثانوية في المدرسة نفسها، وهكذا التقت أبيات القصيدة.

روى نيرودا في مذكراته: «لقد جعلتني مديرة مدرستي أقرأ الأسماء العظيمة الأولى للأدب الروسي التي كان لها تأثير كبير علي».

‏بينما قالت غابرييلا ميسترال:

‏«عرفته عندما كان صبياً في قريته الجنوبية... نشأ نيرودا وهو ينظر إلى منظر طبيعي ماطر يتكرر يومياً على مدار السنة. وظل هذا المنظر الحزين الهادئ في خلفية جميع قصائده».

00:05 | 4-02-2026

صبي الساحر

«صبي الساحر» هو عنوان قصيدة للشاعر الألماني يوهان غوته، كتبها عام 1797.

القصيدة تبدأ بحكاية عن ساحر عجوز يغادر بيته ويترك تلميذه بمفرده مع بضع أعمال أمره بتنفيذها، لكن التلميذ أصابه التعب من جلب المياه بواسطة السطل، فقام بسحر المكنسة للقيام بذلك العمل مع أنه لم يكمل تدريبه في مجال السحر كاملاً، فلم يستطع أن يسيطر على سحره، وسرعان ما امتلأت الأرضية بالمياه ولم يستطع أن يوقف تدفق الماء بسبب نسيانه للتعويذة التي تبطل السحر وتوقف المكنسة. بعد أن يئس من إيقاف المكنسة بالسحر قام بكسرها إلى نصفين بواسطة فأس، إلا أن كل نصف أصبح مكنسة بمفرده، فتضاعف تدفق الماء داخل المنزل، بعد هذا الفشل الذريع قرر الصبي أن يستسلم للوضع الجنوني، وفي تلك اللحظة عاد الساحر العجوز إلى المنزل وأوقف المكنسة وأنقذ الموقف. القصيدة مشهورة في الدول الناطقة بالألمانية وأكثر أجزاء القصيدة شهرة وانتشاراً هي السطور التي يتوسّل فيها التلميذ للساحر بعد عودته أن يصلح الفوضى التي أحدثها.

ولمن يرغب في مشاهدة نسخة طريفة من القصيدة عليه مشاهدة فيلم كرتون عنوانه «فانتازيا» لوالت ديزني 1940 وأعيد إنتاجه قبل عشر سنوات تقريباً، بطل الفيلم ميكي ماوس يلعب دور صبي الساحر، وهو الذي يقوم بسحر المكنسة لتحمل الماء وتقوم بالمهمة نيابة عنه، لكنه يجد نفسه مع بداية فيضان في المنزل ولا يستطيع إيقاف المكنسة أو إبطال سحرها.

يتم استدعاء القصيدة التي عمرها أكثر من مائتي عام، في مواضيع صناعة الأخبار لغرض تشبيه المكنسة بالصناعة الإعلامية في عصر التكنولوجيا.

فالمكنسة تبدو آلة صماء، ليست لها نوايا خبيثة ولا تملك أي وعي سواء كان وعياً شريراً أو خيّراً، لكن كل مشكلتها أن صبي الساحر لم يكمل دروسه.

وهذا يشبه لحد بعيد ما نفعله بالذكاء الصناعي، نغذيه كل يوم بعدد لا نهائي من المعلومات سواء معلومات حقيقية أو زائفة حتى يغرقنا فيضانها فلا نستطيع السيطرة عليها أو إيقافها، لكننا أحياناً نكسرها لنصفين مما يزيد الوضع سوءاً.

23:58 | 27-01-2026

التغيير لا يحدث خلال يوم واحد!

في الأسبوع الماضي انتشر مقال لكاتب اسمه دان كو بعنوان «كيف تصلح حياتك بأكملها في يوم واحد» يتناول فكرة التغيير خلال يوم واحد، لم يكن انتشار المقال مسبوقاً، فقد قرأه الملايين حول العالم، لكن لا أتذكر أن أحد القراء أخبرنا في اليوم التالي بحجم التغيير الذي طرأ على حياته بعد قراءة المقال.

بالنسبة للمقال فلم أجد فيه أمراً جديداً ولم يبهرني، بل كان يحوي بعض المغالطات إلى جانب فقرات بديهية مطولة.

بالنسبة لي يحدث التغيير عبر سلسلة من عمليات التعلم، فالنتيجة النهائية للتعلم هي التغيير على الصعيدين، تغيّر السلوك الشخصي إلى جانب قدرة الإنسان على تغيير بيئته وبالتالي مصيره.

يزدهر التعلم في نظامٍ ثريّ يتألف من أفرادٍ ومجتمعاتٍ ومؤسسات، يؤدي كلٌّ منها دوراً جوهرياً في رعاية النمو. التعلّم ليس المعرفة لأن التعلم فعلٌ وهو عملية اكتساب المعرفة، ولا تكتسب المعرفة لتحقيق ميزة على الآخرين، بل هي جزءٌ من رسالتنا في الحياة. التعلّم في جوهره هو التفاعل الفعّال مع العالم، والتفكير العميق، والسماح للفضول والتأمل بتوجيه أفعالنا.

التعلم الحقيقي يعزّز المرونة في أنفسنا، وفي الأفراد، وفي المجتمعات، بل ويحمي العالم الطبيعي. فكما أن النظم البيئية المتنوعة أكثر قدرة على التكيّف والبقاء، فإن ثقافة التعلم الغنية تُهيئ البشرية لمواجهة عدم اليقين والخوف والتغيير. وهذا يتطلب منا شجاعة: شجاعة مواجهة ما نجهله، وتحدي المسلّمات القديمة، وربط الجهود المحلية بالاهتمامات العالمية من أجل الرفاه المادي والروحي.

في نهاية المطاف، التعلم رحلةٌ مدى الحياة. فمنذ الولادة وحتى آخر لحظة في العمر، تتشكّل شخصياتنا من خلال استعدادنا للبقاء متعلمين، منفتحين، متكيفين، ومتواضعين. في أوقات التغيّر السريع، لا يزدهر من يتمسكون بما يعرفونه، بل من يواصلون التعلم، والتخلي عن بعض المفاهيم القديمة، والنمو. ومن خلال هذه العملية المستمرة يصبح التحول الإيجابي ممكناً، سواءً في أنفسنا أو في العالم. وهذا ما يحدث خلال عمر الإنسان بالكامل وليس في يوم واحد.

00:00 | 21-01-2026

تأثير فارتر

في عام 1774، نُشر عمل في ألمانيا أحدث تأثيراً نادراً ما يحدثه عمل روائي.

‏في ذلك العام، نشر غوته رواية «آلام فارتر»، وهي رواية حقّقت مبيعات هائلة، وارتفعت بسببها مبيعات الكتب الأدبية، لكنها جلبت معها موجة من حالات الانتحار، ثم خضعت للرقابة، وقيل حينها إن الرواية تسبّبت للقراء بظاهرة نفسية.

‏حقّقت رواية «آلام فارتر» نجاحاً فورياً عند نشرها، وأعيدت طباعتها ثلاث مرات في غضون بضعة أشهر.

‏أما أحداث الرواية فهي أن البطل وهو فنان شاب ذو شخصية حسّاسة، يقع في حب فتاة جميلة مخطوبة بالفعل.

‏فارتر، الذي واجه رفض الفتاة، انتهى به الأمر إلى إنهاء حياته بإطلاق النار على نفسه.

‏أصبحت الرواية موضة رائجة وعملاً كلاسيكياً ذا شعبية كبيرة، مما أدّى إلى انتشار ملابس الشخصيات وبيع عطور «أو دو فارتر» وتماثيل خزفية للشخصيات.

‏كما أثارت الرواية موجة من حالات الانتحار في جميع أنحاء أوروبا. فقد أقدم مئات الشباب على الانتحار بدافع الحب، مقلدين بذلك شخصية فارتر.

‏وقد دفع هذا الأمر العديد من الدول، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا والدنمارك، إلى حظر هذا العمل، معتبرة إياه «تحريضاً على الانتحار» وبأنه عمل يمكن أن «يصدم الضعفاء والنساء».

‏حتى اليوم، يُستخدم مصطلح «تأثير فارتر» في علم النفس لوصف تقليد السلوك الانتحاري. ومن المعروف أنه بعد وفاة نجوم مثل مارلين مونرو وكورت كوبين، ازدادت حالات الانتحار المقلدة، مما أدّى إلى تغييرات في كيفية تغطية هذه الأخبار.

‏لم يتخيل غوته قط الأثر والعواقب التي ستترتب على عمله. ولهذا السبب، قام بعد سنوات بتنقيح عمله، عازياً قرار فارتر إلى مرض عقلي، وموجّهاً هذا التحذير للقارئ على لسان فارتر بنفسه: «كن رجلاً ولا تحذو حذوي».

في النسخة العربية المترجمة لا أتذكر هذا التحذير.

00:02 | 31-12-2025

القبيلة الثقافية داخل غرفة الصدى..!

القبلية في أبسط تعريفاتها عندي، هي ولاء وانتماء الفرد لجماعة، أما القبيلة الثقافية فهي تعني تقسيم المجتمع إلى مجموعات تتحد بنمط تفكير أو سلوك مشترك أو محدد.

وفي عصرنا الحاضر ما زال الإنسان يحب العيش داخل جماعة؛ لذا يشجع الأندية الرياضية، وينتمي للفرق حتى تكاد أن تصبح هويته التي يصف بها نفسه في كثير من المناسبات فيقول إنه: هلالي أو نصراوي أو اتحادي أو أهلاوي.. إلخ

وسيعاقب الدخلاء والغرباء، ويضحّي بوقته وماله، وقد تصل التضحية لحياته في مقابل فوز فريقه وانتصار جماعته.

المثال أعلاه ينطبق على طيف واسع من الجماعات والانتماءات داخل المجتمع، صحيح أن هذه القبيلة تمنحك الولاء والانتماء، لكنها قد تسلبك حرية التفكير واتخاذ القرارات، إن لم تكن واعياً أو أنها ستدخلك داخل (غرفة الصدى).

أحد أشكال القبيلة الثقافية نشاهده في جماعات مواقع التواصل الاجتماعي الذين يدخلون غرفة الصدى واحداً تلو الآخر، يكتب أحدهم رأياً فتجد الأغلبية يرددون صدى أفكاره. وإن كتب شخصاً آخر رأياً آخر فسيعاقب وينبذ ويسخر منه.

وهذا الأمر خطير؛ لأن غياب الحوار وقبول الآراء المختلفة يغتال البدائل الصحيحة التي من الممكن أن تكون تصويباً لرأي خاطئ.

وعادة ما تميل المجتمعات التي تكتفي بآراء محددة لفترة طويلة إلى التحوّل من الاعتدال إلى التطرّف. وفي النهاية، تظهر معتقدات هامشية خطيرة للغاية، معتقدات قد تؤدي إلى العنف.

ومع ذلك، النزعة القبلية بجميع أشكالها لا تُزعزع استقرار المجتمع إلا عندما تتصلب لتصبح شيئاً أكبر وأكثر حدة من ولاءاتنا المتعددة الأصغر حجماً، أو عندما تُنافس تعلّقنا بالأمة والوطن.

00:02 | 24-12-2025

ولاية الذكاء الاصطناعي

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تُعرف بـ«ولاية الذكاء الاصطناعي»؛ لأن أغلب النمو الاقتصادي ناتج عن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، رغم أنه لا يُنتج أي نتاج اقتصادي حقيقي وملموس.

يبدو أن اقتصاد «الذكاء الاصطناعي» ليس سوى عملية تضخيم، تُتيح أيضاً فرصاً لعمليات تضخيم وتفريغ صغيرة هنا وهناك، مثل كارثة أوراكل.

فقد قفز سهم أوراكل بما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدولة متوسطة الحجم، ثم عاد الآن إلى ما دون مستواه الابتدائي بعد اكتمال عملية التلاعب بالأسهم.

يقول الخبراء أن أغلب عمليات الاحتيال مؤخراً تهدف إلى رفع أسعار العملات الرقمية ثم بيعها. المحتالون في الآونة الأخيرة يركّزون على النصب عن طريق شراء وبيع العملات الرقمية.

يتلقى الناس إشارات لشراء عملة رقمية، ثم بعد نصف ساعة يتلقون إشارة لبيعها. من يتحقّق قبل الشراء والبيع يدرك أن هذه العملات ستنخفض أسعارها على المدى الطويل، ولكن إذا كان هناك ارتفاع طفيف، فمن المربح المخاطرة الآن.

يقول «جيم كوفيلو» من غولدمان ساكس، وهي مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية: «عادةً ما ينتهي الإفراط في بناء أشياء لا يحتاجها العالم، أو ليس مستعداً لها، نهايةً سيئة»، لكنه يضيف بعد هذا: «مع ذلك، فإن أحد أهم الدروس التي تعلمتها على مدى العقود الثلاثة الماضية هو أن الفقاعات قد تستغرق وقتاً طويلاً لتنفجر. ولهذا السبب أوصي بالاستمرار في الاستثمار في مزودي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي».

قرأت محادثات بين مستثمرين عرب للعملات الرقمية يشتكون من خسائرهم.

بينما منطق السوق واضح، إذا استطعت استشعار المؤشرات قبل حدوثها بقليل، فبإمكانك تحقيق مكاسب هائلة، أما إذا كنت مستثمراً فرديّاً تكتفي بالاحتفاظ بأسهمك، فستتحمل الخسارة، فالأمر للأسف أشبه بلعبة أطفال رقمية. وأتمنى أن لا يكون هذا مصير اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

00:05 | 17-12-2025