أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

غياب الناقد الأدبي الرقمي..!

القطار الثقافي في السعودية يركض بسرعة مدهشة. التغييرات تطحن الأنماط القديمة بلا رحمة. وفي وسط هذه المعمعة يجد الناقد الأدبي نفسه وحيداً أمام مرآة الحقيقة. السؤال المحرج الذي يهرب منه الجميع: لمن تكتبون بالضبط؟

عقود طويلة ضاعت في صراعات فكرية عقيمة وتصفية حسابات شخصية ملّها القارئ.

اليوم، يمر النقد بمأزق صامت. مأزق يتحاشى الكثيرون مواجهته علناً. هناك مواجهة شرسة وغير متكافئة؛ عقلية أكاديمية متزمّتة تحرس دفاترها القديمة، وفي المقابل هناك طوفان من الروايات والقصائد الشابة التي تقفز إلى الشاشات كل صباح. نصوص سريعة، متمردة، ولا تنتظر أحداً.

لحسن الحظ، تجاوزنا مرحلة الانطباعات السطحية والمجاملات التقليدية. صار لدينا نقاد يملكون أدوات حديثة ورصينة. هذا صحيح. والدعم المؤسسي موجود ولا يمكن إنكاره؛ ما تفعله هيئة الأدب والنشر والترجمة من مبادرات وجوائز، بالتكامل مع الأندية الأدبية، يمثل شريان حياة حقيقي. لكن، هنا مربط الفرس، ما فائدة كل هذا الزخم إذا كانت المخرجات تُكتب بلغة مصمتة؟، لغة لا يفهمها سوى خمسة أشخاص في قاعة الجامعة؟

هذه الفجوة الرمادية هي الأزمة الحقيقية.

الرواية السعودية المعاصرة شابة، وتُقرأ عبر الهواتف والمنصات الرقمية. بينما يصر النقاد -إلا قلة- على الحديث بلغة غارقة في المصطلحات المعقدة. هذا الانفصال التام عن الواقع جعل النقد عاجزاً عن قيادة الوعي الثقافي. القارئ اليوم لا يحتاج إلى دراسات ثقيلة من مئات الصفحات تصدر بعد عام من موت الرواية وانطفاء وهجها. يبحث الناس عن قراءة ذكية، رشيقة، ومبسطة. قراءة تلاحقهم في الصحافة اليومية والمساحات التفاعلية الإلكترونية.

الفرصة الحالية تاريخية بكل المقاييس. التمكين في ذروته والإرث المعرفي صلب. لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالدعم المادي أو المؤسسي. الرهان يتعلق بالشجاعة فقط. هل يملك الناقد الجرأة لخلع عباءته الأكاديمية الثقيلة؟ هل ينزل إلى الشارع الرقمي ليخاطب الناس بلغتهم؟ إن لم يفعلها الآن، سيبقى النقد مجرد صدى باهت في ممرات الجامعات المغلقة.

منذ 11 ساعة

إخفاء جثة

كيف نعرف أن قصة الجريمة جيدة وتستحق عناء القراءة؟

الإجابة ببساطة: حين يبرع الكاتب في إخفاء الجثة!

لكن ما حدث مع «أميدي» ــ بطل مسرحية الكاتب الفرنسي أوجين يونسكو ــ كان أمراً خارجاً عن المألوف؛ إذ كانت الجثة تتضخم يوماً بعد يوم في إحدى غرف شقته الضيقة، حتى زاحمت الأثاث وكادت تملأ المنزل. إنها مسرحية عبثية بامتياز، تجسّد تضخم مشكلاتنا، والتعفن الذي يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، وعلاقاتنا، وبيوتنا. وعندما قرر أميدي أخيراً أن يغرق الجثة في النهر، طارت به في السماء كبالون هيليوم فوق المدينة، ليتخفف فجأة من كل الأثقال التي حاصرته في الماضي.

أما في رائعة إدغار آلان بو، فقد أخفى القاتل جثته بإتقان شديد تحت خشبات أرضية الغرفة، لدرجة عجز معها أمهر المحققين عن كشفها. لكن الكارثة حلّت من حيث لا يحتسب؛ إذ ظل طوال الوقت يسمع صوت نبضات قلب القتيل تصدح من تحت قدميه وهو يسير في البيت. لقد نجح في إخفاء جريمته عن العالم كله، لكنه عجز تماماً عن حجبها عن ضميره المؤرق.

وفي رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، يقتل «خوسيه أركاديو بوينديا» جاره، لكن الجار المقتول يتحوّل إلى طيف يزوره كل ليلة في منزله، لا لينتقم، بل ليغسل الدماء عن جراحه في مشهد يقطر أسى.

بينما في أعمال الكاتب الإيطالي داريو فو، يأخذ التخلص من الجثث طابعاً كوميدياً سوداوياً؛ إذ يحدث بدافع الفقر والواقعية المريرة، بهدف تجنّب التحقيقات الرسمية والإبقاء على الراتب التقاعدي للمتوفى!

وفي الأدب العربي، تتسع المأساة لتصبح وطناً؛ ففي رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، يضطر الناس لدفن موتاهم داخل بيوتهم تفادياً لرصاص القناصة في الخارج، ليتحوّل الوطن في زمن الحرب إلى مقبرة جماعية كبرى، يعيش فيها الجميع ــ الأحياء والأموات على حد سواء ــ حياة البرزخ.

إن الأعمال الأدبية التي تتناول موضوع «إخفاء الجثث» تذهب إلى أبعاد أعمق بكثير من مجرد قصص الجرائم والبحث الجنائي التقليدية؛ فموضوعها الحقيقي ليس البحث عن الجاني، بل البحث عن مصائرنا نحن، وعن الجثث المخبوءة في ضمائرنا.. إنها حكايات تفتش عن تلك البقايا الراقدة في أعماقنا، والتي لا تكف عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية والإنسانية.

00:05 | 3-06-2026

معايدة

كلما أشرقت شمس عيد الأضحى المبارك، تتبدى للمتأمل صورة المملكة العربية السعودية في أبهى حُللها؛ وطنٌ لا يكتفي بصناعة التاريخ، بل يعيد صياغة المستقبل بكفاءة واقتدار. يحلّ العيد هذا العام، والوطن يرتدي ثوب الفخر، مجسّدًا أسمى معاني العطاء والمسؤولية الشاملة تجاه الأمة الإسلامية. إنها التهنئة الصادقة للقيادة الرشيدة والشعب السعودي النبيل، تهنئة ممزوجة بالرحمات في المشاعر المقدسة وعزيمة الرجال في الميدان، ليتأكد للجميع أن لغة الأرقام لا تكذب ولا تجامل في قاموس السياسة والتنمية السعودي، بل توثق نجاحًا قياسيًا غير مسبوق في هذا الموسم الاستثنائي.

فلم يعد الحج مجرد إدارة حشود، بل تحوّل بفضل رؤية السعودية 2030 إلى منظومة رقمية ولوجستية متكاملة تدار بأعلى معايير الحوكمة والذكاء الاصطناعي، حيث استقبلت المملكة في هذا الموسم 1,673,230 حاجًا وحاجة من مختلف أصقاع الأرض، يمثل حجاج الخارج منهم نحو 90% بواقع 1,506,576 حاجًا، قدموا عبر 171 جنسية ليعودوا إلى بلدانهم بنبأ واحد عنوانه العريض أن السعودية نجحت وبامتياز في فلسفة التطوير اللوجستي.

هذا النجاح المبهر لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتخطيط إستراتيجي عميق؛ إذ سخّرت الدولة جيشًا بشريًا قوامه 420,070 موظفًا ومشتغلًا في القطاعات الأمنية والصحية والخدمية، ساندهم في ذلك وعي مجتمعي تجسّد في مشاركة 34,540 متطوعًا ومتطوعة، قدّموا مهامهم التطوعية بدافع الشغف والواجب الإنساني. علاوة على ذلك، أثبتت مبادرة طريق مكة عمق الرؤية الإستراتيجية لتسهيل إجراءات ضيوف الرحمن، حيث استفاد منها هذا العام 314,337 حاجًا من 8 دول، اختصرت لهم المبادرة عناء السفر والانتظار في دقائق معدودة، لتصبح المملكة نموذجًا عالميًا يحتذى به في إدارة الفعاليات الكبرى.

إن هذا التناغم المبهر بين الروحانية والتقنية هو الجواب الحاسم على كل مشكك، والبرهان الساطع على أن رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نقلت خدمات الحج من مرحلة التسهيل إلى مرحلة الإثراء والرفاهية. كل عام والوطن بقادته وشعبه ومقدساته بألف خير، ودامت السعودية منارة أمن وأمان، وحاضنة لكل تطلعات الغد المشرق.

00:39 | 27-05-2026

استدامة التشجير

تخوض المملكة العربية السعودية اليوم واحدة من أكبر المعارك البيئية في التاريخ الحديث لإعادة صياغة علاقتها مع الصحراء. تحت مظلة «مبادرة السعودية الخضراء»، لم يعد التشجير مجرد خطة تجميلية للمدن، بل تحوّل إلى إستراتيجية وطنية وقومية لمكافحة التصحر، وتحسين جودة الحياة، وإعادة التوازن البيئي في بيئة عُرفت تاريخياً بجفافها وقسوتها.

وتتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة في عام 2026 بوضوح عن حجم هذا الإنجاز؛ حيث نجحت المملكة في تجاوز المليون هكتار الأول من الأراضي المستصلحة والمتدهورة، بعد أن كانت المساحات المعاد تأهيلها لا تتجاوز 18 ألف هكتار في البدايات. ومع زراعة أكثر من 159 مليون شجرة حتى الآن، تسير خطة الـ 10 مليارات شجرة بخطى متسارعة، مستندة إلى نسبة نجاح نمو استثنائية بلغت 85% للشتلات المحلية مثل السدر والطلح والمنغروف، وهو ما ساهم فعلياً في خفض حدة العواصف الترابية بنسبة تقارب 50%، ونحن سكان العاصمة الرياض لاحظنا انحسار العواصف الترابية العامين الماضيين.

ومع ذلك، فإن هذا الطموح الأخضر يصطدم بأرض الواقع وتحدياتها المعقدة. وتأتي قضية «المياه» كأبرز السلبيات والتحديات المقلقة؛ فرغم الاعتماد المتزايد على مياه الصرف المعالجة، إلا أن البنية التحتية لنقلها عبر المساحات الشاسعة خارج المدن تشكّل عبئاً لوجستياً باهظ الثمن. كما تبرز مشكلة الفقد الطبيعي للشتلات نتيجة درجات الحرارة المتطرفة التي تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف، فضلاً عن التكلفة الاقتصادية العالية للصيانة الدورية.

لمواجهة هذه السلبيات، التفتت المملكة إلى «الحلول الذكية والمستدامة»، وعلى رأسها مشاريع «حصاد مياه الأمطار والسيول». وتتضمّن هذه الحلول خطة لإنشاء 600 سد جديد و100 بركة ضخمة لتجميع المياه، بالتكامل مع البرنامج الوطني لاستمطار السحب لزيادة الهطول المطري فوق 33 موقعاً مستهدفاً. وداخل المدن، يبرز نموذج «المدن الإسفنجية» و«الحدائق الممتصة للأمطار» في برنامج «الرياض الخضراء»، وهي تقنيات تحول الأودية والشعاب الحضرية إلى مصارف طبيعية تفلتر المياه وتوجهها لري الأشجار وشحن المخزون الجوفي، بدلاً من تركها تتبخر.

إن مشاريع التشجير في المملكة تثبت أن التحدي البيئي يمكن تحويله إلى فرص تنموية. ورغم السلبيات التشغيلية الحتمية التي تفرضها الطبيعة الصحراوية، فإن الموازنة بين الأرقام الطموحة والحلول المبتكرة مثل الحصاد المائي، تضمن أن هذا الزحف الأخضر لن يكون مؤقتاً، بل إرثاً مستداماً للأجيال القادمة.

00:07 | 20-05-2026

المبادرات الثقافية لمن؟

نلمس بالطبع جهوداً حقيقية للتشريع والتنظيم قامت بها وزارة الثقافة ممثلة في هيئة النشر والترجمة.

ونتابع الدعم اللوجستي والمادي الهائل الذي يقدّم للفعاليات الثقافية وتسويقها وتنشيطها، لكن أتمنى أن يُلتفت لثلاث نقاط جوهرية؛ الأولى أن يحصل القاص والروائي على مبالغ تساعدهم على التفرغ لإبداعهم مثل صندوق الدعم الذي هو ممارسة عالمية، فليس من العيب أن يحصل المقهى الذي يقيم فعالية مثل فعالية الشريك الأدبي على دعم مادي، لكن من العيب أن لا يدعم المبدع الحقيقي في بيته ومن وزارته، فالمقهى في هذه المعادلة إناء، بينما المبدع هو المحتوى.

الثانية: لا زال المبدع يواجه صعوبة في نشر أعماله ومع أفول الكتاب الورقي وكلفة طباعته نتوقع من هيئة الأدب والنشر والترجمة أن تؤسّس موقعاً إلكترونياً ضخماً، يشرف عليه أدباء يختارون المميّز والصالح للنشر من الأدب السعودي الجديد الذي يواكب هذه المرحلة التاريخية غير المسبوقة، يختارون النصوص بعناية ويرشحون الجيد للنشر والترجمة، وطبعاً يدفع لمؤلفها مبالغ وإن كانت رمزية، وينظم المسابقات النقدية والأدبية الصغيرة والدورية، موقع إلكتروني نوعي ضخم ذو أرشيف توثيقي للأدب السعودي ويحوي معجماً للأدباء السعوديين منذ نشأة المملكة، وفيه جزء مخصص لتوثيق الثقافة والقصص الشعبية ومروياته بلغة أدبية رفيعة.

نطمح لموقع إلكتروني سعودي عالمي يتجه نحو رؤية ثقافية مستدامة.

الثالثة والأخيرة: نقل صلاحية فسح الروايات والمؤلفات الأدبية لوزارة الثقافة، وهذا ليس مجرد إجراء إداري بل هو فضاء أوسع للأدب السعودي الذي مازال يمنع من النشر بسبب ضوابط خارجة عن العملية الفنية، وسوء فهم للنصوص الأدبية وللمجاز والخيال. وبذلك سيصبح الأدب السعودي أكثر مواكبة للانفتاح الثقافي الذي يعيشه الإنسان السعودي في عصر الرؤية المباركة.

00:02 | 13-05-2026

قبل تجريف الهوية السعودية

أدرك أن دولتنا على مستوى العمل المؤسسي واعية لمسألة الحفاظ على الهوية السعودية وتصمّم برامج تعمل كمصدّات ضد التجريف الذي نشاهده يمحو بعض المجتمعات من حولنا ويبدلها أو أن الحرب في دولهم ستبدلها.

والمثال على هذه البرامج/ المصدّات نجده في هيئات التراث والثقافة والفنون، لكنها ليست كافية، فعلى مستوى الأفراد لست متأكدة أن الجميع واعٍ ومتمسك بجذوره. بينما الوعي المجتمعي المنشود هو الحارس الوحيد لمجابهة التغيير ومواكبة الحداثة والقفزات التنموية الهائلة التي نعيشها بفضل الله ثم رؤية 2030.

هناك من يستميت للاندماج في هوية تقنية واحدة تتشكّل عالمياً بوتيرة متسارعة ورغم أنهم غالباً هم أشخاص يسعون للفردانية فينعزلون عن مجتمعاتهم المحلية والأسرية من جهة ثم يتحوّلون لخوارزمية مكررة جعلت من شاب يعيش في الرياض يأكل ويشرب ويلبس ويغرد ويشاهد الأفلام تماماً مثل شاب يعيش في نيويورك أو طوكيو. وجعلته يتبنى ردود فعل منسوخة على الأحداث السياسية والتاريخية، هذا التوحيد العالمي هو أكبر خطر على جميع الهويات المحلية.

الهوية السعودية اليوم لا تعيش خطر التجريف أو تهديد المحو والاستبدال لكننا في مرحلة الاختبار والاختيار.

إما أن نختار القطيعة مع ماضينا أو أن نسعى لعصرنته دون تفريغه من معناه وجعله مجرد صورة تراثية على إنستغرام أو إحياء يوم واحد في السنة، بينما الهوية الحقيقية هي ممارسة يومية.

وأحد الأخطار التي تحيق بهويتنا الوطنية يلاحظها من يرصد الحركة الفنية والأدبية لدى الشباب السعودي سيلاحظ على الفور أنه يرسم صورته الذاتية وهويته بناءً على ردود الفعل الخارجية، وقبول الآخر سواء عربياً أو أجنبياً. فبعض الأفلام السعودية كتبت حواراتها باللغة الإنجليزية وبعض الأغاني الشعبية والوطنية يعيدون تلحينها وغناءها باللغة الإنجليزية أيضاً.

الهوية تتشكّل عبر الدروس والقيم وفهم أصولنا ومن أين جئنا. والتحديات التي تجاوزناها في الطريق.

وكما قال جورج أورويل:

«إن أكثر الطرق فعالية لتدمير الناس هي إنكار وطمس فهمهم الخاص لتاريخهم».

00:12 | 29-04-2026

مستقبل الوعي الإنساني

يشهد القرن الحادي والعشرون أعمق تحوّل في تاريخ الوعي الإنساني منذ اختراع الكتابة. الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل الاجتماعي، الواقع المعزز، والبيانات الضخمة لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت بيئة وجودية جديدة تشكّل إدراكنا لذواتنا، للزمن، وللعلاقات الإنسانية. فكيف يتغيّر وعينا في عصر أصبحت فيه الشاشة امتداداً للعقل؟

أول هذه التحوّلات يمسّ الوعي الذاتي. حوّلت منصات التواصل الحياة إلى مسرح دائم، حيث يقيس الفرد قيمته بعدد الإعجابات والمتابعين. هذا «الوعي المرآوي» الرقمي أنتج جيلاً يعاني من «القلق الوجودي الرقمي»، كما أثبتت تقارير منظمة الصحة العالمية ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق بين الشباب المرتبطين بشدة بالسوشيال ميديا. في المقابل، منحت التقنية الأفراد فرصة تاريخية لصياغة هوياتهم بحرية أكبر، خاصة في المجتمعات العربية، حيث أصبح الشباب يبنون مساحات فكرية وثقافية عابرة للحدود الجغرافية والسياسية.

أما الوعي الاجتماعي، فقد اتسع أفقه بشكل مذهل، وتقلص عمقه في الوقت نفسه. نعيش اليوم أزمات العالم لحظة بلحظة، لكن هذا التدفق المستمر أدى إلى ظاهرة «إرهاق التعاطف». الخوارزميات، بدورها، تعّزز (الفقاعات الرقمية)، مما يُضعف القدرة على الحوار الهادئ والفهم المتبادل، ويزيد من حدة الاستقطاب في المجتمعات.

ومع ذلك، تلوح في الأفق بوادر وعي نقدي جديد. يدرك جيل «ألفا» و«زد» أهمية «الصحة الرقمية» كما يدرك أهمية الرياضة والتغذية. تنتشر حركات «الـ Digital Minimalism» و«الـ Mindful Technology»، وتزداد الدعوات لتطوير ذكاء اصطناعي أخلاقي يحترم الخصوصية والكرامة الإنسانية. كما أن التعليم الرقمي يفتح آفاقاً جديدة لتنمية التفكير النقدي أمام بحر المعلومات.

التحوّلات الرقمية ليست مصيراً يُفرض على الإنسان، بل اختباراً حضارياً لقدرته على البقاء سيّداً على أدواته. من يستطيع أن يحافظ على قدرته على التأمل والتفكير العميق وسط الضجيج الرقمي، سيخرج من هذا القرن أكثر وعياً وأعمق إنسانية. الرهان ليس في مقاومة التقدّم، بل في صياغة وعي إنساني جديد.

00:08 | 22-04-2026

الوعي الوطني في زمن الحرب

الوعي الوطني هو درع الشباب ضد الاستغلال، ففي زمن التواصل السريع والمعلومات المتدفقة، يصبح الوعي الوطني الحقيقي أغلى ما يملكه الفرد والمجتمع. الغيور على بلده لا يسمح لنفسه أن يتحوّل إلى أداة تُستخدم في هدم وطنه. بل المأمول منه الحفاظ عليه، لا المساهمة غير الواعية في تفكيكه.

هذا الوعي بدوره يحميه من أن يصبح مقاتلاً في معركة لا يعرف أهدافها أو من يقف خلفها.

يستهدف المغرضون الشباب خاصة، لأن طاقتهم وحماسهم وقود قوي إذا لم يُوجه توجيهاً سليماً. فالشاب المليء بالحماسة قد ينجذب إلى شعارات براقة تبدو في ظاهرها وطنية، لكنها في باطنها تزرع الفتنة وتُعمّق الانقسام. مثال على ذلك: حملات على وسائل التواصل تُبالغ في تصوير مشكلات داخلية حتى تبدو وكأنها كارثة وطنية، فتدفع الشباب إلى نشر المحتوى السلبي. هؤلاء الشباب يظنون أنهم يدافعون عن الوطن، بينما هم في الواقع يُستغلون لإضعافه.

في المقابل، الشاب الواعي يميّز بوضوح بين النقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين التحريض الذي يهدف إلى الإثارة والفوضى. فالنقد البنّاء يقدّم حلولاً ويحترم الإطار العام للدولة، أما التحريض فيُركز على التهييج العاطفي ويغفل الحلول. مثال واقعي: عندما تواجه بلد ما أزمة اقتصادية، يظهر نوعان من الخطاب؛ الأول يناقش الأسباب ويقترح سياسات إصلاحية، والثاني يُحوّل الأزمة إلى فرصة للطعن في مؤسسات الدولة ودعوة للعصيان. الشاب الواعي يختار النوع الأول.

حماس الشباب لوطنهم قيمة وطنية عظيمة، لكنه يحتاج إلى صقل بالمعرفة والتفكير النقدي. لا تدع أحداً يحول حبك لأرضك إلى سلاح يُوجَّه ضدك أو ضد مجتمعك. الوعي والتعليم هما الحصانة.

يواجه التعليم تحديات في عصر الرقمنة، حيث تتنافس المدرسة مع منصات التواصل الاجتماعي التي قد تنشر أفكاراً متطرفة أو مشوهة. لذلك يجب أن يكون التعليم متطوراً، يجمع بين التربية الوطنية والمهارات الرقمية، ويُعلّم الطلاب كيف يستخدمون التكنولوجيا بوعي، ويمكنهم من مهارات مهمة مثل التحليل والنقد.

00:33 | 15-04-2026

التدوين..!

رغم أن كلمة «مدون» واحدة من أجمل الكلمات العربية التي ولدت مع عصر الإنترنت، إلا أنها تكاد تختفي من الاستخدام اليومي. فهي مشتقة من فعل «دَوَّن» بمعنى سجّل ووثّق ونشر، وتصف بدقة متناهية الشخص الذي يحوّل أفكاره وتجاربه إلى مقالات منظّمة على مدونة إلكترونية. كانت الكلمة في العقد الأول من الألفية الثالثة رمزاً للثورة الرقمية العربية؛ فالمدونون كانوا يفتحون أبواب الحوار الحر ويصنعون رأياً عاماً جديداً.

لكن لماذا انقضت هذه الكلمة الجميلة رغم أن نشاطها لم ينقضِ؟ السبب ليس فنياً بل ثقافياً واقتصادياً. تحوّلت المدونات التقليدية إلى منصات فيديو قصير وصور وستوري، وأصبحت الكتابة الطويلة أقل جاذبية للجمهور الذي يفضل المحتوى السريع. كما أن مصطلح «مدون» ارتبط في ذهن الجيل الجديد بالماضي، بينما أصبحت سوق الإعلان والتسويق تبحث عن كلمات تبدو «عالمية» و«حديثة». فانتشرت بدائل مستوردة أو مصطنعة: «بلوجر» ثم «يوتيوبر» ثم «إنفلونسر» وأخيراً «صانع محتوى» و«مؤثر رقمي».

«صانع محتوى» هو البديل الأكثر دقة وشمولاً اليوم؛ فهو لا يقتصر على الكتابة بل يشمل الصوت والصورة والحوار المباشر، ويحمل طابعاً احترافياً يناسب عصر الاقتصاد الرقمي. أما «مؤثر» فيضيف بعداً تجارياً واضحاً. ومع ذلك، يبقى «مدون» كنزاً لغوياً يستحق الإحياء، لأنه يحمل أصالة عربية عميقة تربط بين التدوين القديم في كتب التاريخ والتراث وبين الكتابة الرقمية الحديثة. فالتدوين ليس مجرد نشر محتوى، بل هو توثيق للزمن، حفظ للأفكار، وبناء لمجتمعات تفكر بعمق.

في عصر الذكاء الاصطناعي والمحتوى الآلي، يبرز دور المدون الحقيقي كصوت أصيل يقاوم السطحية. ربما حان الوقت لنعيد الكلمة إلى مكانتها، لا كبقايا ماضٍ، بل كجسر أصيل بين الكتابة الرقمية القديمة.

00:02 | 1-04-2026

قارورة مريم

سيرة امرأة علمية طُمست من كتب التاريخ مريم، أخت النبي موسى وهارون عليهما السلام، لم تكن مجرد أخت نبيّ، بل كانت عقلًا علميًا مبدعًا. منذ اللحظة الأولى التي أنقذت فيها أخاها الرضيع من الغرق في النيل، بدأت رحلتها مع الاختراع. طلَتْ الصندوق بالقار قبل أن تلقيه أمها في اليم، فحفظته من الماء ومن الغرق. ومن ذلك اليوم، صارت مريم تُفكر وتبتكر.

يقال إنها هي أول من فكرت في صناعة قارورة تحفظ الحرارة والبرودة، أي ما نسميه اليوم «الترمس». صنعت زجاجة داخل زجاجة أخرى، ووضعت بينهما طبقة من القش لتعزل الحرارة. اختراع بسيط في ظاهره، عبقري في تأثيره. ولم تقف عند هذا الحد؛ كانت مريم أيضًا من صهرت ذهب الإسرائيليات ليسهل حمله أثناء الخروج من مصر، وهو الذهب نفسه الذي استعمله السامري لاحقًا في صناعة العجل.

لها قصص كثيرة في تأييد نبوة أخيها، ولها أيضًا قصة إنسانية مؤثرة: أصيبت بالبرص لأنها عارضت زواج موسى من امرأة حبشية، ثم اعتزلت في خيمتها، تابَتْ، وتوفيت بعد توبتها. هكذا كانت مريم: عالمة، مبدعة، وإنسانة تخطئ وتتوب.

أحب سير النساء المغمورات في التاريخ، وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال. فالتاريخ لم يحفظ لنا «قارورة مريم»، بل حُفظت بأسماء أخرى. في نجد وشرقها يسمونها «مطارة» نسبة إلى ماء المطر الثمين، وفي الحجاز «زمزمية» نسبة إلى ماء زمزم المبارك، كلاهما يذكّر بقيمة الماء وأهمية حفظه.

لو سألتَ اليوم محركات البحث عن مخترع الترمس، ستوجهك إلى الألمانيين رينولد برغر وألبرت أشنبرينر اللذين سجّلا براءة الاختراع عام 1904، أو إلى الأسكتلندي السير جيمس ديوار الذي صنع الزجاجة المفرغة من الهواء عام 1892. وكأن التاريخ بدأ من هناك.

هذا يثير السؤال الجوهري: هل سيطرة الرجال على عالم الاختراعات والنظريات حقيقة علمية، أم هي نتيجة تغييب ممنهج لأسماء النساء عبر العصور؟

كم اختراعًا ابتكرته أيدٍ نسائية، ثم نُسب إلى رجل لأنه كان الأقدر على التسجيل والتوثيق والنشر؟ مريم ليست استثناءً، بل نموذجًا لمئات، وربما آلاف النساء اللواتي أبدعن ثم طُمست أسماؤهن.

قارورة مريم لا تزال تُستخدم كل يوم في بيوتنا، ومع ذلك لا يعرف معظم الناس أن أول من صنعها كانت امرأة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

ربما حان الوقت أن نعيد لمريم – ولكل مريم في التاريخ – حقها في الرواية. فالعلم لا جنس له، والتاريخ يجب أن يكون أمينًا.

00:37 | 25-03-2026