أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

مستقبل الوعي الإنساني

يشهد القرن الحادي والعشرون أعمق تحوّل في تاريخ الوعي الإنساني منذ اختراع الكتابة. الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل الاجتماعي، الواقع المعزز، والبيانات الضخمة لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت بيئة وجودية جديدة تشكّل إدراكنا لذواتنا، للزمن، وللعلاقات الإنسانية. فكيف يتغيّر وعينا في عصر أصبحت فيه الشاشة امتداداً للعقل؟

أول هذه التحوّلات يمسّ الوعي الذاتي. حوّلت منصات التواصل الحياة إلى مسرح دائم، حيث يقيس الفرد قيمته بعدد الإعجابات والمتابعين. هذا «الوعي المرآوي» الرقمي أنتج جيلاً يعاني من «القلق الوجودي الرقمي»، كما أثبتت تقارير منظمة الصحة العالمية ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق بين الشباب المرتبطين بشدة بالسوشيال ميديا. في المقابل، منحت التقنية الأفراد فرصة تاريخية لصياغة هوياتهم بحرية أكبر، خاصة في المجتمعات العربية، حيث أصبح الشباب يبنون مساحات فكرية وثقافية عابرة للحدود الجغرافية والسياسية.

أما الوعي الاجتماعي، فقد اتسع أفقه بشكل مذهل، وتقلص عمقه في الوقت نفسه. نعيش اليوم أزمات العالم لحظة بلحظة، لكن هذا التدفق المستمر أدى إلى ظاهرة «إرهاق التعاطف». الخوارزميات، بدورها، تعّزز (الفقاعات الرقمية)، مما يُضعف القدرة على الحوار الهادئ والفهم المتبادل، ويزيد من حدة الاستقطاب في المجتمعات.

ومع ذلك، تلوح في الأفق بوادر وعي نقدي جديد. يدرك جيل «ألفا» و«زد» أهمية «الصحة الرقمية» كما يدرك أهمية الرياضة والتغذية. تنتشر حركات «الـ Digital Minimalism» و«الـ Mindful Technology»، وتزداد الدعوات لتطوير ذكاء اصطناعي أخلاقي يحترم الخصوصية والكرامة الإنسانية. كما أن التعليم الرقمي يفتح آفاقاً جديدة لتنمية التفكير النقدي أمام بحر المعلومات.

التحوّلات الرقمية ليست مصيراً يُفرض على الإنسان، بل اختباراً حضارياً لقدرته على البقاء سيّداً على أدواته. من يستطيع أن يحافظ على قدرته على التأمل والتفكير العميق وسط الضجيج الرقمي، سيخرج من هذا القرن أكثر وعياً وأعمق إنسانية. الرهان ليس في مقاومة التقدّم، بل في صياغة وعي إنساني جديد.

00:08 | 22-04-2026

الوعي الوطني في زمن الحرب

الوعي الوطني هو درع الشباب ضد الاستغلال، ففي زمن التواصل السريع والمعلومات المتدفقة، يصبح الوعي الوطني الحقيقي أغلى ما يملكه الفرد والمجتمع. الغيور على بلده لا يسمح لنفسه أن يتحوّل إلى أداة تُستخدم في هدم وطنه. بل المأمول منه الحفاظ عليه، لا المساهمة غير الواعية في تفكيكه.

هذا الوعي بدوره يحميه من أن يصبح مقاتلاً في معركة لا يعرف أهدافها أو من يقف خلفها.

يستهدف المغرضون الشباب خاصة، لأن طاقتهم وحماسهم وقود قوي إذا لم يُوجه توجيهاً سليماً. فالشاب المليء بالحماسة قد ينجذب إلى شعارات براقة تبدو في ظاهرها وطنية، لكنها في باطنها تزرع الفتنة وتُعمّق الانقسام. مثال على ذلك: حملات على وسائل التواصل تُبالغ في تصوير مشكلات داخلية حتى تبدو وكأنها كارثة وطنية، فتدفع الشباب إلى نشر المحتوى السلبي. هؤلاء الشباب يظنون أنهم يدافعون عن الوطن، بينما هم في الواقع يُستغلون لإضعافه.

في المقابل، الشاب الواعي يميّز بوضوح بين النقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين التحريض الذي يهدف إلى الإثارة والفوضى. فالنقد البنّاء يقدّم حلولاً ويحترم الإطار العام للدولة، أما التحريض فيُركز على التهييج العاطفي ويغفل الحلول. مثال واقعي: عندما تواجه بلد ما أزمة اقتصادية، يظهر نوعان من الخطاب؛ الأول يناقش الأسباب ويقترح سياسات إصلاحية، والثاني يُحوّل الأزمة إلى فرصة للطعن في مؤسسات الدولة ودعوة للعصيان. الشاب الواعي يختار النوع الأول.

حماس الشباب لوطنهم قيمة وطنية عظيمة، لكنه يحتاج إلى صقل بالمعرفة والتفكير النقدي. لا تدع أحداً يحول حبك لأرضك إلى سلاح يُوجَّه ضدك أو ضد مجتمعك. الوعي والتعليم هما الحصانة.

يواجه التعليم تحديات في عصر الرقمنة، حيث تتنافس المدرسة مع منصات التواصل الاجتماعي التي قد تنشر أفكاراً متطرفة أو مشوهة. لذلك يجب أن يكون التعليم متطوراً، يجمع بين التربية الوطنية والمهارات الرقمية، ويُعلّم الطلاب كيف يستخدمون التكنولوجيا بوعي، ويمكنهم من مهارات مهمة مثل التحليل والنقد.

00:33 | 15-04-2026

التدوين..!

رغم أن كلمة «مدون» واحدة من أجمل الكلمات العربية التي ولدت مع عصر الإنترنت، إلا أنها تكاد تختفي من الاستخدام اليومي. فهي مشتقة من فعل «دَوَّن» بمعنى سجّل ووثّق ونشر، وتصف بدقة متناهية الشخص الذي يحوّل أفكاره وتجاربه إلى مقالات منظّمة على مدونة إلكترونية. كانت الكلمة في العقد الأول من الألفية الثالثة رمزاً للثورة الرقمية العربية؛ فالمدونون كانوا يفتحون أبواب الحوار الحر ويصنعون رأياً عاماً جديداً.

لكن لماذا انقضت هذه الكلمة الجميلة رغم أن نشاطها لم ينقضِ؟ السبب ليس فنياً بل ثقافياً واقتصادياً. تحوّلت المدونات التقليدية إلى منصات فيديو قصير وصور وستوري، وأصبحت الكتابة الطويلة أقل جاذبية للجمهور الذي يفضل المحتوى السريع. كما أن مصطلح «مدون» ارتبط في ذهن الجيل الجديد بالماضي، بينما أصبحت سوق الإعلان والتسويق تبحث عن كلمات تبدو «عالمية» و«حديثة». فانتشرت بدائل مستوردة أو مصطنعة: «بلوجر» ثم «يوتيوبر» ثم «إنفلونسر» وأخيراً «صانع محتوى» و«مؤثر رقمي».

«صانع محتوى» هو البديل الأكثر دقة وشمولاً اليوم؛ فهو لا يقتصر على الكتابة بل يشمل الصوت والصورة والحوار المباشر، ويحمل طابعاً احترافياً يناسب عصر الاقتصاد الرقمي. أما «مؤثر» فيضيف بعداً تجارياً واضحاً. ومع ذلك، يبقى «مدون» كنزاً لغوياً يستحق الإحياء، لأنه يحمل أصالة عربية عميقة تربط بين التدوين القديم في كتب التاريخ والتراث وبين الكتابة الرقمية الحديثة. فالتدوين ليس مجرد نشر محتوى، بل هو توثيق للزمن، حفظ للأفكار، وبناء لمجتمعات تفكر بعمق.

في عصر الذكاء الاصطناعي والمحتوى الآلي، يبرز دور المدون الحقيقي كصوت أصيل يقاوم السطحية. ربما حان الوقت لنعيد الكلمة إلى مكانتها، لا كبقايا ماضٍ، بل كجسر أصيل بين الكتابة الرقمية القديمة.

00:02 | 1-04-2026

قارورة مريم

سيرة امرأة علمية طُمست من كتب التاريخ مريم، أخت النبي موسى وهارون عليهما السلام، لم تكن مجرد أخت نبيّ، بل كانت عقلًا علميًا مبدعًا. منذ اللحظة الأولى التي أنقذت فيها أخاها الرضيع من الغرق في النيل، بدأت رحلتها مع الاختراع. طلَتْ الصندوق بالقار قبل أن تلقيه أمها في اليم، فحفظته من الماء ومن الغرق. ومن ذلك اليوم، صارت مريم تُفكر وتبتكر.

يقال إنها هي أول من فكرت في صناعة قارورة تحفظ الحرارة والبرودة، أي ما نسميه اليوم «الترمس». صنعت زجاجة داخل زجاجة أخرى، ووضعت بينهما طبقة من القش لتعزل الحرارة. اختراع بسيط في ظاهره، عبقري في تأثيره. ولم تقف عند هذا الحد؛ كانت مريم أيضًا من صهرت ذهب الإسرائيليات ليسهل حمله أثناء الخروج من مصر، وهو الذهب نفسه الذي استعمله السامري لاحقًا في صناعة العجل.

لها قصص كثيرة في تأييد نبوة أخيها، ولها أيضًا قصة إنسانية مؤثرة: أصيبت بالبرص لأنها عارضت زواج موسى من امرأة حبشية، ثم اعتزلت في خيمتها، تابَتْ، وتوفيت بعد توبتها. هكذا كانت مريم: عالمة، مبدعة، وإنسانة تخطئ وتتوب.

أحب سير النساء المغمورات في التاريخ، وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال. فالتاريخ لم يحفظ لنا «قارورة مريم»، بل حُفظت بأسماء أخرى. في نجد وشرقها يسمونها «مطارة» نسبة إلى ماء المطر الثمين، وفي الحجاز «زمزمية» نسبة إلى ماء زمزم المبارك، كلاهما يذكّر بقيمة الماء وأهمية حفظه.

لو سألتَ اليوم محركات البحث عن مخترع الترمس، ستوجهك إلى الألمانيين رينولد برغر وألبرت أشنبرينر اللذين سجّلا براءة الاختراع عام 1904، أو إلى الأسكتلندي السير جيمس ديوار الذي صنع الزجاجة المفرغة من الهواء عام 1892. وكأن التاريخ بدأ من هناك.

هذا يثير السؤال الجوهري: هل سيطرة الرجال على عالم الاختراعات والنظريات حقيقة علمية، أم هي نتيجة تغييب ممنهج لأسماء النساء عبر العصور؟

كم اختراعًا ابتكرته أيدٍ نسائية، ثم نُسب إلى رجل لأنه كان الأقدر على التسجيل والتوثيق والنشر؟ مريم ليست استثناءً، بل نموذجًا لمئات، وربما آلاف النساء اللواتي أبدعن ثم طُمست أسماؤهن.

قارورة مريم لا تزال تُستخدم كل يوم في بيوتنا، ومع ذلك لا يعرف معظم الناس أن أول من صنعها كانت امرأة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

ربما حان الوقت أن نعيد لمريم – ولكل مريم في التاريخ – حقها في الرواية. فالعلم لا جنس له، والتاريخ يجب أن يكون أمينًا.

00:37 | 25-03-2026

جوهرة تاج الليوان

حلقة «حكاية هند الخثيلة» في برنامج الليوان مع الإعلامي عبدالله المديفر (عُرضت في رمضان 2026 على روتانا خليجية) كانت جوهرة حقيقية، غنية بالذكريات الشخصية والتاريخية للدكتورة هند بنت ماجد الخثيلة، الشخصية الأكاديمية والقيادية السعودية البارزة. روت الدكتورة هند قصصاً مؤثرة مرتبطة بملوك وأمراء آل سعود، جعلتني أستمتع بالحلقة بعمق، وأتمنى لو تحوّلت هذه الذكريات إلى عمل تلفزيوني درامي أو وثائقي، ليصل إلى شبابنا فيجعلهم يفهمون ويقدرون أكثر لماذا نحب ونجل ونوالي آل سعود الكرام.

هذه القصص مليئة بالدفء والاحترام، وتبرز كيف كانت ومازالت أسرة آل سعود جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي والاجتماعي للمملكة، مع لمسات شخصية تظهر البساطة والقرب بين القيادة والعائلات. على سبيل المثال، روت الدكتورة هند كواليس زيارة الملك فهد بن عبدالعزيز -طيب الله ثراه- لمنزل والدها ماجد الخثيلة برفقة إبراهيم العنقري (وزير سابق). دخلوا المطبخ مباشرة، وجلسوا على الأرض يعدون القهوة بأنفسهم، في مشهد يجسّد التواضع والألفة.

كما شاركت ذكريات أخرى عن الملك عبدالعزيز المؤسس طيب الله ثراه، من خلال دور والدها في معارك التوحيد مع «إخوان من أطاع الله»، وعن علاقة العائلة بالملك سلمان (عندما كان أميراً للرياض)، حيث كان يحمي العائلة في بعض الظروف. وذكرت حضورها عرساً في قصر الملك فيصل طيب الله ثراه، ومحاولتها التوسط لدى الملك فهد في قضايا اجتماعية، مما يعكس الجرأة الممزوجة بالاحترام.

الحلقة ليست مجرد حوار تلفزيوني، بل هي درس في الوفاء والقرب التاريخي، تذكرنا بجذور التلاحم بين الشعب وقيادته. اللقاء الكامل متوفر على يوتيوب (قناة روتانا خليجية)، ويستحق المشاهدة لكل من يريد فهم عمق هذا الارتباط. إنها جوهرة تاج الليوان فعلاً!

00:32 | 18-03-2026

الحرب المعنوية على الخليج

يقف جنودنا الخليجيون البواسل على الحدود، يصدّون العدوان الأعمى بكل بسالة وإيمان.

وبينما هم يقاتلون بالسلاح والدم على الجبهة، يبقى علينا نحن المواطنين أن نخوض معركة موازية لا تقل خطورة: الحرب المعنوية التي تشنّها جيوش الشامتين وأصحاب الفتنة على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه الحرب لا تهدف إلى احتلال أرض، بل إلى احتلال العقول وكسر الإرادة وخفض الروح المعنوية للمواطن الخليجي. وفي عصرنا الرقمي أصبحت أخطر أنواع الحروب، لأن تأثيرها ينتشر كالنار في الهشيم، ويصل إلى ملايين في ثوانٍ.

من هم أصحاب هذه المقولات الاستفزازية؟

أود التذكير أن من يروّج لهذه السموم الإلكترونية ينقسم إلى صنفين لا ثالث لهما:

الصنف الأول: أصحاب الأجندات المدفوعة.

هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عاديين، بل أدوات منظمة تعمل وفق خطة ممنهجة لخدمة جهات معادية. يحاولون النيل من تماسك مجتمعاتنا وزرع الشك واليأس.

الصنف الثاني: الجهلة الذين يتلقفون الأخبار دون تحليل.

هؤلاء لا يحملون نية سيئة بالضرورة، لكنهم يفتقرون إلى الوعي والقدرة على تمييز الحقيقة من الشائعة، فيعيدون نشر المحتوى المضلل بلا تفكير.

كيف نتعامل مع كل صنف؟

أما الجهلة فالرد عليهم يمنحهم شهرة ومتابعين لم يكونوا يحلمون بها، وهذا بالضبط ما يريده أصحاب الأجندات الذين يستغلونهم كوقود.

أما أصحاب الأجندات، فالتعامل معهم بثلاث خطوات واضحة وفعّالة:

1- فنّد مقولتهم بأدب ولغة واضحة بليغة وموجزة، مدعومة بحقائق وأرقام.

2- اكشف خلفية الحساب (الدولة أو الجهة المرتبطة به، تاريخ التغريدات، التناقضات).

3- أوضح للمتابعين المنطلق الحقيقي وراء الكلام حتى لا ينجرف أحد وراء التضليل.

أتذكر أنه خلال عاصفة الحزم في اليمن ظهرت حسابات تروّج عبارات مثل «الخليج يدفع ثمن طموحه» أو «الجنود يموتون عبثاً»، مع اجتزاء صور وفيديوهات لإيهام الناس بالهزيمة. وهدفهم إضعاف الثقة بين الشعب وقيادته وجنوده.

في الآونة الأخيرة انطلقت تحذيرات رسمية خليجية من فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى بث الذعر ومحاولة جر الدول إلى صراعات غير مرغوبة. كذلك انتشار «الشماتة» غير المبررة من بعض الحسابات التي تفرح بأي خبر سلبي يمس أمن الخليج.

نحن جيش واحد الجندي على الحدود يدافع عنا بالرصاص والدم، ونحن ندافع عنه وعن أوطاننا بالوعي والكلمة الصادقة والتحليل الرصين. لا تدعوا أحداً يكسر معنوياتكم، فمعنويات الشعب هي أقوى سلاح في أي معركة.

دعونا نكون جيوش الوعي في الخلف، نسند جيوش البسالة في الميدان. الخليج قوي بجنوده وأقوى بشعبه الواعي.

00:10 | 11-03-2026

وعي المواطن الخليجي

لا تصوّر القصف، ولا تساهم في نشر المقاطع، لأنك بذلك تنخرط في الإستراتيجيات العسكرية للعدو وتتحوّل إلى أداة لترويع المدنيين. لا تساهم مهما كانت المغريات، ولا تنشر الدعاية أو الأخبار الكاذبة.

تهدف هذه الأخبار والصور إلى كسر الروح المعنوية، أو خلق حالة من الذعر الجماعي. تاريخياً، أصبح ترويع المدنيين جزءاً أساسياً من الحرب النفسية، حيث يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية. ومع ذلك، يُعتبر هذا النهج انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، مثل اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين من الاستهداف المتعمّد.

أمثلة تاريخية بارزة:

• حملة «البليتز» خلال الحرب العالمية الثانية (1940-1941): شنّت ألمانيا غارات جوية مكثفة على مدن بريطانية مثل لندن، مستهدفة المناطق السكنية والمدنية بشكل مباشر. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير مبانٍ تاريخية، مما أثار رعباً واسع النطاق. كان الهدف الرئيسي ترويع السكان لإجبار الحكومة البريطانية على الاستسلام. بالتوازي، استخدمت الدعاية النازية وسائل الإعلام مثل الراديو والصحف لنشر أخبار غير موثوقة، مثل تضخيم حجم الخسائر البريطانية أو اختلاق قصص عن هجمات وشيكة، لتعزيز الذعر والانهيار المعنوي.

• حرب فيتنام (1955-1975): استخدمت الولايات المتحدة والفيتناميون الشماليون الدعاية لترويع السكان. على سبيل المثال، أذاع الجانب الشمالي شائعات عن هجمات كيمياوية وشيكة، مما أدى إلى نزوح جماعي وانهيار معنوي واسع.

• حرب أوكرانيا (منذ 2022): لعب نشر الأخبار غير الموثوقة دوراً كبيراً، حيث انتشرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لشائعات عن «هجمات نووية وشيكة» أو «تجنيد إجباري»، مما زاد من الرعب والفوضى بين السكان.

يظهر التاريخ أن ترويع المدنيين ونشر الأخبار الكاذبة أدوات فعالة ومدمرة، تؤدي إلى خسائر إنسانية هائلة وتطيل النزاعات.

على المجتمع الدولي تعزيز آليات المساءلة لمنع تكرار هذه الممارسات، مع التركيز على التحقّق من المعلومات في عصر الإعلام الرقمي. كن حذراً، وتحقق دائماً من مصادرك الوطنية قبل النشر لتجنّب أن تصبح جزءاً من الدعاية.

00:04 | 4-03-2026

الإيماءات بوصفها لغة نسويّة

الإيماءات هي حركات جسدية غير لفظية تستخدم في التواصل البشري.

في طفولتي كنت أشاهد بدهشة كبيرة إشارات متواطأ عليها بين كبيرات السن، قلة قليلة منها تسلل للنساء الشابات والأطفال، فيما يخص الأطفال فلا أتذكر أن أحدنا كان يأخذ قسم وحلف طفل آخر على محمل الجد إن لم يرافق القسم بالله رسم علامة على العنق تشبه مرور سكين وهمية، أما حركات النساء فكثيرة لا أحصي أغلبها ولا أفهم دلالة بعضها.

أتذكّر إحداهن حين تنتهي من نميمتها وقبيل نهوضها من مجلسها تبلّل سبابتها وإبهامها بريقها ثم تنفضهما وكأنها تلفظ الكلمة الأخيرة المحرّمة، هي بذلك تبرئ ذمتها من حديثها فلم تعد مسؤولة عما قالت.

أما إن أرادت أن تستقبح فعلاً أو كلمة سواء بسبب الحرام الديني أو العيب الاجتماعي فهي ستتبع شهقتها برسم خط طولي وهمي بسبابتها، بدءاً من جفن عينها الأسفل بطول الخد. وهذه الحركة نفسها تعبّر عن استحسانها لشخص أو شيء جميل.

وتضع المرأة سبابتها معقوفة حول أرنبة أنفها على سبيل التأمل أو الاستغراب، ويرافق هذه الحركة جملة لطيفة هي: يا فكرتي!

أما إن وقعت مصيبة أو قيل كلام خطير فالأمر يستأهل استخدام كلتا اليدين لتطويق الرأس وربما الضرب عليه مراراً.

أما تقبيل الصغار فيشغل أكثر من إيماءة، أحدها مثلاً: قرص الطفل قرصة خفيفة وتقبيل الأصابع في موضع القرصة.

هذه الإشارات الظريفة تضفي نوعاً من الجاذبية للمتحدثة، وتضفي عليها جمالاً، خاصة لو صبغتها بأداء يخصها ويعبّر عن ذاتيتها. وغالباً في عالم الرجال إيماءات لم أتبيّن أغلبها.

جميع ما سبق وصفه ينتمي لنساء من كبيرات السن في قبيلة عتيبة، وأظن أنها تشمل طيفاً واسعاً من قبائل المملكة، وإن وجدت فروق طفيفة.

هذه الإيماءات وغيرها الكثير يذكرني بحقيقة أن اللغة البدائية للبشر كانت أغلبها إشارات وإيماءات إن لم يكن جميعها.

صحيح أني لم أعد أرى إحداهن تستعمل هذه الإيماءات اللطيفة، ربما لأن الناس لم يصبحوا يتحدثون مع بعضهم بحضور جسدي كامل في زمن التواصل التكنولوجي والانشغال بالجوال. لم تعد هناك أحاديث عميقة وطويلة ولا مستمعون غير نافذي الصبر من المعتادين على الفديوهات القصيرة والملخصات.

هذا النوع من التواصل انقرض تقريباً.

لكني ألاحظ نشوء لغة إيماءات عالمية يتفق فيها الرجال والنساء مثل رسم القلب بالسبابة والإبهام، تساعد تطبيقات التواصل الاجتماعية والإيموجي في نشوئها وسرعة انتشارها، بالنسبة لدخول الرجال عالم الإيماءات فأنا لا أستغربه؛ لأنه مع التقدّم البشري يبدو وكأن الحضارة تتأنث، الرجال دخلوا عالم الأناقة والأثاث والطبخ وأصبحوا ينافسون المرأة في مجالات كانت حصراً للنساء، لكن الآن قد يتفوقون فيها بسهولة، وأنا لا أقول ذلك على سبيل الانتقاد بل أصف ما يحدث على نحو دقيق.

لكني لا أفهم حاجة الإنسان المعاصر سواء الرجال أو النساء في ظل غنى قواميس المشاعر العالمية وتعدّد مستوياتها وأطيافها، غنى غير مسبوق تاريخياً. لكن مع ذلك لا يزال الإنسان يحتاج للتعبير الإيمائي عبر الجسد.

ربما لأن الجسد أقدم من اللغة وأصدق منها.

00:00 | 18-02-2026

الخبز في التاريخ والأدب

في ملحمة جلجامش التي هي أقدم نص مكتوب في التاريخ، كانت شخصية (إنكيدو) أقرب للوحوش منها للبشر، حتى أكل الخبز فتحوّل إلى إنسان.

يُمثّل الخبز في ملحمة جلجامش رمزاً محورياً للحياة المتحضرة، والزراعة، والفرق بين الإنسان البدائي والمتحضر. فقد كان أكله دليلاً على تمدّن (إنكيدو) وتحوله من حياة البرية إلى المدينة.

أول طعام يطاله الشح ويفتقده الناس في الحروب هو الخبز؛ لذا هناك قائمة من الأدب العالمي تصف حالة شح الخبز في الحروب وأكثرها تأثيراً في نفسي هي القصص الألمانية حيث يعتبر الخبز موضوعاً متكرراً في الأدب الألماني، خاصة في الأدب الذي يصوّر فترة ما بعد الحرب، حيث يرمز إلى الحاجة واليأس والصراع من أجل البقاء، بل في مدينة أولم الألمانية متحف مخصص للخبز يعرض تاريخه وأهميته الثقافية والرمزية عبر الحضارات المختلفة.

في رواية «خبز السنوات الأولى» للكاتب هاينريش بول تدور الأحداث في يوم واحد يقابل فيه البطل فتاة ويتذكّر طفولته ووفاة أمه والجوع خلال الحرب.

أما القصة القصيرة «الخبز» للألماني بورشرت فتحكي قصة عجوز تدعي النوم حين يستيقظ زوجها الشيخ ويتناول بجشع قطعة الخبز الوحيدة في الثلاجة بينما تفكر هي بالبرد الذي سيجمّد عظامه في المطبخ وهو يتسلل بلا حذاء. ومن هنا وبعد سنوات طويلة من الزواج تعيد الزوجة تقييم علاقتهما. وقد كذب عليها بعد تسعٍ وثلاثين سنة من الزواج وقال إنه خرج للمطبخ؛ لأنه سمع صوتاً وقد خبأ فتات الخبز في فمه.

يُنسب إلى المصريين القدماء ابتكار أول خبز مُخمّر (يُصنع من الخميرة) حوالى عام 3000 قبل الميلاد. فقد اكتشفوا أن خلط الدقيق والماء معاً وتركه أياماً عدة يُحفّز الخمائر، مما ينتج عنه عجين مُرتفع. وفي العصر الروماني، كان الدقيق المطحون ناعماً من القمح عالي الجودة حكراً على الأغنياء، بينما كان يُستخدم دقيق النخالة من قِبل عامة الناس. أما في عصرنا الحالي فقد (تمكنن) الخبز ولن نستطيع إحصاء أنواع الخبز الجاهز على أرفف السوبرماركت.

00:02 | 11-02-2026

لقاء السحاب

أحياناً حين أقرأ لبعض الكتّاب والمفكرين الذين ينتمون لبقع جغرافية متقاربة ويتحاذون في الزمان والعصور، أفكّر في شكل اللقاءات التي من الممكن أن تجمعهم، بعض هذه اللقاءات موثّقة ومعروفة وبعضها نكتشفه بالصدفة، فمثلاً شاهدت صورة لجموع تسير في شارع هافانا وكان بينهم وجهان معروفان!

في عام 1960، سافر جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار إلى كوبا خلال ما وصفه سارتر بأنه «شهر عسل الثورة».

‏تمّت الرحلة بعد عام واحد فقط من انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو وجيفارا.

‏في ذلك الوقت، كان سارتر ودي بوفوار يتمتّعان بشهرة عالمية، وكانا أقوى زوجين فكريين في القرن العشرين. وقد مثّل هذا دعماً قوياً للحكومة الكوبية الجديدة.

‏وكتبت سيمون دي بوفوار بخصوص تلك الرحلة: «بعد باريس، انفجرت بهجة المكان مثل معجزة تحت السماء الزرقاء... ولأول مرة في حياتنا، شهدنا سعادة تحقّقت من خلال العنف».

أما الشاعرة غابرييلا ميسترال فالتقت الشاعر بابلو نيرودا صدفةً عندما كانا صغيرين جداً. وبعد سنوات، أصبحا الكاتبين التشيليين اللذين حصلا على جائزة نوبل في الأدب.

‏كانت لوسيلا دي ماريا ديل بيربيتيو سوكورو غودوي، المعروفة عالمياً باسم غابرييلا ميسترال، امرأة عصامية. بدأت كتابة الشعر منذ صغرها، وبحلول سن السابعة عشرة كانت تدرس في مدرسة ريفية بالقرب من كوكيمبو.

‏عندما بلغت غابرييلا الحادية والثلاثين من عمرها، تولّت منصب مديرة مدرسة تيموكو الثانوية. في العام نفسه، كان ريكاردو إلييسير نيفتالي رييس، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، الذي بدأ يستخدم الاسم المستعار بابلو نيرودا، في سنته الأخيرة من المدرسة الثانوية في المدرسة نفسها، وهكذا التقت أبيات القصيدة.

روى نيرودا في مذكراته: «لقد جعلتني مديرة مدرستي أقرأ الأسماء العظيمة الأولى للأدب الروسي التي كان لها تأثير كبير علي».

‏بينما قالت غابرييلا ميسترال:

‏«عرفته عندما كان صبياً في قريته الجنوبية... نشأ نيرودا وهو ينظر إلى منظر طبيعي ماطر يتكرر يومياً على مدار السنة. وظل هذا المنظر الحزين الهادئ في خلفية جميع قصائده».

00:05 | 4-02-2026