أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

المرأة السعودية والعدالة الرقمية

وفقًا لتقرير إنترنت السعودية لعام 2025 الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المملكة 45.2%، فيما وصلت نسبة الاستخدام بين الإناث إلى 52.8%، مقارنة بـ39.4% بين الذكور. وتشير البيانات نفسها إلى أن النساء سجلن حضورًا ملحوظًا في استخدام هذه الأدوات لأغراض التعليم والدراسة، وإنشاء الصور والعروض، والترجمة.

لكن التقرير لا يكشف المسافة بين امتلاك التقنية وامتلاك القدرة على التأثير في مسارها. فالمستقبل الرقمي لا تصنعه الأدوات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا القرارات التي تحدد استخداماتها، والمعايير التي تحكمها، والأولويات التي توجهها.

لذا فإن الحديث عن المرأة السعودية في عصر الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يتجاوز الاحتفاء بقدرتها على التعلم والتكيّف، إلى مساءلة موقعها في صناعة المعرفة والاقتصاد والقرار.

هذه الأرقام تستحق التوقف عندها، لا لمجرد الإشارة إلى ارتفاع استخدام النساء للتقنية، بل لأنها تتيح لنا طرح سؤال أكثر أهمية: ماذا تفعل المرأة السعودية بهذه الأدوات، وإلى أي مدى تستطيع تحويل استخدامها إلى فرص معرفية ومهنية واقتصادية؟

فالاستخدام في حد ذاته ليس مقياسًا كافيًا للتمكين. قد تستخدم المرأة أداة ذكية لتلخيص كتاب، أو إعداد عرض، أو تعلّم لغة، أو تطوير مشروع صغير، وقد تستخدمها أخرى في بناء تطبيق، أو تحليل بيانات، أو تأسيس مشروع تقني. وفي الحالتين هناك استفادة، لكن طبيعة القيمة التي يمكن إنتاجها ومدى تأثيرها يختلفان.

إن التحدي ليس في أن تصل المرأة إلى التقنية فحسب، بل في أن تتاح لها الفرصة للانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن الاستفادة من الحلول إلى المشاركة في ابتكارها.

العدالة في العصر الرقمي لا تعني إتاحة الأداة للجميع فحسب، وإنما تعني أيضًا توسيع القدرة على الاستفادة منها، والمنافسة بها، والمشاركة في تحديد اتجاهاتها.

ليست القضية أن نثبت أن المرأة تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي. القضية هي أن نضمن ألا تتوقف مشاركتها عند حدود الاستخدام، وأن تجد المسارات التي تنقلها إلى الابتكار والقيادة وصناعة القرار.

ولدينا بالفعل نساء سعوديات قادرات على خلق الفرق واعتقد أنهن يعملن الآن على ذلك، نحن فقط ننتظر الإحصاءات القادمة.

00:05 | 14-10-2026

الثقافة السعودية نحو التحوّل أم النسيان       

حين أقرأ عن «الإبادة الثقافية» في بعض الأطروحات الفكرية، أشعر أحيانًا أن المصطلح أكبر من أن يُستخدم مع كل تغيّر يطرأ على المجتمعات. فالإبادة الثقافية تعني، في معناها الأشد، محو الذاكرة أو قطع الصلة باللغة والتقاليد وإحلال منظومة أخرى محلها، لا مجرد أن تتغيّر عادات الناس أو تتبدل طريقة عيشهم.

ومن هنا تبدو التجربة السعودية أكثر تعقيدًا من أن توضع في خانة واحدة. هناك تغيّر سريع، لا شك في ذلك. المدن تتسع، وأنماط العمل تتبدل، والأجيال الجديدة تعيش وسط عالم مفتوح لم يكن متاحًا لأجيال سابقة. لكن التغيّر في حد ذاته لا يعني أن المجتمع يفقد ذاكرته. أحيانًا يكون التغيّر هو الطريقة التي تجد بها الذاكرة مكانًا جديدًا في حياة الناس.

ولعل هذا هو أحد الجوانب اللافتة في التحوّل السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالموروث لم يعد حاضرًا فقط في المناسبات الرسمية أو في الصور التي تستعاد من الماضي، بل بدأ يدخل إلى فضاءات جديدة. الشعر النبطي، والأغاني الشعبية، والحكايات، وحتى اللهجات، تجد طريقها إلى المسرح والسينما والمنصات الرقمية والمهرجانات. قد يختلف شكلها عن السابق، لكنها لا تختفي بالضرورة.

المسألة هنا ليست في أن نحافظ على الماضي كما كان، فهذا أمر لا يحدث في أي مجتمع. الماضي نفسه كان يتغيّر من جيل إلى جيل. ما يهم هو ألا تنقطع الصلة به. فالقصيدة التي كان يسمعها الناس في بيت الطين يمكن أن تصل اليوم إلى شاب عبر هاتفه، والحكاية التي كانت ترويها الجدة لأحفادها يمكن أن تتحوّل إلى عمل مسرحي أو فيلم أو مادة رقمية. الشكل يتغيّر، أما الحاجة إلى الذاكرة فتبقى.

والأجيال الجديدة هي الاختبار الحقيقي لهذه المسألة. الشاب السعودي الذي يستخدم أدوات التكنولوجيا الحديثة، ويتابع العالم من شاشة صغيرة، ليس بالضرورة أقل ارتباطًا بمكانه من جده. وربما يكون ارتباطه مختلفًا فقط. قد يعرف أغنية شعبية من خلال تسجيل قديم، أو يكتشف مفردة من لهجته بعدما كانت تبدو له عادية في حديث أسرته. هنا تصبح الحداثة وسيلة لاكتشاف الموروث، بدل أن تكون طريقًا إلى نسيانه.

لكن ذلك لا يعني أن كل شيء يسير بصورة مثالية. التحوّل السريع يحمل معه مخاطر حقيقية. بعض العادات قد تتراجع، وبعض اللهجات قد تفقد حضورها، وأماكن كثيرة يمكن أن تختفي إذا لم تُوثق ذاكرتها. ولهذا فإن حماية الثقافة لا تكون برفض التغيّر، وإنما بفهم ما الذي يستحق أن يبقى، وتوثيقه، وتعليم الأجيال الجديدة قيمته، ثم ترك المجال له كي يتطور بطريقته.

ربما لهذا لا أرى في المشهد السعودي الراهن علامات «إبادة ثقافية» بالمعنى الدقيق. أرى مجتمعًا يعيد ترتيب علاقته بماضيه وهو يندفع إلى المستقبل. وهذه العملية ليست سهلة ولا تخلو من التناقضات، لكنها في النهاية عملية حية.

00:10 | 7-10-2026

المسرح السعودي

منذ تأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية عام 2020، دخل المسرح السعودي مرحلة جديدة من التنظيم والدعم. وأصبحت هناك برامج تستهدف تطوير المواهب، ودعم الإنتاج المحلي، وتنظيم المهرجانات، وتعزيز المشاركات الدولية. ولم يعد المسرحي مضطرًا إلى الاعتماد على جهوده الفردية وحدها، هذا الحراك المسرحي ليس مجرد مناسبات احتفالية، بل اعتبره بنية أولية يمكن أن تسهم في تكوين جيل جديد من المسرحيين السعوديين، خصوصًا إذا ارتبطت ببرامج مستمرة تتيح لهم الانتقال من التدريب إلى العمل، ومن العمل الأول إلى تجربة أكثر نضجًا.

ومع ذلك، فإن اتساع النشاط لا يعني بالضرورة اكتمال الصناعة.

وهذه المبادرات المهمة رغم ذلك لم تجعل المسرح حياة يومية يختار المواطن السعودي شراء تذكرة لدخولها في إحدى الأمسيات فهي أحداث مؤقتة.

يحتاج المسرح السعودي لنموذج اقتصادي دائم. يدعم الفرق التي تمتلك خطة فنية واضحة. فالفرقة ليست مجرد مجموعة تجتمع عند إعداد العرض ثم تتفرق بعد إسدال الستار، بل هي ذاكرة فنية تتراكم فيها الخبرات، وتتشكّل فيها لغة إخراجية، وتتطور عبرها العلاقة بين الفنان والجمهور.

وقد أطلقت الهيئة بالفعل مسارات لدعم الإنتاج المحلي، تستهدف تمكين الفرق والممارسين وتحفيز بيئة إنتاج مستدامة، إلى جانب برامج التدريب التي تشمل الكتابة والإخراج والتمثيل والتقنيات المسرحية. لكن التحدي العملي يكمن في كيفية تحويل هذه المسارات إلى منظومة متصلة، لا تنتهي بانتهاء فترة الدعم.

إن الفرقة التي تنتج عرضًا واحدًا ثم تتوقف لا تستطيع بناء جمهور دائم، كما أن الممثل الذي لا يجد فرصة للممارسة المنتظمة لا يستطيع تطوير أدواته بالقدر الذي تتيحه له التجربة المستمرة.

لقد قطعت الحركة المسرحية السعودية شوطًا مهمًا في بناء البنية التنظيمية وتوسيع فرص التدريب والإنتاج. غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز على ما يحدث بين المهرجانات، وبين المنح، وبين العروض الأولى والثانية.

فماذا لو تم إنشاء برامج دعم متعددة السنوات للفرق التي تثبت قدرتها على الإنتاج المنتظم، مع ربط الدعم بخطط فنية واضحة، لا بمجرد عدد العروض، ثم توسيع شبكة المسارح وقاعات العرض في المدن والمحافظات.

حينها سيكون لدينا مسرح سعودي دائم يبيع تذاكره في جميع المواسم ويقبل عليه الجمهور.

00:03 | 30-09-2026

في يوم الوطن

في جميع مدن المملكة وقراها وفي العاصمة الرياض تحديداً، أهازيج المجد لم تتوقف منذ الأسبوع الماضي.

تحت السماء في بعض مدننا التي تعرّضت لاعتداء غاشم تتجلّى عظمة هذا الوطن.

فبين طرف عين وانتباهتها، تتشابك مشاعر الفخر مع نبض الحياة اليومية العفوية.

الرياض عاصمة تدرك تماماً كيف تُوازن بين يقظة الحارس وحماس المحتفل.

حين تتزين شوارعها بأعلام المملكة وتصدح الأناشيد الوطنية في كل مكان.

قد تمر لحظات ترتفع فيها الأبصار بحذر نحو الأفق متابعةً لبيانات الطمأنينة، بعد صوت الإنذار، لكن هذا الحذر لا يزيد أهل هذا البلد إلا إصراراً ، ولا يطفئ أبداً جذوة الفرح في عيون الأطفال وهم ينتظرون عروض الصقور جنودنا البواسل، وهي ترسم في كبد السماء لوحة الولاء الوطني، ويستعدون بحماس لاحتفالاتهم المدرسية بعد إجازة مبهجة.

إنها شجاعة الإنسان السعودي حين يثبت أن الاحتفال باليوم الوطني ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو تجسيد حي لمعنى الانتماء. فالسعوديون لا يفرحون بمعزل عن واقعهم، بل يفرحون لأنهم يدركون قيمة الوطن وقيمة الأمن الذي يعيشونه.

يفرحون ليؤكدوا أن البيوت العامرة والشارع الآمن والذاكرة المزروعة في حب هذا التراب الطاهر وعشق مقدساته هي خطوط خضراء وليست حمراء فقط، لا يمكن للخوف أن يمسها.

فالرياض برجالها وشعبها الأبي، مدينة وُلدت لتنتصر، وتعرف كيف تحيل كل تحدٍّ إلى قصة مجد تُروى.

عيشوا الفرح بكل تفاصيله، وارفعوا رؤوسكم عالياً؛ فسماء السعودية لا تليق إلا بالصقور، وأرضها لا تسع إلا الأحرار. دام عزك يا وطن، ودامت سماؤك صافيةً بشجاعة وبوعي أبنائك وباسمةً أبد الدهر.

حفظ الله مملكتنا الغالية حكومةً وشعباً.

00:06 | 23-09-2026

عن رتق الثقوب الكونية والبشرية

يوافق اليوم 16 سبتمبر اليوم العالمي للحفاظ على طبقة الأوزون.

حين اكتشف العالم في ثمانينيات القرن الماضي ذلك الثقب المفاجئ في درع الأوزون المظلل فوق القطبين، لم يكن الأمر مجرد رقم علمي عابر في تقارير البيئة، بل كان صفعة مدوّية أيقظت البشرية على حقيقة هشّة: أننا نعيش تحت سقف هش ثقبناه بأيدينا، وأن عبث التكنولوجيا وحمى الإنتاج قد تترك الكوكب عارياً أمام لظى الكون. يومها، توقفت الأمم -رغم تقاطعاتها السياسية الحادة- على صعيد واحد، والتزمت ببروتوكول «مونتريال» لردم ذلك الثقب. واليوم، تشير التقارير العلمية إلى أن الغلاف الجوي في طريقه للتعافي الكامل خلال العقود القادمة؛ شريطة أن تبقى الإرادة متيقظة.

لكن القصة أعمق من مجرد غازات محظورة ومركبات تم استبدالها؛ إنها تجسيد عملي لفكرة كبرى: أن الطبيعة تملك مرونة مذهلة للشفاء متى ما كفّ الإنسان عن أذاه. غير أن هذا الدرس الكوني، حين نسقطه على واقعنا المعاصر، يفتح الباب أمام سؤال أشمل: هل نحن قادرون على ترميم ما أفسدناه في مجتمعاتنا وعلاقتنا بمحيطنا بنفس الجدية؟

على الصعيد المحلي، لم يعد الحديث عن البيئة وحمايتها ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً يرفع في المناسبات، بل تحوّل في صلب الرؤية السعودية الحديثة 2030، إلى «عقيدة تنموية». مبادرات كالسعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر لم تكن مجرد تشجير مساحات أو خفض انبعاثات، بل هي إعادة صياغة جذرية لعلاقة الإنسان بالمكان. في بيئة صحراوية قاسية مثل بيئتنا، كان التحدي مضاعفاً؛ فأن تعيد إحياء الأرض وتغرس ملايين الأشجار وتواجه التصحر، هو في حقيقته نوع من «الاستدراك التاريخي»؛ تصحيح لمسار طويل عانت فيه الأرض بصمت تحت وطأة التمدد العمراني والصناعي.

البيئة، في جوهرها الأصيل، مرآة لروح الجماعة. الإنسان الذي يتصالح مع محيطه الطبيعي، ويزرع شجرة يعلم أنه قد لا يظلل بظلها، هو ذاته الإنسان الذي يعيد النظر في إرثه للأجيال القادمة. وحين نحتفي بيوم الأوزون، نحن لا نحتفي فقط بطبقة غازية في أعالي السماء، بل نحتفي بقدرة العقل البشري على التراجع عن حافة الهاوية حين يقرر أن يحكم ضميره لا مصالحه القصيرة.

ربما يحتاج الإنسان المعاصر، بكل صخبه وقلقه، إلى شيء من حكمة الأوزون؛ أن يدرك أن الثقوب مهما توسعت، والندوب مهما أوجعت، فإنها قابلة للالتئام، شريطة أن تتوفر الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ، والإرادة الصادقة لبدء الإصلاح من نقطة الصفر.

00:02 | 16-09-2026

التمييز الإيجابي وتمكين المرأة السعودية

سمحت أوكرانيا للنساء بمغادرة البلاد أثناء الغزو الروسي، لكنها لم تسمح للرجال البالغين.

والهند تطبّق نظام الحصص القائم على الطبقة الاجتماعية والجنس في النظام السياسي، والوظائف الحكومية، وبرامج الدعم، والكليات.

لدى النيبال أيضاً حصة مخصصة للفئات المهمّشة والنساء.

في جنوب أفريقيا يعتمد نظام الحصص العرقية في التمثيل الرياضي.

قد تكون هناك قائمة طويلة للغاية من التمييز الإيجابي، ولكن يبدو لي أن هذه الحالات تُسمى تمييزًا إيجابيًا لوجود تاريخ من القمع في المجتمع لتلك الفئة أو الشريحة السكانية. لذا، فإن نظام الحصص لا يزيل ذلك القمع، بل يزيل نوعًا ما العوائق التي تحول دون تنميتها.

هذه الأمثلة تثير تساؤلات عميقة حول الحدود الفاصلة بين العدالة والتمييز، وكيفية تعامل الفلاسفة السياسيين مع مسألة التعويض التاريخي. في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا سيما عند تناول مفاهيم مثل «العدالة التوزيعية» عند جون راولز، أو «تكافؤ الفرص» لدى رونالد دوركين، وُضعت معايير صارمة لفصل التمييز المبرر عن الاستبعاد التعسفي.

لا يُنظر للتمييز الإيجابي، بوصفه تمييزاً أبدياً، بل هو أداة تصحيحية مؤقتة تهدف إلى ردم الفجوات الهيكلية الناتجة عن تهميش سابق، بشرط ألا يتحوّل إلى امتياز دائم ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص للأجيال القادمة. ولهذا، تعتمد الفلسفة القانونية الحديثة على معيار «الضرورة والتناسب»: هل يزيل هذا الإجراء عقبة حقيقية تقف في وجه فئة معينة؟ وهل يضر بالمجموعات الأخرى بشكل غير مبرر؟

في وطننا وبعد رؤية المملكة 2030 أصبحنا ندرك معنى التمكين المستدام.

إذا نظرنا إلى هذا المفهوم بعيداً عن الجدل الغربي أو النماذج المعقدة، سنجد أن البيئة السعودية قدّمت نموذجاً عملياً وفريداً في معالجة فجوات التنمية دون الوقوع في فخ «التمييز العكسي» المضر بالنسيج الاجتماعي. فبدلاً من تطبيق أنظمة محصورة فقط في إطار «الحصص الصارمة»، اعتمدت رؤية السعودية 2030 على مبدأ التمكين القائم على الجدارة مع إزالة العوائق الهيكلية.

خذ على سبيل المثال تمكين المرأة السعودية في سوق العمل والقطاع القيادي. لم يكن الهدف مجرد فرض نسب عددية صماء، بل إزالة العقبات القانونية والاجتماعية التي كانت تعيق مشاركتها الفاعلة طوال العقود الماضية. تم تعديل الأنظمة، وتوفير بيئات عمل آمنة وداعمة.

النتيجة المباشرة لهذا النهج الفلسفي العملي ظهرت جلياً في قفزة مشاركة المرأة الاقتصادية من مستويات متدنية لا تتجاوز 17% لتتخطى مستهدفات الرؤية مبكراً وتصل إلى أكثر من 35%، جنباً إلى جنب مع تقلد الكفاءات النسائية مناصب قيادية رفيعة في القطاعين الحكومي والخاص بناءً على الكفاءة.

بهذا المعنى، فإن الفلسفة السعودية تجاوزت الجدل النظري، لقد حول «التمييز الإيجابي» إلى مفهوم العدالة التنموية الشاملة؛ حيث تُستثمر الطاقات المهدورة عبر رفع كفاءتها وتمكينها، ليصبح المجتمع بأكمله أكثر توازناً وقوة دون الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.

00:42 | 9-09-2026

صانعات السلام

في زمن الحروب تحتفي الأخبار برجال العنف من كلا الجانبين لتخليهم عن أسلحتهم، وإعلان التفاوض والسلام.

بينما نادرًا ما نسمع خبرًا عن نساء صنعن السلام ومددن يد الصداقة خلال التاريخ، لطالما لعبت النساء دورًا حاسمًا، غالبًا في الخفاء، في تنظيم الضغط الشعبي، وتجاوز الانقسامات المجتمعية، والتوسط بين الجماعات المسلحة، أو التفاوض على التسوية النهائية في النزاعات حول العالم.

على سبيل المثال:

خلال الحرب الأهلية في ليبيريا، وحّدت ليما غبوي النساء المسيحيات والمسلمات في حركة «نساء ليبيريا - العمل الجماهيري من أجل السلام». ارتدت الآلاف اللون الأبيض، وصلّين، وتظاهرن، وطالبن الرئيس تشارلز تايلور وقادة المتمردين بالتفاوض. وفي عام ٢٠٠٣، واصلت النساء ضغطهن على محادثات السلام في غانا حتى تم التوصل إلى اتفاق. ساهمت حملتهن في إنهاء الحرب الأهلية الوحشية التي شهدتها البلاد. وحصلت غبوي لاحقًا على جائزة نوبل للسلام.

وفي عام ١٩٩٣، بدأت نساء من قبائل صومالية متناحرة بالاجتماع بعد أن جعل العنف السوق المحلي غير آمن. وبقيادة نساء من بينهن ديكا إبراهيم عبدي، نجحن في إقناع كبار السن والزعماء الدينيين ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين بالمشاركة. وتطورت مبادرتهن إلى عملية سلام أوسع نطاقًا، وساهمت بشكل مباشر في إعلان فتح للسلام، الذي أرسى وقف إطلاق النار وأنهى القتال. وأصبحت لجان السلام الناتجة نموذجًا يحتذى به في مناطق أخرى.

في مؤتمر للسلام في الصومال عام 2000، قُسِّم التمثيل السياسي بين خمس مجموعات قبلية رئيسية. نظّمت النساء، بقيادة آشا حاجي، أنفسهنّ عبر حدود القبائل، وأعلنّ أنفسهنّ «القبيلة السادسة»، ممثلاتٍ للسلام لا لسلالة واحدة. ونجحن في ضمان تمثيل المرأة في البرلمان الانتقالي، وأضفين صوتًا عابرًا للقبلية. لم تُنهِ التسوية الصراع في الصومال نهائيًا، لكنها كانت إنجازًا هامًا في بناء السلام.

إن هذه المحطات المتسلسلة تؤكد يقيناً أن صانعات السلام لم يستمددن نفوذهن من جيوش أو مناصب، بل استمدنه من سلطة الأخلاق وصلابة الروابط المجتمعية القادرة دائماً على بعث الأمل من رماد الحروب.

00:07 | 2-09-2026

مراجعة للغة الأرقام الرسمية..

حين نراقب التحوّلات الكبرى التي تعيد تشكيل وجه المجتمعات المعاصرة، يتكشف لنا أن لغة الأرقام الرسمية غالباً ما تروي القصة الحقيقية للتنمية بموضوعية ترتقي فوق صخب الانطباعات اليومية.

تقدّم تقارير التنمية ومؤشرات برامج «رؤية 2030» قراءة مذهلة لخط تصاعدي يقيس التحوّل بدقة، محققاً قفزات نوعية تتجاوز المعدلات التقليدية في مجالات جودة الحياة، والاستدامة، والتمكين البشري.

وحين نتابع تلك المؤشرات، نكتشف أنها تترجم لغة التقدّم إلى واقع ملموس. ففي قطاع الرعاية الصحية، ارتفعت نسبة التغطية الشاملة للتجمعات السكانية لتلامس 97.5% متجاوزة خطوط الأساس السابقة بخطى واسعة نحو استدامة صحية للجميع.

وعلى صعيد البناء المجتمعي والاستقرار الأسري، سجلت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن تصاعداً ملحوظاً لتصل إلى نحو 66.24%، مقتربة بثبات من مستهدفات المدى المنظور.

بينما قفز متوسط العمر المتوقع للمواطن والمقيم ليصل إلى 79.7 عام، وهو ما يعكس كفاءة المنظومة الصحية والخدمية المعاصرة.

وفي مسار المعرفة وتمكين الإنسان، تخطت التحوّلات التعليمية والمجتمعية أبعادها القديمة. مثلاً: ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يمارسون النشاط البدني بانتظام لتتجاوز 59% من إجمالي البالغين، في إجابة مؤسسية ومجتمعية واضحة على تعزيز جودة الحراك اليومي.

وتصدّرت المملكة عدة مؤشرات عالمية في الأمن السيبراني وكفاءة الأنظمة الحكومية الرقمية.

إن هذه الشواهد الإحصائية لا تعني بطبيعة الحال إلغاء التحديات أو خلو مسيرة التنمية من تفاصيل تستوجب التطوير المستمر. غير أن قراءة الواقع بعين الإنصاف تؤكد أن التقدّم الحقيقي لا يقتصر على صخب العناوين العابرة، بل يتجلى بوضوح في أرقام الاستقرار، وامتداد الأعمار، وتوسع فرص التعليم والتمكين.

وإدراكنا لهذه الحقائق المستندة إلى الأدلة الصلبة يمنحنا يقيناً بأن بوصلة العمل التنموي تسير بثبات نحو صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة للإنسان السعودي.

00:03 | 19-08-2026

دولة الأمن والأمان

هناك متلازمة يرددها الشعب السعودي وحكومته منذ عقود عبر البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وهي أن المملكة العربية السعودية بلد الأمن والأمان، واليوم في خضم موج متلاطم من حروب وحروب بالوكالة وتخبطات سياسية ودولية، يبرز اسم المملكة بوصفها مرساة أمان حقيقية.

ليس فقط بالنظر للأرقام والمؤشرات والتقارير بل كواقع ملموس نعيشه بفضل الله ثم بفضل قرارات حكومية حكيمة ورشيدة.

إذا تعاملنا بلغة السوق فنحن نعرف أن رأس المال جبان، ينسحب سريعاً من داخل الفوضى ويتجه المستثمر للمكان الذي يطمئن فيه على ماله ومستقبله.

والمملكة لم تتوانَ في بناء سياسات جاذبة لرأس المال ومحفّزات لتنميته بل ربطت ذلك بقوة ردع وحماية لحدودها ومقدّراتها وممرات ملاحتها.

هذا الأمن والأمان الذي تباشر به السعوديون لعقود وآمنوا بأهميته جيلاً وراء جيل، هو الذي جعل كبرى الشركات العالمية تختار الرياض مقراً إقليمياً لها. إلى جانب أن المملكة ليست دولة تبيع النفط فقط بل هي صمام أمان حقيقي لأسواق الطاقة العالمية. أي هزة في القطاع النفطي تربك العالم.

والمملكة بلد الأمن والأمان تؤمّن منشآت الطاقة وتحمي سلاسل الأمداد فيفيض هذا الأمن على السوق العالمي ويحميه.

هذا الغطاء الأمني والسياسي يترجم على أرض الواقع بمشاريع ضخمة تبنى بسرعة مدهشة.

ومدن جديدة وجودة حياة وفرص للشباب السعودي، البيروقراطية تتراجع والعمل تحت مظلة النزاهة والمرونة مع محاربة علنية للفساد، وعندما يقترن الأمن والأمان مع هذه المقوّمات والقيم ينتعش الابتكار وتسهل المغامرات المحسوبة الناجحة ويصبح هذا واقعنا الذي نحلم به ونعيشه فعلاً.

00:01 | 12-08-2026

اليد الخفية   

فكرة اليد الخفية في الفلسفة والاقتصاد تعني أن المرء حين يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة وحين يبحث التاجر عن ربحه، والمستهلك عن أفضل سعر، فإنهم يدفعون عجلة المجتمع نحو الازدهار دون عمد.

على سبيل المثال: الخباز الذي يستيقظ مع فجر كل يوم، هو لا يفتح مخبزه لإشباع الجياع، بل يفتحه طمعاً في الرزق والمكسب المادي. ولكي يهزم منافسه في الشارع المقابل، تراه يجتهد في تحسين جودة خبزه ويخفض سعره قليلاً. ونتيجة لذلك يحصل الزبون على خبز نظيف وجيد، وربح الخباز قوت يومه، وازدهرت السوق بأكملها.. وكل ذلك حدث تلقائياً، دون أن تتدخل الحكومة لتملي على الخباز قواعد الخبز! هذه الديناميكية القائمة على العرض والطلب والمصلحة الشخصية هي ما تصنع كفاءة الأسواق الحرة.

وفي قلب السعودية اليوم، حيث تعيد «رؤية السعودية 2030» صياغة الحياة والاقتصاد بوتيرة مذهلة، تلعب قوى السوق الحرة دوراً متنامياً. فلم تعد الدولة هي المحرك الوحيد لكل تفصيلة، بل جعلت المساحة للمنافسة والابتكار لتصنع العجائب في قطاعات حيوية كالتقنية، والتجارة، والترفيه، والطيران، حيث يتسابق الجميع لتقديم الأفضل، والمستفيد الأول هو المواطن والمقيم.

لكن.. اليد الخفية ليست عصا سحرية مطلقة؛ فهي تحسّن العمل في النور، لكنها قد تتعثر في الظلام! أحياناً، ينساق الأفراد خلف مصالحهم الضيّقة لدرجة تؤدي إلى فشل السوق، نتذكر ما حدث مع أسعار العقار في فترة من الفترات، حين اندفع البعض لاحتكار الأراضي البيضاء وتركها مجمّدة لتحقيق أرباح رأسمالية خيالية. هنا عجزت السوق وحدها عن تصحيح المسار، وشعر المواطن الذي يتمنى أن يمتلك منزلاً بقسوة هذا الخلل. ولم تكن تلك مشكلة يمكن للسوق حلها من تلقاء نفسها، بل تطلب الأمر تدخلاً حاسماً وتنظيماً ذكياً من الدولة تمثل في «رسوم الأراضي البيضاء» وبرامج الإسكان لتستقيم الكفة.

إن الاقتصاد الحي لا يُبنى بالتركيز على طرف واحد، بل يولد من سيمفونية متناغمة. التجربة السعودية تثبت بوضوح أن ترك الحبل على الغارب والاعتماد المطلق على اليد الخفية قد يفرز تشوّهات مجتمعية ويترك قطاعات حسّاسة كالسكن والصحة والتعليم عرضة لتركّز الثروة وغياب العدالة. ومن هنا تجلت عبقرية النموذج السعودي المعاصر، نموذج يترك لقوى السوق حريتها في إشعال شرارة الابتكار وصنع الوفرة والكفاءة، بينما تبقى عين الدولة الساهرة حاضرة بالتشريعات، وبرامج الدعم مثل حساب المواطن، ومظلات الحماية الاجتماعية، لضبط البوصلة بحكمة. وفي نهاية المطاف، ليست المعركة بين سوق حرة بلا قيود، أو دولة تسيطر على كل شيء.. بل هي فن المزج الدقيق بين حركة السوق النابضة بالحياة، وحكمة الدولة الحانية التي تضمن ألا يسقط أحد في يد التاجر المحتكر.

00:05 | 5-08-2026