أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

التمييز الإيجابي وتمكين المرأة السعودية

سمحت أوكرانيا للنساء بمغادرة البلاد أثناء الغزو الروسي، لكنها لم تسمح للرجال البالغين.

والهند تطبّق نظام الحصص القائم على الطبقة الاجتماعية والجنس في النظام السياسي، والوظائف الحكومية، وبرامج الدعم، والكليات.

لدى النيبال أيضاً حصة مخصصة للفئات المهمّشة والنساء.

في جنوب أفريقيا يعتمد نظام الحصص العرقية في التمثيل الرياضي.

قد تكون هناك قائمة طويلة للغاية من التمييز الإيجابي، ولكن يبدو لي أن هذه الحالات تُسمى تمييزًا إيجابيًا لوجود تاريخ من القمع في المجتمع لتلك الفئة أو الشريحة السكانية. لذا، فإن نظام الحصص لا يزيل ذلك القمع، بل يزيل نوعًا ما العوائق التي تحول دون تنميتها.

هذه الأمثلة تثير تساؤلات عميقة حول الحدود الفاصلة بين العدالة والتمييز، وكيفية تعامل الفلاسفة السياسيين مع مسألة التعويض التاريخي. في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا سيما عند تناول مفاهيم مثل «العدالة التوزيعية» عند جون راولز، أو «تكافؤ الفرص» لدى رونالد دوركين، وُضعت معايير صارمة لفصل التمييز المبرر عن الاستبعاد التعسفي.

لا يُنظر للتمييز الإيجابي، بوصفه تمييزاً أبدياً، بل هو أداة تصحيحية مؤقتة تهدف إلى ردم الفجوات الهيكلية الناتجة عن تهميش سابق، بشرط ألا يتحوّل إلى امتياز دائم ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص للأجيال القادمة. ولهذا، تعتمد الفلسفة القانونية الحديثة على معيار «الضرورة والتناسب»: هل يزيل هذا الإجراء عقبة حقيقية تقف في وجه فئة معينة؟ وهل يضر بالمجموعات الأخرى بشكل غير مبرر؟

في وطننا وبعد رؤية المملكة 2030 أصبحنا ندرك معنى التمكين المستدام.

إذا نظرنا إلى هذا المفهوم بعيداً عن الجدل الغربي أو النماذج المعقدة، سنجد أن البيئة السعودية قدّمت نموذجاً عملياً وفريداً في معالجة فجوات التنمية دون الوقوع في فخ «التمييز العكسي» المضر بالنسيج الاجتماعي. فبدلاً من تطبيق أنظمة محصورة فقط في إطار «الحصص الصارمة»، اعتمدت رؤية السعودية 2030 على مبدأ التمكين القائم على الجدارة مع إزالة العوائق الهيكلية.

خذ على سبيل المثال تمكين المرأة السعودية في سوق العمل والقطاع القيادي. لم يكن الهدف مجرد فرض نسب عددية صماء، بل إزالة العقبات القانونية والاجتماعية التي كانت تعيق مشاركتها الفاعلة طوال العقود الماضية. تم تعديل الأنظمة، وتوفير بيئات عمل آمنة وداعمة.

النتيجة المباشرة لهذا النهج الفلسفي العملي ظهرت جلياً في قفزة مشاركة المرأة الاقتصادية من مستويات متدنية لا تتجاوز 17% لتتخطى مستهدفات الرؤية مبكراً وتصل إلى أكثر من 35%، جنباً إلى جنب مع تقلد الكفاءات النسائية مناصب قيادية رفيعة في القطاعين الحكومي والخاص بناءً على الكفاءة.

بهذا المعنى، فإن الفلسفة السعودية تجاوزت الجدل النظري، لقد حول «التمييز الإيجابي» إلى مفهوم العدالة التنموية الشاملة؛ حيث تُستثمر الطاقات المهدورة عبر رفع كفاءتها وتمكينها، ليصبح المجتمع بأكمله أكثر توازناً وقوة دون الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.

منذ يوم

صانعات السلام

في زمن الحروب تحتفي الأخبار برجال العنف من كلا الجانبين لتخليهم عن أسلحتهم، وإعلان التفاوض والسلام.

بينما نادرًا ما نسمع خبرًا عن نساء صنعن السلام ومددن يد الصداقة خلال التاريخ، لطالما لعبت النساء دورًا حاسمًا، غالبًا في الخفاء، في تنظيم الضغط الشعبي، وتجاوز الانقسامات المجتمعية، والتوسط بين الجماعات المسلحة، أو التفاوض على التسوية النهائية في النزاعات حول العالم.

على سبيل المثال:

خلال الحرب الأهلية في ليبيريا، وحّدت ليما غبوي النساء المسيحيات والمسلمات في حركة «نساء ليبيريا - العمل الجماهيري من أجل السلام». ارتدت الآلاف اللون الأبيض، وصلّين، وتظاهرن، وطالبن الرئيس تشارلز تايلور وقادة المتمردين بالتفاوض. وفي عام ٢٠٠٣، واصلت النساء ضغطهن على محادثات السلام في غانا حتى تم التوصل إلى اتفاق. ساهمت حملتهن في إنهاء الحرب الأهلية الوحشية التي شهدتها البلاد. وحصلت غبوي لاحقًا على جائزة نوبل للسلام.

وفي عام ١٩٩٣، بدأت نساء من قبائل صومالية متناحرة بالاجتماع بعد أن جعل العنف السوق المحلي غير آمن. وبقيادة نساء من بينهن ديكا إبراهيم عبدي، نجحن في إقناع كبار السن والزعماء الدينيين ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين بالمشاركة. وتطورت مبادرتهن إلى عملية سلام أوسع نطاقًا، وساهمت بشكل مباشر في إعلان فتح للسلام، الذي أرسى وقف إطلاق النار وأنهى القتال. وأصبحت لجان السلام الناتجة نموذجًا يحتذى به في مناطق أخرى.

في مؤتمر للسلام في الصومال عام 2000، قُسِّم التمثيل السياسي بين خمس مجموعات قبلية رئيسية. نظّمت النساء، بقيادة آشا حاجي، أنفسهنّ عبر حدود القبائل، وأعلنّ أنفسهنّ «القبيلة السادسة»، ممثلاتٍ للسلام لا لسلالة واحدة. ونجحن في ضمان تمثيل المرأة في البرلمان الانتقالي، وأضفين صوتًا عابرًا للقبلية. لم تُنهِ التسوية الصراع في الصومال نهائيًا، لكنها كانت إنجازًا هامًا في بناء السلام.

إن هذه المحطات المتسلسلة تؤكد يقيناً أن صانعات السلام لم يستمددن نفوذهن من جيوش أو مناصب، بل استمدنه من سلطة الأخلاق وصلابة الروابط المجتمعية القادرة دائماً على بعث الأمل من رماد الحروب.

00:07 | 2-09-2026

مراجعة للغة الأرقام الرسمية..

حين نراقب التحوّلات الكبرى التي تعيد تشكيل وجه المجتمعات المعاصرة، يتكشف لنا أن لغة الأرقام الرسمية غالباً ما تروي القصة الحقيقية للتنمية بموضوعية ترتقي فوق صخب الانطباعات اليومية.

تقدّم تقارير التنمية ومؤشرات برامج «رؤية 2030» قراءة مذهلة لخط تصاعدي يقيس التحوّل بدقة، محققاً قفزات نوعية تتجاوز المعدلات التقليدية في مجالات جودة الحياة، والاستدامة، والتمكين البشري.

وحين نتابع تلك المؤشرات، نكتشف أنها تترجم لغة التقدّم إلى واقع ملموس. ففي قطاع الرعاية الصحية، ارتفعت نسبة التغطية الشاملة للتجمعات السكانية لتلامس 97.5% متجاوزة خطوط الأساس السابقة بخطى واسعة نحو استدامة صحية للجميع.

وعلى صعيد البناء المجتمعي والاستقرار الأسري، سجلت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن تصاعداً ملحوظاً لتصل إلى نحو 66.24%، مقتربة بثبات من مستهدفات المدى المنظور.

بينما قفز متوسط العمر المتوقع للمواطن والمقيم ليصل إلى 79.7 عام، وهو ما يعكس كفاءة المنظومة الصحية والخدمية المعاصرة.

وفي مسار المعرفة وتمكين الإنسان، تخطت التحوّلات التعليمية والمجتمعية أبعادها القديمة. مثلاً: ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يمارسون النشاط البدني بانتظام لتتجاوز 59% من إجمالي البالغين، في إجابة مؤسسية ومجتمعية واضحة على تعزيز جودة الحراك اليومي.

وتصدّرت المملكة عدة مؤشرات عالمية في الأمن السيبراني وكفاءة الأنظمة الحكومية الرقمية.

إن هذه الشواهد الإحصائية لا تعني بطبيعة الحال إلغاء التحديات أو خلو مسيرة التنمية من تفاصيل تستوجب التطوير المستمر. غير أن قراءة الواقع بعين الإنصاف تؤكد أن التقدّم الحقيقي لا يقتصر على صخب العناوين العابرة، بل يتجلى بوضوح في أرقام الاستقرار، وامتداد الأعمار، وتوسع فرص التعليم والتمكين.

وإدراكنا لهذه الحقائق المستندة إلى الأدلة الصلبة يمنحنا يقيناً بأن بوصلة العمل التنموي تسير بثبات نحو صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة للإنسان السعودي.

00:03 | 19-08-2026

دولة الأمن والأمان

هناك متلازمة يرددها الشعب السعودي وحكومته منذ عقود عبر البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وهي أن المملكة العربية السعودية بلد الأمن والأمان، واليوم في خضم موج متلاطم من حروب وحروب بالوكالة وتخبطات سياسية ودولية، يبرز اسم المملكة بوصفها مرساة أمان حقيقية.

ليس فقط بالنظر للأرقام والمؤشرات والتقارير بل كواقع ملموس نعيشه بفضل الله ثم بفضل قرارات حكومية حكيمة ورشيدة.

إذا تعاملنا بلغة السوق فنحن نعرف أن رأس المال جبان، ينسحب سريعاً من داخل الفوضى ويتجه المستثمر للمكان الذي يطمئن فيه على ماله ومستقبله.

والمملكة لم تتوانَ في بناء سياسات جاذبة لرأس المال ومحفّزات لتنميته بل ربطت ذلك بقوة ردع وحماية لحدودها ومقدّراتها وممرات ملاحتها.

هذا الأمن والأمان الذي تباشر به السعوديون لعقود وآمنوا بأهميته جيلاً وراء جيل، هو الذي جعل كبرى الشركات العالمية تختار الرياض مقراً إقليمياً لها. إلى جانب أن المملكة ليست دولة تبيع النفط فقط بل هي صمام أمان حقيقي لأسواق الطاقة العالمية. أي هزة في القطاع النفطي تربك العالم.

والمملكة بلد الأمن والأمان تؤمّن منشآت الطاقة وتحمي سلاسل الأمداد فيفيض هذا الأمن على السوق العالمي ويحميه.

هذا الغطاء الأمني والسياسي يترجم على أرض الواقع بمشاريع ضخمة تبنى بسرعة مدهشة.

ومدن جديدة وجودة حياة وفرص للشباب السعودي، البيروقراطية تتراجع والعمل تحت مظلة النزاهة والمرونة مع محاربة علنية للفساد، وعندما يقترن الأمن والأمان مع هذه المقوّمات والقيم ينتعش الابتكار وتسهل المغامرات المحسوبة الناجحة ويصبح هذا واقعنا الذي نحلم به ونعيشه فعلاً.

00:01 | 12-08-2026

اليد الخفية   

فكرة اليد الخفية في الفلسفة والاقتصاد تعني أن المرء حين يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة وحين يبحث التاجر عن ربحه، والمستهلك عن أفضل سعر، فإنهم يدفعون عجلة المجتمع نحو الازدهار دون عمد.

على سبيل المثال: الخباز الذي يستيقظ مع فجر كل يوم، هو لا يفتح مخبزه لإشباع الجياع، بل يفتحه طمعاً في الرزق والمكسب المادي. ولكي يهزم منافسه في الشارع المقابل، تراه يجتهد في تحسين جودة خبزه ويخفض سعره قليلاً. ونتيجة لذلك يحصل الزبون على خبز نظيف وجيد، وربح الخباز قوت يومه، وازدهرت السوق بأكملها.. وكل ذلك حدث تلقائياً، دون أن تتدخل الحكومة لتملي على الخباز قواعد الخبز! هذه الديناميكية القائمة على العرض والطلب والمصلحة الشخصية هي ما تصنع كفاءة الأسواق الحرة.

وفي قلب السعودية اليوم، حيث تعيد «رؤية السعودية 2030» صياغة الحياة والاقتصاد بوتيرة مذهلة، تلعب قوى السوق الحرة دوراً متنامياً. فلم تعد الدولة هي المحرك الوحيد لكل تفصيلة، بل جعلت المساحة للمنافسة والابتكار لتصنع العجائب في قطاعات حيوية كالتقنية، والتجارة، والترفيه، والطيران، حيث يتسابق الجميع لتقديم الأفضل، والمستفيد الأول هو المواطن والمقيم.

لكن.. اليد الخفية ليست عصا سحرية مطلقة؛ فهي تحسّن العمل في النور، لكنها قد تتعثر في الظلام! أحياناً، ينساق الأفراد خلف مصالحهم الضيّقة لدرجة تؤدي إلى فشل السوق، نتذكر ما حدث مع أسعار العقار في فترة من الفترات، حين اندفع البعض لاحتكار الأراضي البيضاء وتركها مجمّدة لتحقيق أرباح رأسمالية خيالية. هنا عجزت السوق وحدها عن تصحيح المسار، وشعر المواطن الذي يتمنى أن يمتلك منزلاً بقسوة هذا الخلل. ولم تكن تلك مشكلة يمكن للسوق حلها من تلقاء نفسها، بل تطلب الأمر تدخلاً حاسماً وتنظيماً ذكياً من الدولة تمثل في «رسوم الأراضي البيضاء» وبرامج الإسكان لتستقيم الكفة.

إن الاقتصاد الحي لا يُبنى بالتركيز على طرف واحد، بل يولد من سيمفونية متناغمة. التجربة السعودية تثبت بوضوح أن ترك الحبل على الغارب والاعتماد المطلق على اليد الخفية قد يفرز تشوّهات مجتمعية ويترك قطاعات حسّاسة كالسكن والصحة والتعليم عرضة لتركّز الثروة وغياب العدالة. ومن هنا تجلت عبقرية النموذج السعودي المعاصر، نموذج يترك لقوى السوق حريتها في إشعال شرارة الابتكار وصنع الوفرة والكفاءة، بينما تبقى عين الدولة الساهرة حاضرة بالتشريعات، وبرامج الدعم مثل حساب المواطن، ومظلات الحماية الاجتماعية، لضبط البوصلة بحكمة. وفي نهاية المطاف، ليست المعركة بين سوق حرة بلا قيود، أو دولة تسيطر على كل شيء.. بل هي فن المزج الدقيق بين حركة السوق النابضة بالحياة، وحكمة الدولة الحانية التي تضمن ألا يسقط أحد في يد التاجر المحتكر.

00:05 | 5-08-2026

الصوابية السعودية

الصوابية السياسية هو مصطلح يشير إلى استخدام لغة وسياسات تحمي الفئات الاجتماعية المستضعفة.

وهذه الفكرة نجد تطبيقاتها الواسعة اليوم في الأفلام والدراما على وجه الخصوص، وأقرب مثال في فيلم الأوديسة الذي يعرض الآن في دور السينما، جعل المخرج نولان البطلة التاريخية للأوديسة امرأة من أصول إفريقية وليست يونانية شقراء.

لكن ما يهمني في مصطلح الصوابية السياسية هو تطبيقاته في المجتمع السعودي.

المراقب للغتنا الاجتماعية وتحركاتنا السياسية المحلية في الفضاء الرقمي العالمي يلاحظ أننا نختار أن نردم الفجوة في تنوعنا الثقافي فنبقي على هويتنا الوطنية ذات المرجعية الإسلامية ونقلتنا الاقتصادية المجتمعية الشابة، فتجاوزنا بسرعة حساسية موروثنا الاجتماعي بتبني مفاهيم ومصطلحات عصرية تعزّز الفردانية وتحترمها، ومن المهم في هذه المرحلة تبني هذه الصوابية مع تعزيز المكانة الاجتماعية العائلية السعودية ودمجها مع القيم السعودية الجديدة مثل قيمة تمكين المرأة على سبيل المثال.

كما أن المراقب الخبير للفضاء الرقمي العربي الذي يعد المستخدم السعودي الأبرز عربياً فيه وصانع لغته وموجات صعوده وهبوطه.

يلاحظ أن المستخدم السعودي أصبح يمتاز عن غيره بتبني لغة نقاش أكثر تحضراً، وتراجعت الخطابات الإقصائية المتنمرة التي كانت سائدة في البدايات، ومرجع ذلك في ظني انتشار الوعي القانوني ونظام مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي ليس له مثيل في الدول العربية، إلى جانب وعي المواطن السعودي بأهمية تحسين صورته عالمياً.

الصوابية السعودية ليست استيراداً لمفهوم عالمي بل هو محاولة لإعادة صياغة للعلاقة بين التقاليد الموروثة والانفتاح الذي تبنته رؤية ٢٠٣٠ المستقبلية.

الصوابية السعودية تعني عندي المحافظة على الجوهر القيمي الثقافي المتنوع واستيعاب التغيير بدون إقصاء رقمي للتمييز بين ما هو مسيء أو ما هو مختلف فقط، وهذا ما سينقلنا من مجتمع تلقيني تعوّد على الوعظ والتوجيه الفكري والديني إلى مجتمع تداولي حر في بناء أفكاره المناسبة لمرحلته الوطنية وانفتاحه على العالمية.

23:58 | 21-07-2026

اقتصاد الإبداع..

على القارئ للمشهد الثقافي والفني السعودي ألا يقف عند التجارب الضعيفة أو عند الأرقام بوصفها إحصاءات جامدة، أو نتائج نهائية. أنا مع النقد الهادف وليس النقد الساخط الذي تقابل به بعض المشاريع الثقافية والفنية السعودية في وسائل التواصل الاجتماعي.

الإحصاءات والأرقام والميزانيات اعتبرها مؤشرات نمو لما يمكن تسميته بمرحلة تأسيس للمشهد المحلي.

أغلب المنزعجين من مخرجات المشاريع الثقافية والفنية السعودية يراقبون الحراك الثقافي بمنطق التمويل، فالمملكة سخية حين يتعلق الأمر بالإبداع، لأن الهدف الأساسي هو بناء قاعدة مستدامة يمكن الانطلاق منها بجهود وطنية. إننا في مرحلة بناء منظومة تحوّل الثقافة لصناعة مستدامة.

وجزء آخر من المهتمين بالمشهد الثقافي والفني لا يفهم حاجتنا للشراكات العالمية، ولماذا لا نكتفي بطموح الشباب السعودي، في الحقيقة لا يمكن خلق قوة ناعمة حقيقية بمعزل عن الاحترافية العالية. وهنا تكمن عبقرية التوجه السعودي الذي يستقطب الشركات العالمية العريقة ليس بهدف الاستثمار المالي بل لئلا نحاول إعادة اختراع العجلة من جديد، كما يقال. نحن ننقل الخبرات ونوطّن معايير الجودة العالمية، وبالتالي يتأسس المسار الوظيفي المستدام للشباب السعودي.

تتعاون مؤسساتنا مع بيوت الخبرة الدولية في السينما والموسيقى والفنون البصرية، لتبني بنية تحتية ثقافية تبقى بعد انتهاء هذه الشراكات. ويتحوّل المشهد من مشهد الاستهلاك الثقافي إلى حاضنة إقليمية للإنتاج الثقافي والفني والإبداعي.

إن الاستدامة في حراك المشهد الثقافي السعودي ليست مرهونة بسخاء الميزانيات بل بنجاح النموذج التشغيلي وتحويله لصناعة تساهم في الناتج المحلي.

00:08 | 15-07-2026

أثر التقاعد في قطاع التعليم..!

سأحاول مقاربة تأثير التقاعد في قطاع التعليم اجتماعياً واقتصادياً حسب مؤشرات عام 2026.

تشكّل إحصائيات المتقاعدين في قطاع التعليم لعام 2026، والتي بلغت 16,362 متقاعداً، نقطة تحوّل مفصلية تتطلب وقفة تحليلية متأنية. إن التباين الصارخ بين أعداد الذكور (4,418) والإناث (11,944) يفتح باباً واسعاً للنقاش حول التقاطعات بين المسارات المهنية والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة.

بالنسبة للأبعاد الاجتماعية فأرى العدد الكبير للمتقاعدين يشير إلى إعادة ترتيب الأدوار.

يظهر من البيانات أن السيادة العددية للمتقاعدات تعكس تحوّلاً في سلم الأولويات. اجتماعياً، لا يمثل التقاعد بالنسبة للمعلمات مجرد خروج من سوق العمل بعد عقود من العطاء التربوي، بل هو انتقال إلى التفرغ الاجتماعي إن جاز التعبير، وهو نمط سائد يعكس قوة الروابط الأسرية. هذا الخروج الجماعي في مدن مثل الرياض وجدة يعزّز من دور المتقاعدات كقوى اجتماعية قادرة على نقل الخبرات التربوية إلى المحيط الأسري والمجتمعي، مما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي خارج أسوار المدرسة.

أما اقتصادياً، فتعكس هذه الأرقام نضج الاستثمار في الكادر النسائي الذي بدأ قبل عقود. إن انتقال أكثر من 11 ألف سيدة من سلك التعليم إلى التقاعد في عام واحد يعني ضخ موارد مالية كبيرة في سوق الاستهلاك المحلي، مما يعزّز من القوة الشرائية للفرد ويحفّز الاستثمار الشخصي.

في المقابل، يثير الفارق الرقمي بين الجنسين تساؤلات حول «المرونة الاقتصادية»؛ فبينما يميل الذكور لامتلاك خيارات مهنية أكثر تنوعاً (مثل الانتقال للإدارة أو القطاع الخاص)، تجد الإناث في التقاعد خياراً أكثر استقراراً، مما يفسر انخفاض معدلات تقاعد الذكور مقارنة بالإناث.

إن هذا الخروج الجماعي للخبرات التربوية (16,362 فرداً) ليس «فقدان»، بل هو «فرصة استراتيجية». تفرض هذه الإحصائيات على وزارة التعليم إعادة هيكلة مسارات الإحلال الوظيفي.

أما اقتصادياً، فيمنح هذا التقاعد المؤسسة التعليمية فرصة لتحديث الكوادر، وضخ دماء جديدة تمتلك مهارات تقنية ورقمية تتماشى مع رؤية المملكة 2030. التحدي يكمن في كيفية نقل «المعرفة الضمنية» من المتقاعدين إلى الجيل القادم لضمان عدم تأثر جودة التعليم.

أرى أن بيانات 2026 تعكس مشهداً اقتصادياً واجتماعياً متطوراً؛ أتمنى استثماره، حيث تتقاطع الرغبة في التفرغ الاجتماعي مع التحولات في دورة حياة القوى العاملة. إن التقاعد هنا هو عملية «تجديد دماء» وطنية، تضمن استمرار مسيرة التعليم عبر توازن دقيق بين تقدير الخبرات السابقة وتمكين الطاقات الجديدة التي يفترض أن يحسن اختيارها ومرورها باختبارات علمية ونفسية قبل توظيفها.

00:00 | 1-07-2026

الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة..!

حاولت المشاركة في مبادرة قصص من السعودية، وهي مبادرة تجمع قصصاً قصيرة لكتّاب سعوديين تتناول البيئة السعودية وتترجمها لأكثر من لغة، أليست مبادرة مبهجة؟

لكن هذه البهجة تلاشت وتبدّدت أمام محاولاتي لتقديم أحد نصوصي، استغرقت المحاولات مني يومين وليلتين دون جدوى، لم أستطع التسجيل في الموقع، ولا يوجد عنوان تواصل آخر.

عندما نتصفح الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة، يفترض أن نشعر بأننا أمام واجهة تعكس المشهد الثقافي السعودي، لكن سرعان ما تختفي هذه الفكرة بمجرد البدء في استخدام الموقع.

التجربة الرقمية اليوم لم تعد رفاهية، بل هي الواجهة الأساسية التي تربط وزارة الثقافة بالجمهور والقراء والمبدعين، وهنا تكمن المعضلة.

المعلومات والإحصاءات تنتشر في الموقع دون تنظيم، مما يصعب عملية البحث عنها، ويستهلك الوقت والجهد.

في تصوري أن بناء الموقع تم بخلفية إدارية بحتة لم تأخذ الباحث عن الثقافة بعين الاعتبار.

الجانب التقني يقلل من جاذبية المنصة، حيث يبدو أنه يتطابق مع أجهزة معينة وليس لمستخدم الهاتف الذكي منه نصيب، بينما الهواتف الذكية باتت الأداة الأولى لمعظم الشباب المتصفحين للإنترنت. التوافق مع متصفحات الهاتف الذكي يبدو وكأنه «تعديل لاحق» وليس أساساً في التصميم، مما يجعل تصفح الأخبار أو التسجيل في الفعاليات أمراً مزعجاً وغير مريح بصرياً وأحياناً هو مستحيل.

علاوة على ذلك، تبدو لغة الموقع والمحتوى المقدم أقرب للبيانات الرسمية الجامدة منها إلى الحوار الثقافي الحيوي. الموقع يفتقر إلى اللمسة التفاعلية التي ننتظرها من جهة تمثل روح الإبداع والفنون والثقافة. لا توجد سهولة في التفاعل، ولا مساحات للمشاركة، أو حتى واجهة مستخدم توحي بأننا في «عصر التحوّل الرقمي».

00:26 | 24-06-2026

غياب الناقد الأدبي الرقمي..!

القطار الثقافي في السعودية يركض بسرعة مدهشة. التغييرات تطحن الأنماط القديمة بلا رحمة. وفي وسط هذه المعمعة يجد الناقد الأدبي نفسه وحيداً أمام مرآة الحقيقة. السؤال المحرج الذي يهرب منه الجميع: لمن تكتبون بالضبط؟

عقود طويلة ضاعت في صراعات فكرية عقيمة وتصفية حسابات شخصية ملّها القارئ.

اليوم، يمر النقد بمأزق صامت. مأزق يتحاشى الكثيرون مواجهته علناً. هناك مواجهة شرسة وغير متكافئة؛ عقلية أكاديمية متزمّتة تحرس دفاترها القديمة، وفي المقابل هناك طوفان من الروايات والقصائد الشابة التي تقفز إلى الشاشات كل صباح. نصوص سريعة، متمردة، ولا تنتظر أحداً.

لحسن الحظ، تجاوزنا مرحلة الانطباعات السطحية والمجاملات التقليدية. صار لدينا نقاد يملكون أدوات حديثة ورصينة. هذا صحيح. والدعم المؤسسي موجود ولا يمكن إنكاره؛ ما تفعله هيئة الأدب والنشر والترجمة من مبادرات وجوائز، بالتكامل مع الأندية الأدبية، يمثل شريان حياة حقيقي. لكن، هنا مربط الفرس، ما فائدة كل هذا الزخم إذا كانت المخرجات تُكتب بلغة مصمتة؟، لغة لا يفهمها سوى خمسة أشخاص في قاعة الجامعة؟

هذه الفجوة الرمادية هي الأزمة الحقيقية.

الرواية السعودية المعاصرة شابة، وتُقرأ عبر الهواتف والمنصات الرقمية. بينما يصر النقاد -إلا قلة- على الحديث بلغة غارقة في المصطلحات المعقدة. هذا الانفصال التام عن الواقع جعل النقد عاجزاً عن قيادة الوعي الثقافي. القارئ اليوم لا يحتاج إلى دراسات ثقيلة من مئات الصفحات تصدر بعد عام من موت الرواية وانطفاء وهجها. يبحث الناس عن قراءة ذكية، رشيقة، ومبسطة. قراءة تلاحقهم في الصحافة اليومية والمساحات التفاعلية الإلكترونية.

الفرصة الحالية تاريخية بكل المقاييس. التمكين في ذروته والإرث المعرفي صلب. لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالدعم المادي أو المؤسسي. الرهان يتعلق بالشجاعة فقط. هل يملك الناقد الجرأة لخلع عباءته الأكاديمية الثقيلة؟ هل ينزل إلى الشارع الرقمي ليخاطب الناس بلغتهم؟ إن لم يفعلها الآن، سيبقى النقد مجرد صدى باهت في ممرات الجامعات المغلقة.

00:19 | 10-06-2026