في اللحظات التي تضيق فيها هوامش الخيارات وتقترب المنطقة من حافة جديدة، لا يُقاس الفعل السياسي بحجم الضجيج الذي يثيره، بل بقدرته على فتح نافذة في جدار يوشك أن يُغلق، وهذا بالضبط ما تمثله زيارة وفد دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى طهران، خطوة إلى الأمام جاءت في توقيت بالغ الحساسية، والمنطقة تقرأ مؤشرات عودة التصعيد العسكري وتخشى أن تنهار فرص السلام قبل أن تكتمل. أن يجلس وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية مع القيادة الإيرانية على طاولة واحدة فهذا بحد ذاته رسالة بأن منطق التهدئة ما زال قادراً على منافسة منطق التصعيد، وأن في الإقليم عقولاً تؤمن بأن الحروب أسهل في بدايتها وأصعب في نهاياتها. وقد جاءت الزيارة امتداداً أصيلاً لحرص دول الحلف على دعم الوساطة القطرية الباكستانية، وعلى خفض التصعيد واستعادة الاستقرار ونزع فتيل كل ما يعرّض فرص السلام للانهيار. ولعل أبلغ ما في المشهد أنه يعكس فهماً ناضجاً لمعنى القوة، فالدول التي تملك أدوات الردع هي الأقدر على استخدام الدبلوماسية دون أن يُظن ذلك ضعفاً، والاتفاقية التي وُلدت دفاعية الطابع تثبت اليوم أن الدفاع الحقيقي يبدأ بتجنّب المعركة قبل الاستعداد لها. وتحمل الزيارة في طياتها عزماً واضحاً على الدفع بتدابير بناء الثقة، واستخدام الدبلوماسية بما يراعي المصالح والهواجس الأمنية المتبادلة بين إيران ودول المنطقة، فالأمن الإقليمي لا يُبنى على أمن طرف واحد، ولا يستقر إلا حين يشعر الجميع بأن لهم مكاناً فيه. وهي كذلك جزء من جهد دولي وإقليمي أوسع يدعو إلى تجنّب عودة التصعيد ودعم التهدئة، ويرفض كل سلوك يهدد أمن دول المنطقة واستقرارها، ويصون استقرار الملاحة وخطوط إمدادات الطاقة التي يتصل بها اقتصاد العالم كله لا اقتصاد الإقليم وحده. وفي المقابل، تأمل المملكة وباكستان وتركيا أن تتحلى واشنطن وطهران بأعلى درجات التعاطي الإيجابي مع الجهود الجارية لإنهاء الأزمة، وألا تُهدر هذه الفرصة بحسابات اللحظة. فالتاريخ لا يرحم من يفوّت فرص السلام حين تتاح، ولا ينسى من يختار الطريق الأطول كلفة وهو يعلم أن أقصرها متاح. وإنما يعبّر هذا التحرك عن شعور الدول الثلاث بمسؤولية كبيرة تجاه التواصل مع جميع الأطراف المعنية بالأزمة، مسؤولية تتجاوز حدودها الوطنية إلى تهيئة الظروف للتنمية والازدهار والتكامل بين شعوب المنطقة، وإلى ضمان ألا تتضرر المصالح الإقليمية والدولية من عودة النيران. وفي الجوهر، يعكس الاجتماع أهدافاً واضحة في دعم المسار التفاوضي الذي تقوده قطر وباكستان بين إيران والولايات المتحدة، بما يقرّب وجهات النظر ويوحّد الرؤى عبر التواصل المتبادل وكل الأدوات الممكنة. ولن يكون الطريق سهلاً ولا قصيراً، لكن المسافات الطويلة تبدأ بخطوة، وطهران اليوم كانت تلك الخطوة، أما ما بعدها فمرهون بأن يُحسن الجميع قراءة اللحظة، فمن يزرع الثقة اليوم يحصد الاستقرار غداً.