تعيش المنطقة حالةً حادة من «اللاحرب واللاسلم»، تُشبه حبس الأنفاس قبل العاصفة؛ استنزاف متواصل يعلق العالم بين الدبلوماسية المجهدة وطبول النزاع، وفي أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، تعكس اللقاءات المتوارية بين الوفدين الأمريكي والإيراني محاولةً أخيرة لضبط إيقاع التصعيد، لكنها ليست أكثر من شراءٍ للوقت فالجميع يدرك أن لحظة الحقيقة مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية؛ إذ تشكّل صناديق الاقتراع الحد الفاصل بين ضغط ديمقراطي حذر، وتغيير سياسي قد يرفع الغطاء عن مواجهة عسكرية محتملة ومؤجلة.
هذا السيناريو الاستشرافي يحمل في طياته مخاوف كبرى؛ فاندلاع الحرب لن يكون مجرد نزاع إقليمي، بل زلزالاً اقتصادياً عالمياً، والقلق الحقيقي يرتبط بخطر إغلاق مضيق هرمز وإحكام السيطرة على باب المندب، وهي الممرات التي يتدفق عبرها شريان الطاقة والتجارة الدولية، إن أي شلل في هذه المضايق سيعني قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، واضطراباً في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو خناق تضخمي متجدّد وأزمات معيشية عابرة للحدود.
أمام هذا المشهد المتلاطم، برز الموقف السعودي بصلابة إستراتيجية؛ إذ تُدار الأزمة برباطة جأش دؤوبة تجمع بين الحنكة السياسية والتأهب الدفاعي الذاتي لحماية الأراضي والأمن القومي، وفي خضم هذه التحوّلات، تجسّدت الرؤية في حراك إستراتيجي تجلى في «حلف مكة الدفاعي» الذي جمع المملكة مع باكستان وتركيا في إطار ردع جماعي يعزّز التوازن الإقليمي ويحمي الملاحة البحرية، هذا التوجه لا يعكس قدرة المملكة على الاحتواء وقيادة الحلول فحسب، بل يؤكد دورها كركيزة أساسية لاستقرار المنطقة وسط القلاقل.
إن العبور من ضفة «اللاسلم» الحالية يتطلب إدراكاً دولياً بأن استقرار الشرق الأوسط ليس خياراً ثانوياً، إنما ضرورة قصوى لحماية الاقتصاد العالمي وأمنه، وستظل الرياض، بحكمتها وثقلها، صمام الأمان الذي يقود المنطقة نحو توازنات جديدة تجنّب العالم كلفة الصدمات غير المحسوبة.


