أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/255.jpg?v=1768301287&w=220&q=100&f=webp

هيلة المشوح

عاطفة مشوّهة.. الجانب المظلم لإطعام حيوانات الشوارع!   

شاهد الكثير منا مقطع لشخصين أحدهما يرمي بقايا الطعام في ساحة عامة بقصد إطعام الحيوانات، والآخر ينهره على هذا الفعل، ولكلٍّ منهما مبرراته، مع انقسام واضح في الآراء بحسب مشاهدات المقطع والتعليقات عليه.

تحت ذريعة الرحمة والرفق بالحيوان، تشهد الطرقات والحدائق العامة ظاهرة متزايدة تتمثّل في رمي بقايا الأطعمة وتكدير الساحات وتشويه المشهد العام بدوافع قد تبدو إنسانية بإطعام القطط والحمام، ورغم نبل الدافع في ظاهره، إلا أن الأسلوب العشوائي الذي تُمارس به هذه الظاهرة حوّلها إلى مصدر تلوث بصري وبيئي مقزز، وفضلاً عن الروائح الكريهة والعشوائية في هذا السلوك، أصبحت هذه الأطعمة المكشوفة والمتحللة بؤراً جاذبة للحشرات والقوارض، مما يمهّد لبيئة غير صحية تسهم في تفشي الأمراض والأوبئة واتساع خطرها هذا فضلاً عن زيادة أعباء البلديات وعمال النظافة العامة في الأحياء. هذا التدهور المستمر جعل من الحدائق العامة -التي يُفترض أن تكون ملاذاً للهواء النظيف وممارسة الرياضة- بيئات طاردة للبشر وقاصدي الراحة والمتعة ومرتعاً للقطط والحشرات والفضلات!

من منظور علمي، فإن التدخل البشري غير المحسوب في دورة الغذاء للكائنات بشتى صنوفها يضرب التوازن البيئي، ويحدث خللاً جسيماً في التمثيل الغذائي (الأيض) والسلوك الطبيعي للكائنات. فإتاحة الغذاء السهل والوفير والمصنع (كبقايا طعام البشر) تؤدي إلى تعطيل الغريزة الفطرية للحيوانات في البحث عن غذائها الطبيعي، مما يضعف كفاءتها البيولوجية ويغيّر العملية البيئية برمتها فالقطط -مثلاً- التي تعتمد على موازنة البيئة في التخلص من بعض القوارض أصبحت تعتمد على الأغذية الجاهزة والوئام التام مع الحشرات والقوارض، كذلك الطيور التي توازن عملية انتشار الحشرات والديدان في غذائها أصبحت تجد البديل بسهولة، كما أن الاعتماد على أغذية غير متوازنة ومليئة بالنشويات والملوثات يسبّب لهذه الكائنات مشكلات في التمثيل الغذائي وأمراضاً مزمنة، علاوة على ذلك، يؤدي هذا التدفق الغذائي الاصطناعي إلى تضخم غير طبيعي في أعداد القطط والحمام (Overpopulation)، مما يضغط على الموارد البيئية ويخل بالسلسلة الغذائية في النظام البيئي الحضري.

إن الإنسانية والرحمة لا يمكن أن تتجزآ، لكنهما ليستا بالتأكيد في خلق بيئة مشوّهة وموبوءة للإنسان بدعوى السعي وراء الأجر والثواب. فالأصل في الإسلام وفي الفطرة السليمة هو «لا ضرر ولا ضرار»، وإيذاء البشر وتلويث مجالاتهم الحيوية وتشويه بيئتهم الحضرية هو ذنب كبير يتنافى مع المقاصد الحقيقية للرفق والرحمة. الأجر الحقيقي يكمن في البناء لا الهدم، وفي الحفاظ على صحة الإنسان ونظافة المكان بالتوازي مع الرعاية المنظمة للحيوان، الأجر-يا سادة- لا يُنال بالإيذاء والعشوائية في إطعام الحيوانات وتدمير الملاذات البشرية!

منذ يومين

الاتفاق المعلق بين التعثر والانتظار !

منذ أشهر والعالم يتابع فصول التفاوض الأمريكي الإيراني كما لو أن عقارب الساعة تتقدّم وتتراجع في الوقت نفسه، فكلما اقترب الحديث عن إعلان اتفاق نهائي -أو إطاري- خرجت تسريبات جديدة تكشف تعديلات في البنود أو خلافات حول تفاصيل جوهرية، لتعود الشكوك مجدّداً إلى الواجهة وتؤجل لحظة الحسم المنتظرة، بل وتعود التوقعات إلى المربع الأول من الأزمة ذاتها!

هذا المسار المتعثر ليس في واقع الأمر شأناً يخص واشنطن وطهران وحدهما فالتأخير المستمر في الوصول إلى صيغة مستقرة يلقي بظلاله على العالم كافة، فالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية خصوصاً في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية لتدفقات النفط والغاز -كلها- ليست بمنأى عما يجري في خضم هذه التفاوضات اللامنتهية!

اللافت في هذه المفاوضات أن الروايات المتداولة بشأنها تتبدل بوتيرة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها، مرة يجري الحديث عن تفاهمات واسعة، ومرة أخرى تظهر مطالب إضافية أو تحفظات تعيد الملف إلى نقطة البداية في مشهد ضبابي جعل الأسواق المالية وشركات الطاقة والتجارة الدولية تتعامل بحذر متزايد مع مستقبل المنطقة، إذ يصعب بناء قرارات طويلة الأجل في ظل غياب صورة واضحة لما قد يحدث غداً، وفي قلب هذه المعادلة تبقى الممرات البحرية الحيوية التي تحمل جانباً كبيراً من التجارة العالمية في مرمى التهديدات وفرض المزيد من التعقيدات والأزمات! فكلما طال أمد الترقب ارتفعت كلفة المخاطر على شركات الشحن والتأمين، وأصبح احتمال أي توتر أمني عاملاً مؤثراً في أسعار النقل وسلاسل الإمداد. ولهذا لم يعد أمن الملاحة قضية إقليمية بحتة، بل يمتد لما هو أبعد من ذلك من مصلحة اقتصادية دولية ترتبط بها أسواق ومصانع ومستهلكون في مختلف القارات إلى أبعاد اقتصادية أكبر وأعمق على المدى الطويل، أما أسواق الطاقة فتعيش بدورها حالة انتظار مشابهة فأسعار النفط لا تتفاعل مع الوقائع القائمة فقط، وإنما مع الاحتمالات القائمة على إنهاء الأزمة، وعندما تتراكم الاحتمالات المتناقضة، تتسع مساحة التذبذب وتتراجع قدرة المستثمرين على قراءة الاتجاهات المقبلة بثقة.

في النهاية، لا يبدو أن العالم ينتظر توقيع اتفاق سياسي فحسب، بل يبحث عن قدر من اليقين افتقده طويلاً. فكل يوم يمر دون حسم يضيف طبقة جديدة من القلق إلى المشهد الدولي، ويجعل كلفة الانتظار أعلى من كلفة القرار نفسه، أياً كان شكله، هذا إذا استثنينا المشهد السياسي والعسكري المقلق والخطير أصلاً!

00:16 | 2-06-2026

الحج.. رحلة الإيمان.. وإرث النجاح !

تطل علينا أيام الحج المباركة تحمل نفحات إيمانية غامرة ونفوساً تفيض بخشوع الأرواح ولهفة القلوب القادمة من كل فج عميق، حيث تتجه الأبصار إلى مكة والمشاعر المقدسة في رحلة إيمانية تختلط فيها لهفة الدعاء ورجاء القبول بعظمة المشهد في رحلة روحانية عظيمة وميلاد جديد بين بيت الله والمشاعر المقدسة، وتحديداً على مشعر عرفات في هذا اليوم العظيم.

في كل موسم حج، تعود المملكة العربية السعودية لتقدّم للعالم مشهداً استثنائياً يصعب تكراره في أي مكان أو زمان، ملايين البشر، بلغاتهم وألوانهم وأعراقهم، يتحركون في مساحة محددة وفي توقيت بالغ الحساسية، بينما تسير المنظومة كاملة بانضباط لافت يعكس خبرة طويلة تراكمت عاماً بعد عام، فالحج بالنسبة للمملكة لم يكن يوماً ملفاً موسمياً عابراً، وإنما مسؤولية كبرى ترتبط بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية ضيوف الرحمن، وتكامل مهيب بين مختلف الجهات الحكومية والخدمية والأمنية والصحية ضمن تنسيق هائل وجهود متواصلة لا تتوقف قبل مغادرة آخر حاج إلى دياره آمناً سالماً.

خلال السنوات الأخيرة، تسارعت المشاريع والبرامج التي تستهدف تحسين تجربة الحاج في كل تفاصيلها لتقود جانباً مهماً من تطوير المشاعر المقدسة والبنية التحتية فيها، بينما أسهم «برنامج خدمة ضيوف الرحمن» ضمن رؤية السعودية 2030 في رفع جودة الخدمات، وتسهيل التنقل، وتطوير الحلول الرقمية التي اختصرت كثيراً من الإجراءات على الحجاج. كما لعبت «الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة» دوراً محورياً في مشاريع التنظيم وإدارة الحشود والتوسعات، أما في الجانب الصحي فالجهود السعودية تشكّل شبكة عمل ضخمة تتحرك على مدار الساعة بين مستشفيات، ومراكز طبية، وفرق إسعافية، وتقنيات حديثة تتابع الحالة الصحية للحشود بدقة عالية، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الذكية للمساهمة في رفع مستويات السلامة والتنظيم ونقل الأدوية لحجاج بيت الله.

شهدت المشاعر المقدسة خلال الأعوام الماضية تحوّلاً هائلاً على مستوى البنية التحتية؛ من شبكات الطرق وقطار المشاعر، إلى مشاريع التوسعة والتبريد والخدمات اللوجستية، في صورة تعكس حجم العناية التي توليها المملكة لراحة الحجاج وسلامتهم، ورغم ضخامة الأعداد وتعقيد التفاصيل، تمضي المملكة في إدارة الحج بثبات وثقة، مقدمة نموذجاً عالمياً في التنظيم والكفاءة والقدرة على إدارة الحشود، وسط تقدير واسع لما تبذله من جهود استثنائية لخدمة ضيوف الرحمن.

كل عام وأنتم بخير.

00:50 | 26-05-2026

الزيدي.. الدولة أم الفصائل؟!

في هذا الظرف الإقليمي الملتهب الذي يضرب منطقة الشرق الأوسط وفي مرحلة دقيقة وعاصفة، يبدو العراق وكأنه يعيش امتحاناً جديداً لبلورة معنى الدولة وحدود سلطتها، فالحرب المشتعلة حول العراق ليست خارج حدوده السياسية والأمنية، بل تمتد إلى الداخل العراقي عبر تحركات الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي باتت تتعامل مع الساحة العراقية باعتبارها جزءاً من مشروع نفوذ إقليمي يتجاوز حسابات بغداد ومصالحها الوطنية. وبينما تتصاعد الهجمات والتوترات في منطقة الخليج، يزداد السؤال ثقلاً داخل العراق: أين تقف الدولة فعلياً من كل ما يحدث؟

المشهد العراقي لم يعد يحتمل المزيد من الازدواجية بين سلطة رسمية تمتلك المؤسسات، وقوى مسلحة تمتلك القدرة على فرض الإيقاع الميداني والسياسي. هذا التناقض الطويل أضعف صورة العراق أمام محيطه العربي، وترك انطباعاً متكرراً بأن القرار العراقي ما زال موزعاً بين الحكومة ومراكز نفوذ أخرى تتحرك وفق حسابات خارج الحدود، وفي خضم هذه التعقيدات يصعد علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة بأدوات مختلفة وغير تقليدية؛ فهو يراهن على «الإصلاح المالي» وتجفيف منابع تمويل الفصائل عبر رقابة صارمة على تدفقات الدولار- وهو المسار الذي يحظى بدعم مباشر من واشنطن- كما يحمل مشروعاً تنفيذياً مرتقباً لنزع سلاح الفصائل، وجملة تغييرات في قيادة أجهزة أمنية حسّاسة ضمن حكومته الجديدة. ويعد الزيدي وجهاً مختلفاً عن النمط التقليدي الذي حكم العراق لسنوات حيث لا يحمل خطاباً شعبوياً صاخباً، بل يقدّم نفسه شخصيةً تميل إلى الإدارة الهادئة وإعادة بناء التوازنات الداخلية بأدوات سياسية واقتصادية تراهن عليها أطراف إقليمية ودولية وتفضي إلى فتح نافذة مختلفة للعراق في ظل رغبة واضحة بإعادة بغداد إلى موقع الدولة المؤثرة لا الساحة المفتوحة للصراعات.

الزيدي يدرك أن ملف السلاح المنفلت سيكون الاختبار الأصعب لحكومته، فالفصائل المسلحة لم تعد مجرد تشكيلات أمنية مرتبطة بظروف استثنائية، بل تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى شبكات نفوذ معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والأمن؛ ولهذا فإن أي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة لن تكون خطوة إجرائية سهلة، بل مواجهة طويلة مع إرث كامل من التوازنات الحسّاسة، ومع ذلك تبدو الفرصة الحالية مختلفة إلى حدٍّ ما، فالعراق يواجه حاجة ملحة لاستعادة صورته دولةً مستقرةً وقادرةً على بناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي بعيداً عن سياسات الاستنزاف الإقليمي، ليبقى الرهان الحقيقي على قدرة الزيدي في الانتقال بالعراق من مرحلة إدارة الأزمات المؤقتة إلى مشروع دولة أكثر تماسكاً، تستعيد هيبتها تدريجياً وتعيد تعريف دورها السياسي بعيداً عن الهيمنة والتجاذبات التي أنهكت البلاد لسنوات طويلة.

00:12 | 12-05-2026

الساحل الأفريقي.. الإرهاب مجدّداً على خط الموارد!

في كل رقعة يسلب منها الاستقرار، تتقدّم الجماعات المتطرفة بخطوات محسوبة، مدفوعة ببوصلة تعرف جيداً أين تسكن الثروات وأين تغيب الدولة، هكذا تتحوّل هشاشة السياسة إلى فرصة وتصبح الموارد الطبيعية جزءاً من معادلة العنف، وكما صنعت المخدرات في أفغانستان اقتصاداً موازياً غذى نفوذ الإرهاب والتطرّف لسنوات، يفرض الذهب واليورانيوم اليوم نفسيهما في الساحل الأفريقي كوقود جديد لصراعات تبحث عن المال بقدر بحثها عن السلطة. وفي قلب هذا المشهد تقف مالي، حيث تتقاطع الانقلابات، والفراغ الأمني، والثروة المدفونة تحت الأرض، في واحدة من أكثر ساحات أفريقيا قابلية لإعادة إنتاج التهديد، فالجماعات الإرهابية لا تتحرك كونها مجرد تشكيلات عقائدية مسلحة، بل كمشاريع انتهازية تجيد قراءة هشاشة الدول كما تقرأ خرائط الثروات. فحين وجدت طالبان وأذرع التطرّف في أفغانستان بيئة مثالية تتغذى على اقتصاد المخدرات، تتكرر اليوم أنماط مشابهة في الساحل الأفريقي بأدوات مختلفة وموارد أكثر تنوعاً في مناطق الفراغ السياسي ووقود يعيد تشكيل شبكات العنف والتمويل والتمدد. وفي قلب هذا المشهد، تقف مالي كنموذج بالغ الحساسية لدولة تتصارع فيها السيادة مع الفوضى، والثروة مع الاختراق.

تشهد مالي منذ أعوام تحوّلات سياسية وعسكرية عميقة عقب سلسلة انقلابات عسكرية أنهت أجزاء واسعة من النفوذ الغربي، خصوصاً الفرنسي، وأعادت رسم تحالفات باماكو نحو شركاء جدد، فالمجلس العسكري الحاكم قدّم نفسه باعتباره بديلاً وطنياً لاستعادة القرار السيادي، إلا أن الواقع الأمني ما زال بالغ التعقيد، مع استمرار نشاط جماعات مرتبطة بتنظيمي (القاعدة وداعش) في مناطق واسعة من الشمال والوسط مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وبعض الفصائل الانفصالية الطوارقية، في مشهد يعكس انهياراً أمنياً متسارعاً. هذه الجماعات لم تكتفِ بإشعال الشمال والوسط، بل نقلت الفوضى إلى قلب العاصمة باماكو عبر هجمات منسقة استهدفت قواعد عسكرية ومواقع سيادية ومطار المدينة، وصولاً إلى اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا داخل محيط كاتي المحصّن، في ضربة كشفت هشاشة القبضة العسكرية رغم الدعم الروسي. ما جرى لم يكن مجرد تصعيد ميداني، بل رسالة عنيفة بأن الدولة نفسها باتت هدفاً مباشراً، وأن باماكو لم تعد بعيدة عن نار الانهيار التي التهمت أطراف البلاد لسنوات.

هذه الجماعات استفادت من الطبيعة الصحراوية، وضعف السيطرة المركزية، والتوترات العرقية، وانشغال العالم والقوى العظمى بتأثيرات الأحداث الشرق أوسطية لتعيد تموضعها قرب مسارات التهريب ومناطق الثروات الطبيعية، حيث يشكّل الذهب المالي أحد أهم مصادر الدخل غير الرسمي، فيما يمنح القرب الجغرافي من مناطق اليورانيوم في الساحل بعداً استراتيجياً بالغ الخطورة. ومع انسحاب بعض القوات الدولية، برز فراغ أمني تحاول السلطات سده بالقوة العسكرية، لكن المعالجة الأمنية وحدها لم تُنهِ جذور الأزمة المرتبطة بالفقر، وضعف التنمية، والتنافس الإقليمي.

مالي اليوم تشكّل اختباراً سياسياً لمعادلة أكثر تعقيداً.. كيف تحمي دولة غنية بالموارد نفسها من التحوّل إلى اقتصاد ظل تستثمر فيه الجماعات المتطرفة؟ فالمعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على من يسيطر على الثروة في غياب الدولة!

00:36 | 5-05-2026

إيران.. فخ المفاوضات واستراتيجية البقاء

في دهاليز السياسة الخارجية الإيرانية، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالنفس الطويل وقدرة الصبر على استنزاف الخصوم، لطالما كان «كسب الوقت» بالنسبة لطهران أكثر من مجرد تكتيك تفاوضي عابر؛ إنه عقيدة سياسية متجذرة، تهدف إلى تحويل الأزمات الوجودية إلى منصات للمناورة وفرض الأمر الواقع، بدلاً من البحث عن حلول حقيقية بفلسفة النفس الطويل والهروب الممنهج إلى الأمام!

تعتمد إيران استراتيجية تشبه إلى حد بعيد «حياكة السجاد» التي تجيدها واقعاً ومجازاً؛ عمل دؤوب، صبر مفرط، وإغراق في التفاصيل المملة لإنهاك الطرف الآخر. وفي ظل الحصار البحري والضغوط الأمريكية المتصاعدة، يتحوّل «الوقت» إلى السلعة الوحيدة التي يمكن لطهران تصديرها حين يختنق اقتصادها، فطهران لا تُفاوض للوصول إلى نقطة تلاقٍ، بل تستخدم طاولة الحوار كدرع زمني يمنحها المساحة الكافية لتطوير أوراق قوتها العسكرية والنووية بعيداً عن أعين الرقابة المشدّدة.

في الوقت الذي يضيق فيه الخناق العسكري على الممرات المائية الحيوية، لا تبدو طهران معنية بمواجهة الواقع عبر تفكيك الأزمة أو البحث عن حلول مسؤولة، بل تمضي في تبنّي نهج تصعيدي محسوب يفتقر إلى الشفافية في مقاصده. الهدف لا يتمثل في كسر الحصار بقدر ما هو إعادة تشكيل معادلة الكلفة؛ إذ تسعى إلى جعل الانتظار عبئاً ثقيلاً على المجتمع الدولي. فكلما طال أمد الأزمة دون أفق واضح للحل، بقي أمن الطاقة العالمي وأسعار الأسواق رهينة للتقلبات السياسية الإيرانية، بما يتيح لها توسيع هامش الضغط وابتزاز النظام الدولي لانتزاع تنازلات، دون أن تقدم في المقابل التزامات حقيقية أو حلولاً مستدامة.

تاريخياً، أثبتت التجارب أن الحوار مع طهران غالباً ما يتحوّل إلى نفق طويل من المماطلة الممنهجة، حيث تسعى الاستراتيجية الإيرانية دائماً إلى تحقيق ثلاثية ثابتة:

تفتيت الإجماع الدولي عبر إطالة النقاشات لخلق فجوات بين واشنطن وحلفائها من جهة، وبين القوى الشرقية من جهة أخرى، وتثبيت المكتسبات الميدانية في استغلال حالة «اللا سلم واللا حرب» لترسيخ نفوذ وكلائها في المنطقة، وأخيراً تجنّب الاتفاقات الشاملة بالهروب من أي صيغة نهائية تضع حداً للتسلح، وتفضيل «أنصاف الحلول» الهشة التي يمكن التحلل منها في أي لحظة.

هذا النهج لا يقف خطره عند حدود الجغرافيا الإيرانية، أو عند حدود الصراع بين نظام إيران والولايات المتحدة، بل يضرب ركائز الاستقرار الدولي والسلم العالمي، فالأمن الإقليمي يبقى معلقاً على فوهة بركان، والاقتصاد العالمي يظل تحت رحمة التهديدات في مضيق هرمز، وإمدادات الطاقة رهن مزاج طهران. إن غياب الإرادة الإيرانية في التوصل إلى اتفاق جاد يعكس رؤية النظام بأن الاستقرار الحقيقي قد يعني نهاية مشروعه التوسعي، لذا يظل الهروب إلى الأمام هو الخيار الأوحد، ليبقى السؤال الجوهري: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يضبط ساعته على توقيت طهران؟ إن السياسة القائمة على امتصاص الضغوط بالمماطلة قد تنجح في إطالة عمر النظام، لكنها كارثية على أمن المنطقة، وبينما يبحث العالم عن «مخرج آمن»، تبحث إيران عن «وقت إضافي»، وبين هذين المسارين تتبدّد فرص السلام وتزداد مخاطر الانفجار.

00:01 | 21-04-2026

«شرق–غرب»... استراتيجية سبقت الأزمات!

في لحظاتٍ تبدو فيها الأسواق النفطية العالمية على حافة الارتباك، ثمة استراتيجية خفية، نسجتها عقول حكيمة قبل عقود، فما يُشبه طوق النجاة اليوم، لم يُصنع تحت ضغط الحرب، بل وُضع بهدوء منذ مطلع الثمانينات، حين فكّر العقل السعودي بما بعد العاصفة، وليس بما يجري داخلها.

في جملة التوترات المتصاعدة في المنطقة، ومع كل تهديد يطال الملاحة في مضيق هرمز يعود الحديث مجدّداً إلى واحد من أكثر المشاريع السعودية عمقاً في الرؤية وبعداً في الأثر: خط أنابيب النفط «شرق–غرب»، هذا الخط الذي يعد صمام أمان استراتيجي، ويمتد على طول 1,200 كم من بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر بقدرة استيعابية تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، ويوفر مساراً حيوياً لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل كان ترجمة مبكرة لعقل استراتيجي يدرك أن أمن الطاقة لا يُترك رهينة لممر واحد او احتمال واحد!

أنشئ خط -شرق غرب- في بداية ثمانينات القرن الماضي، في سياق إقليمي مضطرب تزامن مع الحرب العراقية الإيرانية حين أدركت المملكة أن الاعتماد الكامل على التصدير عبر الخليج يضع الإمدادات تحت مهدّدات التوترات الجيوسياسية. ومنذ ذلك الحين، شكّل الخط شرياناً بديلاً يربط الإنتاج النفطي السعودي بالأسواق العالمية عبر موانئ البحر الأحمر، متجاوزاً نقاط الاختناق البحرية.

اليوم، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية المتكررة، ومحاولات استهداف البنية التحتية للطاقة، يبرز «شرق–غرب» خياراً استراتيجياً حاسماً، فبينما تتأثر الإمدادات العالمية بأي اضطراب في هرمز، تواصل المملكة ضخ النفط عبر هذا الخط بكفاءة، مُسهمةً في استقرار الأسواق وتخفيف حدة النقص العالمي. هذه القدرة على المناورة لم تأتِ وليدة اللحظة، بل هي نتاج استثمار طويل الأمد في تنويع مسارات التصدير وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ولم تكتفِ المملكة بإنشاء الخط، بل عملت على تطويره ورفع طاقته الاستيعابية، ليواكب التحوّلات في الطلب العالمي، وفي أوقات الأزمات أثبت هذا المشروع أنه ليس مجرد بديل بل صمام أمان حقيقي، يمكّن السعودية من الوفاء بالتزاماتها النفطية حتى في أحلك الظروف واستقرار توازنات سلاسل الإمداد العالمي للطاقة.

عكست محاولات إيران للإضرار بهذا الخط إدراكها لأهميته الاستراتيجية، غير أن هذه المحاولات تصطدم ببنية متينة ورؤية أمنية شاملة، تجعل من استهدافه عملاً محدود الأثر أمام منظومة متكاملة من الحماية والتخطيط، ليعود الخط بعد استهداف إيراني غاشم مستأنفاً دوره الحيوي في تأمين تدفق النفط مبرهناً كفاءة التخطيط السعودي المبكر، وقدرته على احتواء الأزمات، وضمان استقرار الإمدادات العالمية بثقة واقتدار.

إن «شرق–غرب» ليس مجرد أنبوب نفطي، بل قصة دولة سبقت التهديد بالفعل، وقرأت المستقبل بعين السيادة واحتواء الأزمات في عالم تتسارع فيه الكوارث والحروب، لتثبت المملكة أن الحكمة لا تُقاس بردود الأفعال، بل بقدرتها على بناء خيارات متعددة، تضمن استقرار الأسواق العالمية واستمرار التدفق حين تتعطل الطرق، وتؤكد أن أمن الطاقة يبدأ من حسن التقدير قبل وقوع الخطر!

00:15 | 14-04-2026

جامعة الرياض للفنون.. حين يصبح الإبداع مشروع وطن!

في قلب كل نهضةٍ إنسانيةٍ راسخةٍ يتقدّم الفن بوصفه البوابة الأعمق إلى الإبداع، والمحرّك الخفي لترقية الذائقة وتهذيبها، وركيزة أصيلة في بناء الوعي الإنساني وصقل الحس الجمالي، إذ تنهض الفنون بدورٍ حيوي في تهيئة العقول لاستقبال الحياة بأفقٍ أرحب ونسج جسور حية بين المجتمعات وواقعها، فالفن ليس ترفاً عابراً، بل قوة ناعمة تستجلب المعرفة، وتُعيد توازن النفس، وتنسج صلاتٍ حيّة بين الإنسان وواقعه، ليغدو أحد أبرز تجليات الحضارة ولسانها الصادق في التعبير عن القيم والمشاعر؛ من هنا جاءت أهمية تأسيس «جامعة الرياض للفنون» كوثبة كبرى على مسار التحوّل الثقافي في المملكة كأول جامعة متخصصة في الفنون والثقافة في السعودية وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مشروع وطني تشرف عليه وزارة الثقافة بقيادة وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء «جامعة الرياض للفنون» الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، -وفي تقديري- أن هذه الجامعة هي بوابة الإبداع بوصفها الشرارة الأولى التي تفتح الأفق أمام مشاريع ثقافية مماثلة تؤسّس لبنية إبداعية متكاملة، وتمهّد الطريق لنشوء مؤسسات جديدة، تُرسّخ حضور الفن كقطاع حيوي، وتوسع دوائر التأثير الثقافي محلياً وعالمياً.

من أفقٍ يتجاوز التراكم إلى التأسيس العميق، والتحوّل الحاسم من نماذج التعليم التقليدي إلى فضاءات التنافسية العالمية، تشيّد جامعة الرياض للفنون منظومة أكاديمية متكاملة عبر ثلاث عشرة كلية تستوعب كامل الطيف الثقافي وتقاطعاته الحيوية من الأفلام والموسيقى والمسرح والفنون الأدائية، إلى التراث والتصميم والعمارة والأزياء، وصولاً إلى الإدارة الثقافية وفنون الطهي والآداب واللغات والفنون البصرية والتصوير، فضلاً عن دراسات المتاحف والمكتبات والمخطوطات والتعليم الثقافي بتنوع لا يكتفي بتعدد المسارات، بل يؤسس لبنية معرفية متماسكة تعيد وصل الفن بالاقتصاد والوعي، وعلى الضفة الدولية تنفتح الجامعة على شراكات نوعية مع مؤسسات رائدة عبر شراكات استراتيجية مع أكاديميات وجامعات عدة مثل كلية الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، الأكاديمية الأمريكية للموسيقى والفنون الدرامية، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS)، والكلية الملكية للفنون (RCA) لتطوير البرامج الأكاديمية في الجامعة، وكلية الفنون الأدائية (AMDA)، وكلية إيسيك لإدارة الأعمال (ESSEC)، كما وقّعت الجامعة شراكة أكاديمية مع جامعة جيلدهول (Guildhall) للموسيقى والدراما في لندن التي تعد من أبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة في الفنون الأدائية، وتستهدف جامعة الرياض للفنون بهذه الشراكات بناء منظومة تعليمية متقدمة تُعنى بتأهيل الكفاءات في جميع مجالات الفنون التي تضمها الجامعة، ضمن برامج تمتد من الدورات القصيرة والدبلوم إلى البكالوريوس والماجستير والدبلوم العالي والدكتوراه، وتتجاوز الشراكات حدود تطوير المناهج إلى تمكين أعضاء هيئة التدريس عبر التدريب والتأهيل، بما ينعكس على جودة المخرجات التعليمية ويمنح الطلبة فهماً متكاملاً لمسارات الإبداع والبحث والاحتراف المهني، كما تفتح آفاقاً أوسع للتبادل الثقافي، وتربط الطالب بسياقات فنية عالمية تواكب تحوّلات الصناعة الإبداعية العالمية، وتستند هذه الشراكة إلى ثقل أكاديمي راسخ في مجالات عدة ما يمنح البرامج المطورة بعداً تنافسياً يعزز حضور الخريجين في الأسواق المحلية والدولية. وبهذا النهج ستكرّس جامعة الرياض للفنون موقعها كمحرك رئيس لتأهيل جيل مبدع، قادر على تحويل الشغف الفني إلى مسار مهني مستدام، يسهم في تنمية الاقتصاد الثقافي وصناعة مستقبل إبداعي أكثر انفتاحاً وتنافسية ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان لم يعد مقتصراً على المعرفة التقليدية، بل بات يتجه نحو بناء عقول مبدعة قادرة على تحويل الفكرة إلى قيمة مستدامة لمنظومة جديدة تعيد تعريف التعليم الإبداعي.

في خلاصة هذا المسار التحولي، تغدو جامعة الرياض للفنون تجسيداً لإرادة وطنية تعيد تعريف الاستثمار في الإنسان بوصفه طاقة إبداع لا تنضب وخطوة تُطلق مكامن الشباب، وتعيد توجيه الشغف نحو أثرٍ مستدام يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في ترسيخ اقتصاد ثقافي مزدهر وحضور عالمي واثق.

00:33 | 7-04-2026

صمتٌ مثقل... وصلابة خليجية..!

في منعطفٍ حاد من تاريخ الإقليم، تنكشف هشاشة بعض المواقف العربية على نحوٍ مؤسف، إذ يتواصل العدوان الإيراني على دول الخليج بوتيرةٍ لا تعرف التراجع، فيما يقابله صمتٌ مثقل بالخذلان، لا يرقى حتى إلى الحد الأدنى من المسؤولية السياسية. مشهدٌ يختصر اختلال ميزان الإرادة؛ حيث تُترك دول الخليج في مواجهة التهديدات المباشرة، بينما يتوارى الصوت الجماعي خلف حساباتٍ ضيقة، تتجاهل أن ما يُستهدف اليوم ليس جغرافيا بعينها، بل جوهر الأمن العربي كافة.

هذا التراخي لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا عابرًا، بل انعكاس لحالةٍ من التآكل السياسي، حيث تحوّلت القضايا المصيرية إلى ملفاتٍ مؤجلة، تُدار بمنطق رد الفعل لا الفعل، وبحساباتٍ ضيقة تتجاهل أن أمن الخليج ليس شأنًا محليًا، بل هو ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي بأسره.

وفي قلب هذه المفارقة، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا مغايرًا؛ دولة لم تتخلَ يومًا عن مسؤولياتها تجاه القضايا العربية، بل حملت على عاتقها عبء الدفاع عنها سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا. فمن دعم القضية الفلسطينية على مدى عقود، إلى الوقوف إلى جانب استقرار الدول العربية في أزماتها، وصولًا إلى المبادرات الإنسانية والتنموية في أكثر من ساحة، ظلّت الرياض تتحرك من منطلق ثابت: أن استقرار العالم العربي كلٌ لا يتجزأ.

ولم تكن مواقف المملكة يومًا خاضعة لمعادلات الربح والخسارة الآنية، بل انطلقت من رؤية استراتيجية تدرك أن أي خللٍ في محيطها العربي سينعكس عليها وعلى المنطقة برمتها. لذلك، لم تتردد في اتخاذ مواقف حازمة حين يتهدد الأمن الإقليمي، وفي الوقت ذاته، لم تنكفئ عن أداء دورها الإنساني، حتى في أكثر البيئات تعقيدًا.

أما جامعة الدول العربية التي يفترض بها أن تكون مظلة العمل العربي المشترك، فقد بدت في هذا المشهد شبه غائبة عن بلورة موقفٍ موحد يرتقي إلى مستوى الحدث. تركت تساؤلاتٍ عميقة حول قدرتها على مواكبة التحديات الراهنة، في ظل نظامٍ إقليمي يعيد تشكيل نفسه على وقع الصراعات والتحالفات الجديدة.

ولعل الأخطر من هذا المشهد، أن المسألة لم تعد تقف عند حدود الصمت أو العجز، بل تجاوزته إلى ما هو أشد وقعًا وأعمق أثرًا؛ إذ برزت بعض الأصوات العربية لتتبنى سرديات الموقف الإيراني، وتعيد إنتاج مبرراته، بل وتذهب أحيانًا إلى تبرير سلوكه العدائي تحت لافتاتٍ أيديولوجية أو حساباتٍ سياسية ضيقة. هذا الانحياز لا يمكن قراءته الا انزلاق خطير في وعي الأولويات، وشرعنة التدخلات الخارجية ومنحها غطاءً عربيًا زائفًا. وهو ما يمنح المشروع الإيراني مساحة أوسع للتمدد، مستفيدًا من هذا التشظي الذي يحوّل الصراع من مواجهةٍ واضحة المعالم إلى ساحةٍ رمادية تختلط فيها الحقائق بالذرائع

إن استمرار هذا التباين لا يهدّد فقط تماسك النظام العربي، بل يفتح الباب أمام مزيدٍ من التدخلات الخارجية التي تستثمر في هذا الفراغ. فحين تغيب الإرادة الجماعية، تتقدم المشاريع الإقليمية البديلة، حاملةً معها أجنداتها الخاصة.

ختاماً؛ لا يمكن للمنطقة أن تستعيد توازنها ما لم يُعاد تعريف مفهوم التضامن العربي على أسسٍ عملية، تتجاوز البيانات الشكلية إلى مواقف حقيقية تعكس إدراكًا بأن أمن الخليج هو خط الدفاع الأول عن استقرار العالم العربي. وحتى يتحقق ذلك، ستظل دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تتحمل عبء المواجهة، في وقتٍ كان يفترض أن يكون فيه هذا العبء عربيًا مشتركًا.

00:06 | 31-03-2026

بروتوكولات الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي!

اليوم وفي وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي يتسيد الواقع البشري؛ تنتقل القرارات من غرف العمليات المكتظة بالخرائط والتقديرات البشرية إلى ساحات تُدار بمعادلات رقمية معقدة، تعيد التقنيات الذكية فيه رسم بروتوكولات المواجهة بين واشنطن وطهران، وتختصر زمن القرار بين رصد الهدف وتنفيذ الضربة!

في العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة تدير حروبها وفق منظومة تقليدية تقوم على تفوق جوي كثيف، وحشد بحري واسع، وغرف عمليات تمتلئ بالخرائط الورقية والتقارير البشرية التي تستغرق ساعات، وربما أياماً من المداولات القيادية، قبل أن تتحول إلى قرار عسكري. كان التخطيط يعتمد على تسلسل هرمي صارم، وتحليل استخباراتي تراكمي، ومداولات مطولة تسبق أي ضربة. ورغم التطور التقني، ظل العنصر البشري هو مركز الثقل في تقدير الموقف وصياغة الخيارات، أما اليوم يتبدل المشهد. فالحرب التي تنفذها الولايات المتحدة ضد إيران تكشف عن طور مختلف من إدارة الصراع، حيث لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات مساندة، بل باتت جزءاً فاعلاً في بنية القرار ذاته. أنظمة الذكاء الاصطناعي تقوم بغربلة كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية من صور الأقمار الصناعية إلى الاتصالات الملتقطة وتحركات القطع العسكرية في زمن قياسي، لتقدم سيناريوهات متعددة للضربات المحتملة، مع تقدير فوري لنسب النجاح والخسائر الجانبية.

الفارق الجوهري لا يكمن في سرعة التنفيذ فحسب، بل في طبيعة التفكير العملياتي، فالذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب الأولويات وفق أنماط سلوكية متوقعة للخصم، ويقترح أهدافاً بناءً على تحليل ترابطي معقد يتجاوز قدرة العقل البشري المنفرد. وبحسب طبيعة الأهداف الإيرانية -سواء كانت منصات صاروخية، أو مراكز قيادة، أو بنى تحتية لوجستية- تُبنى الضربة على قراءة آنية لتبدل مواقعها، لا على صورة ثابتة التقطت قبل ساعات.

تقول جيسيكا دورسي، الباحثة في استخدام الذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني في جامعة أوتريخت الهولندية: إذا نظرنا إلى الحملة ضد تنظيم داعش، فقد نفّذ التحالف نحو ألفي ضربة خلال الأشهر الستة الأولى من الحملة في العراق وسورية، الآن قارن ذلك بالتقارير بشأن هذه الحملة، حيث نُفِّذ العدد نفسه من الضربات -من قبل الولايات المتحدة- خلال الأيام الأربعة الأولى فقط. هذا يوضح حجم وسرعة تنفيذ الأهداف في عصر الذكاء الاصطناعي المتطور. وهذا التحول في السرعة والدقة يعيدان تشكيل بروتوكولات الحرب نفسها، فلم يعد القرار العسكري ينتظر اكتمال الصورة الكاملة للهدف لأن الأنظمة الذكية تتعامل مع الاحتمال بوصفه معطى قابلاً للحساب، لا عائقاً للتردد. كما أن زمن الاستجابة تقلّص إلى حد يجعل عنصر المفاجأة أكثر حدة، ويجعل المجال السيبراني مكملاً للمجالين الجوي والبحري، غير أن هذا التقدم يطرح أسئلة أخلاقية وإستراتيجية عميقة بالعموم: من يتحمل مسؤولية الخطأ حين يكون القرار مبنياً على توصية خوارزمية؟ وكيف يمكن ضبط إيقاع التصعيد إذا كانت سرعة التحليل تقود إلى سرعة الرد؟

إننا أمام حقبة تتوارى فيها الحروب التقليدية البطيئة لتحل محلها حروب الخوارزميات، حيث تصبح البيانات سلاحاً موازياً للصواريخ، ويغدو التفوق في المعالجة الذكية شرطاً للتفوق في الميدان، ومن يعلم كيف ستكون بروتوكولات الحروب مع تقدم هذه التقنيات مستقبلاً.. جنبنا الله جميعاً الحروب ومآلاتها.

00:10 | 17-03-2026