أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/255.jpg?v=1768301287&w=220&q=100&f=webp

هيلة المشوح

من الأطلسي إلى هرمز.. تاريخ يعيد تحذيراته!

حين شبّه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ممارسات طهران في مضيق هرمز ضد السفن التجارية بأساليب «الغواصات النازية» خلال الحرب العالمية الثانية، كان يستحضر واحدة من أكثر صفحات التاريخ البحري دموية ورعباً، حين تحوّلت مياه الأطلسي إلى مقبرة للسفن التجارية، وأصبحت خطوط الإمداد هدفاً لاستراتيجية عسكرية راهنت على إنهاك الخصوم اقتصادياً وتجويعهم قبل هزيمتهم عسكرياً، ففي معركة الأطلسي التي امتدت بين عامي 1939 و1945، استخدم النازيون غواصات عرفت باسم U-Boats لاعتراض السفن المحملة بالغذاء والنفط والمواد الاستراتيجية، واعتمدوا تكتيك قطعان الذئاب لمهاجمة القوافل البحرية وإغراقها، في محاولة لخنق بريطانيا وعزلها عن مصادر الإمداد، وهي تجربة تاريخية أعاد روبيو تقديمها للتحذير من خطورة استهداف الملاحة التجارية في مضيق هرمز.

وبين الأطلسي بالأمس وهرمز اليوم، تتبدل الأدوات العسكرية والأدوار، وتبقى التداعيات الاقتصادية والإنسانية مصدر القلق الأكبر، فالغواصات التي كانت تتربص بالسفن في أعماق المحيطات تقابلها اليوم صواريخ وطائرات مسيّرة تهدّد حركة الملاحة، بينما تتجاوز انعكاسات أي اضطراب حدود الأطراف المتحاربة لتطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ولعل أخطر ما تكشفه هذه المقارنة أن الممرات البحرية أصبحت جزءاً من معادلات الضغط السياسي والعسكري، وأن تحويلها إلى ساحات للمواجهة يضاعف كلفة النزاعات ويقوّض فرص التسوية، خصوصاً في منطقة يحتل فيها مضيق هرمز موقعاً محورياً في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل استعادة حرية الملاحة وفق القواعد الدولية ضرورة تتقدّم على حسابات التصعيد والمكاسب الآنية.

وفيما تتكثف المساعي الدولية لتجاوز أزمة هرمز واستعادة انسيابية الملاحة، تتعاظم المخاوف من امتداد الاضطراب إلى باب المندب، بما ينذر بأزمة بحرية مزدوجة قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى منعطف أشد خطورة.، وفي هذا المشهد المعقد تكتسب المواجهات السعودية مع المليشيات الحوثية بعداً استراتيجياً يتجاوز حماية الحدود إلى التصدي لتهديدات إرهابية تطال أمن البحر الأحمر وممراته الحيوية، بالتوازي مع تحركات دولية سياسية ودبلوماسية تسعى إلى احتواء التصعيد وتجنيب المنطقة اتساع المواجهة. ولعل التاريخ، وهو يستعيد من الأطلسي إلى هرمز فصولاً من حروب البحار، يضع العالم مجدداً أمام تحذيراته القديمة؛ فحين تتحوّل المضائق إلى ساحات للصراع، تتجاوز الخسائر حدود المتحاربين، وتصبح التجارة العالمية رهينة لمغامرات قد يعرف أصحابها كيف يشعلونها، لكنهم يجهلون كيف يطفئون حرائقها.

أخيراً.. أثبتت الحروب البحرية أن تعطيل التجارة يوسع دائرة الخسائر إلى كوارث يصعب احتواؤها، وأن استقرار الممرات المائية مصلحة إنسانية واقتصادية مشتركة، وبين ذاكرة الأطلسي وقلق هرمز يظل الاختبار الحقيقي في القدرة على انتزاع البحار من حسابات الحرب، وإعادتها إلى وظيفتها الأصيلة جسوراً للتواصل والازدهار، قبل أن يكتب التاريخ فصلاً جديداً من مآسيه القديمة!

منذ ساعة

«التقطير المعرفي» بين العقلانية والاستحواذ!

في الوقت الذي تتفاقم فيه الصراعات العسكرية على جبهات العالم الواقعي، وتتسابق القوى الكبرى إلى تطوير ترساناتها وتعزيز قدراتها القتالية، وتوظيف كل الإمكانيات المتاحة وصولاً لمنتجات الذكاء الاصطناعي، تتشكّل خلف هذا المشهد حروب أخرى وبطبيعة مختلفة، أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في مستقبل النفوذ الدولي؛ حروب تتخذ من المعرفة والخوارزميات سلاحاً، ومن الذكاء الاصطناعي ميداناً مفتوحاً للتنافس على امتلاك القوة والتفوق لتقنيات بالغة الحساسية والدقة، من بينها تقنية التقطير المعرفي (Knowledge Distillation ) التي تفتح أبواباً واسعة أمام تساؤلات تتجاوز حدود الابتكار إلى أمن المعلومات وحقوق الملكية الفكرية ومستقبل السيادة التقنية للدول، بل إنها تخترق مكامن أمنها وبياناتها وقدراتها الفعلية إن كانت عسكرية أو غيرها، فما هو التقطير المعرفي وأين تصب منتجاته؟

يعد التقطير المعرفي نموذجاً لأكثر التحديات إثارة للقلق، لما يفتحه من مسارات جديدة للاستحواذ على المعرفة التقنية، دون الحاجة بالضرورة إلى اختراق الأنظمة أو الاستيلاء على أسرارها البرمجية حيث تعتمد آليته على إخضاع النماذج المتقدّمة لسلسلة مكثفة ومنهجية من الأسئلة والاختبارات لاستخراج الخلاصة الجوهرية من كميات هائلة من المعرفة أو البيانات المعقدة، وتقديمها بصورة مركزة، مبسطة، وقابلة للاستيعاب السريع أي باختصار هي عملية نقل المعرفة من نموذج ذكاء اصطناعي ضخم وعالي التعقيد يُسمى «المعلم» إلى نموذج أصغر وأخف حجماً يُسمى «الطالب»، وبالتالي توظيف مخرجاتها لتدريب نماذج أخرى تحاكي بعض قدراتها المعرفية والاستدلالية. وهي ممارسة تختلف في مشروعيتها باختلاف الوسائل والتراخيص وشروط الاستخدام، لكنها تتحوّل إلى تهديد حين تستهدف استنساخ قدرات محمية بطرق غير مصرح بها، وقد أعادت التحذيرات التي أطلقتها شركة OpenAI بشأن محاولات تقطير نماذجها تسليط الضوء على هذا النموذج المستجد من التنافس التقني، حيث تتجاوز قيمة الأسرار الصناعية حدود الشيفرات والمعلومات المخزنة إلى القدرات التي اكتسبتها الأنظمة عبر عمليات التدريب المعقدة.

تكشف هذه التحوّلات عن معضلة استراتيجية ستواجه شركات التكنولوجيا والحكومات على السواء؛ فحماية الابتكار لم تعد مقتصرة على تحصين الخوادم وتأمين البيانات، وإنما امتدت إلى مراقبة أنماط استخدام النماذج، والكشف عن محاولات استخلاص قدراتها، وإعادة النظر في التشريعات المنظمة للملكية الفكرية، ومع تعاظم القيمة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية للذكاء الاصطناعي، ستصبح حماية المعرفة المتراكمة جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الوطني والسيادة التقنية، خصوصاً لدى الدول التي تستثمر في بناء قدراتها الرقمية المستقلة.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا المشهد أن العالم يقف على أعتاب مرحلة تتغيّر فيها طبيعة الأسرار ووسائل الاستحواذ عليها، وتتداخل خلالها حدود التعلم المشروع والتنافس الصناعي والتجسس التقني، وقد نشهد مستقبلاً صراعاً لا تدور معاركه حول امتلاك الآلات والخوارزميات وحدها، وإنما حول القدرة على استخراج ما تعلمته تلك الآلات. وعندها ستواجه البشرية سؤالاً بالغ التعقيد: كيف نحمي المعرفة من الاستنساخ، بينما تقوم فلسفة الذكاء الاصطناعي ذاتها على التعلم والمحاكاة؟

ختاماً.. إذا كانت الحروب التقليدية تستهدف السيطرة على الأرض والموارد، فإن حروب المستقبل قد تُحسم بالقدرة على امتلاك المعرفة أو إعادة إنتاجها بأقل كلفة وأقصر زمن!

00:05 | 20-10-2026

برداً وسلاماً!

امتدت يد الإرهاب إلى مطار مدني يعج بالمسافرين لتكشف للعالم عن إفلاس أخلاقي عسكري بلغ حد استباحة الأرواح الآمنة، وتحويل مرافق الحياة إلى ساحات للموت والفزع، وللمرة الثالثة يتعرّض مطار الملك خالد الدولي لاعتداءات حوثية غاشمة، مخلفة ضحايا أبرياء ومصابين من جنسيات متعددة، ومشاهد إنسانية موجعة لعائلات فقدت أحباءها، وأخرى تنتظر شفاء مصابيها. إنها جريمة تتجاوز حدود المكان، وتمس الضمير الإنساني، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه جماعة مارقة لا تقل خطراً عن القاعدة وداعش، وتنضوي تحت غطاء دولة جعلت من استهداف المدنيين وسيلة للابتزاز السياسي والعسكري!

لقد تجاوزت المليشيا الحوثية كل الحدود في عدوانها المتكرر على المملكة، متوهمة أن استهداف المطارات والمنشآت المدنية يمكن أن يفرض معادلات جديدة على الأرض، ومتجاهلة أن السعودية دولة تملك من القوة والقدرة والخبرة العسكرية ما يكفل حماية سيادتها وردع المعتدين على أراضيها. وقد أثبتت المملكة عبر تاريخ طويل من مواجهة التهديدات أن ضبط النفس قرار تتخذه الدولة الواثقة من قدراتها، وأن الحزم حين تقتضيه الضرورة يأتي محسوباً في توقيته وأهدافه، محكوماً بمسؤولية «حماية الإنسان وصيانة الأمن الوطني» على كلا الكفتين. ومن هنا تكتسب تأكيدات قيادة التحالف بالرد الحازم دلالتها السياسية والعسكرية، فاستباحة الدماء وترويع الآمنين يستوجبان موقفاً رادعاً ينهي قدرة المعتدي على تكرار جرائمه، ويعيد الاعتبار لحرمة المنشآت المدنية وسلامة مرتاديها.

ولعل أكثر ما يستدعي التأمل في هذه الاعتداءات أن الإرهاب الذي يستهدف أمن المملكة يطال في ضحاياه أبناء أوطان متعددة، ممن وجدوا في أرضها موطناً للعمل والحياة والاستقرار والأمن قبل كل شيء، وهذا ما يضاعف المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها الدولة في حماية كل من يعيش على ترابها، وفي المقابل تظل المملكة قادرة على إدارة هذه المواجهة بثبات مؤسساتها، وكفاءة أجهزتها الدفاعية والأمنية، وحكمة قيادتها التي تدرك أن حماية الوطن تستلزم يقظة دائمة وحسماً يقطع الطريق على مصادر الخطر.

ستبقى المملكة، بعون الله، عصية على الإرهاب، منيعة أمام جرائم العدوان، قادرة على صون أمنها «والاقتصاص لضحاياها» وردع كل من تسوّل له نفسه العبث بسيادتها. فهذه الأرض التي عرفت كيف تبني مجدها وسط العواصف، تملك من القوة والحكمة ما يجعلها أقدر على إخماد نيران الفتن وإحباط رهانات المعتدين، ومهما اشتدت المحن سيبقى أمن الإنسان أعظم مسؤوليات الدولة، وستظل الرياض مدينة للحياة، تنبض بالطمأنينة وتفتح ذراعيها للعالم، أما الذين توهموا أن الإرهاب قادر على إخضاع الأوطان، فستعلمهم الأيام درساً قاسياً: أن للسعودية بأساً يحمي حدودها، وحزماً يصون كرامتها، وإرادة لا تلين أمام العدوان. حفظ الله بلادنا وأهلها، وجعل نار العدوان عليها برداً وسلاماً، وأدام عليها نعمة الأمن والعزة والاستقرار.

23:57 | 12-10-2026

«وجهة للجميع» تخاطب الجيل الجديد.

هناك فارق بين أن يكبر المعرض، وأن تتسع فكرته، فالأولى يمكن تحقيقها بزيادة المساحة والأجنحة وعدد المشاركين، أما الثانية فتحتاج إلى فهم دقيق لما يجعل الناس يأتون، وما الذي يمكن أن يدفع شخصًا لا ينتمي أصلًا إلى جمهور المعرض التقليدي إلى أن يجد فيه ما يعنيه.

هذه المسألة تبدو أكثر وضوحًا في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي، فاسم المعرض يرسم منذ اللحظة الأولى هوية محددة ترتبط بالصقر والصيد، ومع ذلك فإن المشهد داخله أصبح أوسع بكثير من الدائرة التقليدية للصقارين والمهتمين بالصيد، وأصبح من الممكن أن يأتي الزائر من أجل الصقور، أو الرحلات والمغامرات، أو التراث والفنون، أو الأعمال والتجارة، أو أن يأتي مع أسرته من دون اهتمام مسبق بأيٍّ من ذلك، ثم يجد طريقه إلى التجربة.

وفي هذه الأثناء، يظهر أحد أصعب التحديات في صناعة الفعاليات، فكلما اتسعت دائرة الجمهور زاد خطر أن تفقد الفعالية شخصيتها، وكثير من الأحداث تقع في هذا الفخ حين تحاول إرضاء الجميع، فتضيف المزيد من الأنشطة والتجارب حتى يصبح من الصعب معرفة الفكرة التي تجمعها، وعندها قد تنجح في زيادة عدد الزوّار، لكنها تدفع مقابل ذلك جزءًا من وضوح هويتها.

المعادلة الأذكى هي أن يتسع الجمهور من دون أن يتحرك مركز الحدث، وهذا ما يجعل الصقر مهمًا في قراءة تطور المعرض، فهو لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في كل تجربة حتى يبقى في قلب الهوية، لأن العالم المحيط به أوسع من الطائر نفسه، ويمتد إلى الصحراء والرحلات والصيد والحرف والأدوات والخيول والهجن والطبيعة والفنون والذاكرة الاجتماعية، وهي دوائر مختلفة يمكن أن تتسع كل واحدة منها لجمهور جديد من دون أن تنفصل عن القصة الأصلية.

بهذه الطريقة يصبح التنوع امتدادًا للهوية، لا منافسًا لها، ويستطيع المعرض أن يخاطب أكثر من اهتمام في الوقت نفسه، من دون أن يبدو كمجموعة فعاليات جُمعت في مكان واحد، فالزائر الذي يبدأ رحلته من السيارات وتجهيزات الرحلات قد يصل إلى جانب آخر من ثقافة الصيد، ومن يأتي بحثًا عن تجربة عائلية قد يخرج بمعرفة لم تكن لديه عن الصقارة، ومن تجذبه الحِرف أو التاريخ قد يجد نفسه أمام تفاصيل ثقافية مرتبطة بالموروث الذي يقوم عليه المعرض.

هذا التحوّل مهم في صناعة الفعاليات، لأن بناء الجمهور لا يعني دائمًا البحث عن أشخاص يشبهون الجمهور الحالي، وأحيانًا يكون النمو الحقيقي في اكتشاف دوائر جديدة يمكن أن ترتبط بالفكرة من مداخل مختلفة، وهنا تتحوّل الفعالية من موعد لفئة محددة إلى وجهة لها أكثر من باب، مع بقاء جميع الأبواب مؤدية إلى الهوية نفسها.

ولعل وصول معرض الصقور والصيد إلى أكثر من 700 ألف زائر في العام الماضي يطرح سؤالًا يتجاوز الرقم نفسه، فمن غير المنطقي النظر إلى هذا الحضور باعتباره امتدادًا لجمهور الصقارين وحدهم، والأقرب أنه يعكس اتساع قاعدة الاهتمام بالحدث، وقدرته على اجتذاب شرائح جاءت لأسباب مختلفة، وهو ما يفسر أيضًا لماذا يبدو شعار هذا العام «وجهة للجميع» معبّرًا عن مرحلة وصل إليها المعرض أكثر من كونه مجرد عبارة موسمية.

لكن الوصول إلى جمهور أوسع يفرض مسؤولية أكبر، لأن الزائر المتخصص يعرف ما يبحث عنه، بينما الزائر الجديد يحتاج إلى أن تُبنى له رحلة يستطيع من خلالها فهم المكان والعلاقة بين مكوّناته، لهذا، ربما يكون هذا أحد أكثر الدروس إثارة للاهتمام في تجربة معرض الصقور والصيد، فالتوسع الحقيقي لا يعني الابتعاد عن نقطة البداية، وإنما اكتشاف مقدار العالم الذي يمكن بناؤه حولها، وكلما كان المركز واضحًا أمكن للدوائر من حوله أن تتسع أكثر.

00:11 | 6-10-2026

حبس الأنفاس الإقليمي: من أروقة الأمم المتحدة إلى معادلات الردع!

تعيش المنطقة حالةً حادة من «اللاحرب واللاسلم»، تُشبه حبس الأنفاس قبل العاصفة؛ استنزاف متواصل يعلق العالم بين الدبلوماسية المجهدة وطبول النزاع، وفي أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، تعكس اللقاءات المتوارية بين الوفدين الأمريكي والإيراني محاولةً أخيرة لضبط إيقاع التصعيد، لكنها ليست أكثر من شراءٍ للوقت فالجميع يدرك أن لحظة الحقيقة مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية؛ إذ تشكّل صناديق الاقتراع الحد الفاصل بين ضغط ديمقراطي حذر، وتغيير سياسي قد يرفع الغطاء عن مواجهة عسكرية محتملة ومؤجلة.

هذا السيناريو الاستشرافي يحمل في طياته مخاوف كبرى؛ فاندلاع الحرب لن يكون مجرد نزاع إقليمي، بل زلزالاً اقتصادياً عالمياً، والقلق الحقيقي يرتبط بخطر إغلاق مضيق هرمز وإحكام السيطرة على باب المندب، وهي الممرات التي يتدفق عبرها شريان الطاقة والتجارة الدولية، إن أي شلل في هذه المضايق سيعني قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، واضطراباً في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو خناق تضخمي متجدّد وأزمات معيشية عابرة للحدود.

أمام هذا المشهد المتلاطم، برز الموقف السعودي بصلابة إستراتيجية؛ إذ تُدار الأزمة برباطة جأش دؤوبة تجمع بين الحنكة السياسية والتأهب الدفاعي الذاتي لحماية الأراضي والأمن القومي، وفي خضم هذه التحوّلات، تجسّدت الرؤية في حراك إستراتيجي تجلى في «حلف مكة الدفاعي» الذي جمع المملكة مع باكستان وتركيا في إطار ردع جماعي يعزّز التوازن الإقليمي ويحمي الملاحة البحرية، هذا التوجه لا يعكس قدرة المملكة على الاحتواء وقيادة الحلول فحسب، بل يؤكد دورها كركيزة أساسية لاستقرار المنطقة وسط القلاقل.

إن العبور من ضفة «اللاسلم» الحالية يتطلب إدراكاً دولياً بأن استقرار الشرق الأوسط ليس خياراً ثانوياً، إنما ضرورة قصوى لحماية الاقتصاد العالمي وأمنه، وستظل الرياض، بحكمتها وثقلها، صمام الأمان الذي يقود المنطقة نحو توازنات جديدة تجنّب العالم كلفة الصدمات غير المحسوبة.

19:48 | 28-09-2026

منتدى 2027 TOURISE.. السياحة تسبق مستهدفاتها!

مساء الأربعاء الماضي، 16 سبتمبر، لم يكن إعلان النسخة المقبلة من منتدى TOURISE مجرد موعد جديد على أجندة السياحة العالمية؛ فالأرقام التي استعرضها وزير السياحة أحمد الخطيب، والشروحات التي أحاط بها مسار النمو المتسارع، كانت تضع أمام الحضور صورة قطاع يعيد رسم موقعه داخل الاقتصاد السعودي بثقة لافتة، وبين المستهدفات التي تحققت قبل أوانها، والتوسع الكبير في أعداد الزوّار والاستثمارات والوجهات، بدا واضحاً أن السياحة السعودية تجاوزت مرحلة بناء الحضور إلى صناعة الثقل، وأن ما كان قبل أعوام طموحاً مكتوباً في رؤية 2030 أصبح اليوم واقعاً تقيسه الأرقام وتستعد المملكة للبناء عليه نحو مرحلة أكبر.

كشفت مساهمة قطاع السياحة بـ4.7% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي عن تحوّل اقتصادي واضح في المملكة ، وتؤكده حركة 127 مليون سائح، متجاوزةً هدف 100 مليون المحدد في رؤية 2030، فالرقمان يرسمان صورة قطاع توسّعت قدرته على توليد القيمة، وتعاظم حضوره داخل الاقتصاد الوطني، حتى غدت السياحة إحدى العلامات البارزة في مسيرة التحوّل السعودي.

ويعكس تجاوز الهدف قبل موعده قوة المنظومة السياحية وترابط مكوّناتها، فالوصول إلى 127 مليون سائح يمنح نسبة المساهمة في الناتج المحلي دلالة أعمق؛ إذ يرتبط تدفق السياح بحركة واسعة تشمل الضيافة والثقافة والتقنية والاستثمار والاستدامة والتنقل. ومن خلال هذا الترابط، تتحوّل الزيارة السياحية إلى نشاط اقتصادي يمتد أثره عبر قطاعات متعددة، وتصبح الأعداد الكبيرة مقياساً لحيوية المنظومة وقدرتها على النمو.

وتتضح سرعة التحوّل في نمو أعداد السياح الدوليين بنسبة 102% خلال الربع الأول من عام 2025م، مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2019م، وتكتسب هذه النسبة أهميتها عند مقارنتها بمعدل النمو العالمي البالغ 3%، ومعدل نمو منطقة الشرق الأوسط البالغ 44%، وذلك الفارق الواسع يعزز مكانة المملكة في المشهدين العالمي والإقليمي، ويشير إلى قدرتها على جذب حركة سياحية دولية بوتيرة تفوق الاتجاهات السائدة.

ويضيف جانب الإيرادات دليلًا نوعيًا إلى دلالة الأعداد؛ فقد احتلت المملكة المركز الأول عالمياً بوصفها أعلى وجهة سياحية في نسبة نمو إيرادات السيّاح الدوليين خلال الربع الأول من عام 2025م، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019م، وفق تقرير بارومتر السياحة العالمية الصادر في مايو 2025م عن منظمة الأمم المتحدة للسياحة، وهنا تتصل كثافة التدفقات السياحية بعائد اقتصادي متنامٍ، فتكتمل صورة القطاع من حيث الحجم والقيمة.

وفي هذا السياق، يحمل إعلان وزير السياحة رئيس مجلس إدارة منتدى TOURISE الأستاذ أحمد الخطيب، تحت رعاية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، عن انعقاد المنتدى في الرياض من 23 إلى 25 مارس 2027، دلالة مهمة، فالمملكة تستضيف قادة السياحة والتقنية والاستثمار والاستدامة والثقافة والتنقل، مستندةً إلى تجربتها بوصفها نموذجاً للتعامل مع السياحة كمنظومة اقتصادية مترابطة.

إن بلوغ 127 مليون سائح، والمساهمة بنسبة 4.7% من الناتج المحلي، والتفوق في النمو والإيرادات، مؤشرات تضع التجربة السعودية في قلب النقاش العالمي، ومنتدى TOURISE يمنح الرياض مساحة لعرض هذه التجربة والمشاركة في رسم مستقبل السياحة انطلاقاً من إنجازات قابلة للقياس ورؤية اقتصادية واسعة.

00:12 | 22-09-2026

الاختناق الجيوسياسي.. بين أزمة المضائق وحكمة الرياض!

تمر المنطقة بمنعطف جيوسياسي شديد الخطورة مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية وتوسّع رقعتها، إذ لم يعد الصراع محصوراً في قواعد الاشتباك التقليدية حول مضيق هرمز، بل جرى تدويله ونقله عمداً نحو مضيق باب المندب والبحر الأحمر عبر التصعيد الميداني والهجمات الحوثية الموجّهة نحو الحدود الجنوبية للمملكة، في تكتيك متطرّف يهدف إلى ضرب مفهوم «الممرات البديلة»؛ لخنق أمن الإمدادات العالمية عبر سد الشرايين البحرية والبرية على حدٍّ سواء، وهو ما تجلّى بوضوح في استهداف خط أنابيب «شرق-غرب» في محاولة مكشوفة لإلغاء أي هامش للمناورة الاقتصادية، ولإغلاق القنوات الدبلوماسية ونزع أدوات الحلول السلمية.

إن السعي المحموم لإحكام هذا الحصار الجيوسياسي يعكس رغبة أطراف التصعيد في جرّ الإقليم بكامله نحو جبهات متعددة لحرب شاملة لا تُبقي ولا تذر، إلا أن هذا الخيار الخطير يتصادم دوماً مع ثبات واستراتيجية إدارة الأزمات في الرياض، فقد أثبتت المملكة العربية السعودية مجدّداً قدرة فائقة على تفكيك هذه الألغام المركبة عبر نهج يعتمد الحكمة وصبر القوة، إذ لم تنجرف خلف المحاولات الدؤوبة لاستدراجها إلى منزلقات هذه الحرب المتصاعدة، بل آثرت التعاطي بضبط نفس استراتيجي يدرك تعقيدات الميدان وأبعاد الصراع الدولي، ومتحلّية برؤية عميقة تحمي استقرار المنطقة وتفوّت الفرصة على المخططات التي تسعى إلى تفجير الموقف برعونة وجرّ دول الخليج إلى الهاوية!

يبرز هذا الرسوخ القيادي للمملكة في كيفية تعامل الرياض مع الملفات الإقليمية الشائكة، ومنها التنسيق مع الحكومة العراقية بشأن فتح تحقيق شفاف ومسؤول للوقوف على ملابسات الهجمات التي طالت خط «شرق-غرب»، وإتاحة المجال للتحقيق واستبيان الحقائق لدولة تتصرف من موقع الدولة المحورية القوية التي توازن بين حقها المكفول في صون سيادتها وحماية مقدّراتها، وبين الحرص العالي على قطع الطريق أمام محاولات الوقيعة ودعم استقرار دول الجوار.

إن هذه القدرة العالية على ضبط الإيقاع في أحلك الأزمات تبرهن على أن السياسة السعودية ستبقى صمام الأمان والركيزة الأساسية لمعادلة الاستقرار في الشرق الأوسط.

يؤكد هذا المشهد المعقد أن محاولات تحويل المضائق إلى ساحات ابتزاز واستهداف الشرايين النفطية لن تزيد الرياض إلا تمسكاً برؤيتها الاستراتيجية، حيث تظل المملكة الفاعل الأساسي القادر على فرض التوازن بفضل ثقلها السياسي والعسكري وقيادتها الرشيدة، ومع انسداد الأفق الدبلوماسي بين القوى المتصارعة، تبقى حكمة المملكة ودقة مناوراتها الجيوسياسية الحصن الأخير لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة، مؤكدة أن السلام والاستقرار لن يتحققا إلا عبر دولة تبني قرارها على القوة العاقلة وضبط النفس الاستراتيجي.

00:14 | 15-09-2026

حرب الناقلات.. النسخة الأخطر!

قبل أسبوع، عدنا إلى حرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي، حين تحوّلت مياه الخليج الدافئة إلى مسرح مفتوح لصراع امتد إلى السفن التجارية وطرق إمداد الطاقة، وكان استدعاء ذلك التاريخ في مقالي السابق مهمّاً لاستحضار ذاكرة المكان والأحداث المصاحبة له آنذاك، غير أن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يدفعنا إلى قراءة المشهد من زاوية أشد خطورة؛ فالناقلات التي كانت ضحية للحرب أصبحت في المواجهة الراهنة جزءاً من أدواتها، وأصبح النفط المحمول في جوفها هدفاً سياسيّاً وعسكريّاً يتجاوز في أثره طرفَي الصراع إلى المنطقة والعالم.

خلال الأيام الماضية دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية طوراً بحريّاً بالغ الحساسية، بدأت بشكل صريح حين استهدفت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط إيرانية ردّاً على إطلاق صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أمريكية، فيما امتدت الهجمات إلى ناقلات تعبر هرمز، بينها ناقلتان تحملان النفط السعودي، وأدى الهجوم على إحداهما إلى مقتل بحارين، هنا تتغيّر طبيعة الصراع؛ لأن إصابة ناقلة نفط في ممر بهذه الأهمية لا تنتهي آثارها عند حدود الحطام والدخان والخسائر البشرية، وإنما تنتقل سريعاً إلى أسواق الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد ودائرة واسعة من المصالح العالمية التي لا تنتهي.

الأرقام تكشف حجم الخطر بصورة أوضح، فمثلاً، قبل اندلاع الصراع كان متوسط النفط والمنتجات البترولية العابرة لهرمز يقترب من 21.6 مليون برميل يوميّاً في الربع الأخير من 2025، ثم هبط إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميّاً في الربع الثاني من هذا العام، كما أن قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميّاً كانت تمر عبر المضيق، هذه الأرقام تضع هرمز في مكانه الحقيقي كونه شرياناً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيه تتحوّل كلفته من أزمة بحرية إقليمية إلى أزمة طاقة دولية، وهذا ما يحدث بالضبط!

الخطر الأكبر أن الحرب الحالية تعيد تشكيل مفهوم الردع في الخليج، فواشنطن تضرب ناقلات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، وطهران تستخدم أمن الملاحة والعبور البحري مساحة للضغط والرد، وبين الطرفين تتسع دائرة الضرر لتطال دولاً لم تختر هذه الحرب، حتى السعودية التي بنت خط «شرق غرب» ومنظومة تصدير عبر البحر الأحمر لتقليص الارتهان الجغرافي لهرمز، تبقى معنية بأمن الخليج بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاقتصادي والسيادي، فيما يكشف تحويل مسارات الشحن عن كلفة إضافية ورحلات أطول وقدرة محدودة على تعويض حجم التدفقات المعتادة.

حرب الناقلات الجديدة أخطر من سابقتها؛ فالعالم اليوم أكثر التصاقاً بالطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد، وهامش الخطأ العسكري في ممر ضيق ومزدحم لا يحتمل كثيراً من المغامرة، وبعد أربعة عقود تعود النيران إلى المياه ذاتها، ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط صخب المواجهة: إلى متى يدفع الخليج من أمنه واقتصاده واستقراره فاتورة صراعات لم يخترها؟

00:34 | 8-09-2026

«حرب الناقلات»: قراءة في دفاتر النار وكأس السم!

التاريخ لا يكرر نفسه بالمسطرة، لكنه يكاد ينطق بلسان واحد: إن العبث المحتدم في مياه الشرق الأوسط اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو استمرار لشرارة واحدة أُوقدت عام 1979م، حين اعتلت طهران مسرح الأحداث بنظام جعل من تصدير الأزمات عقيدة، ومن خنق الملاحة البحرية أداة ابتزاز سياسي، ولعل «حرب الناقلات» (1984-1988) تُعدّ الشاهد التاريخي الأبرز والأكثر بلاغة على هذا النهج القديم المتجدّد، يوم تحوّل الخليج العربي إلى ميدان ألغام، ولم تتوانَ إيران عن استهداف الناقلات الكويتية والسعودية والسفن الدولية التي لا ناقة لها في الحرب ولا جمل، مراهنة على فرض إرادتها بالقوة أو إغراق شريان الطاقة العالمي برمته.

لم تكن تلك الهجمات مجرد حوادث عابرة، بل سجّل التاريخ محطات فارقة أثبتت حقيقة هذا السلوك الأرعن والرد الكفيل بلجمه، ففي عام 1987، وأمام تصاعد الخطر الإيراني بالألغام والصواريخ، أطلقت الولايات المتحدة عملية «الإرادة المخلصة» (Operation Earnest Will) لحماية الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي، في أكبر عملية مرافقة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. وعندما أصاب لغم إيراني الفرقاطة الأمريكية USS Samuel B. Roberts في أبريل 1988، جاء الرد حاسمًا عبر عملية «فرس النبي» (Operation Praying Mantis)، حيث قُلّمت أظافر البحرية الإيرانية ودُمّرت منصاتها النفطية المخصصة للاعتداءات، ليثبت التاريخ أن الردع الصارم هو اللغة الوحيدة التي تدفع طهران للتراجع والتقهقر.

إن ما يشهده البحر الأحمر ومضيق باب المندب اليوم عبر الأذرع والمسيّرات، ليس إلا الامتداد المباشر لتكتيكات الثمانينيات، فالوجه تغيّر لكن الفلسفة الإيرانية واحدة: «إما أن ننعم جميعاً بالأمن، أو نحرم العالم منه». إن قراءة «حرب الناقلات» بوعي تجعلنا ندرك أن الاضطرابات الحالية ليست نبتة شيطانية طارئة، بل هي عرض لمرض متجذّر يبدأ من طهران وينتهي بها، ومثلما انتهت عربدة الثمانينيات حين فرض المجتمع الدولي معادلة الردع وقبلت إيران تجرّع «كأس السم» بإيقاف الحرب، فإن استقرار المنطقة اليوم لن يتحقق بالأمنيات والحلول المؤقتة، بل بإنهاء جذر الأزمة وقطع يد العبث من مصدرها.

00:14 | 1-09-2026

احتضان اليتيم.. بين دفء الأسرة وأمان الوطن!

في زحام المشاهد العابرة على الشاشات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قد يمر أمامنا مشهد واحد يعيد ترتيب نظرتنا إلى قضية كاملة تلامس مشاعرنا وتضعنا أمام إنسانيتنا بكل تجرد كقضية «احتضان الأيتام» وكل الظروف المحيطة برحلة الطفل المحتضن منذ البداية وحتى الاستقرار، وهذا ما حرّكه مقطع إنساني للفنان بشير الغنيم عبر شاشة MBC؛ فقد تجاوز أثره حدود اللحظة وكسر حاجز النسيان ليطرح سؤالاً أعمق عن معنى الأسرة في حياة طفل حُرم منها، وعن الفارق الذي يمكن أن يصنعه بيت يفتح أبوابه وقلوب أفراده ليمنحه الأمان والانتماء، فالاحتضان في جوهره مسؤولية إنسانية واجتماعية تتصل ببناء الإنسان منذ طفولته، وحمايته من آثار الفقد ومنحه فرصة أن ينشأ داخل نسيج أسري طبيعي تتشكّل فيه شخصيته وذاكرته وعلاقته بالمجتمع، ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب منظومة احتضان الأيتام في المملكة قيمتها وأهميتها؛ لأنها تحوّل التعاطف من شعور عابر إلى «مسؤولية منظمة»، تحمي الطفل وتساند الأسرة، وتجعل من التكافل ممارسة اجتماعية قادرة على تغيير حياة كاملة.

من هنا تتجلى أهمية منظومة الأسر الكافلة التي تشرف عليها «وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية» إذ أحاطت هذه المسؤولية الإنسانية بتنظيم دقيق ورعاية كبيرة تبدأ باختيار الأسرة المؤهلة اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً وصحياً، وتمتد إلى متابعة الطفل بعد احتضانه عبر الزيارات الدورية والخدمات الاجتماعية والنفسية، للاطمئنان على استقراره وجودة الرعاية التي يتلقاها، كل ذلك وفق تنظيم مدروس من الوزارة سهّل رحلة الاحتضان إلكترونياً، من تقديم الطلب ومتابعته إلى إصدار شهادة تعريف بالاحتضان، لتصبح الإجراءات أكثر وضوحاً ويسراً للأسرة الكافلة.

تتسع هذه الرعاية من قبل وزارة الموارد البشرية لتشمل دعماً مادياً واجتماعياً يساند الأسرة في مسؤوليتها؛ إذ تصل الإعانة الشهرية إلى ألفي ريال للطفل دون السادسة، وثلاثة آلاف ريال عند بلوغه السادسة لمن يتقدّم بطلبها، مع مكافأة قدرها عشرون ألف ريال عند انتهاء فترة الكفالة، وتمتد المساندة إلى التعليم الحكومي والأهلي والابتعاث الداخلي والخارجي ودفع الرسوم الدراسية وفق المسارات المحددة، إضافة إلى شمول الطفل المحتضن بالتأمين الطبي الإلزامي لرب الأسرة أسوة بأفرادها، وحتى حين يكبر المحتضن ويبدأ تأسيس أسرته، تظل منظومة الرعاية حاضرة بمنحه دعماً للزواج قدره ستون ألف ريال، وهنا تتجاوز الرعاية معالجة احتياج آني إلى بناء مسار حياة أكثر استقراراً واستقلالاً.

في قلب هذه المنظومة يظهر بوضوح الوجه الإنساني لوطن جعل رعاية أبنائه مسؤولية حقيقية تمتد إلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وطن لا يكتفي بتوفير مأوى آمن لليتيم فحسب بل يسعى ليمنحه الأمان النفسي وسط أسرة تحتضنه بحياة مستقرة، وتعليماً جيداً، ورعاية صحية، ومستقبلاً أكثر أماناً، إنها صورة تعبّر عن وطن يدرك أن قوة المجتمع تبدأ من شعور الإنسان بالطمأنينة، وأن الرحمة عندما تتحوّل إلى أنظمة وخدمات وحقوق تصبح من أسمى أشكال المسؤولية، وفي كل طفل يجد بيتاً دافئاً وأسرة تمنحه الحب والاهتمام، تتجدّد حكاية هذا الوطن الرحيم؛ وطن لا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الحياة، بل يسير معهم خطوة بخطوة حتى يشتد عودهم، ويكبروا وهم يحملون في ذاكرتهم يقيناً عميقاً بأن لهم وطناً احتواهم حين احتاجوا إلى من يحتضنهم.

00:01 | 24-08-2026