في دهاليز السياسة الخارجية الإيرانية، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالنفس الطويل وقدرة الصبر على استنزاف الخصوم، لطالما كان «كسب الوقت» بالنسبة لطهران أكثر من مجرد تكتيك تفاوضي عابر؛ إنه عقيدة سياسية متجذرة، تهدف إلى تحويل الأزمات الوجودية إلى منصات للمناورة وفرض الأمر الواقع، بدلاً من البحث عن حلول حقيقية بفلسفة النفس الطويل والهروب الممنهج إلى الأمام!

تعتمد إيران استراتيجية تشبه إلى حد بعيد «حياكة السجاد» التي تجيدها واقعاً ومجازاً؛ عمل دؤوب، صبر مفرط، وإغراق في التفاصيل المملة لإنهاك الطرف الآخر. وفي ظل الحصار البحري والضغوط الأمريكية المتصاعدة، يتحوّل «الوقت» إلى السلعة الوحيدة التي يمكن لطهران تصديرها حين يختنق اقتصادها، فطهران لا تُفاوض للوصول إلى نقطة تلاقٍ، بل تستخدم طاولة الحوار كدرع زمني يمنحها المساحة الكافية لتطوير أوراق قوتها العسكرية والنووية بعيداً عن أعين الرقابة المشدّدة.

في الوقت الذي يضيق فيه الخناق العسكري على الممرات المائية الحيوية، لا تبدو طهران معنية بمواجهة الواقع عبر تفكيك الأزمة أو البحث عن حلول مسؤولة، بل تمضي في تبنّي نهج تصعيدي محسوب يفتقر إلى الشفافية في مقاصده. الهدف لا يتمثل في كسر الحصار بقدر ما هو إعادة تشكيل معادلة الكلفة؛ إذ تسعى إلى جعل الانتظار عبئاً ثقيلاً على المجتمع الدولي. فكلما طال أمد الأزمة دون أفق واضح للحل، بقي أمن الطاقة العالمي وأسعار الأسواق رهينة للتقلبات السياسية الإيرانية، بما يتيح لها توسيع هامش الضغط وابتزاز النظام الدولي لانتزاع تنازلات، دون أن تقدم في المقابل التزامات حقيقية أو حلولاً مستدامة.

تاريخياً، أثبتت التجارب أن الحوار مع طهران غالباً ما يتحوّل إلى نفق طويل من المماطلة الممنهجة، حيث تسعى الاستراتيجية الإيرانية دائماً إلى تحقيق ثلاثية ثابتة:

تفتيت الإجماع الدولي عبر إطالة النقاشات لخلق فجوات بين واشنطن وحلفائها من جهة، وبين القوى الشرقية من جهة أخرى، وتثبيت المكتسبات الميدانية في استغلال حالة «اللا سلم واللا حرب» لترسيخ نفوذ وكلائها في المنطقة، وأخيراً تجنّب الاتفاقات الشاملة بالهروب من أي صيغة نهائية تضع حداً للتسلح، وتفضيل «أنصاف الحلول» الهشة التي يمكن التحلل منها في أي لحظة.

هذا النهج لا يقف خطره عند حدود الجغرافيا الإيرانية، أو عند حدود الصراع بين نظام إيران والولايات المتحدة، بل يضرب ركائز الاستقرار الدولي والسلم العالمي، فالأمن الإقليمي يبقى معلقاً على فوهة بركان، والاقتصاد العالمي يظل تحت رحمة التهديدات في مضيق هرمز، وإمدادات الطاقة رهن مزاج طهران. إن غياب الإرادة الإيرانية في التوصل إلى اتفاق جاد يعكس رؤية النظام بأن الاستقرار الحقيقي قد يعني نهاية مشروعه التوسعي، لذا يظل الهروب إلى الأمام هو الخيار الأوحد، ليبقى السؤال الجوهري: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يضبط ساعته على توقيت طهران؟ إن السياسة القائمة على امتصاص الضغوط بالمماطلة قد تنجح في إطالة عمر النظام، لكنها كارثية على أمن المنطقة، وبينما يبحث العالم عن «مخرج آمن»، تبحث إيران عن «وقت إضافي»، وبين هذين المسارين تتبدّد فرص السلام وتزداد مخاطر الانفجار.