في السياسة، لا تكمن الخطورة في الاتفاقات المعلنة بقدر ما تختبئ في التفاهمات غير المرئية. وهذا تحديداً ما يفسّر حالة القلق المتصاعدة في المنطقة عقب التباين الصادم بين ما جرى تداوله عن مفاوضات الفريق الأمريكي في إسلام آباد، وما تسرّب لاحقاً من مخرجات اجتماع جنيف.

في إسلام آباد، بدت الشروط الأمريكية حادة وواضحة: وقف كامل للنشاط النووي الإيراني، تسليم اليورانيوم عالي التخصيب، ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون قيود، وإنهاء أذرع طهران المسلحة في المنطقة.. كانت تلك الشروط توحي بأن واشنطن قررت أخيراً التعامل مع أصل الأزمة، وحسم مخاطرها، لكن ما حدث في جنيف أثار أسئلة أكبر من الإجابات المتاحة. فجأة؛ انقلب المشهد رأساً على عقب: مذكرة مبدئية تتحدث عن وقف الاعتداء على إيران وحلفائها، قبول بضخ الأموال الإيرانية المحتجزة، وحديث عن صندوق دعم ضخم بقيمة 300 مليار دولار، هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغيّر خلال أيام قليلة؟ ومن صاحب الكلمة الفصل، ومن المفترض أن يضع اشتراطاته!

المفارقة لا تبدو مجرد تعديل تفاوضي طبيعي، بل تحوّل إستراتيجي يثير الريبة، فإيران لم تغيّر سلوكها الإقليمي، ولم تتراجع عن أدواتها العسكرية، ولم توقف اعتداءاتها التي تهدّد أمن المنطقة بل على العكس، جاءت الهجمات الأخيرة على البحرين والكويت لتؤكد أن الخليج ما زال يدفع كلفة الفوضى الإيرانية الممتدة.

لهذا، يصبح القلق الخليجي مبرراً بالكامل، لأن أي اتفاق يتجاهل ملف المليشيات، أو يمنح طهران سيولة مالية ضخمة دون ضمانات صارمة، قد يتحوّل إلى وقود جديد لعدم الاستقرار، والتاريخ القريب يقول إن الأموال التي يفرج عنها لإيران لا تنعكس غالباً على الداخل الإيراني بقدر ما تتسرّب إلى ساحات الصراع وتسليح المليشيات!

ربما لا تزال هناك بنود سرية لم تتضح بعد، وربما تكون قراءاتنا متعجلة، وربما تحمل الأيام المقبلة تفاصيل مختلفة، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة خطيرة وحسّاسة، حيث لم يعد السؤال: هل هناك اتفاق؟ بل: لمن كُتب هذا الاتفاق، ومن سيدفع ثمنه؟!