شكّل انطلاق أولى الصادرات اللبنانية من مرفأ بيروت باتجاه ميناء جدة، عقب قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر المفروض عليها، بارقة أمل جديدة للاقتصاد اللبناني المثقل بالأزمات في بادرة ليست الأولى من المملكة العربية السعودية وامتداد طبيعي لعمق العلاقات التاريخية بين الرياض وبيروت، وتأكيداً على الدور السعودي الريادي والمستمر في دعم لبنان خلال أقسى ظروفه وأزماته.

كانت -ولا تزال- المملكة العربية السعودية السند الأقوى للبنان في مختلف المحطات التاريخية، فبعد الحروب الطاحنة والاجتياحات التي عصفت بالبلاد، قادت الرياض الجهود الدبلوماسية والمادية لإعادة الإعمار ونزع فتيل الصراع وإحلال الاستقرار في بلد مزّقتها الحروب والنزاعات، ولعل اتفاق الطائف عام 1989 يقف شاهداً حياً على الدبلوماسية السعودية التي أنهت الحرب الأهلية ولمّت شمل اللبنانيين، إذ لم تتوقف المملكة عند الدعم السياسي، بل تدفقت المساعدات المالية والقروض والودائع السعودية في مصرف لبنان لتعزيز الاستقرار النقدي، مكرّسة غايات المملكة في عودة لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة بعيداً عن الفوضى والحروب، ورغم هذا العطاء واجهت العلاقات تحديات جسيمة جرّاء محاولات بعض الأطراف الإقليمية، وتحديداً إيران، اختطاف القرار اللبناني عبر أذرعها، وفي هذا السياق برزت خطورة الدور الذي لعبه حزب الله في إضعاف سيادة الدولة وتوريطها في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح الشعب اللبناني بل جلبت الكوارث والدمار لهذا البلد الجميل!

أمام هذا الواقع، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات شجاعة وقرارات حاسمة تهدف إلى تحجيم الدور السياسي لحزب الله المرتبط بطهران، وتأكيد مرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية، هذه القرارات الجريئة كانت الركيزة الأساسية التي سمحت بإعادة بناء الثقة مع الأشقاء العرب، وعلى رأسهم المملكة وتوّجت بعودة السفن اللبنانية إلى الموانئ السعودية في خطوة تؤكد أن مكان لبنان الطبيعي هو في حضنه العربي، كدولة ذات سيادة حرة لا تقبل الإملاءات والاختراقات وبداية مرحلة جديدة من التعاون القائم على احترام السيادة، ومكافحة التهريب، وتغليب مصلحة الدولة اللبنانية وشعبها الذي يطمح إلى الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعيداً عن دوامات المحاور الضيقة.

لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم بين مشروع الدولة ومشاريع النفوذ الخارجي، وكلما تعزّزت سلطة المؤسسات وتراجع تأثير السلاح خارج إطار الدولة، اقترب من استعادة عافيته ومكانته العربية، وفي هذا المسار تظل السعودية حاضرة بثبات داعماً إستراتيجياً بثقل إقليمي كبير وشريكاً مؤمناً بأن استقرار لبنان وسيادته ركيزتان أساسيتان لأمن المنطقة وسلامها!