في هذا الظرف الإقليمي الملتهب الذي يضرب منطقة الشرق الأوسط وفي مرحلة دقيقة وعاصفة، يبدو العراق وكأنه يعيش امتحاناً جديداً لبلورة معنى الدولة وحدود سلطتها، فالحرب المشتعلة حول العراق ليست خارج حدوده السياسية والأمنية، بل تمتد إلى الداخل العراقي عبر تحركات الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي باتت تتعامل مع الساحة العراقية باعتبارها جزءاً من مشروع نفوذ إقليمي يتجاوز حسابات بغداد ومصالحها الوطنية. وبينما تتصاعد الهجمات والتوترات في منطقة الخليج، يزداد السؤال ثقلاً داخل العراق: أين تقف الدولة فعلياً من كل ما يحدث؟

المشهد العراقي لم يعد يحتمل المزيد من الازدواجية بين سلطة رسمية تمتلك المؤسسات، وقوى مسلحة تمتلك القدرة على فرض الإيقاع الميداني والسياسي. هذا التناقض الطويل أضعف صورة العراق أمام محيطه العربي، وترك انطباعاً متكرراً بأن القرار العراقي ما زال موزعاً بين الحكومة ومراكز نفوذ أخرى تتحرك وفق حسابات خارج الحدود، وفي خضم هذه التعقيدات يصعد علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة بأدوات مختلفة وغير تقليدية؛ فهو يراهن على «الإصلاح المالي» وتجفيف منابع تمويل الفصائل عبر رقابة صارمة على تدفقات الدولار- وهو المسار الذي يحظى بدعم مباشر من واشنطن- كما يحمل مشروعاً تنفيذياً مرتقباً لنزع سلاح الفصائل، وجملة تغييرات في قيادة أجهزة أمنية حسّاسة ضمن حكومته الجديدة. ويعد الزيدي وجهاً مختلفاً عن النمط التقليدي الذي حكم العراق لسنوات حيث لا يحمل خطاباً شعبوياً صاخباً، بل يقدّم نفسه شخصيةً تميل إلى الإدارة الهادئة وإعادة بناء التوازنات الداخلية بأدوات سياسية واقتصادية تراهن عليها أطراف إقليمية ودولية وتفضي إلى فتح نافذة مختلفة للعراق في ظل رغبة واضحة بإعادة بغداد إلى موقع الدولة المؤثرة لا الساحة المفتوحة للصراعات.

الزيدي يدرك أن ملف السلاح المنفلت سيكون الاختبار الأصعب لحكومته، فالفصائل المسلحة لم تعد مجرد تشكيلات أمنية مرتبطة بظروف استثنائية، بل تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى شبكات نفوذ معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والأمن؛ ولهذا فإن أي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة لن تكون خطوة إجرائية سهلة، بل مواجهة طويلة مع إرث كامل من التوازنات الحسّاسة، ومع ذلك تبدو الفرصة الحالية مختلفة إلى حدٍّ ما، فالعراق يواجه حاجة ملحة لاستعادة صورته دولةً مستقرةً وقادرةً على بناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي بعيداً عن سياسات الاستنزاف الإقليمي، ليبقى الرهان الحقيقي على قدرة الزيدي في الانتقال بالعراق من مرحلة إدارة الأزمات المؤقتة إلى مشروع دولة أكثر تماسكاً، تستعيد هيبتها تدريجياً وتعيد تعريف دورها السياسي بعيداً عن الهيمنة والتجاذبات التي أنهكت البلاد لسنوات طويلة.