منذ نشوء الدولة القومية الحديثة نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، عقب توقيع صلح وستفاليا 1648، وهاجس الأمن يشكّل مصدر القلق الرئيس لكيان الدولة. هذا النوع من القلق الأمني مصدره، بصورة أساسية، البيئة الخارجية لكيان الدولة. هذا القلق يأخذ شكلين أساسيين: الأول مباشر.. والثاني، غير مباشر. الخطر المباشر يأتي في صورة الاقتحام المباشر لكيان الدولة، بهدف احتلالها، أو ربما سلب هويتها الوطنية وسيادتها على إقليمها، وقد يأتي هذا الغزو الخارجي بزوال وجود الدولة والقضاء على كينونتها الدولية. الخطر غير المباشر: محاولة زعزعة أمنها الداخلي ونظامها السياسي القائم، الذي هو رمز سيادتها وكرامتها الوطنية.

في كل الأحوال: الدولة تتوجّس خطراً داهماً وناجزاً على أمنها الوطني واستقلالها السيادي، ذوداً عن حياض كيانها الوطني واستقلال قرارها السيادي. حتى في حالة محاولة الدولة تعزيز أمنها (الوطني)؛ بهدف دعمه بأمن (قومي) أوسع لتعاظم إمكانية فاعليته الدفاعية، عن طريق المشاركة في كيانات إقليمية أمنية جماعية، فإن هذا النهج الدفاعي الإقليمي ليس بالضرورة يضمن لها رادعاً أمنياً فعّالاً، ما بالك إذا ما كانت هذه الكيانات القومية الأمنية، لا تتجاوز نصوصها المكتوبة، فيما يبدو أنها معاهدات ملزمة، إلا أنها في حقيقة الأمر غير قابلة للتفعيل، لافتقارها لإرادة سياسية جماعية فعّالة، كما هو الحال في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، تحت مظلة جامعة الدول العربية، التي وقعت في القاهرة (18 يونيه 1951). لذا يظل الخوف يتعاظم على الأمن الوطني للدولة، مُشَكَّلاً هاجساً أمنياً ضاغطاً، على مؤسسات صناعة القرار السيادية بها.

حتى في ظل الكيانات الدفاعية الكبرى، كما هو في حال التحالفات الاستراتيجية العابرة للقارات، لا يمكن ارتهان الأمن الوطني للدول الأعضاء في مثل هذه التحالفات الاستراتيجية الكبرى، بديلاً عن الإمكانات الدفاعية الذاتية للدول الأعضاء، خاصة إذا أوكلت القيادة العسكرية العليا لتلك التحالفات الاستراتيجية لقطب دولي، بعينه، كما هو الحال في حلفي الناتو (معاهدة حلف شمال الأطلسي)، التي وقّعت في واشنطن (4 أبريل 1949) وحلف وارسو، (معاهدة الصداقة والتعاون المعونة المشتركة)، بزعامة الاتحاد السوفيتي)، التي وقّعت في وارسو عاصمة بولندا (14 مايو 1955). كان ذلك في عهد الحرب الباردة، الذي امتد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي (26 ديسمبر 1991)، وكان قد سبق تفكك الاتحاد السوفيتي سقوط حلف وارسو (1 يوليو 1991). لكن بقيت معاهدة شمال الأطلسي، إلى حين حتى اليوم، بل توسعت عضويتها لتشمل دولاً في أوروبا الشرقية كانت تتبع لحلف وارسو.

حتى هذه الأحلاف الاستراتيجية الكبرى، على مستوى الكرة الأرضية، لم تكن توفر الأمان الكافي لأعضائها، وتخلصها من هاجس الأمن، الذي يقض مضاجع مؤسسات صناعة القرار بها، في ظل صراع أممي تحكم سلوك أقطابه معادلة توازن الرعب النووي. في المعسكر الغربي، كان بعض أعضائه الرئيسيين ينتابهم هاجس أمني مشروع من الاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية، في حالة ما حدث المحظور وتطورت وضعية الصراع البارد إلى احتمالية احتدام الصراع الساخن، هل يا ترى تنزع الولايات المتحدة لنجدة حلفائها في أوروبا، مضحّية بأمنها هي، إذا ما تعرّضت لهجوم تقليدي أو غير تقليدي من الاتحاد السوفيتي. الاعتقاد السائد حينها بين قوى كبرى في أوروبا، مثل بريطانيا وفرنسا، في عهد الحرب الباردة، أن واشنطن لن تضحي بأمنها، لنجدة لندن وباريس، إذا ما هاجم الاتحاد السوفيتي أوروبا، فكان قرارهما امتلاك رادع نووي خاص لكل منهما. في الجانب الآخر، كان نفس الهاجس الأمني ينتاب الصين. هذه المرة كان الهاجس الأمني مضاعفاً، عند بكين، تجاه واشنطن وموسكو، معاً، بالرغم من الربطة الأيديولوجية القوية التي كانت تربط بين رفقاء الأيديولوجية الشيوعية للجارتين اللدوتين (روسيا والصين). الصين بدورها أنشأت رادعها النووي الخاص بها، أخذاً بالمثل القائل: لا يحك جلدك مثل ظفرك.

أخيراً تفوق الحس الأمني (الوطني) على وهم الحماية الجماعية (القومي)، عندما صحت أوروبا مؤخراً على عزم الولايات المتحدة التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين، بنهاية العام القادم، كما جاء في ورقة الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة (4 ديسمبر 2025)، تنفيذاً لاستراتيجية الرئيس ترمب تحت شعارَي: أمريكا أولاً.. وعودة عظمة الولايات المتحدة مجدّداً.

باختصار: ليس هناك من ضمانة أمنية حقيقية للوثوق بمظلة الأمن القومي (الإقليمي أو الدولي)، عدا الأمن الوطني، رغم عظم إمكانات المكاسب التكاملية الهائلة، في الاقتصاد والتنمية والازدهار الاجتماعي والتقدّم الحضاري والتسامح الثقافي، بالإضافة إلى مزايا الأمن (القومي) في الدفاع الجماعي المشترك، حيث يظل الأخير (دوماً) احتمالية لا تستند إلى اعتمادية استراتيجية حقيقية. الضمان الأمني الحقيقي، من الناحية الاستراتيجية، لا بد أن يعتمد، أولاً وقبل التفكير في بديل آخر، على إمكانات القوة الحقيقية للدولة، لتحقيق أمن (وطني)، ذي اعتمادية حقيقية فعّالة وكفء، لا على وهم أمن (قومي) تحت شعار الأمن الجماعي المشترك.