أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/258.jpg?v=1776690224&w=220&q=100&f=webp

طلال صالح بنان

التفاوض تحت القصف..!

الحروب الحديثة تفتقر لعنصر الحسم، عدا الحرب الفيتنامية (١٩٥٥-١٩٧٥)، لم تحسم أي حرب بالضربة القاضية، إذا صح التعبير. حتى في حالة الحرب الباردة، سقط أحد قطبيها، بدون قتال. في الشرق الأوسط نشبت بين العرب وإسرائيل أربعة حروب نظامية، لم تُحسم أي منها لصالح أي من طرفيها. في منطقة الخليج العربي نشبت عدة حروب، لم تحسم فيها لأي من أطرافها، كما هو حال الحرب الدائرة هذه الأيام بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. ليس فقط تلك الحروب التي نشبت بعد الحرب الكونية الثانية، لم تحسم نتائجها لصالح أحد أطرافها، بل إن بعض تلك الحروب، كانت تجتمع فيها الدبلوماسية مع القتال، ليس من أجل إعلان انتصار أحد أطرافها وهزيمة الطرف الآخر، بل ليجري الاقتتال على جبهتين (العسكرية والدبلوماسية)، في آن؛ وذلك من أجل العمل على وضع الحرب لأوزارها، لا من أجل تحقيق أي من أطرافها لأهداف لجوئه للحرب، بداية.

في الحرب الأخيرة (الحالية) في الخليج العربي، نلاحظ أن حركة الصراع تأخذ مسارين مختلفين، بل متناقضين. نلاحظ أنه في أثناء استعار الحرب، لم تنقطع حركة الدبلوماسية، بسلكها التفاوضي، لو بصورة غير مباشرة. الولايات المتحدة، رغم مبادرتها بوقف القتال مؤقتاً، إلا أن القتال تواصل، عن طريق إسرائيل، التي لم تستطع حسم حربها لا على غزة ولا على لبنان.

الحرب الأخيرة في منطقة الخليج العربي، التي دخلت شهرها الرابع، لم تنقطع الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. في الوقت الذي ترتفع فيه نبرة العداء بين طرفَي الحرب. الملاحظ في هذه الاتصالات الدبلوماسية، أنها تُجرى بأدوات تفاوضية غير مباشرة، بطلها في كل الأوقات وسيط يقوم بتحركات مكوكية بين طرفَي الصراع، وظيفته الرئيسية نقل رسائل متبادلة بين طرفَي الصراع، دون أن يلتقيا وجهاً لوجه.

مما لا شك فيه أن وضع جبهة القتال العنيف، يفسر إلى حدٍ كبير بطأً وأحياناً جمود جبهة التفاوض غير المباشر بين طرفَي الصراع، مع لجوء طرفَي الصراع إلى التمسك بسقف أهدافهما المعلنة من قرار الحرب. لم تشهد حروب المنطقة، منذ ثمانينات القرن الماضي مثل هذا الجمود في مواقف طرفَي الصراع. عدا التنازل عن سقف كلٍ منهما التفاوضي، نجد كلاً الطرفين متشبثين بمواقفهما المتشدّدة، التي هي وراء خيار الحرب منذ البداية. واشنطن تصر على عدم تمكين إيران من بناء رادع نووي، جرّاء تمسكها بحقها، في أن يكون لها برنامج نووي سلمي. هذا موقف لا ترى فيه طهران أي غضاضة من أن يذهب الأمريكيون بقصب الفوز به، لأن طهران منذ البداية كانت تعلن أنها لا تسعى لبناء رادع نووي، وكل ما تطلبه هو إقامة برنامج نووي للأغراض السلمية، وإن كانت تصر طهران على أن يشمل ذلك قدرتها على توفير اليورانيوم المخصب، ذاتياً... وهو ما يعني بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين احتمالية أن تلجأ طهران لاحقاً لبناء رادع نووي، إن هي قررت ذلك.

القضية الإستراتيجية التي تدور حول محورها حركة الصراع، بذراعيها العسكري والدبلوماسي، هي قضية الصواريخ الباليستية، التي لدى إيران، وتطلب واشنطن تقييد مداها وعددها، حتى لا تطال إسرائيل. إيران من جانبها تصر على احتفاظها بحق أن يكون لديها رادع إستراتيجي غير تقليدي، كفؤ وفعّال، من أجل حماية أمنها القومي، طالما إسرائيل تتمتع بسيادة جوية في المنطقة، لا أقل من توفر لدى إيران رادع إستراتيجي تقليدي ضد ذراع إسرائيل الطويلة، وإن كانت طهران مستعدة للتخلي عن قواعدها القريبة من إسرائيل، كما هو حال علاقتها مع حزب الله في لبنان ومليشيات حلفائها في العراق واليمن، إلا أنها لن تتنازل عن قدراتها الدفاعية، بعيدة المدى لتطال إسرائيل، وأي وجود للقوات الأمريكية، في المنطقة.

ثم نأتي للقضية الأهم، بالنسبة للمفاوض الأمريكي، ألا هي هاجس حرية التجارة الدولية، التي تشكّل عصب التفكير الإستراتيجي في المنطقة. بينما تعزّز إيران من وجودها الجيوسياسي وتأثيرها على ما يشكّل شريان الملاحة الدولية للطاقة في المنطقة، بتأثيرها الإستراتيجي المتمثل في تحكمها على مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحييد دور إيران التحكم في مضيق هرمز، لأن التعثر في هذا الأمر يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها في مواقع إستراتيجية مهمة، مثل مضيق ملقا وممر تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، مما يؤثر على وجودها في تلك المنطقة، في أي واجهة محتملة مع الصين.

في غياب الحسم العسكري، في منطقة الخليج العربي، فإن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه، ربما تأجيلاً للحسم، لجولة أو جولات قتال مستقبلاً، تلعب فيها الحرب، دوراً أكثر حسماً، من ذلك الذي قد توفره الدبلوماسية. في كل الأحوال، كما يُقال: الحرب ما هي إلا إدارة للدبلوماسية، لكن بصورة عنيفة.

00:19 | 9-06-2026

بين الأمن الوطني والأمن القومي..!

منذ نشوء الدولة القومية الحديثة نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، عقب توقيع صلح وستفاليا 1648، وهاجس الأمن يشكّل مصدر القلق الرئيس لكيان الدولة. هذا النوع من القلق الأمني مصدره، بصورة أساسية، البيئة الخارجية لكيان الدولة. هذا القلق يأخذ شكلين أساسيين: الأول مباشر.. والثاني، غير مباشر. الخطر المباشر يأتي في صورة الاقتحام المباشر لكيان الدولة، بهدف احتلالها، أو ربما سلب هويتها الوطنية وسيادتها على إقليمها، وقد يأتي هذا الغزو الخارجي بزوال وجود الدولة والقضاء على كينونتها الدولية. الخطر غير المباشر: محاولة زعزعة أمنها الداخلي ونظامها السياسي القائم، الذي هو رمز سيادتها وكرامتها الوطنية.

في كل الأحوال: الدولة تتوجّس خطراً داهماً وناجزاً على أمنها الوطني واستقلالها السيادي، ذوداً عن حياض كيانها الوطني واستقلال قرارها السيادي. حتى في حالة محاولة الدولة تعزيز أمنها (الوطني)؛ بهدف دعمه بأمن (قومي) أوسع لتعاظم إمكانية فاعليته الدفاعية، عن طريق المشاركة في كيانات إقليمية أمنية جماعية، فإن هذا النهج الدفاعي الإقليمي ليس بالضرورة يضمن لها رادعاً أمنياً فعّالاً، ما بالك إذا ما كانت هذه الكيانات القومية الأمنية، لا تتجاوز نصوصها المكتوبة، فيما يبدو أنها معاهدات ملزمة، إلا أنها في حقيقة الأمر غير قابلة للتفعيل، لافتقارها لإرادة سياسية جماعية فعّالة، كما هو الحال في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، تحت مظلة جامعة الدول العربية، التي وقعت في القاهرة (18 يونيه 1951). لذا يظل الخوف يتعاظم على الأمن الوطني للدولة، مُشَكَّلاً هاجساً أمنياً ضاغطاً، على مؤسسات صناعة القرار السيادية بها.

حتى في ظل الكيانات الدفاعية الكبرى، كما هو في حال التحالفات الاستراتيجية العابرة للقارات، لا يمكن ارتهان الأمن الوطني للدول الأعضاء في مثل هذه التحالفات الاستراتيجية الكبرى، بديلاً عن الإمكانات الدفاعية الذاتية للدول الأعضاء، خاصة إذا أوكلت القيادة العسكرية العليا لتلك التحالفات الاستراتيجية لقطب دولي، بعينه، كما هو الحال في حلفي الناتو (معاهدة حلف شمال الأطلسي)، التي وقّعت في واشنطن (4 أبريل 1949) وحلف وارسو، (معاهدة الصداقة والتعاون المعونة المشتركة)، بزعامة الاتحاد السوفيتي)، التي وقّعت في وارسو عاصمة بولندا (14 مايو 1955). كان ذلك في عهد الحرب الباردة، الذي امتد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي (26 ديسمبر 1991)، وكان قد سبق تفكك الاتحاد السوفيتي سقوط حلف وارسو (1 يوليو 1991). لكن بقيت معاهدة شمال الأطلسي، إلى حين حتى اليوم، بل توسعت عضويتها لتشمل دولاً في أوروبا الشرقية كانت تتبع لحلف وارسو.

حتى هذه الأحلاف الاستراتيجية الكبرى، على مستوى الكرة الأرضية، لم تكن توفر الأمان الكافي لأعضائها، وتخلصها من هاجس الأمن، الذي يقض مضاجع مؤسسات صناعة القرار بها، في ظل صراع أممي تحكم سلوك أقطابه معادلة توازن الرعب النووي. في المعسكر الغربي، كان بعض أعضائه الرئيسيين ينتابهم هاجس أمني مشروع من الاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية، في حالة ما حدث المحظور وتطورت وضعية الصراع البارد إلى احتمالية احتدام الصراع الساخن، هل يا ترى تنزع الولايات المتحدة لنجدة حلفائها في أوروبا، مضحّية بأمنها هي، إذا ما تعرّضت لهجوم تقليدي أو غير تقليدي من الاتحاد السوفيتي. الاعتقاد السائد حينها بين قوى كبرى في أوروبا، مثل بريطانيا وفرنسا، في عهد الحرب الباردة، أن واشنطن لن تضحي بأمنها، لنجدة لندن وباريس، إذا ما هاجم الاتحاد السوفيتي أوروبا، فكان قرارهما امتلاك رادع نووي خاص لكل منهما. في الجانب الآخر، كان نفس الهاجس الأمني ينتاب الصين. هذه المرة كان الهاجس الأمني مضاعفاً، عند بكين، تجاه واشنطن وموسكو، معاً، بالرغم من الربطة الأيديولوجية القوية التي كانت تربط بين رفقاء الأيديولوجية الشيوعية للجارتين اللدوتين (روسيا والصين). الصين بدورها أنشأت رادعها النووي الخاص بها، أخذاً بالمثل القائل: لا يحك جلدك مثل ظفرك.

أخيراً تفوق الحس الأمني (الوطني) على وهم الحماية الجماعية (القومي)، عندما صحت أوروبا مؤخراً على عزم الولايات المتحدة التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين، بنهاية العام القادم، كما جاء في ورقة الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة (4 ديسمبر 2025)، تنفيذاً لاستراتيجية الرئيس ترمب تحت شعارَي: أمريكا أولاً.. وعودة عظمة الولايات المتحدة مجدّداً.

باختصار: ليس هناك من ضمانة أمنية حقيقية للوثوق بمظلة الأمن القومي (الإقليمي أو الدولي)، عدا الأمن الوطني، رغم عظم إمكانات المكاسب التكاملية الهائلة، في الاقتصاد والتنمية والازدهار الاجتماعي والتقدّم الحضاري والتسامح الثقافي، بالإضافة إلى مزايا الأمن (القومي) في الدفاع الجماعي المشترك، حيث يظل الأخير (دوماً) احتمالية لا تستند إلى اعتمادية استراتيجية حقيقية. الضمان الأمني الحقيقي، من الناحية الاستراتيجية، لا بد أن يعتمد، أولاً وقبل التفكير في بديل آخر، على إمكانات القوة الحقيقية للدولة، لتحقيق أمن (وطني)، ذي اعتمادية حقيقية فعّالة وكفء، لا على وهم أمن (قومي) تحت شعار الأمن الجماعي المشترك.

00:12 | 12-05-2026

في مسألة المضايق والقنوات البحرية..

يُثار جدلٌ هذه الأيام حول المرور عبر مضيق هرمز. إيران تزعم أنها لم تغلق المضيق، وإن ظلت تردد أنها تسيطر على الملاحة عبره. في حقيقة الأمر: طهران تعرقل الملاحة عبر المضيق، بل وتفرض رسوماً على عبوره. الولايات المتحدة، من جانبها، تعلن أنها، ولضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز أقدمت على حصار الموانئ الإيرانية، من أجل الضغط على إيران لقبول شروط واشنطن لوقف الحرب. ترى من على صواب في عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، واشنطن أم طهران؟

إذا ما تجاوزنا أسباب الحرب بين واشنطن وتل أبيب، من جانب وإيران من الناحية أخرى، فإن لا موقف طهران ولا واشنطن من عرقلة الملاحة في مضيق هرمز يستند إلى مرجعية القانون الدولي. ليس هذا فحسب، بل بالرغم من الخلل الخطير في ميزان القوة بين الجانبين، لصالح الولايات المتحدة، فإن استمرار إيران في الحرب رغم الدمار الشديد، الذي أصاب دفاعاتها العسكرية.. وطال بنى مجتمعها التحتية.. ونال من مؤسسات ورموز نظامها السياسي، فإن متغيّر القوة عاجزٌ عن ادعاء أيٍّ من طرفي الحرب، قدرته على حسم النزال بينهما، باستخدام القوة، الذي قد يكون من تبعاته السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز.

إذن: لا متغيّر القانون الدولي، ولا ذلك المستند على القوة المجردة، يدعم حجة أيٍّ من طرفي الحرب في تبرير سلوكهما بعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز. قانون البحار يعتبر مضيق هرمز ممراً بحرياً طبيعياً، لا يحق للدولة أو الدول المطلة عليه أن تتحكم في العبور منه وإليه، ولا حتى فرض رسوم ومكوس على استخدامه، لا في وقت السلم أو الحرب. قانون البحار يمنع الدول المطلة على المضيق، وحتى الدول المتحاربة، من أن تعرقل حرية التجارة الدولية من استخدام المضيق في المرور البريء للسفن التجارية. هذا ينطبق على جميع المضايق الدولية، بما في ذلك التي تحكمها اتفاقات ومعاهدات دولية، مثل مضيقي البسفور والدردنيل، اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط من خلال بحر مرمرة، وتسيطر عليهما تركيا.

اتفاقية مونترو 1936 منحت تركيا السيطرة على المضيقين، في وقت الحرب لمنع الدول المتحاربة في البحر الأسود من استخدامه، وكذلك دخول أي قوى خارجية عبوراً للمضيق، بهدف المشاركة في القتال، إذا ما نشب بين الدول المتشاطئة للبحر الأسود، مثل حالة الحرب الأوكرانية الروسية. إلا أن الاتفاقية، وإن اعترفت بسيطرة تركيا على المضيقين، إلا إن ذلك لا يرقى لمستوى السيادة المطلقة لإسطنبول عليهما، كفرض رسوم مرور في وقت السلم أو الحرب، نظير استخدام المضيقين.

هذا يفسر بناء تركيا لقناة موازية اصطناعية (قناة إسطنبول)، للسيطرة الكاملة على المرور من وإلى البحر الأسود وبحر مرمرة، وصولاً للبحر المتوسط، لتجاوز إجراءات مرور القطع الحربية من حيث الحمولة والتسليح، المقصود بها بالذات روسيا الاتحادية.. مع السماح لتركيا بفرض رسوم عبور من خلال القناة، لتفادي التكدّس المزدحم للسفن التجارية والحربية، التي تنتظر دورها للعبور، حيث يأخذ الانتظار وقتاً طويلاً، عند مدخلي المضيقين، تماماً مثل قناة السويس، التي تخضع للسيادة الكاملة المصرية، في وقت السلم بفرض رسوم مرور على السفن التجارية والقطع الحربية.. بينما تحتفظ مصر بحقها في منع السفن المعادية من استخدام قناة السويس، وقت الحرب أو حالة الحرب. بموجب اتفاقية القسطنطينية لسنة 1888.

الفرق الجوهري بين المضايق البحرية الطبيعية، مثل مضيق هرمز ومضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق ملقا ومضيق ماجلان، وتلك الاصطناعية، مثل قناة السويس وقناة بنما وقناة إسطنبول التي يجري حفرها الآن، أن المضايق الطبيعية لا تتحكم في المرور عبرها، دخولاً إليها وخروجاً منها والمرور بها الدولة أو الدول المتشاطئة المطلة عليها، لا في وقت السلم ولا في وقت الحرب، وجعلها في كل الأوقات مفتوحة لحركة التجارة الدولية. غير القنوات الاصطناعية التي تمتلك الدولة المطلة عليها السيادة على الأراضي التي تخترقها تلك القنوات، بمنع الدول المعادية، في زمن الحرب أو أثناء فترة حالة الحرب، دون قتال ناشب، مع فرض رسوم عبور على السفن التجارية والقطع البحرية العسكرية المستخدمة للقناة الاصطناعية، في أوقات الحرب، التي لا تشارك فيها الدول المالكة لتلك القنوات غير الطبيعية.

في كل الأحوال: القانون الدولي، وكذا العرف السائد حول التحكم في حركة المرور من خلال تلك المضايق البحرية الطبيعية والقنوات الاصطناعية يخدم، بصورة أساسية، حرية حركة التجارة العالمية، كما لا يحق للدولة أو الدول المطلة على تلك المضايق الطبيعية، أن تعرقل حرية حركة التجارة الدولية، لأي سبب من الأسباب. الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة القانونية (الدولية)، في الاختلاف بين مفهوم السيادة، في حالة القنوات الاصطناعية.. وواقع مجرد الإطلالة الجيوسياسية، على دفتي المضايق البحرية الطبيعية. كما أن وضع السيادة على القنوات الاصطناعية، لا يعني السيادة المطلقة. هناك ضوابط تحكم المرور في الممرات المائية الاصطناعية، على الدول التي تقع داخل إقليمها مراعاتها واحترامها. وكذا تكلفة التأمين والتقدّم التكنولوجي في صناعة المواصلات البحرية، خضوعاً لقاعدة حرية حركة التجارة العالمية المطلقة.

00:01 | 21-04-2026

بين الحرب والدبلوماسية..

من أهم أدوات السياسة الخارجية للدولة أداتا الدبلوماسية والعسكرية. الأداتان تتكاملان مع بعضهما البعض، في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة. هاتان الأداتان، يربط بينهما قاسم أمني وسياسي مشترك، يعملان في تناغم حصري، بحيث لا تستغني الدولة عن وظيفتهما المتداخلة، قبل أو أثناء أو بعد إدارة أزمات سياستها الخارجية، للحصول على أكبر العوائد المتوقعة، في الأمن: من غوائل تقلبات بحر السياسة الدولية العاصف.. واتقاء تقلبات سلوك الأعضاء اللاعبين على مسرح السياسة الدولية، غير المتوقعة والمفاجئة أحياناً.

الفرق الجوهري بين هاتين الأداتين الاستراتيجيتين للذود عن أمن الدولة وخدمة مصالحها الإقليمية والدولية، يكمن في طبيعة حركة سلوكهما، رغم استراتيجية توجههما المتناسقة. الدبلوماسية هي بمثابة القفاز الذي تستخدمه الدولة في توجيه وتلقي ضربات حركة الصراع مع خصومها الإقليميين والدوليين على حلبة السياسة الدولية، يخفي داخله القوة المادية (الضاربة)، التي تواجه بها الدولة خصومها الدوليين والإقليميين. قفاز الدبلوماسية الناعم هذا، يحمي قوة الدولة الضاربة من ضربات سلوك الدول الأخرى العنيفة، وفي نفس الوقت يحتفظ بقوة ردع فعّالة، لحدٍّ ما، لمنع الخصوم والأعداء الخارجيين، ليس في بدء القتال فقط، بل أثناءه وبعد استنفاد طاقته، لرفع درجة ضمان عدم تكراره.

لهذا قيل إن الحرب هي أداة سياسية لإدارة الأزمات، لكن بصورة عنيفة. فالحرب، ليست غاية في حد ذاتها. هي ليست، بدايةً، قراراً رش في ذاته، للذود عن أمن الدولة وخدمة مصالحها الخارجية، وذلك لغموض كفاءته وضعف وثوقية عائده، في توقع مخرجاته. كثيرٌ من الحروب تنشب بين الدول، بسبب خطأ في حساب تكلفة وعائد إطلاق زمام القوة على عوائنه دون حساب عواقب ذلك، بدقة. كما أن الحرب، رغم جهود لجم عقالها، إلا أن عقالها قد يفلت، عن طريق الخطأ أو سوء التقدير... وهذا الاحتمال هو الأقرب في «سيناريوهات» احتمالية نشوب الحروب الحديثة، غير التقليدية، بالذات.

رغم شبكات الاتصال المعقدة بين الخصوم الدوليين في تفادي الحروب غير التقليدية، أو الحروب التقليدية الباردة أو الساخنة، خوفاً من تحوّلها إلى حروب غير تقليدية، إلا أنه ليس من المستبعد تماماً، أن تنطلق الصواريخ المزوّدة بالرؤوس النووية، من صوامعها الأرضية الحصينة، ومن الغواصات في أعماق البحار والمحيطات، ومن الطائرات الاستراتيجية التي تطوف أجواء الكرة الأرضية (24/7)، نتيجة لخطأ بشري أو عُطل تشغيلي، غير مقصود وغير محسوب توقع حدوثه، أو تصور تفاعله.

في كل الأحوال قرار الذهاب إلى خيار الحرب، رغم إغراءات غوايته وربما ما قد يبدو من رشادة توجهه ووثوقية فاعليته ووجاهة مبرره، إلا أنه يحتاج لتبرير مشروعية حركته وخلفية أخلاقيات اللجوء إليه. هنا يقفز دور الدبلوماسية في مرحلة ما قبل المغامرة باتخاذ قرار الحرب. الدولة قد تلجأ في هذه المرحلة للمبالغة في تقدير الخطر الخارجي، الذي يهدّد أمنها، لتبرير أي استباق لدرئه، قبل أن يتطوّر من مرحلة توقع حدوثه، إلى مرحلة تفعيل حركته. في هذه الحالة تبدأ الدبلوماسية في تفسير، إن لم يكن تبرير البدء بالقتال، بحجة الدفاع الوقائي لاستباق خطر استراتيجي داهم وناجز على أمنها القومي، على وشك الحدوث.

كما أن قرار الحرب «العادلة»، ليس هناك أفضل من الدبلوماسية للترويج لشنّها. من أهم وأخطر مبررات الحرب «العادلة»، هنا: الزعم بأن الدولة من خلال التحضير لأي مواجهة محتملة، بما فيها احتمالية اللجوء للقوة، إنما تستخدم حقها الطبيعي، غير القابل للتصرف، للدفاع عن نفسها والذود عن أمنها وخدمة مصالحها الإقليمية والدولية، لمواجهة الخطر الاستراتيجي الداهم والناجز، الذي يتهدّدها. كما أن جدل الحرب «العادلة»، عادةً ما يرتبط بأيديولوجية استراتيجية تتجاوز تهديد الدولة، إلى تطور حالة من الذعر الاستراتيجي، على وجود الدولة، نفسه. ما لم تبادر الدولة لدرء، وليس فقط ردع أي خطر استراتيجي يهدّد كيانها الوجودي، فإن الأمر لا يحتمل الانتظار، حتى تزول الدولة نفسها، من الوجود.

لن يعجز صانعو السياسة الخارجية من إيجاد مبررات لشن الحروب، ولا لتبرير سوء عواقب الانجرار إليها والاستسلام لغواية ضعفهم في مقاومة وتجنّب جاذبية إغرائها، الذي يزيّن لهم عذوبة وطلاوة اتخاذ قرار شن الحرب، في كثير من الأحيان، دون حساب تبعاتها بدقة وموضوعية. وهم دوماً ما يجدون، أو يهيأ لهم أنهم يجدون في مناورات الدبلوماسية أداة فعّالة وكفء وأقل تكلفة في إدارة أزمات السياسة الخارجية لبلدانهم، قبل وأثناء وبعد استخدام القوة على مسرح السياسة الدولية شبه الفوضى المفتقر للانضباط المنظم.

الأداتان العسكرية والدبلوماسية دوماً متلازمتان في تناغم ثنائي متكامل، للذود عن أمن الدولة والدفاع عن مصالحها في أي نظام دولي أو إقليمي، يفتقر بطبيعته لسلطة مركزية تتحكم وتضبط سلوك أعضائه.

00:15 | 14-04-2026

سلام القوة.. والقوة من أجل السلام

حتى في أكثر شطحات المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية وفي علم السياسة، بصفة عامة، لا يمكن أن يُعزى السلام لمتغيّر القوة، وحده. في كل الأحوال: القوة هي أداة مادية عنيفة مرجعيتها في الطبيعة أنها أداة للتوازن، وليست حركة مادية لإحداث التوازن، ومن ثَمّ سيادة السلام. القوة، في النهاية: هي ليست غاية، في حد ذاتهأ، بل وسيلة لتحقيق السلام، الذي هو في أجلّ حالاته تحقيق التوازن في الطبيعة، من أجل إعمار الكون. حتى الكوارث الطبيعية العنيفة، التي ليس للإنسان دخلٌ فيها مثل: البراكين والزلازل والعواصف والطوافين، وحتى الانقراضات الكبرى، هي دلائل على حياة كوكب الأرض، لإحداث طفرات بيولوجية وتضاريسية وجيولوجية، تساعد على جعل الحياة نفسها أكثر ملائمة لاستمرارها وتطورها وتحسينها، على كوكب الأرض، بجغرافيته الصخرية من اليابسة والماء، يحمي الأرض ويحفظ توازن حركتها الفلكية، غلاف جوي يسقفها ومجال مغناطيسي كفء، ينضم تعاقب الليل والنهار عليها، ودورانها المنتظم في محورها حول الشمس.

إذن: السلام هو الحالة الطبيعية، لازدهار الحياة على كوكب الأرض، بينما حركة القوة، سواءً كانت مصطنعة بفعل ما يُزعم من طبيعة الإنسان الشريرة.. أو بسبب تطوّر الحياة الطبيعية، بفعل حركة العنف الذاتية، في حياة كوكب الأرض، إنما هي أداة للتوازن أو إعادة التوازن للحياة على ظهر البسيطة، وليست القوة، في حد ذاتها حركة عنف سرمدية، تشكّل القاعدةّ والغاية، في حد ذاتها، لتفسير طبيعة الحياة على كوكب الأرض.

من يزعم أن السلام لا يأتي إلا عن طريق القوة، فهو لا يتحدث عن سلام مَنْ خلق الكون، ولا عن السلام الحقيقي، الذي يعكس حالة التوازن الطبيعية للحفاظ على الحياة على كوكب الأرض (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) مريم: 40.

التاريخ، يحدثنا، أنه لم يحدث أن تمكّنت قوة بعينها، أن فرضت سلامها على الأرض، بصورة شاملة، لفترة طويلة. الإسكندر الأكبر بلغت يومها إمبراطوريته مشارق ومغارب العالم حينها، ولم تمكث حتى يبلغ الثلاثين من عمره. بريطانيا العظمى، التي أوجدت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس (العهد البريطاني 1815- 1914)، لم تصمد لأكثر من مئة عام. هتلر الذي زعم أن رايخ الثالث سيمكث ألف سنة انتحر على أنقاض عاصمة الرايخ الثالث، في يوم ميلاده السادس والخمسين.

الولايات المتحدة، التي تزعمت العالم، لثمانية عقود، ترتكز شرعية هيمنتها الكونية، بعد الحرب العالمية الثانية، على حرية التجارة العالمية، في بحار العالم، وعبر المضايق المائية، الطبيعية منها والاصطناعية. قارن هذا بما كانت بريطانيا تفعله لحماية عهدها الكوني، عندما أرسلت قوات لفتح طريق الرجاء الصالح مرتين (حرب البوير الأولى 1880 – 1881 حرب البوير الثانية 1899 – 1902). في ثمانينيات القرن الماضي أرسلت المرأة الحديدية رئيسة وزراء بريطانيا المحافظة حينها مارجريت تاتشر (1925 – 2013) أسطول بلدها لفرض سيادتها على جزر الفوكلاند القاحلة، بعد احتلالها من الأرجنتين، فيما عُرف بحرب الفوكلاند، التي استمرت لـ 74 يوماً، (2 أبريل – 14 يونيو 1982)، حينها كانت لندن في ذلك الوقت تفكر في تقليص قوتها البحرية الضاربة، ونسي العالم حينها لقب بريطانيا العظمى. الفارق هنا بين القوتين العظميين: أن الولايات المتحدة عملت طوال فترة هيمنتها الكونية، في عهد الأمم المتحدة الحالي، على جني امتيازات مكانة الهيمنة الكونية، دون أن تدفع تكاليف المكانة الكونية الرفيعة هذه التي تتبوؤها، بينما كانت بريطانيا العظمى، لم تكن تبخل الإنفاق على عهدها الكوني، الذي استمر لقرن من الزمان.

السلام الحقيقي لا يتحقّق إلا عن طريق نهج الطبيعة الإلهي المتوازن. سلامٌ لا يكون فرضه عن طريق غطرسة القوة.. سلامٌ لا يكون فيه استسلام لطرف في الصراع. سلامُ الأنداد لا الأضداد.. سلامٌ يضع حداً لإغواء القوة الغاشمة، لا الاستسلام لإغراء وغشومية القوة الباطشة. السلام الحقيقي هو ذلك السلام القائم على الديمومة النسبية، على الأقل، حتى تختل معادلة التوازن بين أطراف الصراع من القوى العظمى. السلام الحقيقي هو سلامٌ بين أحرار، سلامٌ دائمٌ، لا استسلاماً قسرياً، تتولد عنه حروب أكثر عنفاً وأشد ضراوة، عاجلاً أم آجلاً.

لا بديل عن السلام الحقيقي، الذي يساهم في إعمار الكون.. ويحفظ للطبيعة توازنها وازدهارها، ويحقق استقرار الحياة وتطورها وصمودها، ويحقق إرادة الله في سيادة الحق والعدل صوناً لكرامة الإنسان.

00:33 | 7-04-2026

تحولاتٌ على مسرح السياسة الدولية..!

هناك إرهاصات على مسرح السياسة الدولية توحي بإحداث تحوّلات كبيرة وجذرية على نظام الأمم المتحدة، قد تقود إلى زواله. هذه التطورات الجديدة على مسرح السياسة الدولية تنبئ بإحداث آليات جديدة غير تلك التي تسبّبت في تعاقب الأنظمة الدولية الحديثة، التي بدأت باكتشافات الجغرافيا الكبرى (العالم الجديد)، بقاراته الأمريكية الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية).

من كان يصدّق، قبل عشر سنوات، أن العلاقات بين الحلفاء الغربيين (أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية)، حيث يسودها الآن التوتر وعدم الاستقرار، يغلب عليها الشك والتوجس وعدم الثقة، هي أقرب للعداء، كتلك التي سادت بينهم في فترة ما بين الحربين، وانتهت باندلاع الحرب الكونية الثانية. أوروبا الغربية، التي اعتمدت على المظلة الأمنية الأمريكية، بعد أن ركنت إلى سخاء الولايات المتحدة، وقت إعادة الإعمار والانطلاق نحو نجاحات اقتصادية، تُوّجت بإقامة علاقة تكاملية قوية. أوروبا حينها أمِنت مكر واستبعدت غدر الحليف الأمريكي، لتصحو ذات يوم، وقد قلب عليها ظهر المجن، لتصبح واشنطن أكبر خطر استراتيجي على أمن أوروبا، يفوق بمراحل الخطر الذي يمثله الدب الروسي، شرقاً.

في عهد إدارة الرئيس ترمب (الحالية) أبدت أطماعاً في التوسع والسيطرة. لقد اكتشفت أوروبا خطأها الجسيم المتمثل في وضع بيض أمنها ورفاهها الاجتماعي في سلة الولايات المتحدة لتكتشف، فجأة، أن الخطر الحقيقي على أمنها يأتيها من الغرب وهي كانت تنتظره من الشرق. واشنطن بدأت بـ«معيرة» أوروبا الغربية بأنها وراء رفاهية مجتمعاتها الاقتصادية.. والأخطر أن الإحساس بالأمن الذي يشعرون به هو بسبب المظلة الأمنية التي وفرتها لهم واشنطن، وقد جاء الوقت لتدفع أوروبا ثمن كل ذلك لواشنطن، وبأثرٍ رجعي!؟

الولايات المتحدة لم تعامل حلفاءها بهذا الجفاء والقسوة فقط، بل نراها تلتفت إلى جارتها الشمالية مطالبة كندا بأن تلتحق بالولايات المتحدة لتصبح الولاية الواحدة والخمسين، وأن تفعل ذلك برضاها، أفضل لها! في أوروبا عبَّرت واشنطن عن أطماع توسعية، عندما طالبت بضم وإلحاق جزيرة جرينلاند إليها!

هذه هي النزعة التوسعية الصارخة، التي تخاطب بها الولايات حلفاءها التقليديين (الديمقراطيين)، في مجتمعات دول أوروبا الغربية وكندا. لقد أُسقط في يد حلفاء واشنطن هذا التحوّل العدائي الحاد نحوهم من قبل حليفهم الاستراتيجي الأول، الذي لم يترك لهم خياراً سوى الإذعان والاستسلام له، وإلا جُردوا من الحماية الاستراتيجية الأمريكية.. وعَرَّضوا اقتصادهم للخطر، بفرض تعريفات جمركية قاسية، تحرمهم من سوق الولايات المتحدة، التي بنوا اقتصادياتهم على ديمومة بقاء أبوابها مشرعة لسلعهم وخدماتهم، واستثمار فائض ميزانهم التجاري في شراء سندات الحكومة الأمريكية، بعد أن أودعوا لديها كل احتياطاتهم من الذهب، مستبدلينه بالدولار الأمريكي (الورقي).

مبدئياً: حلفاء الولايات المتحدة الأوربيون وجارتها في الشمال تلقوا صدمة هذا التحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية، ووصلوا إلى قناعة راسخة أن أمنهم القومي لا يمكن بعد اليوم أن يُركن للولايات المتحدة الأمريكية. قناعة استراتيجية لن يُساوموا عليها، بعد اليوم. هذه لم تكن هفوة من رئيس أمريكي يرفع شعار أمريكا أولاً، ويحرك مؤيديه اليمينيين بمشاعر شعبوية يعدهم فيها باستعادة عظمة أمريكا، من جديد.

استعادة التوازن للأمن الأوروبي وكندا، بعد الآن، يكون بالعمل على الاعتماد أولاً وأخيراً على النفس في تحقيق الأمن الاستراتيجي الذاتي. خطوة استراتيجية أولية مهمة، لكنها تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت والجهد والمال لتفعيلها. في الأثناء، وجد الأوروبيون والكنديون حليف الضرورة الزمنية (الصين) لمواجهة أي تصرفات أمريكية متهورة، وحتى يحموا ظهرهم من جبهة الشرق الروسية.

كندا كانت أكثر جرأة بمواجهة حرب التعريفات بالمثل، بل ذهبت بعيداً بتطبيق إجراءات أكثر جرأة، بغلق أجوائها في وجه الملاحة الجوية وسلاسل الإمداد البرية، مما يؤثر مباشرة على جيب المواطن الأمريكي. هذا دفع عشر ولايات أمريكية لعقد حكامها، مخالفين للدستور الأمريكي، اتفاقات تجارية مع الحكومة الكندية، لضمان استمرار انسياب التيار الكهربائي لولاياتهم، وإلا باتت منازل ومصانع ومنشآت ١٢٢ مليون أمريكي بلا تيار كهربائي.

الرئيس ترمب عمل ربكة خطيرة على مسرح السياسة الدولية، يجعل من المستحيل استمرار الحال على ما هو عليه، حتى لو فشل المشروع، ورجعت الولايات المتحدة إلى رشدها وسابق عهدها. لكن الرئيس ترمب يبدو أنه لن يترك السلطة بسهولة، كما جاء في خطاب الاتحاد يوم الأربعاء الماضي، مما يعقّد الأمور أكثر.

00:16 | 3-03-2026

حرب التعرفات الجمركية

العالم لم يعد قرية صغيرة، بل ساحة صراع ممتدة ومتسعة. عهد العولمة انتهى على يد إدارة الرئيس ترمب. فكرة التكامل الإقليمي والدولي، كبديل عملي عن حركة الصراع على مسرح السياسة الدولية، لم تعد لها وجود. أكبر قيمة في عالم الاقتصاد السياسي الليبرالي، التي تحددها عبارة دعه يعمل دعه يمر، لم تعد ذات معنى عند من يزعمون أنهم رواد الليبرالية الاقتصادية في العالم.

الرئيس ترمب أحيا من جديد فكرة الممارسة الماركينتالية التقليدية، التي عفا عليها الزمن، لتعود تتحكم في حركة التجارة الدولية. عندما تأخذ رائدة الرأسمالية العالمية، باستراتيجية حمائية شرسة، فعلى اقتصاد العالم السلام. صحيح الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد في العالم. كما أن بالولايات أكبر سوق عالمية. عملة الولايات المتحدة (الدولار)، هي عملة أممية، تقاس بها أسعار معظم السلع والخدمات على مستوى العالم، بالذات النفط.. وتشكل أهم الأصول النقدية لمعظم دول العالم. كما أن الولايات المتحدة تتمتع بميزة تنافسية في كثير من المنتجات الصناعية والزراعية والخدمية، بما لا تتمتع به الكثير من دول العالم. يتمتع المصرف الفيدرالي بسلطة أممية مهيمنة على الاقتصاد العالمي.

هذه القوة الاقتصادية الجبارة الناعمة تجعل قوة واشنطن الصلبة (الاستراتيجية)، بشقيها التقليدي وغير التقليدي، عديمة الحاجة إليها. يكفي وزارة الخزانة أن تفرض مقاطعة على دولة ما، لتشل تلك الدولة اقتصادياً. بل إن جبروت وزارة الخزانة الأمريكية يمكن أن يطال أطرافاً طبيعيين واعتباريين، ليست لهم أية سمة سياسية مباشرة، بوضعهم في القوائم السوداء، وتجبر بنوك العالم، بما فيها بنوكهم المحلية، على عدم التعامل معهم وتجميد أموالهم، إلى ما لا نهاية.

لكن مكانة الولايات المتحدة المهيمنة هذه كانت وما زالت تعتمد على السياسة الاقتصادية الليبرالية التداخلية، التي اتّبعتها الولايات المتحدة، طوال العقود الثمانية الماضية، أكثر منه تعبيراً عن متانة وقوة الاقتصاد الأمريكي. الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم مديونية، تعتمد في دعم ميزانيتها الفيدرالية على إصدار سندات بالدولار الأمريكي، لتتراكم مديونيتها الخارجية. لو عجزت أو تأخرت مرة واحدة عن دفع فوائد السندات التي تصدرها فإن الثقة في الدولار تنهار.

ثم إن قوة الاقتصاد الأمريكي ترجع بصورة أساسية لأجواء الحرية الاقتصادية، التي سادت العلاقات التجارية، خلال عهد طويل من الحد من السياسات الحمائية. فتح الحدود وحرية حركة رؤوس الأموال وعقد اتفاقات التكامل الاقتصادي والتأكيد على مبدأ الميزة التنافسية للوصول إلى أسعار عادلة للمنتجات السلعية والخدمية في السوق العالمية، قاد إلى ما عُرف بعهد العولمة. كل تلك المتغيرات، التي لا علاقة لها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، ساهمت في تعزيز المكانة المهيمنة الرفيعة للاقتصاد الأمريكي.

حدث التحول الكبير في الفكر والممارسة الاقتصادية الأمريكية عندما رفعت إدارة الرئيس ترمب شعار أمريكا أولاً. هذا الشعار الشعبوي يعني العودة للعزلة، ونبذ تاريخ طويل من التداخلية في السياسة الخارجية الأمريكية. يعني ثانياً: العودة للحمائية التجارية، منهيةً تاريخاً طويلاً من الليبرالية الاقتصادية سادت الاقتصاد العالمي، برعاية أمريكية في المقام الأول. من بداية ولايته الثانية أعلن الرئيس ترمب حرباً تجارية عالمية، ضد معظم دول العالم، إن لم تكن كلها، بفرض حزمة من التعرفات الجمركية تراوحت بين ١٥٪؜ و١٠٠٪؜ على الواردات الأمريكية، لكثير من السلع والخدمات.

حرب التعريفات الجمركية هذه تستند إلى متغيرات اقتصادية، ليست بعيدة عن تطلعات سياسية توسعية. أولاً: الرئيس ترمب يستند إلى كِبَر وتنوع السوق الأمريكي، زاعماً أن العالم استغل مبدأ الحرية الاقتصادية، لسرقة الولايات المتحدة. ثانياً: أن حلفاء أمريكا التقليديين في العالم استنزفوا ثروة الشعب الأمريكي، بالاعتماد كلياً على المظلة الأمنية الأمريكية. ثالثاً: كل ما تطلبه الولايات المتحدة هو تحقيق أجواء «عادلة» في حركة التجارة الدولية، لا استمرار الظلم لأمريكا، باستغلال سوقها الكبير، واتباع البعض سياسات حمائية ضد السلع الأمريكية وتعمد البعض خفض عملاتهم، لزيادة صادراتهم للولايات المتحدة. رابعاً: استراتيجية حرب التعريفات قامت على تقدير خاطئ من أن زيادة التعريفات على الواردات لن تضير كثيراً أو طويلاً المستهلك الأمريكي، ولا يقوى أي اقتصاد خارجي على تحديها أو مجاراتها.

لكن في حقيقة الأمر: ارتدت استراتيجية التعريفات الجمركية سلباً على الاقتصاد الأمريكي. الكثيرون يرون في التعريفات الجمركية ضرائب غير مباشرة على المستهلك الأمريكي، ولا تضير فقط الشركاء التجاريين لواشنطن. واشنطن ليست حرة تماماً في فرض التعريفات الجمركية. شركاؤها التجاريون قادرون على ذلك أيضاً. قطاع الزراعة في الاقتصاد الأمريكي، على سبيل المثال، تضرر كثيراً من فرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين، عندما فرضت الصين تعريفات مضادة على واردات الصين من فول الصويا، مما سبب أضراراً فادحة للمزارعين الأمريكيين.

كما كان الحال تاريخياً: الحروب التجارية، ليست بأقل مضاء من الحروب العسكرية. السياسات الحمائية سلاح ذو حدين، لا يمكن استخدامه من طرف دولي دون أن يرتد عليه بأضرار اقتصادية غير محتملة. ثم إنه كثيراً ما تلد حروب التعريفات الجمركية حروباً عسكرية بينية وأممية.

00:00 | 24-02-2026

فضيحة القرن

العالم، طوال تاريخ البشرية المكتوب وحتى من قبل ذلك، يُحكم بسلطة السياسة وجبروت الثروة وإغواء الجنس. متى تجتمع السلطة والمال، حتى مع وجود رقابة ومحاسبة على مؤسسات السلطة ورموزها، تكون هناك ثغرات للفساد السياسي والمالي والأخلاقي تنخر في كواليس السياسة وغياهب دهاليز سطوة المال وإغواء نزوات النفس.

مقولة: لا أخلاق في السياسة، التي نسبت للمفكر ورجل السياسة نيقولا ميكيافيلي (1469-1527)، كانت تنحصر في ممارسات العمل السياسي وكواليس مؤامراته. هذه الزاوية، التي كان ينظر إليها ميكيافيلي لتفسير السلوك السياسي لمن هم في السلطة والطامعين فيها، بعيدة كل البعد عن شبهة أخلاقية لها علاقة بسلوكيات شاذة قد تسيطر على سلوك المشاهير، وتجرهم إلى ارتكاب جرائم أخلاقية شاذة، تأباها النفس البشرية.. السوية وتشمئز منها الفطرة الإنسانية السليمة.

الوثائق التي يُتكلم عنها اليوم كله (وثائق جيفري إبيستين) كشفت فضائح للثالوث المرعب (السلطة، الثروة والجنس) مما تَخْبُرُ به الممارسة السياسية في أي مجتمع، لا فرق مَنْ تحكمه مؤسسات رقابية ومحاسبية تبدو صارمة، أو تلك التي تحكمه سلطة سياسية. بل أحياناً يُخبرنا التاريخ عن زعامات سياسية مستبدة، في غاية الزهد والتقشف، غير قابلة لسطوة الثروة وإغواء الجنس، إلا في حدود ضيقة خاصة جداً، مترفعة عن ارتكاب جرائم فساد مالي أو إغواء جنسي شاذ، تترتب عليهما جرائم يعاقب عليها القانون وتستهجنها أعراف البشر وفطرة الإنسان الطبيعية. في العصر الحديث، لننظر إلى سلوك أدولف هتلر وستالين وموسيليني وفدل كاسترو، وفي الجانب الآخر روزفلت وبل كلينتون وكنيدي: نزوات جنسية عادية عابرة أو مستدامة، قد يستسلم لإغوائها بعض الناس، دون أن يكونوا أصحاب سلطة أو مال أو مكانة سياسية أوجاه اجتماعي.

ما كُشف من ملفات ووثائق عن شبكة إفساد وإجرام سلوكي شاذ لجيفري إبيستين وضيوفه في جزيرته الشيطانية، بعيد كل البعد عن أي فساد أخلاقي متوقع من أي سلوك إنساني يعكس ضعفاً يتسق مع ضعف وإغواء النفس البشرية الأمارة بالسوء. كشفت تلك الوثائق شبكةً للرقيق الأبيض، تتجاوز تاريخ أقدم مهنة مارسها البشر، إلى سلوك يعكس هوساً جنسياً شاذاً يُمارس ضد بنات قُصّر، لم يصل تطورهن البيولوجي لمعرفة وظائف جهازهن التناسلي، بعد. ليس هذا فحسب، بل هؤلاء البنات الصغار لم يتعرّضن فقط لاستغلال جائر لإعراضهن، بل إلى ممارسات سادية تصل أحياناّ إلى القتل، بل أكل لحومهن، بعد تعذيبهن! مستوى من الهوس الجنسي المريض، الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً له من قبل.

الأخطر في هذه الممارسات الشاذة، التي كشفتها وثائق جيفري إبيستين، كان أبطالها مشاهير كبار بعضهم وصل لمكانة رفيعة مهابة وحسّاسة في مجتمعهم، بل إنّ بعضهم تسنّم مقاليد السلطة، سواء كان حاكماً سابقاً، أم حاكماً حالياً. قد يُفهم أنّ أصحاب الثروة قد ينغمسون في ملذات الجنس، فهم من حيث ملاءتهم المالية قادرون على الإنفاق ببذخ على نزواتهم وشهواتهم قد تكلفهم نصف ثرواتهم في بعض المجتمعات، إذا كانوا متزوجين، لكن أصحاب السلطة ما كان لهم أن ينزلقوا لهذا الدرك الأسفل من السقوط الأخلاقي المخزي، استسلاماً لنزواتهم الشاذة المريضة. توثيق تلك الممارسات، صورةً وصوتاً، لا يعني إلا شيئاً واحداً ابتزازاً سياسياً، ليتخذوا أولئك الساسة والنافذون قرارات بموجب مناصبهم السياسية ووضعهم النافذ، لصالح طرف دولي ثالث، وإلا يكونوا عرضةً لتهديدهم لنشر ذلك، على الملأ علناً.

لقد ظهر أن جيفري إبيستين مدرس الرياضيات السابق، يعمل لصالح أسوأ دولة مارقة في مجتمع الدول، تربط وجودها القومي، بابتزاز زعماء دول كبرى، أو دولٌ وظيفية هامشية. كما أظهرت تلك الوثائق، إبيستين وهو يُسَخِر ما يدور في جزيرة الشيطان التي يمتلكها لخدمة تلك الدولة المارقة المعادية للسلام، التي لم يكن لدول عظمى مسؤولة عن سلام العالم وأمنه، أن تتحكم في سلوكهم السياسي وقراراتهم العالمية، دون التورط بابتزازهم، عن طريق توثيق ممارستهم الشاذة مع قاصرات في حفلات هوس جنسي صاخب يتجاوز مجرد ممارسة الجنس الحرام، إلى التورط في جرائم قتل بشعة وشاذة، لم تعرفها حتى مجتمعات البشر البدائية.

00:00 | 17-02-2026

أمن الدولة القومي: أهدافه.. مبرراته.. مسؤوليته.. عوائده وأوهامه

هناك نظريتان في العلاقات الدولية تحاولان تفسير سلوك الدول، على مسرح السياسة الدولية. هاتان النظريتان تحاولان الإجابة على سؤال استراتيجي، بالغ الخطورة والحساسية السياسية الأمنية. هذا السؤال هو: ماذا تريد الدولة، من بيئة مسرح السياسة الدولية المتلاطم الأمواج، الذي يسبق أعاصيره، عادة، هدوء يشوبه التوتر والحذر والتوجس.

يأتي الأمن في مقدّمة اهتمام، إن لم نقل: قلق الدولة، أي دولة، من محيطها الإقليمي وعالمها الدولي. الأمن هو مصدر الاهتمام الأول للدولة، أي دولة، عند تعاملها مع محيطها الإقليمي وعالمها الدولي غير المنضبطين. هنا يبرز عنصر القوة، برافديها الصلب والناعم، كملاذٍ استراتيجي أول. رموز الدولة الكبار، يفرض عليهم الدستور، قبل تقلدهم لمناصبهم السيادية العليا، القسم: بالحفاظ على نظام الدولة السياسي.. والذود عن أمنها القومي، من أي عدوٍ محتملٍ داخلي أو خارجي، ليُنهى القسم بعبارة: التعهّد بالحفاظ على وحدة إقليم الدولة وسلامة أراضيها. القوة هنا ومواردها الحقيقية والمحتملة تبلغ شأناً استراتيجياً متقدّماً في أولويات السياسة العليا للدولة، حتى ليكاد متغيّر القوة هذا أن يصبح غايةً، في حد ذاته، عند روّاد ومنظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، بكافة مراحل تطورها.

الأمن مهم بالنسبة للدولة، لأنه لا يعتمد على توفر موارده، حماية الدولة من أعدائها الحقيقيين والمحتملين، حفاظاً على وجود الدولة، نفسه، فحسب... بل أكثر: إنه يحفّز تنمية اقتصادية واجتماعية، في مجتمع الدولة، ليصبح الاستثمار في متغيّر الأمن، أهم أصول وركائز ضمان وجود الدولة.. واستقرار نظامها السياسي، ونشر السلام المجتمعي في ربوع إقليمها. متى توفر الأمن القومي (الرادع) للدولة، مهما بلغت تكلفة ذلك، أمكن تفعيل تنمية حقيقية.. وضمان سلام مجتمعي، يرسّخان من شرعية وجود الدولة.. ويضمنان استقرار نظامها السياسي، والازدهار المستدام لمجتمعها.

بعد تجربة ثمانية عقود من الهدوء والتقدم في ربوع مسرح الصراع الأول في العالم (أوربا)، حتى أن المجتمعات الأوروبية شارفت على نسيان تاريخها الدموي وصراعاتها العنيفة وحروبها الكبرى، نرى متغيّر القوة يطلّ برأسه من جديد، ليخترق هذا الوهم، الذي عاشته المجتمعات الأوروبية في سلام غير حقيقي زائف، في ظل ما يسمى بالتعايش السلمي والتكامل الإقليمي.

حرب روسيا على أوكرانيا كانت الشرارة، التي تسبّبت في عودة شبح عدم الاستقرار للقارة العجوز، كما يصفها زعيم المعسكر الغربي الديمقراطي، حليفها الأول (الولايات المتحدة). كما أن الولايات المتحدة، نفسها التي تكفّلت بدفع فاتورة سلام النار التي ظلت تضطرم تحت الرماد، لثمانية عقود، نراها اليوم تتذمّر من استمرار دفع تكلفة هذا السلام الخادع، ليفيق الأوروبيون على حقيقة أن ما يحفظ السلام في القارة العجوز هو: القوة المجردة التي تنبع من إمكانات ذاتية حقيقية، وليس من حليف لا يُؤمَن جانبه أبداً، كما لا يُستبعد غدره مطلقاً.

نفس المأساة تتكرر في نظامنا الإقليمي العربي. كان للعرب عالمياً السبق في تجربة خيار التعاون والتكامل والدفاع المشترك، وكان أن أُنشئ أول نظام تكاملي إقليمي في العالم، بعد عام فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا. لقد أنشأ العرب نظامهم الإقليمي الرسمي الجديد، قبل شهرين وثلاثة أيام فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية. كان الهدف الاستراتيجي من قيام جامعة الدول العربية (٢٢ مارس ١٩٤٥) هنا (أمني) استشعاراً بخطر احتمال قيام دولة يهودية في فلسطين. تجربة إقليمية مصغرة (مجلس التعاون لدول الخليج العربي)، هو الآخر، أُنشئ لغرض أمني في المقام الأول (٢٥ مايو ١٩٨١).

سواء تجربة جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كلاهما لم يحققا الهدف الأمني (الاستراتيجي) من إنشائهما. دول وازنة في العالم العربي لم تعد ترى في إسرائيل عدواً استراتيجياً للعرب، بل نرى أعضاء في الجامعة العربية تتقاطر للتطبيع مع إسرائيل.في كل الأحوال: يظل هاجس الأمن القومي للدولة قائماً، ما دامت حالة عدم الاستقرار المزمنة تطغى على مسرح السياسة الإقليمية والدولية. بالتبعية: مسؤولية الأمن القومي هي مسؤولية وطنية (خالصة)، تعتمد في المقام الأول على عناصر القوة الوطنية الذاتية (الحقيقية والمحتملة). وإن كان من قيمة أمنية مضافة تستقطعها الدولة من موارد البيئة الخارجية، إلا أنه في النهاية: تظل مسؤولية الأمن القومي من مهام مؤسسات الدولة السيادية العليا، ومصدر شرعية نظامها السياسي (حصرياً)، تعتمد أساساً على عناصر القوة الوطنية، بمقوّماتها الصلبة والناعمة.

الدولة المُهَابة إقليمياً والفاعلة على مسرح السياسة الدولية، هي دولة أولاً وأخيراً، تمتلك رادعاً أمنياً فعّالاً يمتد إلى خارج تخوم إقليمها يغطّي عمقها الاستراتيجي، بكفاءة وفاعلية وإمكانات ردع طاغية، تتبناها وتسندها إرادة سياسية قادرة وواثقة وجسورة، ليكون المنتج النهائي لدينا: دولة مستقرة سياسياً.. غنية اقتصادياً.. متقدّمة حضارياً ومحبة للسلام، حقيقة.

00:09 | 10-02-2026

الحدود الدولية والحدود الآمنة

أحياناّ يبدو أن عنصر الإقليم (الثاني) أهم من عنصر السكان (الأول)، من عناصر الدولة الثلاثة، رغم أن عنصر السكان هو عمود خيمة الدولة، ولولاه لما نشأت الدولة، بدايةّ. ذلك أن مشروع الدولة لا يمكن ضمان استقراره، ومن ثَمَّ بقائه، بدون إقليم آمن يمكن الدفاع عنه من أي خطر يتربّص به من الداخل أو الخارج.

لذا: هناك نوعان من الحدود تفصلان بين بدء سيادة (دولة) وأخرى أو أخريات. الأول: ظاهر مادياً بتضاريسه وما يحويه من موارد، يتكون من يابسة وماء وما يعلوه من مجال جوي (الحدود الدولية). الثاني: ما يُُعرف بالحدود الآمنة، التي تبحث عنها كل دولة، لضمان أقصى إمكانات الدفاع عن إقليمها. الحدود الآمنة هذه تُرسم بخط موازنٍ للحدود الدولية. خط (وهمي) غير ثابت ومرن تبعاً لمقتضيات الأمن القومي وترتيبات خطط وإمكانات التوسع، متى أمكن ذلك. الحدود الآمنة لا تظهر في أطلس الدول، بل تُرسم من قبل مؤسسات صناعة السياسة الخارجية السيادية.

الحدود الدولية، بين الدول، كثيراً ما تكون مناطق احتكاك، بل وأحياناً نزاع. في كل الأحوال: الهاجس الأمني، تاريخياً، يظل في الخلفية السياسية للدول قابلاً لاستعادة النزاعات الحدودية، حتى تلك التي تمت تسويتها في اتفاقات ومعاهدات أمنية، لأنه في النهاية: لا الحبر على الورق.. ولا حُسن النوايا.. ولا الاتفاقات والمواثيق الدولية.. ولا التحالف مع القوى الكبرى ولا حتى الموانع الطبيعية توفر الأمن والاستقرار والهدوء المستدام لحدود الدولة مع جيرانها. بصورة عامة. هذا ما يُعرف استراتيجياً بالحدود الآمنة.

الدولة، في سعيها الدؤوب للذود عن حِمَى أمنها القومي، كثيراً ما تُمَدِّد حدودها الآمنة إلى ما وراء حدودها الدولية، تفرض الأخذ بها واعتمادها مقتضيات أمنها القومي. حتى أن بعض الدول لا تكتب دساتير لها، حتى لا تحدد مجال إقليمها، بل حتى أنها تُجاهر أحياناً بالسعي لرسم حدود آمنة، مدفوعة بأغراض توسعية على حساب أمن جيرانها، دون أن تحدد بدقة أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي. خذ مثلاً هنا إسرائيل. الولايات المتحدة اليوم لم تَعُد ترى في عرض المحيط الأطلسي شرقاً حدوداً طبيعية آمنة، لتمد حدودها شرقاً بضم جزيرة غرينلاند المتجمدة، شراءً أو استحواذاً لمقتضيات أمنها القومي، كما تزعم.

تاريخياً: سعي الدول لرسم حدود آمنة لها، ما وراء خطوطها الدفاعية (الدولية)، حيث الكتلة السكانية لمواطنيها، يشكل هاجساً أمنياً لدوائر مؤسسات صناعة القرار السيادية فيها. تَصوّر: لو أن مِصْرَ على سبيل المثال: كانت حدودها الدولية حيث يتركز أغلبية سكانها بين ضفتي نهر النيل، أو حتى حدود شبه جزيرة سيناء مع فلسطين شرقاً، تراها تشعر بالأمن (استراتيجياً). لا طبعاً. مصر تاريخياً: ظلت ترسم حدودها الشرقية، حيث يأتي الخطر الاستراتيجي الأساس على أمنها القومي، ما وراء شبه جزيرة سيناء شرقاً، إلى بلاد الشام، بل وحتى هضبة الأناضول، معركة قونية الفاصلة مع الأتراك (٢١ ديسمبر ١٨٣٢). منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة عقدت مِصْرُ في عهد رمسيس الثاني معاهدة السلام مع الحيثيين (معاهدة قادش ١٢٥٨ – ١٢٥٩ ق.م) أكدت فيها مصر أن حدودها الآمنة تصل لقلب منطقة الشام. تكرر ذلك عندما هزمت مصر التتار في معركة عين جالوت، قرب مدينة نابلس الفلسطينية (٣ سبتمبر ١٢٦٠). جنوباً: كانت حدود مصر الفرعونيّة الآمنة تمتد إلى منابع نهر النيل، حتى وُثِّقت ١٩٢٩ في اتفاقية تقسيم مياه النهر بين مصر وأُوغندا وتنزانيا وإثيوبيا.

كل دولة، وإن لم تعلن عن حدودها الآمنة عندها خريطة موازية لحدود أمنها القومي، تُعرف أحياناً بعمقها الاستراتيجي. حال الشعور بالخطر تجاه مقتضيات أمنها القومي تنشط حواس الدولة الأمنية، فتبادر الإعلان عن حدودها الآمنة إلى ما وراء حدودها الدولية، مستخدمةً قواها الصلبة والناعمة، ذوداً عن حِمَى أمنها القومي.

هذا ما فعلته (بالضبط) المملكة العربية السعودية، شهر ديسمبر الماضي، عندما تحركت بحزم وعزم وحسم، لمواجهة الخطر الداهم الذي تطور على حدودها الجنوبية، فيتحول إلى شعور غريزي بتهديدٍ بَيّنٍ وناجز لأمنها القومي. عندها وجّهت الرياض، لمن تسبب في ذلك، إنذاراً صارماً حاسماً، أن ينسحب من المنطقة خلال أربع وعشرين ساعة، الذي بدوره سَارَعَ بالإعلان أنه سيسحب وجوده العسكري في اليمن، بعد ست ساعات. بالتبعية: تهيأ المسرح لقوى المملكة الصلبة والناعمة، بأن تؤكد أن حدودها الآمنة تمتد، ليس إلى حدودها الدولية، فحسب، بل إلى عمقها الاستراتيجي ما وراء إقليم شبه الجزيرة العربية، لتضم تخوم منطقة الشرق الأوسط من جنوب هضبة الأناضول والشمال الأفريقي شمالاً، إلى ما وراء بحر العرب إلى المحيط الهندي جنوباً.. والقرن الأفريقي والجزء الشمالي من شرق أفريقيا، بامتداد العمق الأفريقي من جنوب الصحراء الكبرى، وحتى شمال شرق المحيط الأطلسي شرقاً.

الرياض، بضربة استراتيجية حاسمة أفصحت للعالم أجمع عن حدودها الاستراتيجية الآمنة، وجرى الاعتراف بها وبمشروعيتها الاستراتيجية (أممياً).. ورسخت لذلك بجهد دبلوماسي رفيع المستوى كفء وفعّال، بأن المملكة قادرة على الذود عن حِمَى أمنها القومي بعزيمة وحسم، وبإرادة سياسية: قادرة، وواثقة، وجسورة.

00:03 | 3-02-2026