أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/258.jpg?v=1776690224&w=220&q=100&f=webp

طلال صالح بنان

الحرب ثقب الدول الأسود

بتوفر العناصر الأساسية لقيام الدولة (الشعب، الإقليم والحكومة الوطنية)، تصبح الدولة مؤهلة لعضوية مجتمع الدول، ولن تكتمل مسوغات العضوية الدولية، إلا بإعلان الدولة حبها للسلام والتزامها عملياً بميثاق العضوية الدولية وتمسكها بالقيم التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها المخلص بمحددات التعايش السلمي ونبذها اللجوء للعنف، بكافة أشكاله، بالذات اللجوء لخيار الحرب لتسوية خلافاتها مع أعضاء المجتمع الدولي الآخرين. عندها تنتقل مسؤولية الدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة إقليمها، لمجتمع الدول، وليس حصرياً من اختصاص ومسوغات إمكانات قدراتها الدفاعية المحدودة وحدها، كما تقتضي مسوغات وضرورات بقاء كيانها الوجودي.

من هنا يأتي الخطر الإستراتيجي الأول على أمنها الوطني، من خارج حدود كيانها العتيد من الجهتين الإقليمية والدولية، أكثر منه من عناصر مكوّنات كيانها الوطني الداخلية، مهما بلغت منعتها أو هشاشة قدراتها الدفاعية. حتى في ظروف تعقد مستويات استقرار الدولة السياسي الداخلي، وضآلة إمكانات قدرتها على البقاء، بما في ذلك تفاقم مشاكل مستويات استقرارها الداخلي، بنشوب احتمالات الحرب الأهلية. تبقى مسؤوليات تحدي مخاطر استقرار الدولة الداخلي، مسؤولية أممية جماعية، حتى في حالة اشتداد تعقيد تحديات استقرارها الداخلي. المجتمع الدولي، في كل الأحوال من مسؤوليات الحفاظ على النظام الدولي السائد، الحفاظ على مصالح أعضائه الوطنية، ولن تكون مسؤولية حفاظ الدولة نفسها، من اختصاصات نظامها الداخلي حصرياً.

في كل الأحوال: أي احتمال للتغيّر الداخلي، تكون من مسؤوليات النظامين الإقليمي والدولي، وليس بالضرورة يكون حصرياً، لإمكانات وقدرات الدولة، التي بطبيعتها تكون محدودة. أي تغيير جذري في مكوّنات النظام السياسي للدولة، هو في حقيقة الأمر، من مسؤوليات البيئتين الإقليمية والدولية، التي يأتي منهما الخطر الإستراتيجي الأول لاستقرار الدولة الداخلي. على سبيل المثال: مؤسسات النظام الدولي السائد، في عصرٍ من العصور، يوفر حصانة أمنية شاملة لاستقرار النظام السياسي الداخلي لأعضائه من الدول، في مواجهة أي احتمال لتغيير النظام الداخلي للدول، بعيداً عن القوانين (غير العنيفة)، لتداول السلطة سلمياً.

من أهم الضغوط التي توفرها البيئتان الإقليمية والدولية لضمان الاستقرار الداخلي للدولة عدم الاعتراف بأي تغيير داخلي للسلطة لا يأتي عن طريق آليات التغيير السلمية، التي ينص عليه دستور الدولة. لم يعد مقبولاً في مجتمع الدول المتحضر، القبول بأي تغيير في النظام الداخلي للدولة، عن طريق العنف، مثل الانقلابات العسكرية.. أو التدخلات الخارجية، لإحداث تغيير قسري في النظام السياسي القائم، بالذات عندما تكون مؤسسات النظام السياسي القائم، في الدولة أتى بالطرق الديمقراطية المرعية.

لهذا نلاحظ مؤخراً فشل محاولات التغيير العنيف في مؤسسات ورموز النظام القائم لأي دولة من الدول، يأتي عن طريق العنف، كما هو الحال في الانقلابات العسكرية، أو التدخل الخارجي لإحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي للدولة. هناك في كثير من الدول ضوابط عملية تفرض على حكومات الدول عدم الاعتراف بأي شكل من أشكال التغيير القسري في أنظمة الدولة الأخرى، لا تراعي مسوغات التغيير السلمي للسلطة، التي يحكمها القانون الداخلي للدول. لم يعد مسوغاً أن تتدخل الدول لتغيير النظام السياسي الداخلي لأي دولة، لاعتبارات سياسية بعيداً عن إرادة مصادر الشرعية القائمة في الدولة، باستخدام القوة، من قبل أي مؤسسات داخلية تعمل على استغلال احتكارها الحصري لمصادر القوة الصلبة في المجتمع مثل الجيش والشرطة، دعك من أي شكل غير رسمي لاستخدام العنف المنظم، مثل ما هو الحال في وجود مليشيات غير نظامية أو منظمات غير نظامية، تتحدى مؤسسات الدولة الرسمية احتكارها لأدوات القوة الجبرية في المجتمع.

رغم هذا التوجه الأممي لحماية أعضاء النظام الدولي لاستقلال وسيادة أعضائه، بسبب عضويتهم النشطة لنصرة وحب السلام، فإن الخطر الأساسي على أمن وسلامة استقرار أعضاء النظام الدولي (الدول)، مازال يأتي من البيئتين الخارجيتين (الإقليمية والدولية)، بصورة أساسية. الحرب تظل هي المتغيّر الأساس لإحداث تغيير جذري في النظام الأساسي لأي دولة، بما في ذلك إمكانات زوال الدولة، نفسها. مهما بلغت حساسية وهشاشة عوامل عدم الاستقرار في أي دولة، يظل المتغيّر الخارجي، هو عامل عدم الاستقرار الأهم في التأثير السلبي على استقرار الدول. الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧٠٤) يؤكد: أن الدول متى أقيمت على أسس العقد الاجتماعي، الذي تم بموجبه الانتقال من حالة الطبيعة الأولى إلى حالة المجتمع السياسي المتمدين، فإن الخطر الأساس ضد بقاء الدولة واستقرارها يأتي من الخارج. مهما اشتد التوتر الداخلي. تغيير النظام الداخلي للدولة، لن يتسبّب في زوال الدولة، بل الغزو الخارجي هو الذي يمحو الدول من خريطة أي نظام دولي قائم.

الحرب، وليس غير الحرب، ما يحدد مصير الدول، إما بقاؤها أو زوالها.

منذ ساعتين

مضيق هرمز بين حرية الملاحة وادعاءات السيادة

يقضي القانون الدولي وقانون البحار وما هو متعارف عليه بين الدول وما يقر به النظام الدولي أن المضايق والممرات المائية الطبيعية مناطق مشاع استخدامها للجميع، كما هو حال المياه الدولية في أعالي البحار والفضاء الخارجي، ومناطق القارتين الشمالية والجنوبية المتجمّدتين. وليس لدولةٍ ما أو أي شخصية دولية اعتبارية أو خاصة أن تدعي السيادة عليها، بأي شكلٍ من الأشكال، لتمنع أو تحول دون أي قوة أو شخصية اعتبارية دولية أو خاصة من استخدامها، بالذات في أوقات السلم. أما المضايق والممرات المائية والمسطحات المائية التي تشترك دولتان أو أكثر في الإطلالة عليها، كالأنهار والبحيرات والقنوات المائية الاصطناعية، أيضاً لا يترك للدول أو الدولة التي تقع ضمن إقليم دولة ما أن تطبّق عليها متغيّر السيادة المطلقة، بل تحكمها اتفاقات ومعاهدات دولية، كما هو في حالة قناة السويس ومضيقي البسفور والدردنيل في تركيا.

إن كان هناك من سيادة لدولة ما على سواحلها المتشاطئة مع بحار دولية.. أو محيطات في أعالي البحار، أو تلك التي تتقاسم إطلالة مباشرة على مضايق أو ممرات مائية دولية طبيعية، سواء بصورة حصرية بأن يَطْبّق إقليمها على ضفتي الممر أو المضيق المائي الطبيعي، فإن هذا الوضع الجيوسياسي، لا يخوّل هذه الدولة أو الدول الأخرى منع أو حرمان المرور في وقت السلم للدول الأخرى، بهدف عرقلة حركة التجارة الدولية.. أو فرض حصار على الدول المتشاطئة، لهذه المضايق الدولية والمسطحات المائية.

من هنا يمكن فهم الوضع الاستثنائي، الذي نشأ حول مضيق هرمز، بين الدول المتحاربة، في منطقة الخليج العربي، حيث كل فريق من الأطراف المتحاربة يحاول استخدام ورقة مضيق هرمز، لصالح جهده القتالي، لمنع الخصم من أي دعاوى سيادية أو حرية الملاحة عبر المضيق، سواء لأسباب سلمية أو خدمة لأي مجهود حربي يفرضه. مبدئياً، لا تحول حالة الحرب التي تسود المنطقة، من استخدام المضيق لدواعٍ استراتيجية (قتالية)، فإن جدلية حرية الملاحة البريئة، لن تصمد أمام حالة الحرب المتأججة في المنطقة. متغيّر القوة والقوة وحدها، في هذه الحالة، هو من يكون له القول الفصل، في هذا الأمر. مع ذلك، وفي كل الأحوال: الطبيعة القانونية لن تتأثر في تفسير المضيق من وجهة نظر قانون البحار، ولا عند الرأي العام العالمي، الذي عليه أن يتأقلم مع حالة الحرب المشتعلة في منطقة الخليج العربي، حتى تضع الحرب أوزارها.

جيوسياسياً، تخدم وضعية المضيق الجيوسياسية مصلحة إدارة إيران للحرب، أكثر منها قدرة وإرادة الولايات المتحدة في تحدي الوضع الجيوسياسي للمضيق، الذي تضغط إيران لتفرضه، باعتباره ورقة ذات قيمة استراتيجية عالية في إدارة الحرب. الغريب هنا أن طهران تجادل بالسيادة على المضيق لتبرير منطق إغلاقه واستخدامه كسلاح في حربها مع الولايات المتحدة. طهران هنا: تتجاهل حقيقة أنه، حتى لو أخذنا بنظرية السيادة التي تزعمها، فإنها من الناحية الجيوسياسية، لا تتحكّم بصورة حصرية في السيادة على المضيق، إذ إن سلطنة عُمان تشاركها في الإطلالة على المضيق، من الناحية المقابلة (الغربية). كما أن سلطنة عُمان، وهي ليست طرفاً مباشراً في الحرب لا تشارك طهران في ادعاء السيادة على المضيق، وفي ظل عجز طهران الحقيقي عن تنفيذ وفرض ما يترتب عليها من ادعاءات السيادة على المضيق، مع الوقت لن تستطيع طهران الاستمرار في التهديد بإغلاق المضيق، ولن تتمكّن من تحصيل رسوم مرور للعبور فيه، جيئة وذهاباً، لا في أثناء القتال.. ولا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ما يحسم قضية وضع مضيق هرمز، والحرب مشتعلة الآن، هو القوة والقوة وحدها. الولايات المتحدة لا ترغب في استثمار فائض القوة لديها للسيطرة الفعلية على حركة العبور في المضيق، خوفاً من ارتفاع تكلفة ذلك المادية والبشرية والسياسية.. ومن جانبها: لن تتمكّن طهران ولا تمتلك من القوة الرادعة ما تفرض به ادعاءاتها بالسيادة على المضيق للتمكّن من التحكّم في حركة الملاحة فيه إلى ما لا نهاية.

باختصار: مهما كانت نتائج الحرب الدائرة في المنطقة، فإنه لن يطرأ أي تغيير في الوضعية الدولية للمضيق كممر مائي دولي، بعد الحرب، حيث يظل قانون البحار يحكم حركة الملاحة فيه.

00:00 | 21-07-2026

عقلانية الدولة وتهور المنظمة..

السياسة، بطبيعتها، سلوك صراعي عنيف، محورها ظاهره السلطة، الوصول إليها والبقاء فيها. لكن الصراع على السلطة لا يعني أبدية القول بتوقع توحش طبيعتها السلوكية. بالعكس: يمكن استئناس حركة الصراع عليها. هذا ينطبق على مرحلة الوصول إليها والبقاء فيها. إمكانية استئناس الصراع على السلطة هذه، من أهم مؤشرات التنمية السياسية للمجتمعات السياسية. كلما مالت حركة الصراع على السلطة لسلمية تداولها، كان هذا مؤشراً على تقدّم مجتمع من المجتمعات سياسياً عن تلك التي تجذرت فيها طبيعة الصراع (المادي العنيف) على السلطة، حتى يصبح هذا العنف في حركة تداول السلطة سمة من سمات سلوك الوصول إلى السلطة والبقاء فيها. حتى ليصبح البقاء في السلطة سلوكاً أشد شراسة من محاولة الوصول إليها والاستحواذ عليها.

هنا نقطة يجب الإشارة إليها: وجود آليات مؤسساتية للتعامل (سلمياً) مع حركة الصراع على السلطة لا يعني إزالة عنف حركة الصراع عليها. عنف حركة الصراع على السلطة دوماً يكون موجوداً، تطوير المجتمعات لطرق سلمية في استئناس وتهذيب حركة الصراع على السلطة، لا ينفي عنف السلوك السلبي في خطاب حركة الصراع. ممكن توقع عنف الحملات الانتخابية (خطابياً) لدرجة تقترب من السلوك المادي العنيف، ما دون الاحتكام لحركة الصراع الدموي العنيف على السلطة، دون توقع حصول ذلك. على سبيل المثال: في الحملات الانتخابية لشغل المناصب السياسية الرفيعة المتقدّمة في النظام السياسي الرسمي، يمكن توقع فحش الخطاب السياسي للمرشحين، بل حتى أحياناً اللجوء للاشتباك بالأيدي، لكن لا يصل ذلك للاحتكام للسلاح، أو استخدام أدوات العنف (الرسمية) للدولة (جيش وشرطة) للفصل بين المرشحين في الحملات الانتخابية. كما يتطلب الأمر التحلي بالروح الرياضية، احتراماً لإرادة الناخبين، عند إعلان نتيجة الانتخابات العامة، بجميع مستوياتها السياسية (السيادية) المحلية والعامة.

هذه بداية للمقارنة بين قيم النظام السياسي الذي تحكمه عقلانية الدولة وتهور المنظمة. في الحالة الأولى ينظر إلى الدولة كونها كياناً عضوياً عاقلاً، يُغَلّب المنطق والحكمة في حركة سلوكه السياسي، لا التهور والعنف الدموي المادي والمجازفة غير المحسوبة، كأهم مؤشرات المسؤولية والحرفية السياسية في تقلد المناصب السياسية. الدول ليست سواء في مستويات هذا المقياس المادي الدقيق في قياس مستوى التنمية السياسية في المجتمع. كما يطغى على طبيعة الاقتراب والابتعاد عن معيار العقلانية السياسية مقابل التهور السياسي.

عند ممارسة السلطة يظهر الفرق الأساسي بين العقلانية والتهور السياسي، للمقارنة بين استقرار الدولة وتذبذب سلوك المنظمة. في الدولة يظهر مستوى عقلانية مؤسساتها ورموزها السياسية، في مستوى مسؤولية الحفاظ على موارد المجتمع، بالذات سلامة قاعدة المجتمع السياسية المتمثلة في الحفاظ على سلامة وحدة إقليمها.. وأمن وسلامة مواطنيها، خاصة عند التعامل مع تحديات البيئة الخارجية لإقليم الدولة. تظهر عقلانية مؤسسات ورموز الدولة الرسمية، عند مواجهة التحديات المصيرية، التي تفرضها تحديات البيئة الخارجية، بالذات في أوقات الحروب. عقلانية الدولة هنا تتجلى في حساب إمكانات الدولة الأمنية، بعيداً عن مخاطر الانخراط المباشر مع جيرانها الإقليميين وخصومها الدوليين في عنف إدارة التحديات التي تفرضها البيئة الخارجية.

قد تنطلق بعض التنظيمات من اعتبارات أيديولوجية أو تنظيمية تجعل أولوياتها مختلفة عن أولويات الدولة، فتغلب أهدافها الخاصة على مقتضيات المصلحة الوطنية. وعندما يحدث هذا التعارض، تصبح حسابات الأمن والسيادة ووحدة الإقليم أكثر عرضة للتأثر، خصوصًا إذا امتلكت تلك التنظيمات قدرة على التأثير في القرار السياسي أو الأمني. في سبيل بقاء تحديات المنظمة السياسية والأمنية، تلجأ المنظمة في أقصى درجات تهور سلوكها، للإضرار بسيادة الدولة على إقليمها والتضحية بسلامة مواطنيها ووحدة أراضي إقليمها. البلاشفة، في روسيا الاتحادية، عندما اندلعت ثورتهم أكتوبر 1917، تخلوا عن مساحات واسعة من الأراضي الروسية غرب روسيا لألمانيا في الحرب العالمية الأولى من أجل ضمان نجاح ثورتهم في موسكو. حزب الله في لبنان، هذه الأيام، في سبيل القتال في معركة ليس للبنان فيها ناقة أو بعير، نراهم يضحون بمئات الكيلومترات بسكانها، من أجل نصرة قوة إقليمية، معرّضين سيادة الدولة وسلامة المواطنين، لمخاطر لا قبل للبنان (الدولة) فيها. كما أن تهور المنظمة في إدارة صراعها مع الدولة، قد يعزى للدولة نفسها، عندما تبدي الدولة ضعفاً إستراتيجياً في السماح للمنظمة بتحدي احتكارها للسلطة، وعجزها الدفاع عن سيادتها ووحدة إقليمها وسلامة مواطنيها. عندها تفقد الدولة عقلانيتها السياسية، لتتحوّل إلى عبء أمني وسياسي كبير.

سطوة المنظمة على مقدّرات الدولة من أهم مؤشرات عدم نضوج حركة وقيم الدولة القومية الحديثة، في بعض «الدول» التي عليها بلدان العالم الثالث أو البلدان النامية أو مجتمعات الدول الآخذة في النمو.

00:01 | 14-07-2026

دولة المنظمة..

من أهم عناصر الدولة القومية الحديثة وجود حكومة وطنية تمثل وتمارس السيادة الوطنية، والأهم: احتكار القوة المادية القاهرة والجبرية، مع توفر الإرادة السياسية الصارمة لإمضائها. هذه القوة المادية الجبرية القاهرة ليست فقط ضرورية وحاسمة لإنفاذ القانون وحفظ الأمن، لكن الأهم: تمثيل السيادة الوطنية، التي دونها تفقد الدولة أهم خصائصها، بل الأخطر انهيار الدولة وزوالها.

الدولة لا تفرط في احتكارها للقوة الجبرية المادية، وتبقي على احتفاظها بالسيادة، داخلياً وأمام المجتمع الدولي على مسرح السياسة الدولية. عندما تهتز قبضة الدولة في قدرتها على الاحتفاظ باحتكارها القوة الجبرية المادية القاهرة، وظهر هناك من يتحدى الدولة محلياً في فرضية وواقع احتكار القوة المادية والجبرية القاهرة في المجتمع، تتفاعل إرهاصات ضعف الدولة، وقد يتطور الأمر إلى نشوب حرب أهلية، إيذاناً بزوال الدولة. من أهم بوادر ومظاهر التغيير الجذري (العنيف) للنظام السياسي، ظهور جماعات سياسية تتحدى احتكار القوة في المجتمع، وتحول دون الحكومة وممارسة أهم وظائفها المتمثلة في حفظ الأمن، والذود عن سيادة الدولة.

في التاريخ الحديث، وصل هتلر لحكم ألمانيا، عن طريق مليشيات الحزب النازي (أصحاب القمصان البنية)، التي أظهرت علناً تحديها لسلطة الدولة، دون ما حاجة للصدام المباشر مع سلطة الدولة في الشارع. سبق هتلر في هذا الأمر موسوليني في إيطاليا (أصحاب القمصان السوداء). في العالم العربي، كانت محاولة الاستيلاء على السلطة وتغيير النظام السياسي القائم، وتحوّل تنظيمات الجنجويد في السودان إلى مليشيات مسلحة شبه نظامية، أوجدها النظام السياسي لحمايته وضمان بقائه في السلطة، إلى منافس حقيقي لاحتكار الدولة للقوة الجبرية القاهرة وتمثيلها للسيادة الوطنية، وكان أن دخل السودان في حرب أهلية، ما زلت مندلعة، منذ أكتوبر 2022 لليوم، بعد محاولة قوات الجنجويد، الاستيلاء على السلطة، بتجريد جيش الدولة وقوى الأمن الوطني من احتكارها للقوة.

الوضع نفسه نجده يتفاعل في لبنان، هذه الأيام، بصورة أكثر تعقيداً، بمحاولة حزب الله، تحدي سلطة الدولة الرسمية، وتجرؤه على سيادة الدولة عن طريق القيام بمهمة وظيفية، تحت غطاء طائفي، خدمة لأطراف إقليمية لها أجندات توسعية، لفرض هيمنة إقليمية على المنطقة. ما يحدث في لبنان من تزايد في نفوذ حزب الله، بدعوى مقاومة الاحتلال (الإسرائيلي)، ليس بالضرورة في صورة احتلال مباشر للأراضي اللبنانية، بل بصورة أكثر اتساعاً، مقاومة لسياسة التوسع الإسرائيلي في المنطقة!

ما يفعله حزب الله في لبنان هو استخدام شعار سياسي (قومي) نبيل وفضفاض، لخدمة قوى إقليمية، لا تختلف كثيراً في تطلعاتها التوسعية على حساب أراضي العرب، وضرب الأمن القومي العربي في مقتل. ما يجعل ما يقوم به حزب الله في تحدي السلطة الرسمية للدولة، في صورة تحدي احتكار الدولة للقوة المادية الجبرية القاهرة، إن هذا الدور الذي يلعبه حزب الله تذرعاً بمقاومة سياسة التوسع الإسرائيلي في الأراضي العربية وتهديد إسرائيل للأمن القومي العربي، يقابله ضعف الحكومة اللبنانية في مواجهة تحدي حزب الله لسلطة الدولة اللبنانية وتمثيلها للسيادة الوطنية.

الدولة اللبنانية، في حقيقة الأمر واقعة بين مطرقة إسرائيل وسندان حزب الله، فهي: أي الحكومة اللبنانية لا تستطيع الدفاع عن سيادة الدولة وحماية الشعب اللبناني، من الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع مواجهة تحدي حزب الله، لاحتكار الدولة اللبنانية للقوة المادية الجبرية القاهرة، عن طريق تجريد حزب الله من سلاحه، وواقع فرضه لقوة سياسية موازية في الدولة اللبنانية. حزب الله قد لا يريد أن يستولي على السلطة في لبنان، فهذا أمر تحول دونه الطبيعة الطائفية للمجتمع اللبناني، لكن الأخطر أن حزب الله، بينما هو يزعم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، يعمل جاهداً على تسهيل توسع قوة إقليمية، قد لا تقل خطورة عن إسرائيل، في التوسع في الأراضي العربية وتهديد الأمن القومي العربي.

ما يحدث في لبنان والسودان من تحدي سلطة الدولة الوطنية وسيادتها، يثبت أن الدولة القومية الحديثة في بعض الدول العربية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج السياسي والوعي المجتمعي لتبصر أن الاستقرار السياسي يتطلب وجود سلطة سياسية وطنية تحتكر القوة الجبرية القاهرة، من أجل حفظ الأمن والذود عن السيادة الوطنية. ما يحدث في السودان ولبنان، من تغوّل لتنظيمات غير نظامية، تتجرأ على حق الدولة ممثلة في الحكومة الوطنية، في امتلاك واحتكار القوة المادية الجبرية القاهرة، قد لا يكون مقتصراً على لبنان والسودان. هناك في بعض الدول مظاهر لعدم الاستقرار تستعر تحت الرماد، ما لم يُتعامل معها بكفاءة وفاعلية، يمكن أن تتطوّر لمظاهر خطيرة لعدم الاستقرار، تهدّد نموذج الدولة القومية الحديثة.

00:03 | 30-06-2026

استراحة محاربين تحفّزاً لمعاودة القتال..

ما أطلق عليه اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعدو كونه تطوراً لسلوك حربٍ أعيت أطرافها، حتى لم يعد في القوس منزع، تحفّزاً لمعاودة القتال، بعد إعادة امتلاء الكنانة بسهام جديدة أحدّ شحذاً. لقد أعيت الحربُ أطرافها، كما استنفدت وقودها، وكادت أن تذهب بأطرافها، دون أن يحسموا أمر قرارها.. أو يستنفدوا منطق وعقلانية اللجوء إليها. لأول مرة في تاريخ حروب المنطقة الحديث يخرج ما يكون خيار اللجوء للحرب والتحكّم في حركتها، عن نطاق أطرافها، وتستبد الحرب نفسها بمصير حركتها.

لقد أثبتت الحرب الأمريكية الإيرانية أن الحرب نفسها لها قولٌ في شنّها، كما أنّ لها قولاً فصلاً في وضع أوزارها، لتثبت أن للحرب نفسها «عقلانية» راشدة، إن صح التعبير، تتجاوز إرادة أطرافها، كإحدى أدوات حركة التاريخ الغالبة المقلة لقطار مسيرة التاريخ. الحرب ممكن أن تنشب عن طريق الخطأ، لكن لم يحدث في التاريخ أن حركة التاريخ تمتلك إرادة قرار شنّ الحرب، كما تمتلك إرادة وضع أوزارها.

من أخطر قرارات الحرب، تقدير قوة العدو مقارنة بقوة البادئ بالحرب. بل الأخطر في قرار شن الحرب، توقيت شنّها، وحساب مدة استعار لهيبها. من السهل البدء بالحرب، لكن من الصعب حساب مدتها.. والأصعب التحكم في توقيت نهايتها. ليست كل الحروب تنتهي بانتصار طرف على آخر، لكن معظم الحروب يكون للحرب نفسها التحكم في وضع نهاية لها.

الحرب لا تعدو كونها جزءاً من حربٍ متسلسلة استعصت على أطرافها، وإلا لما دخلت في سلسلة من متوالية حسابية، لم ولن تبلغ حدها الأقصى، بعد. الحروب عادة ما تكون من جولة واحدة يتحدد فيها مصيرها بعد استنفاد وقود طاقتها، أو تحقيق أحد أطرافها لهدفه أو أهدافه من اتخاذ قرار شنّها. ونادراً ما تضع الحرب أوزارها، بهدنة يتفق عليها أطراف القتال، استعداداً لجولة قتال قادمة، ربما تكون حاسمة في تحديد مصيرها.

الهدنة قد تكون مكتوبة، في صورة قرار لأطراف الحرب بوقف إطلاق النار، دون إنهاء حالة الحرب بينهم. كما أن الهدنة عادةً ما تكون موقوتة، بتاريخ معيّن، إلا أن ذلك لا يعني التزام المتقاتلين بعمر الهدنة الافتراضي. ما لم تتطوّر مع الهدنة آلية ردع متبادل، تبقى الهدنة حالة عنف غير مستقرة، يمكن أن يُطاح باتفاق الهدنة، في أي وقت، دون ما حاجة لانتظار تاريخ صلاحيتها. في حالة الهدنة يكون الوضع أكثر خطورة، إذا لم يشارك أحد أطراف القتال في مراحل التفاوض لوقف إطلاق النار.. أو تم استبعاده من مفاوضات وقف إطلاق النار، من قبله هو، أو بتهميش متعمّد من قبل حليفه في الحرب.

كل أوجه ذلك العوار الاستراتيجي في اتفاقية وقف إطلاق النار، توفرت في تلك الاتفاقية، حتى لتصعب عملية تفعيل الاتفاقية، خارج نطاق جدولها الزمني المتفق عليه، في حالة اتفاقية وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، مدة الشهرين. بعد تجاوز شكليات التوقيع على الاتفاقية، إلكترونياً وتوقيع طرفيها الرئيسيين الأمريكي والإيراني عن بُعد، قبل تبادل نسخ الاتفاقية في سويسرا، نجد إسرائيل تجازف بفشل الاتفاقية في احترام أهم بنودها، وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. إيران هدّدت بأن عدم ضم جبهة لبنان لاتفاقية وقف إطلاق النار يعني: أن تلجأ طهران لوقف العمل بالاتفاقية واستئناف القتال بدءاً بقصف إسرائيل.

في الواقع إيران لم تقصف إسرائيل تواً، رداً على استمرار قصف إسرائيل لجنوب لبنان، ليس من أجل الحفاظ على اتفاقية وقف إطلاق النار، لكن بطلب ملح من قبل واشنطن بعدم ضرب إسرائيل، حفاظاً على الهدنة. مع استمرار إسرائيل بقصف جنوب لبنان، ردّت إيران بغلق مضيق هرمز ذي القيمة الاستراتيجية عند دونالد ترمب، وحتى لا تحقق طهران مبتغى إسرائيل إفشال اتفاقية وقف إطلاق النار.

في كل الأحوال: تمثّل اتفاقية وقف إطلاق النار مخرجاً لإدارة ترمب، ليس في ادعاء النصر، بل من أجل خروج الرئيس ترمب من أتون الحرب، الذي تكاد مؤسسات صناعة القرار في واشنطن والرأي العام الأمريكي يُرجع لحكومة نتنياهو أنها وراء شن الحرب، وجرّت واشنطن لحربٍ لا ناقة للولايات المتحدة فيها ولا جمل.

الحرب هذه لن توقفها هدنة هشّة اُتفق عليها بين طهران وواشنطن، فرضتها إرادة الحرب نفسها. إسرائيل ودولة بعينها في المنطقة ليس من صالحهما وقف الحرب، ولا التوصّل لحل نهائي للأزمة، لتثبت إسرائيل أنها عدوة السلام الأولى، ولو كلفها ذلك علاقة التحالف الخاصة مع الولايات المتحدة.

إذا قُدر للهدنة أن تصمد حتى نهاية صلاحيتها المتفق عليها، فإن الحرب ستعاود سعيرها؛ لأن القضايا العالقة بين طرفَي القتال الرئيسيّيَن ما زالت قائمة وأن مهلة الهدنة لا تعني وقف حالة العداء بين أطرافها.

00:10 | 23-06-2026

بين هيمنة الـ«فيفا» وأنظمة الدول المستضيفة

انطلقت يوم الخميس الماضي بطولة الدورة الثالثة والعشرين لمونديال ٢٠٢٦ (كأس العالم لكرة القدم)، الذي تساهم في إقامة فعالياته ثلاث دول (الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك). وتشارك في المنافسة للفوز بكأس العالم لكرة القدم، ولأول مرة، ٤٨ فريقاً لكرة القدم، تمثل ٤٨ دولة من جميع قارات العالم. ولأول مرة تصطدم هذه الفعالية الرياضية، بصورة مباشرة وحادة، بين نفوذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وإحدى الدول المضيفة.

من جانب هناك قوانين وأنظمة الفيفا، التي من المفترض أن تسري وتحترم من جميع دول العالم، تتجاوز في أحيان كثيرة مبدأ السيادة الوطنية للدول، بما يجعل من أهم وأعلى منظمة سياسية أممية (الأمم المتحدة)، تغار من الاتحاد الدولي لكرة القدم، من حيث نفوذه وفرضه لقوانينه على الدول الأعضاء، حتى في ما يخص قوانين وقواعد اللعبة، لتطال التفصيلات الدقيقة، لقواعد وأنظمة الفيفا، فيما يخص ممارسة اللعبة، في داخل الدول نفسها.

من جانب آخر يتجاوز نفوذ الفيفا، بما يفرضه من قوانين وأنظمة، التي تصل في دقتها في اختيار مواصفات كرة القدم نفسها وملابس اللاعبين والتأكد من أصالة هويتهم الوطنية وسنّهم، وما إذا كانوا يتعاطون منشطات تؤثر على نزاهة وشفافية البعد التنافسي للعبة. كما أن أنظمة الفيفا، تفرض على الدول المضيفة لمباريات كرة القدم مواصفات دقيقة للمنشآت الرياضية، مع القدرة (الجبرية) لفرض غرامات تأديبية على الدول واللاعبين والسلطات المنظمة للدول لفعاليات لعبة كرة القدم، حتى في المنافسات المحلية. إجراءات وتدابير تفرضها الفيفا على الدول، دون اعتبار لمبدأ السيادة، الذي تضحّي به الدول، وهو أغلى ما تعتز به وتدافع عنه بشراسة، بل وتفرض على المؤسسات الدولية، احترامه، بما في ذلك الأمم المتحدة، الذي تعلّق الدول، كل الدول، عضويتها في الأمم المتحدة، بشرط عدم المساس بـ«قدسية» سيادتها.

هذه المكانة الرفيعة للفيفا جعلت منها عملاقاً مؤسساتياً (أممياً) غير رسمي، يتمتع بهيمنة كونية «ناعمة» تغار وتخضع لنفوذها دول عظمى، بكل ما تملكه من عناصر القوة الخشنة والناعمة. هذه القوة الناعمة الجبارة العابرة للقارات والحدود، حظيت بها الفيفا، نتيجة لشعبية أو بالأحرى شعبوية لعبة كرة القدم، التي لم تحظَ بها تاريخياً أي قوة عظمى.

لكن لعبة كرة القدم، وما يمثلها من رسوخ، يكاد يصل للإذعان من قبل الدول الأعضاء، لا يعني انفكاك الاتحاد الدولي لكرة القدم من تأثير متغيّر السياسة ومشروعيته الأممية والمحلية على سلوك الاتحاد وتوجه ومواقف الدول الأعضاء. يأبى متغيّر السياسة إلا أن يُسبغ قيم حركته وبعد نفوذه على اتحاد كرة القدم، بما يتوافق مع سلوك أعضاء الاتحاد من الدول، بالذات تلك التي تُقام على أراضيها فعاليات المنافسة الأممية لنيل بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تُقام كل أربع سنوات. بالطبع ذلك لا يخرج عن مجال حركة القوة الحقيقية، التي تنطبق بصورة قسرية على حالة توازن القوة الحقيقي على مسرح السياسة الدولية. بالقطع: مدى خضوع مجتمع الدول لقوانين وتدابير الفيفا في ما يخص ممارسة اللعبة يختلف من دولة لأخرى، باختلاف وضعية توازن القوة الأممي على مسرح السياسة الدولية. على سبيل المثال: تنظيم البطولة من قبل دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، غير ذلك الذي تحظى به دولة أخرى في النظام الدولي.

لنأخذ مثلاً تجربة إقامة البطولة في قطر ٢٠٢٢ الماضية، وإقامة البطولة، ولو جزء منها في الولايات المتحدة، كما هو الحال في البطولة الحديثة.

قطر، في البطولة السابقة، كان بالنسبة لها نجاح البطولة أكثر منه الإذعان لقواعد وقوانين وتدابير إجراءات إقامة فعالياتها، إلا أنها لم تخضع تماماً لقوانين وأنظمة الفيفا. بينما في البطولة الحالية، كان منطق الدولة، بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة، يفرض قيمه وحركة مؤسساته (الوطنية) على فعاليات البطولة وحتى احترام قوانين وتدابير البطولة، في ذلك الجزء من البطولة المقام على أراضيها. من يرى في الإجراءات التي تمارسها الحكومة الأمريكية، في ما يخص فعاليات البطولة المقامة على أراضيها، إنما هو في حقيقة الأمر سلوك طبيعي، وإن كان مستهجناً من قبل البعض، يظهر الفرق في سلوك وتوجّه دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، وذلك الذي تقبل به دولة هامشية في النظام الدولي. الولايات المتحدة، لا يهمها نجاح البطولة من عدمه، بقدر اهتمامها بالحفاظ على هيبة مكانتها الأممية الكونية. في أولمبياد صيف ١٩٣٦ المقام في برلين، لم يكن هتلر يكترث لنجاح البطولة الدولية، بقدر ما كان نظامه (العنصري) يكترث لتسويق قيمه أممياً، لإثبات فرضية تفوق العرق الآري (السوبر مان الألماني). لذلك لم يتحرّج هتلر من إبداء امتعاضه وخروجه من إحدى الفعاليات، عندما تفوق عداء أمريكي (أسود) على منافسه الألماني (الأبيض).

مهما كانت قيمة التنافسية المجردة، التي تظهرها لعبة كرة القدم وغيرها من النشاطات والفعاليات الرياضية، يبقى البعد السياسي المجرد وراء إقبال الدول على المشاركة في الفعاليات الرياضية، يجذبها بريق حصد الميداليات في تلك المنافسات، كجزء من الصورة الكبرى للمنافسة الندية (اللدود) على موارد القوة (المادية) الحقيقية في مضمار التنافس الكوني، حتى في مضمار الرياضة.

00:14 | 16-06-2026

التفاوض تحت القصف..!

الحروب الحديثة تفتقر لعنصر الحسم، عدا الحرب الفيتنامية (١٩٥٥-١٩٧٥)، لم تحسم أي حرب بالضربة القاضية، إذا صح التعبير. حتى في حالة الحرب الباردة، سقط أحد قطبيها، بدون قتال. في الشرق الأوسط نشبت بين العرب وإسرائيل أربعة حروب نظامية، لم تُحسم أي منها لصالح أي من طرفيها. في منطقة الخليج العربي نشبت عدة حروب، لم تحسم فيها لأي من أطرافها، كما هو حال الحرب الدائرة هذه الأيام بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. ليس فقط تلك الحروب التي نشبت بعد الحرب الكونية الثانية، لم تحسم نتائجها لصالح أحد أطرافها، بل إن بعض تلك الحروب، كانت تجتمع فيها الدبلوماسية مع القتال، ليس من أجل إعلان انتصار أحد أطرافها وهزيمة الطرف الآخر، بل ليجري الاقتتال على جبهتين (العسكرية والدبلوماسية)، في آن؛ وذلك من أجل العمل على وضع الحرب لأوزارها، لا من أجل تحقيق أي من أطرافها لأهداف لجوئه للحرب، بداية.

في الحرب الأخيرة (الحالية) في الخليج العربي، نلاحظ أن حركة الصراع تأخذ مسارين مختلفين، بل متناقضين. نلاحظ أنه في أثناء استعار الحرب، لم تنقطع حركة الدبلوماسية، بسلكها التفاوضي، لو بصورة غير مباشرة. الولايات المتحدة، رغم مبادرتها بوقف القتال مؤقتاً، إلا أن القتال تواصل، عن طريق إسرائيل، التي لم تستطع حسم حربها لا على غزة ولا على لبنان.

الحرب الأخيرة في منطقة الخليج العربي، التي دخلت شهرها الرابع، لم تنقطع الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. في الوقت الذي ترتفع فيه نبرة العداء بين طرفَي الحرب. الملاحظ في هذه الاتصالات الدبلوماسية، أنها تُجرى بأدوات تفاوضية غير مباشرة، بطلها في كل الأوقات وسيط يقوم بتحركات مكوكية بين طرفَي الصراع، وظيفته الرئيسية نقل رسائل متبادلة بين طرفَي الصراع، دون أن يلتقيا وجهاً لوجه.

مما لا شك فيه أن وضع جبهة القتال العنيف، يفسر إلى حدٍ كبير بطأً وأحياناً جمود جبهة التفاوض غير المباشر بين طرفَي الصراع، مع لجوء طرفَي الصراع إلى التمسك بسقف أهدافهما المعلنة من قرار الحرب. لم تشهد حروب المنطقة، منذ ثمانينات القرن الماضي مثل هذا الجمود في مواقف طرفَي الصراع. عدا التنازل عن سقف كلٍ منهما التفاوضي، نجد كلاً الطرفين متشبثين بمواقفهما المتشدّدة، التي هي وراء خيار الحرب منذ البداية. واشنطن تصر على عدم تمكين إيران من بناء رادع نووي، جرّاء تمسكها بحقها، في أن يكون لها برنامج نووي سلمي. هذا موقف لا ترى فيه طهران أي غضاضة من أن يذهب الأمريكيون بقصب الفوز به، لأن طهران منذ البداية كانت تعلن أنها لا تسعى لبناء رادع نووي، وكل ما تطلبه هو إقامة برنامج نووي للأغراض السلمية، وإن كانت تصر طهران على أن يشمل ذلك قدرتها على توفير اليورانيوم المخصب، ذاتياً... وهو ما يعني بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين احتمالية أن تلجأ طهران لاحقاً لبناء رادع نووي، إن هي قررت ذلك.

القضية الإستراتيجية التي تدور حول محورها حركة الصراع، بذراعيها العسكري والدبلوماسي، هي قضية الصواريخ الباليستية، التي لدى إيران، وتطلب واشنطن تقييد مداها وعددها، حتى لا تطال إسرائيل. إيران من جانبها تصر على احتفاظها بحق أن يكون لديها رادع إستراتيجي غير تقليدي، كفؤ وفعّال، من أجل حماية أمنها القومي، طالما إسرائيل تتمتع بسيادة جوية في المنطقة، لا أقل من توفر لدى إيران رادع إستراتيجي تقليدي ضد ذراع إسرائيل الطويلة، وإن كانت طهران مستعدة للتخلي عن قواعدها القريبة من إسرائيل، كما هو حال علاقتها مع حزب الله في لبنان ومليشيات حلفائها في العراق واليمن، إلا أنها لن تتنازل عن قدراتها الدفاعية، بعيدة المدى لتطال إسرائيل، وأي وجود للقوات الأمريكية، في المنطقة.

ثم نأتي للقضية الأهم، بالنسبة للمفاوض الأمريكي، ألا هي هاجس حرية التجارة الدولية، التي تشكّل عصب التفكير الإستراتيجي في المنطقة. بينما تعزّز إيران من وجودها الجيوسياسي وتأثيرها على ما يشكّل شريان الملاحة الدولية للطاقة في المنطقة، بتأثيرها الإستراتيجي المتمثل في تحكمها على مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحييد دور إيران التحكم في مضيق هرمز، لأن التعثر في هذا الأمر يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها في مواقع إستراتيجية مهمة، مثل مضيق ملقا وممر تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، مما يؤثر على وجودها في تلك المنطقة، في أي واجهة محتملة مع الصين.

في غياب الحسم العسكري، في منطقة الخليج العربي، فإن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه، ربما تأجيلاً للحسم، لجولة أو جولات قتال مستقبلاً، تلعب فيها الحرب، دوراً أكثر حسماً، من ذلك الذي قد توفره الدبلوماسية. في كل الأحوال، كما يُقال: الحرب ما هي إلا إدارة للدبلوماسية، لكن بصورة عنيفة.

00:19 | 9-06-2026

بين الأمن الوطني والأمن القومي..!

منذ نشوء الدولة القومية الحديثة نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، عقب توقيع صلح وستفاليا 1648، وهاجس الأمن يشكّل مصدر القلق الرئيس لكيان الدولة. هذا النوع من القلق الأمني مصدره، بصورة أساسية، البيئة الخارجية لكيان الدولة. هذا القلق يأخذ شكلين أساسيين: الأول مباشر.. والثاني، غير مباشر. الخطر المباشر يأتي في صورة الاقتحام المباشر لكيان الدولة، بهدف احتلالها، أو ربما سلب هويتها الوطنية وسيادتها على إقليمها، وقد يأتي هذا الغزو الخارجي بزوال وجود الدولة والقضاء على كينونتها الدولية. الخطر غير المباشر: محاولة زعزعة أمنها الداخلي ونظامها السياسي القائم، الذي هو رمز سيادتها وكرامتها الوطنية.

في كل الأحوال: الدولة تتوجّس خطراً داهماً وناجزاً على أمنها الوطني واستقلالها السيادي، ذوداً عن حياض كيانها الوطني واستقلال قرارها السيادي. حتى في حالة محاولة الدولة تعزيز أمنها (الوطني)؛ بهدف دعمه بأمن (قومي) أوسع لتعاظم إمكانية فاعليته الدفاعية، عن طريق المشاركة في كيانات إقليمية أمنية جماعية، فإن هذا النهج الدفاعي الإقليمي ليس بالضرورة يضمن لها رادعاً أمنياً فعّالاً، ما بالك إذا ما كانت هذه الكيانات القومية الأمنية، لا تتجاوز نصوصها المكتوبة، فيما يبدو أنها معاهدات ملزمة، إلا أنها في حقيقة الأمر غير قابلة للتفعيل، لافتقارها لإرادة سياسية جماعية فعّالة، كما هو الحال في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، تحت مظلة جامعة الدول العربية، التي وقعت في القاهرة (18 يونيه 1951). لذا يظل الخوف يتعاظم على الأمن الوطني للدولة، مُشَكَّلاً هاجساً أمنياً ضاغطاً، على مؤسسات صناعة القرار السيادية بها.

حتى في ظل الكيانات الدفاعية الكبرى، كما هو في حال التحالفات الاستراتيجية العابرة للقارات، لا يمكن ارتهان الأمن الوطني للدول الأعضاء في مثل هذه التحالفات الاستراتيجية الكبرى، بديلاً عن الإمكانات الدفاعية الذاتية للدول الأعضاء، خاصة إذا أوكلت القيادة العسكرية العليا لتلك التحالفات الاستراتيجية لقطب دولي، بعينه، كما هو الحال في حلفي الناتو (معاهدة حلف شمال الأطلسي)، التي وقّعت في واشنطن (4 أبريل 1949) وحلف وارسو، (معاهدة الصداقة والتعاون المعونة المشتركة)، بزعامة الاتحاد السوفيتي)، التي وقّعت في وارسو عاصمة بولندا (14 مايو 1955). كان ذلك في عهد الحرب الباردة، الذي امتد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي (26 ديسمبر 1991)، وكان قد سبق تفكك الاتحاد السوفيتي سقوط حلف وارسو (1 يوليو 1991). لكن بقيت معاهدة شمال الأطلسي، إلى حين حتى اليوم، بل توسعت عضويتها لتشمل دولاً في أوروبا الشرقية كانت تتبع لحلف وارسو.

حتى هذه الأحلاف الاستراتيجية الكبرى، على مستوى الكرة الأرضية، لم تكن توفر الأمان الكافي لأعضائها، وتخلصها من هاجس الأمن، الذي يقض مضاجع مؤسسات صناعة القرار بها، في ظل صراع أممي تحكم سلوك أقطابه معادلة توازن الرعب النووي. في المعسكر الغربي، كان بعض أعضائه الرئيسيين ينتابهم هاجس أمني مشروع من الاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية، في حالة ما حدث المحظور وتطورت وضعية الصراع البارد إلى احتمالية احتدام الصراع الساخن، هل يا ترى تنزع الولايات المتحدة لنجدة حلفائها في أوروبا، مضحّية بأمنها هي، إذا ما تعرّضت لهجوم تقليدي أو غير تقليدي من الاتحاد السوفيتي. الاعتقاد السائد حينها بين قوى كبرى في أوروبا، مثل بريطانيا وفرنسا، في عهد الحرب الباردة، أن واشنطن لن تضحي بأمنها، لنجدة لندن وباريس، إذا ما هاجم الاتحاد السوفيتي أوروبا، فكان قرارهما امتلاك رادع نووي خاص لكل منهما. في الجانب الآخر، كان نفس الهاجس الأمني ينتاب الصين. هذه المرة كان الهاجس الأمني مضاعفاً، عند بكين، تجاه واشنطن وموسكو، معاً، بالرغم من الربطة الأيديولوجية القوية التي كانت تربط بين رفقاء الأيديولوجية الشيوعية للجارتين اللدوتين (روسيا والصين). الصين بدورها أنشأت رادعها النووي الخاص بها، أخذاً بالمثل القائل: لا يحك جلدك مثل ظفرك.

أخيراً تفوق الحس الأمني (الوطني) على وهم الحماية الجماعية (القومي)، عندما صحت أوروبا مؤخراً على عزم الولايات المتحدة التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين، بنهاية العام القادم، كما جاء في ورقة الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة (4 ديسمبر 2025)، تنفيذاً لاستراتيجية الرئيس ترمب تحت شعارَي: أمريكا أولاً.. وعودة عظمة الولايات المتحدة مجدّداً.

باختصار: ليس هناك من ضمانة أمنية حقيقية للوثوق بمظلة الأمن القومي (الإقليمي أو الدولي)، عدا الأمن الوطني، رغم عظم إمكانات المكاسب التكاملية الهائلة، في الاقتصاد والتنمية والازدهار الاجتماعي والتقدّم الحضاري والتسامح الثقافي، بالإضافة إلى مزايا الأمن (القومي) في الدفاع الجماعي المشترك، حيث يظل الأخير (دوماً) احتمالية لا تستند إلى اعتمادية استراتيجية حقيقية. الضمان الأمني الحقيقي، من الناحية الاستراتيجية، لا بد أن يعتمد، أولاً وقبل التفكير في بديل آخر، على إمكانات القوة الحقيقية للدولة، لتحقيق أمن (وطني)، ذي اعتمادية حقيقية فعّالة وكفء، لا على وهم أمن (قومي) تحت شعار الأمن الجماعي المشترك.

00:12 | 12-05-2026

في مسألة المضايق والقنوات البحرية..

يُثار جدلٌ هذه الأيام حول المرور عبر مضيق هرمز. إيران تزعم أنها لم تغلق المضيق، وإن ظلت تردد أنها تسيطر على الملاحة عبره. في حقيقة الأمر: طهران تعرقل الملاحة عبر المضيق، بل وتفرض رسوماً على عبوره. الولايات المتحدة، من جانبها، تعلن أنها، ولضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز أقدمت على حصار الموانئ الإيرانية، من أجل الضغط على إيران لقبول شروط واشنطن لوقف الحرب. ترى من على صواب في عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، واشنطن أم طهران؟

إذا ما تجاوزنا أسباب الحرب بين واشنطن وتل أبيب، من جانب وإيران من الناحية أخرى، فإن لا موقف طهران ولا واشنطن من عرقلة الملاحة في مضيق هرمز يستند إلى مرجعية القانون الدولي. ليس هذا فحسب، بل بالرغم من الخلل الخطير في ميزان القوة بين الجانبين، لصالح الولايات المتحدة، فإن استمرار إيران في الحرب رغم الدمار الشديد، الذي أصاب دفاعاتها العسكرية.. وطال بنى مجتمعها التحتية.. ونال من مؤسسات ورموز نظامها السياسي، فإن متغيّر القوة عاجزٌ عن ادعاء أيٍّ من طرفي الحرب، قدرته على حسم النزال بينهما، باستخدام القوة، الذي قد يكون من تبعاته السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز.

إذن: لا متغيّر القانون الدولي، ولا ذلك المستند على القوة المجردة، يدعم حجة أيٍّ من طرفي الحرب في تبرير سلوكهما بعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز. قانون البحار يعتبر مضيق هرمز ممراً بحرياً طبيعياً، لا يحق للدولة أو الدول المطلة عليه أن تتحكم في العبور منه وإليه، ولا حتى فرض رسوم ومكوس على استخدامه، لا في وقت السلم أو الحرب. قانون البحار يمنع الدول المطلة على المضيق، وحتى الدول المتحاربة، من أن تعرقل حرية التجارة الدولية من استخدام المضيق في المرور البريء للسفن التجارية. هذا ينطبق على جميع المضايق الدولية، بما في ذلك التي تحكمها اتفاقات ومعاهدات دولية، مثل مضيقي البسفور والدردنيل، اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط من خلال بحر مرمرة، وتسيطر عليهما تركيا.

اتفاقية مونترو 1936 منحت تركيا السيطرة على المضيقين، في وقت الحرب لمنع الدول المتحاربة في البحر الأسود من استخدامه، وكذلك دخول أي قوى خارجية عبوراً للمضيق، بهدف المشاركة في القتال، إذا ما نشب بين الدول المتشاطئة للبحر الأسود، مثل حالة الحرب الأوكرانية الروسية. إلا أن الاتفاقية، وإن اعترفت بسيطرة تركيا على المضيقين، إلا إن ذلك لا يرقى لمستوى السيادة المطلقة لإسطنبول عليهما، كفرض رسوم مرور في وقت السلم أو الحرب، نظير استخدام المضيقين.

هذا يفسر بناء تركيا لقناة موازية اصطناعية (قناة إسطنبول)، للسيطرة الكاملة على المرور من وإلى البحر الأسود وبحر مرمرة، وصولاً للبحر المتوسط، لتجاوز إجراءات مرور القطع الحربية من حيث الحمولة والتسليح، المقصود بها بالذات روسيا الاتحادية.. مع السماح لتركيا بفرض رسوم عبور من خلال القناة، لتفادي التكدّس المزدحم للسفن التجارية والحربية، التي تنتظر دورها للعبور، حيث يأخذ الانتظار وقتاً طويلاً، عند مدخلي المضيقين، تماماً مثل قناة السويس، التي تخضع للسيادة الكاملة المصرية، في وقت السلم بفرض رسوم مرور على السفن التجارية والقطع الحربية.. بينما تحتفظ مصر بحقها في منع السفن المعادية من استخدام قناة السويس، وقت الحرب أو حالة الحرب. بموجب اتفاقية القسطنطينية لسنة 1888.

الفرق الجوهري بين المضايق البحرية الطبيعية، مثل مضيق هرمز ومضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق ملقا ومضيق ماجلان، وتلك الاصطناعية، مثل قناة السويس وقناة بنما وقناة إسطنبول التي يجري حفرها الآن، أن المضايق الطبيعية لا تتحكم في المرور عبرها، دخولاً إليها وخروجاً منها والمرور بها الدولة أو الدول المتشاطئة المطلة عليها، لا في وقت السلم ولا في وقت الحرب، وجعلها في كل الأوقات مفتوحة لحركة التجارة الدولية. غير القنوات الاصطناعية التي تمتلك الدولة المطلة عليها السيادة على الأراضي التي تخترقها تلك القنوات، بمنع الدول المعادية، في زمن الحرب أو أثناء فترة حالة الحرب، دون قتال ناشب، مع فرض رسوم عبور على السفن التجارية والقطع البحرية العسكرية المستخدمة للقناة الاصطناعية، في أوقات الحرب، التي لا تشارك فيها الدول المالكة لتلك القنوات غير الطبيعية.

في كل الأحوال: القانون الدولي، وكذا العرف السائد حول التحكم في حركة المرور من خلال تلك المضايق البحرية الطبيعية والقنوات الاصطناعية يخدم، بصورة أساسية، حرية حركة التجارة العالمية، كما لا يحق للدولة أو الدول المطلة على تلك المضايق الطبيعية، أن تعرقل حرية حركة التجارة الدولية، لأي سبب من الأسباب. الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة القانونية (الدولية)، في الاختلاف بين مفهوم السيادة، في حالة القنوات الاصطناعية.. وواقع مجرد الإطلالة الجيوسياسية، على دفتي المضايق البحرية الطبيعية. كما أن وضع السيادة على القنوات الاصطناعية، لا يعني السيادة المطلقة. هناك ضوابط تحكم المرور في الممرات المائية الاصطناعية، على الدول التي تقع داخل إقليمها مراعاتها واحترامها. وكذا تكلفة التأمين والتقدّم التكنولوجي في صناعة المواصلات البحرية، خضوعاً لقاعدة حرية حركة التجارة العالمية المطلقة.

00:01 | 21-04-2026

بين الحرب والدبلوماسية..

من أهم أدوات السياسة الخارجية للدولة أداتا الدبلوماسية والعسكرية. الأداتان تتكاملان مع بعضهما البعض، في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة. هاتان الأداتان، يربط بينهما قاسم أمني وسياسي مشترك، يعملان في تناغم حصري، بحيث لا تستغني الدولة عن وظيفتهما المتداخلة، قبل أو أثناء أو بعد إدارة أزمات سياستها الخارجية، للحصول على أكبر العوائد المتوقعة، في الأمن: من غوائل تقلبات بحر السياسة الدولية العاصف.. واتقاء تقلبات سلوك الأعضاء اللاعبين على مسرح السياسة الدولية، غير المتوقعة والمفاجئة أحياناً.

الفرق الجوهري بين هاتين الأداتين الاستراتيجيتين للذود عن أمن الدولة وخدمة مصالحها الإقليمية والدولية، يكمن في طبيعة حركة سلوكهما، رغم استراتيجية توجههما المتناسقة. الدبلوماسية هي بمثابة القفاز الذي تستخدمه الدولة في توجيه وتلقي ضربات حركة الصراع مع خصومها الإقليميين والدوليين على حلبة السياسة الدولية، يخفي داخله القوة المادية (الضاربة)، التي تواجه بها الدولة خصومها الدوليين والإقليميين. قفاز الدبلوماسية الناعم هذا، يحمي قوة الدولة الضاربة من ضربات سلوك الدول الأخرى العنيفة، وفي نفس الوقت يحتفظ بقوة ردع فعّالة، لحدٍّ ما، لمنع الخصوم والأعداء الخارجيين، ليس في بدء القتال فقط، بل أثناءه وبعد استنفاد طاقته، لرفع درجة ضمان عدم تكراره.

لهذا قيل إن الحرب هي أداة سياسية لإدارة الأزمات، لكن بصورة عنيفة. فالحرب، ليست غاية في حد ذاتها. هي ليست، بدايةً، قراراً رش في ذاته، للذود عن أمن الدولة وخدمة مصالحها الخارجية، وذلك لغموض كفاءته وضعف وثوقية عائده، في توقع مخرجاته. كثيرٌ من الحروب تنشب بين الدول، بسبب خطأ في حساب تكلفة وعائد إطلاق زمام القوة على عوائنه دون حساب عواقب ذلك، بدقة. كما أن الحرب، رغم جهود لجم عقالها، إلا أن عقالها قد يفلت، عن طريق الخطأ أو سوء التقدير... وهذا الاحتمال هو الأقرب في «سيناريوهات» احتمالية نشوب الحروب الحديثة، غير التقليدية، بالذات.

رغم شبكات الاتصال المعقدة بين الخصوم الدوليين في تفادي الحروب غير التقليدية، أو الحروب التقليدية الباردة أو الساخنة، خوفاً من تحوّلها إلى حروب غير تقليدية، إلا أنه ليس من المستبعد تماماً، أن تنطلق الصواريخ المزوّدة بالرؤوس النووية، من صوامعها الأرضية الحصينة، ومن الغواصات في أعماق البحار والمحيطات، ومن الطائرات الاستراتيجية التي تطوف أجواء الكرة الأرضية (24/7)، نتيجة لخطأ بشري أو عُطل تشغيلي، غير مقصود وغير محسوب توقع حدوثه، أو تصور تفاعله.

في كل الأحوال قرار الذهاب إلى خيار الحرب، رغم إغراءات غوايته وربما ما قد يبدو من رشادة توجهه ووثوقية فاعليته ووجاهة مبرره، إلا أنه يحتاج لتبرير مشروعية حركته وخلفية أخلاقيات اللجوء إليه. هنا يقفز دور الدبلوماسية في مرحلة ما قبل المغامرة باتخاذ قرار الحرب. الدولة قد تلجأ في هذه المرحلة للمبالغة في تقدير الخطر الخارجي، الذي يهدّد أمنها، لتبرير أي استباق لدرئه، قبل أن يتطوّر من مرحلة توقع حدوثه، إلى مرحلة تفعيل حركته. في هذه الحالة تبدأ الدبلوماسية في تفسير، إن لم يكن تبرير البدء بالقتال، بحجة الدفاع الوقائي لاستباق خطر استراتيجي داهم وناجز على أمنها القومي، على وشك الحدوث.

كما أن قرار الحرب «العادلة»، ليس هناك أفضل من الدبلوماسية للترويج لشنّها. من أهم وأخطر مبررات الحرب «العادلة»، هنا: الزعم بأن الدولة من خلال التحضير لأي مواجهة محتملة، بما فيها احتمالية اللجوء للقوة، إنما تستخدم حقها الطبيعي، غير القابل للتصرف، للدفاع عن نفسها والذود عن أمنها وخدمة مصالحها الإقليمية والدولية، لمواجهة الخطر الاستراتيجي الداهم والناجز، الذي يتهدّدها. كما أن جدل الحرب «العادلة»، عادةً ما يرتبط بأيديولوجية استراتيجية تتجاوز تهديد الدولة، إلى تطور حالة من الذعر الاستراتيجي، على وجود الدولة، نفسه. ما لم تبادر الدولة لدرء، وليس فقط ردع أي خطر استراتيجي يهدّد كيانها الوجودي، فإن الأمر لا يحتمل الانتظار، حتى تزول الدولة نفسها، من الوجود.

لن يعجز صانعو السياسة الخارجية من إيجاد مبررات لشن الحروب، ولا لتبرير سوء عواقب الانجرار إليها والاستسلام لغواية ضعفهم في مقاومة وتجنّب جاذبية إغرائها، الذي يزيّن لهم عذوبة وطلاوة اتخاذ قرار شن الحرب، في كثير من الأحيان، دون حساب تبعاتها بدقة وموضوعية. وهم دوماً ما يجدون، أو يهيأ لهم أنهم يجدون في مناورات الدبلوماسية أداة فعّالة وكفء وأقل تكلفة في إدارة أزمات السياسة الخارجية لبلدانهم، قبل وأثناء وبعد استخدام القوة على مسرح السياسة الدولية شبه الفوضى المفتقر للانضباط المنظم.

الأداتان العسكرية والدبلوماسية دوماً متلازمتان في تناغم ثنائي متكامل، للذود عن أمن الدولة والدفاع عن مصالحها في أي نظام دولي أو إقليمي، يفتقر بطبيعته لسلطة مركزية تتحكم وتضبط سلوك أعضائه.

00:15 | 14-04-2026