بتوفر العناصر الأساسية لقيام الدولة (الشعب، الإقليم والحكومة الوطنية)، تصبح الدولة مؤهلة لعضوية مجتمع الدول، ولن تكتمل مسوغات العضوية الدولية، إلا بإعلان الدولة حبها للسلام والتزامها عملياً بميثاق العضوية الدولية وتمسكها بالقيم التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها المخلص بمحددات التعايش السلمي ونبذها اللجوء للعنف، بكافة أشكاله، بالذات اللجوء لخيار الحرب لتسوية خلافاتها مع أعضاء المجتمع الدولي الآخرين. عندها تنتقل مسؤولية الدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة إقليمها، لمجتمع الدول، وليس حصرياً من اختصاص ومسوغات إمكانات قدراتها الدفاعية المحدودة وحدها، كما تقتضي مسوغات وضرورات بقاء كيانها الوجودي.
من هنا يأتي الخطر الإستراتيجي الأول على أمنها الوطني، من خارج حدود كيانها العتيد من الجهتين الإقليمية والدولية، أكثر منه من عناصر مكوّنات كيانها الوطني الداخلية، مهما بلغت منعتها أو هشاشة قدراتها الدفاعية. حتى في ظروف تعقد مستويات استقرار الدولة السياسي الداخلي، وضآلة إمكانات قدرتها على البقاء، بما في ذلك تفاقم مشاكل مستويات استقرارها الداخلي، بنشوب احتمالات الحرب الأهلية. تبقى مسؤوليات تحدي مخاطر استقرار الدولة الداخلي، مسؤولية أممية جماعية، حتى في حالة اشتداد تعقيد تحديات استقرارها الداخلي. المجتمع الدولي، في كل الأحوال من مسؤوليات الحفاظ على النظام الدولي السائد، الحفاظ على مصالح أعضائه الوطنية، ولن تكون مسؤولية حفاظ الدولة نفسها، من اختصاصات نظامها الداخلي حصرياً.
في كل الأحوال: أي احتمال للتغيّر الداخلي، تكون من مسؤوليات النظامين الإقليمي والدولي، وليس بالضرورة يكون حصرياً، لإمكانات وقدرات الدولة، التي بطبيعتها تكون محدودة. أي تغيير جذري في مكوّنات النظام السياسي للدولة، هو في حقيقة الأمر، من مسؤوليات البيئتين الإقليمية والدولية، التي يأتي منهما الخطر الإستراتيجي الأول لاستقرار الدولة الداخلي. على سبيل المثال: مؤسسات النظام الدولي السائد، في عصرٍ من العصور، يوفر حصانة أمنية شاملة لاستقرار النظام السياسي الداخلي لأعضائه من الدول، في مواجهة أي احتمال لتغيير النظام الداخلي للدول، بعيداً عن القوانين (غير العنيفة)، لتداول السلطة سلمياً.
من أهم الضغوط التي توفرها البيئتان الإقليمية والدولية لضمان الاستقرار الداخلي للدولة عدم الاعتراف بأي تغيير داخلي للسلطة لا يأتي عن طريق آليات التغيير السلمية، التي ينص عليه دستور الدولة. لم يعد مقبولاً في مجتمع الدول المتحضر، القبول بأي تغيير في النظام الداخلي للدولة، عن طريق العنف، مثل الانقلابات العسكرية.. أو التدخلات الخارجية، لإحداث تغيير قسري في النظام السياسي القائم، بالذات عندما تكون مؤسسات النظام السياسي القائم، في الدولة أتى بالطرق الديمقراطية المرعية.
لهذا نلاحظ مؤخراً فشل محاولات التغيير العنيف في مؤسسات ورموز النظام القائم لأي دولة من الدول، يأتي عن طريق العنف، كما هو الحال في الانقلابات العسكرية، أو التدخل الخارجي لإحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي للدولة. هناك في كثير من الدول ضوابط عملية تفرض على حكومات الدول عدم الاعتراف بأي شكل من أشكال التغيير القسري في أنظمة الدولة الأخرى، لا تراعي مسوغات التغيير السلمي للسلطة، التي يحكمها القانون الداخلي للدول. لم يعد مسوغاً أن تتدخل الدول لتغيير النظام السياسي الداخلي لأي دولة، لاعتبارات سياسية بعيداً عن إرادة مصادر الشرعية القائمة في الدولة، باستخدام القوة، من قبل أي مؤسسات داخلية تعمل على استغلال احتكارها الحصري لمصادر القوة الصلبة في المجتمع مثل الجيش والشرطة، دعك من أي شكل غير رسمي لاستخدام العنف المنظم، مثل ما هو الحال في وجود مليشيات غير نظامية أو منظمات غير نظامية، تتحدى مؤسسات الدولة الرسمية احتكارها لأدوات القوة الجبرية في المجتمع.
رغم هذا التوجه الأممي لحماية أعضاء النظام الدولي لاستقلال وسيادة أعضائه، بسبب عضويتهم النشطة لنصرة وحب السلام، فإن الخطر الأساسي على أمن وسلامة استقرار أعضاء النظام الدولي (الدول)، مازال يأتي من البيئتين الخارجيتين (الإقليمية والدولية)، بصورة أساسية. الحرب تظل هي المتغيّر الأساس لإحداث تغيير جذري في النظام الأساسي لأي دولة، بما في ذلك إمكانات زوال الدولة، نفسها. مهما بلغت حساسية وهشاشة عوامل عدم الاستقرار في أي دولة، يظل المتغيّر الخارجي، هو عامل عدم الاستقرار الأهم في التأثير السلبي على استقرار الدول. الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧٠٤) يؤكد: أن الدول متى أقيمت على أسس العقد الاجتماعي، الذي تم بموجبه الانتقال من حالة الطبيعة الأولى إلى حالة المجتمع السياسي المتمدين، فإن الخطر الأساس ضد بقاء الدولة واستقرارها يأتي من الخارج. مهما اشتد التوتر الداخلي. تغيير النظام الداخلي للدولة، لن يتسبّب في زوال الدولة، بل الغزو الخارجي هو الذي يمحو الدول من خريطة أي نظام دولي قائم.
الحرب، وليس غير الحرب، ما يحدد مصير الدول، إما بقاؤها أو زوالها.


