السياسة، بطبيعتها، سلوك صراعي عنيف، محورها ظاهره السلطة، الوصول إليها والبقاء فيها. لكن الصراع على السلطة لا يعني أبدية القول بتوقع توحش طبيعتها السلوكية. بالعكس: يمكن استئناس حركة الصراع عليها. هذا ينطبق على مرحلة الوصول إليها والبقاء فيها. إمكانية استئناس الصراع على السلطة هذه، من أهم مؤشرات التنمية السياسية للمجتمعات السياسية. كلما مالت حركة الصراع على السلطة لسلمية تداولها، كان هذا مؤشراً على تقدّم مجتمع من المجتمعات سياسياً عن تلك التي تجذرت فيها طبيعة الصراع (المادي العنيف) على السلطة، حتى يصبح هذا العنف في حركة تداول السلطة سمة من سمات سلوك الوصول إلى السلطة والبقاء فيها. حتى ليصبح البقاء في السلطة سلوكاً أشد شراسة من محاولة الوصول إليها والاستحواذ عليها.

هنا نقطة يجب الإشارة إليها: وجود آليات مؤسساتية للتعامل (سلمياً) مع حركة الصراع على السلطة لا يعني إزالة عنف حركة الصراع عليها. عنف حركة الصراع على السلطة دوماً يكون موجوداً، تطوير المجتمعات لطرق سلمية في استئناس وتهذيب حركة الصراع على السلطة، لا ينفي عنف السلوك السلبي في خطاب حركة الصراع. ممكن توقع عنف الحملات الانتخابية (خطابياً) لدرجة تقترب من السلوك المادي العنيف، ما دون الاحتكام لحركة الصراع الدموي العنيف على السلطة، دون توقع حصول ذلك. على سبيل المثال: في الحملات الانتخابية لشغل المناصب السياسية الرفيعة المتقدّمة في النظام السياسي الرسمي، يمكن توقع فحش الخطاب السياسي للمرشحين، بل حتى أحياناً اللجوء للاشتباك بالأيدي، لكن لا يصل ذلك للاحتكام للسلاح، أو استخدام أدوات العنف (الرسمية) للدولة (جيش وشرطة) للفصل بين المرشحين في الحملات الانتخابية. كما يتطلب الأمر التحلي بالروح الرياضية، احتراماً لإرادة الناخبين، عند إعلان نتيجة الانتخابات العامة، بجميع مستوياتها السياسية (السيادية) المحلية والعامة.

هذه بداية للمقارنة بين قيم النظام السياسي الذي تحكمه عقلانية الدولة وتهور المنظمة. في الحالة الأولى ينظر إلى الدولة كونها كياناً عضوياً عاقلاً، يُغَلّب المنطق والحكمة في حركة سلوكه السياسي، لا التهور والعنف الدموي المادي والمجازفة غير المحسوبة، كأهم مؤشرات المسؤولية والحرفية السياسية في تقلد المناصب السياسية. الدول ليست سواء في مستويات هذا المقياس المادي الدقيق في قياس مستوى التنمية السياسية في المجتمع. كما يطغى على طبيعة الاقتراب والابتعاد عن معيار العقلانية السياسية مقابل التهور السياسي.

عند ممارسة السلطة يظهر الفرق الأساسي بين العقلانية والتهور السياسي، للمقارنة بين استقرار الدولة وتذبذب سلوك المنظمة. في الدولة يظهر مستوى عقلانية مؤسساتها ورموزها السياسية، في مستوى مسؤولية الحفاظ على موارد المجتمع، بالذات سلامة قاعدة المجتمع السياسية المتمثلة في الحفاظ على سلامة وحدة إقليمها.. وأمن وسلامة مواطنيها، خاصة عند التعامل مع تحديات البيئة الخارجية لإقليم الدولة. تظهر عقلانية مؤسسات ورموز الدولة الرسمية، عند مواجهة التحديات المصيرية، التي تفرضها تحديات البيئة الخارجية، بالذات في أوقات الحروب. عقلانية الدولة هنا تتجلى في حساب إمكانات الدولة الأمنية، بعيداً عن مخاطر الانخراط المباشر مع جيرانها الإقليميين وخصومها الدوليين في عنف إدارة التحديات التي تفرضها البيئة الخارجية.

قد تنطلق بعض التنظيمات من اعتبارات أيديولوجية أو تنظيمية تجعل أولوياتها مختلفة عن أولويات الدولة، فتغلب أهدافها الخاصة على مقتضيات المصلحة الوطنية. وعندما يحدث هذا التعارض، تصبح حسابات الأمن والسيادة ووحدة الإقليم أكثر عرضة للتأثر، خصوصًا إذا امتلكت تلك التنظيمات قدرة على التأثير في القرار السياسي أو الأمني. في سبيل بقاء تحديات المنظمة السياسية والأمنية، تلجأ المنظمة في أقصى درجات تهور سلوكها، للإضرار بسيادة الدولة على إقليمها والتضحية بسلامة مواطنيها ووحدة أراضي إقليمها. البلاشفة، في روسيا الاتحادية، عندما اندلعت ثورتهم أكتوبر 1917، تخلوا عن مساحات واسعة من الأراضي الروسية غرب روسيا لألمانيا في الحرب العالمية الأولى من أجل ضمان نجاح ثورتهم في موسكو. حزب الله في لبنان، هذه الأيام، في سبيل القتال في معركة ليس للبنان فيها ناقة أو بعير، نراهم يضحون بمئات الكيلومترات بسكانها، من أجل نصرة قوة إقليمية، معرّضين سيادة الدولة وسلامة المواطنين، لمخاطر لا قبل للبنان (الدولة) فيها. كما أن تهور المنظمة في إدارة صراعها مع الدولة، قد يعزى للدولة نفسها، عندما تبدي الدولة ضعفاً إستراتيجياً في السماح للمنظمة بتحدي احتكارها للسلطة، وعجزها الدفاع عن سيادتها ووحدة إقليمها وسلامة مواطنيها. عندها تفقد الدولة عقلانيتها السياسية، لتتحوّل إلى عبء أمني وسياسي كبير.

سطوة المنظمة على مقدّرات الدولة من أهم مؤشرات عدم نضوج حركة وقيم الدولة القومية الحديثة، في بعض «الدول» التي عليها بلدان العالم الثالث أو البلدان النامية أو مجتمعات الدول الآخذة في النمو.