هل الغياب في مظهريته اللفظية، محركٌ للوجود، أم بمعنى أدق محركٌ للمعنى؟

الغياب له مرادف آخر يتركز في الفقد، أي الفقد المادي بأي صورة كانت.

فما الذي يحدث بعد ذلك الفقد أو الغياب؟، إنها حالة إنسانية تقود إلى التعمّق لمعرفة ماهية الأشياء أو الأفراد لديك، هناك فقد لا يثير نوازع الأسى، ويدخلك في تجاويف الخسائر المعتادة في مسالك الحياة، وهناك فقد يزلزلك، ويؤدي إلى عواقب وخيمة لا يشعر بها إلا أنت.

فهل يكون الفقد دماراً مؤقتاً أم لحظة تأمل لاختيار مسالك أخرى لمواصلة السير في هذه الحياة؟

وما الذي يحدث إن كان دماراً أو تأملاً؟

ليبقى السؤال معلقاً لحظة.

الحياة ستواصل حركيتها غير معنية بمن توقف، فالتوقف نوع من أنواع الاستسلام والقبول بالدهس، (والدهس هنا صورة مجازية) تعني البقاء في مكانك كنقطة تعبرها الأشياء من غير اكتراث.

ويختلف أثر الفقد إن كان فقداً فردياً أو جماعياً، فأثره على المجموع بحاجة إلى آليات ضخمة تخفف من وطأة ذلك الفقد؛ ولأن المجاميع لا تحمل حالة نفسية واحدة، وإنما مشاعر مختلفة في تقبل الفقد بنسب تتفاوت لتصل إلى مرحلة تلاشي الشعور بذلك الفقد.

لنقف بسؤالنا عند الفرد ذاته، هو يعرف أن سنّة الحياة الرئيسة قائمة على الرحيل، والرحيل حالة من الفقد، هذا اليقين المعرفي والحياتي من لا يرضى به يعطل نفسه، نعم في البدء يصاب بحالات متعددة تبدأ بالجزع، ولا تنتهي بالتأسف على ذلك الفقد..

ومن هنا يغدو الفقد حالة إنسانية صرفة، قد تصيبك بالاهتزاز أو رفض الواقع والبحث عما فقدت.

وإن لم تجد ما يوقف اهتزازك ولم تجد عوضاً لما فقدت، كيف تكون حياتك؟

لا يستطيع الفرد أن يغيّر عجلة مسيرة الحياة؛ لأن حياة المجاميع تتحرك بكتل ضخمة لا ترتهن لرغبة الفرد، فالفرد مسمار صغير جدّاً في آلة هائلة الضخامة، ويمكن لها الاستغناء عن ذلك المسمار أو استبداله.

وهنا يمكن للفرد الارتضاء بفلسفة يعيش من خلالها؛ لكي يسترد وجوده، أي فلسفة تمنحه البقاء حتى لو كان في الحد الأدنى من الوجود الفاعل.

فقط على هذا الفرد أن يعمل شيئاً ذا فائدة حتى ولو كان المردود ضئيلاً من هذا الوجود، وأعتقد أن فلسفة العدمية لا يمكن أن تعطيه أي مفهوم للوجود.

إذاً، من يدفن نفسه على سطح الأرض؛ بسبب حالة الفقد، أرحم له أن يدفن نفسه في باطنها.