ما أطلق عليه اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعدو كونه تطوراً لسلوك حربٍ أعيت أطرافها، حتى لم يعد في القوس منزع، تحفّزاً لمعاودة القتال، بعد إعادة امتلاء الكنانة بسهام جديدة أحدّ شحذاً. لقد أعيت الحربُ أطرافها، كما استنفدت وقودها، وكادت أن تذهب بأطرافها، دون أن يحسموا أمر قرارها.. أو يستنفدوا منطق وعقلانية اللجوء إليها. لأول مرة في تاريخ حروب المنطقة الحديث يخرج ما يكون خيار اللجوء للحرب والتحكّم في حركتها، عن نطاق أطرافها، وتستبد الحرب نفسها بمصير حركتها.

لقد أثبتت الحرب الأمريكية الإيرانية أن الحرب نفسها لها قولٌ في شنّها، كما أنّ لها قولاً فصلاً في وضع أوزارها، لتثبت أن للحرب نفسها «عقلانية» راشدة، إن صح التعبير، تتجاوز إرادة أطرافها، كإحدى أدوات حركة التاريخ الغالبة المقلة لقطار مسيرة التاريخ. الحرب ممكن أن تنشب عن طريق الخطأ، لكن لم يحدث في التاريخ أن حركة التاريخ تمتلك إرادة قرار شنّ الحرب، كما تمتلك إرادة وضع أوزارها.

من أخطر قرارات الحرب، تقدير قوة العدو مقارنة بقوة البادئ بالحرب. بل الأخطر في قرار شن الحرب، توقيت شنّها، وحساب مدة استعار لهيبها. من السهل البدء بالحرب، لكن من الصعب حساب مدتها.. والأصعب التحكم في توقيت نهايتها. ليست كل الحروب تنتهي بانتصار طرف على آخر، لكن معظم الحروب يكون للحرب نفسها التحكم في وضع نهاية لها.

الحرب لا تعدو كونها جزءاً من حربٍ متسلسلة استعصت على أطرافها، وإلا لما دخلت في سلسلة من متوالية حسابية، لم ولن تبلغ حدها الأقصى، بعد. الحروب عادة ما تكون من جولة واحدة يتحدد فيها مصيرها بعد استنفاد وقود طاقتها، أو تحقيق أحد أطرافها لهدفه أو أهدافه من اتخاذ قرار شنّها. ونادراً ما تضع الحرب أوزارها، بهدنة يتفق عليها أطراف القتال، استعداداً لجولة قتال قادمة، ربما تكون حاسمة في تحديد مصيرها.

الهدنة قد تكون مكتوبة، في صورة قرار لأطراف الحرب بوقف إطلاق النار، دون إنهاء حالة الحرب بينهم. كما أن الهدنة عادةً ما تكون موقوتة، بتاريخ معيّن، إلا أن ذلك لا يعني التزام المتقاتلين بعمر الهدنة الافتراضي. ما لم تتطوّر مع الهدنة آلية ردع متبادل، تبقى الهدنة حالة عنف غير مستقرة، يمكن أن يُطاح باتفاق الهدنة، في أي وقت، دون ما حاجة لانتظار تاريخ صلاحيتها. في حالة الهدنة يكون الوضع أكثر خطورة، إذا لم يشارك أحد أطراف القتال في مراحل التفاوض لوقف إطلاق النار.. أو تم استبعاده من مفاوضات وقف إطلاق النار، من قبله هو، أو بتهميش متعمّد من قبل حليفه في الحرب.

كل أوجه ذلك العوار الاستراتيجي في اتفاقية وقف إطلاق النار، توفرت في تلك الاتفاقية، حتى لتصعب عملية تفعيل الاتفاقية، خارج نطاق جدولها الزمني المتفق عليه، في حالة اتفاقية وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، مدة الشهرين. بعد تجاوز شكليات التوقيع على الاتفاقية، إلكترونياً وتوقيع طرفيها الرئيسيين الأمريكي والإيراني عن بُعد، قبل تبادل نسخ الاتفاقية في سويسرا، نجد إسرائيل تجازف بفشل الاتفاقية في احترام أهم بنودها، وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. إيران هدّدت بأن عدم ضم جبهة لبنان لاتفاقية وقف إطلاق النار يعني: أن تلجأ طهران لوقف العمل بالاتفاقية واستئناف القتال بدءاً بقصف إسرائيل.

في الواقع إيران لم تقصف إسرائيل تواً، رداً على استمرار قصف إسرائيل لجنوب لبنان، ليس من أجل الحفاظ على اتفاقية وقف إطلاق النار، لكن بطلب ملح من قبل واشنطن بعدم ضرب إسرائيل، حفاظاً على الهدنة. مع استمرار إسرائيل بقصف جنوب لبنان، ردّت إيران بغلق مضيق هرمز ذي القيمة الاستراتيجية عند دونالد ترمب، وحتى لا تحقق طهران مبتغى إسرائيل إفشال اتفاقية وقف إطلاق النار.

في كل الأحوال: تمثّل اتفاقية وقف إطلاق النار مخرجاً لإدارة ترمب، ليس في ادعاء النصر، بل من أجل خروج الرئيس ترمب من أتون الحرب، الذي تكاد مؤسسات صناعة القرار في واشنطن والرأي العام الأمريكي يُرجع لحكومة نتنياهو أنها وراء شن الحرب، وجرّت واشنطن لحربٍ لا ناقة للولايات المتحدة فيها ولا جمل.

الحرب هذه لن توقفها هدنة هشّة اُتفق عليها بين طهران وواشنطن، فرضتها إرادة الحرب نفسها. إسرائيل ودولة بعينها في المنطقة ليس من صالحهما وقف الحرب، ولا التوصّل لحل نهائي للأزمة، لتثبت إسرائيل أنها عدوة السلام الأولى، ولو كلفها ذلك علاقة التحالف الخاصة مع الولايات المتحدة.

إذا قُدر للهدنة أن تصمد حتى نهاية صلاحيتها المتفق عليها، فإن الحرب ستعاود سعيرها؛ لأن القضايا العالقة بين طرفَي القتال الرئيسيّيَن ما زالت قائمة وأن مهلة الهدنة لا تعني وقف حالة العداء بين أطرافها.