لم تكن «الحَوْطة» في مجتمعات منطقة الجوف مجرد مزرعة صغيرة أو استراحة ملاصقة للمنزل يمكن فصلها عن حياة أصحابها، بل إنها في زمن مضى، كانت التوأم للبيت. وإذا كان المنزل يؤوي أفراد الأسرة، فإن الحوطة تطعمهم وتسقيهم وتمنحهم مساحة للعمل والراحة والحياة ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً.

فالحوطة والأسرة في الجوف، منظومتان قديمتان تكمل كل منهما الأخرى اقتصادياً واجتماعياً. ففي الحوطة بئر ماء ونخيل وأشجار فواكه وخضار، وفيها طيور وأغنام حيث اللحوم ومنتجات الألبان. و«الحوطة» متنفس العائلة وملتقاهم ومقر أعمالهم المهنية المختلفة صيفاً وشتاءً. وبلغة عصرنا اليوم الحوطة منظومة مصغرة للأمن المائي والغذائي والاجتماعي للأسرة.

عندما تغيّرت المدينة وتم تحديثها، بقيت الحوطة -وجمعها الحُوَط- القديمة في موقعها وعلى أوضاعها السابقة. فقد تمدد العمران، وتحوّلت أطراف الأمس إلى أحياء سكنية، وأصبحت بعض تلك «الحوط» فضاءات مهجورة ومحاطة بالمنازل والشوارع والخدمات.

تحوّلات تستحق التوقف عندها بعد أن أصبحت «الحوطة» مصدر تهديد وخطر على أصحابها وعلى الحي والبيئة. فالآبار القديمة غير المؤمنة والمياه الراكدة والمستنقعات بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات، والنخيل المهمل تحوّل إلى بؤرة لسوسة النخيل الحمراء. ولم تعد «الحوطة» المهجورة مسألة تخص أصحابها وحدهم، كما أن الكثير من هذه «الحوط» موروثة عبر أجيال عديدة، وتتعدد فيها حصص الورثة، فلا أحد منهم يستطيع منفرداً تطويرها أو بيعها أو حتى تحمّل مسؤولية صيانتها. وقد لا تتوافر لدى بعضهم وثائق ملكية مكتملة وفق المتطلبات الحالية.

إنني أدعو مكتب الجوف الإستراتيجي لتبني برنامج تأهيل الحوطة كجزء أصيل من الهوية الاقتصادية الثقافية لمنطقة الجوف من خلال دراسة وتأهيل «الحوطة» قانونياً وعمرانياً، بيئياً، سياحياً، وثقافياً، واقتصادياً بشكل متكامل، بما يحفظ حقوق الملاك، ويحفظ هوية مدن المنطقة وثقافة سكانها والسلامة العامة وجودة الحياة، وربط كل ذلك بالهوية الاقتصادية للمنطقة.

لقد باتت الحاجة ماسة إلى تبني «مبادرة تأهيل الحُوطة والمزارع القديمة» من خلال حصر وإعادة توظيف وإنتاج دور «الحوطة» وليس إزالتها. كما يجدر تصنيف «الحُوَطة» داخل النطاقات السكنية إلى عدد من التصنيفات بدلاً من إخضاعها جميعاً لتصنيف واحد.

ينبغي ألا تكون معالجة هذه الظاهرة حرباً على الحوط التاريخية القديمة أو إزالتها، فهي جزء من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة. كثير من «الحوط» يمكن إعادة تأهيلها زراعياً، وبعضها يمكن تأهيلها لتصبح حدائق ومتنزهات وساحات عامة داخل الأحياء، وبعضها يمتلك مقوّمات التحوّل إلى نُزُل أو مزارع سياحية ومطاعم ومقاهٍ ريفية وأسواق للمنتجات المحلية، وبعض المواقع يمكن إعادة تخطيطها عمرانياً.

بل يمكن أن تنشأ منها تجربة سياحية خاصة مع الإفطار أو الغداء أو العشاء في نزل ريفية صغيرة لنحافظ على قصة الإنسان وحولنا العبء العقاري إلى أصل اقتصادي.

كما يمكن تشجيع ملاك «الحُوَط» المتجاورة على تجميعها في مشاريع مشتركة، أو إدخال مستثمرين لتطويرها بعقود طويلة الأجل، أو إنشاء شركة تطوير متخصصة في الحوط القديمة تتولى إعادة تأهيلها وتشغيلها سياحياً أو عقارياً أو زراعياً، مع احتفاظ الملاك بحصصهم في المشروع.

وفي الحالات التي تقتضيها المصلحة العامة، يمكن دراسة نزع الملكية والتعويض العادل وفق الأنظمة والإجراءات النظامية، سواء بالتعويض المالي أو بدراسة بدائل أخرى تسمح بها الأطر النظامية، بما يحقق مصلحة المالك والمدينة معاً.

إن «الحوطة» التي أعطت بالأمس للعائلة الحياة، يمكن أن تعطي اليوم للحي والمدينة الهوية، والسائح التجربة، وصاحبها عائداً اقتصادياً.

أخيراً، أتوجه بهذه الأفكار إلى مكتب الجوف الإستراتيجي للعمل على «الحوطة» إحدى أيقونات المنطقة التراثية والزراعية والسياحية، وتطويرها لتستعيد المنطقة مكانتها الاستثمارية والسياحية على خارطة السياحة والاستثمار. وأن يتمكن ويعمل المكتب الإستراتيجي (والمكتب بالمناسبة الأقدر والأكثر فهماً وجديّة للتطوير في المنطقة بين كافة مؤسسات المنطقة) على تأهيل «الحوطة» وإعادة تعريف دورها وتحويلها من إرث عائلي معطّل إلى أصلٍ حضري وسياحي واقتصادي نابض بالحياة وربط كل ذلك بهوية المنطقة الاقتصادية.