أحترم وأقدّر كثيراً كافة خبراء التحكيم الموجودين في البرامج الرياضية، سواء كانوا سعوديين أو غير سعوديين، فجميعهم عندي في منزلة واحدة، «عينان في رأس»، وما يقدمونه من ثقافة تحكيمية في قانون كرة القدم محل تقدير واحترام.
- ولدي قناعة تامة بأنه لا توجد لديهم أي أجندة خاصة تجاه أي نادٍ، وفي الوقت نفسه أدرك أنهم يبذلون جهداً قبل ظهورهم في هذه البرامج، رغبةً وسعياً لتحقيق أهداف التوعية التحكيمية التي يفترض تقديمها للمشاهد الكريم.
- وفي ظل هذه القناعة التي تثبت، بما لا يدعو إلى الشك، أنني معهم ولست ضدهم، ولا توجد في قرارة نفسي أي مواقف شخصية تجاههم، إلا أنني أقول لهم، أيها الأحبة.. عذراً إذا قلت إنهم في بعض الأحيان ينطبق عليهم المثل القائل «جيتك يا عبدالمعين تعينني، لقيتك تبغى من يعينك»، ذلك أن تفسيراتهم لبعض الحالات التحكيمية، البسيطة منها والمعقدة، تثير الاستغراب عندما نجد اختلافاً فيما بينهم حول بعض الحالات. فما يطرحه الخبير في برنامج «سين» من رأي حول حالة معينة، قد يكون مختلفاً تماماً عن رأي زميله الخبير في برنامج «جيم» رغم أن الحالة واحدة ولا تحتاج، في بعض الأحيان، إلى كل هذا الاختلاف في التفسير والتقدير.
- وهنا مربط الفرس: كيف يمكن للمشاهد الرياضي أن يصدق هذه التقديرات المتباينة حول حالة واحدة؟ والأدهى من ذلك أن هذا الخبير أو ذاك سبق أن كانت له آراء مختلفة في حالات شبيهة، تحمل من التناقض ما يدعوك إلى القول «إن لخبراء التحكيم في تحليلاتهم مذاهب وأهواء»، وهي مذاهب وآراء تقود المشاهد، من حيث لا يريدون، إلى التشكيك وسوء الظن، وهم في ذلك «لا يلامون».
- والغريب أنه عندما تناقش أحدهم حول هذا التناقض، يأتيك الرد جاهزاً «شوف، بص، هذه الحالة تختلف عن تلك»، وكأن الناس عيونها ما تشوف، أو لا تعرف أن تفرّق بين الحالات المتشابهة!
- ولعل أكبر مثال على ذلك مباراة الاتحاد والخلود، والأخطاء التحكيمية الفادحة التي وقع فيها حكم المباراة ماجد الشمراني، بمساعدة مساعده الأول وحكام تقنية الفيديو «VAR» في حالتين تكررتا كثيراً في دورينا، وسبق أن قُدّمت حولهما آراء وتفسيرات موسعة من خبراء التحكيم.
- الحالة الأولى تخص اللاعب برغوين، بعد عملية حجز واضحة من أحد لاعبي الخلود ونتيجة عدم احتساب فاول لمصلحة مهاجم الاتحاد تحولت إلى هجمة للخلود سجل منها هدف التعادل، ثم تسمع ذلك الخبير المحترم، «بشحمه ولحمه»، يقول: «ما فيها حاجة، قرار سليم باستمرار اللعب»، وكأنه نسي ما قاله في حالة شبيهة سابقة!
- والشيء نفسه ينطبق على حالة مدافع الاتحاد بيريرا، عندما تعرّض لدفع واضح من لاعب الخلود، وهي حالة تستدعي، من وجهة نظري، احتساب ركلة جزاء للاتحاد وإشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب الخلود، ونتيجة إغفال هذه الركلة الصحيحة وقع مدافع الاتحاد في سلوك غير رياضي استحقّ الطرد، ولو اتخذ الحكم القرار السليم في الفعل الأول لما حدث الفعل الثاني ورد فعل حكم اللقاء، ثم تسمع من «الباشوات» خبراء التحكيم ما يجعلك تخرج عن طورك وتشّد شعرك، عندما يصفونها بأنها «حالة تنافس طبيعي»، وهنا لا تملك إلا أن تقول بصوت مرتفع: «اتقوا الله.. ارحمونا!».
همسة أخيرة
لحبايبنا خبراء التحكيم أقول: أرجوكم، قدّروا عقلية المشاهد الرياضي، مهمتكم، في بعض الجوانب، أسهل بكثير من مهمة حكم اللقاء؛ فأنتم تجلسون وأعصابكم مرتاحة، وبراد الشاي أمامكم، واللقطات تتم إعادتها أكثر من مرة، ومن زوايا مختلفة، ثم في النهاية نسمع من بعضكم ما لا يقبله عقل ولا منطق!
- حقيقة أقدّر كثيراً دعمكم لزملائكم الحكام، سواء كانوا سعوديين أو أجانب، ولكن ليس على طريقة رئيس «فيفا» وتعامله مع متطلبات الرئيس الأمريكي ترمب، في الحالة الشهيرة التي أدت إلى إلغاء البطاقة الحمراء للاعب المنتخب الأمريكي.
- هذه الحالة وحدها كشفت الكثير عن مفهوم «العدالة» في كرة القدم، وعن كيفية تعامل أعلى سلطة رياضية في العالم مع مثل هذه الحالات، وكيف يمكن أن تتأثر القرارات التي يفترض أن تكون عنواناً للعدالة والحياد.
- لن أزيد أكثر.. فقد وصلتكم الرسالة، وأعتقد أنكم فهمتم محتواها.


