صباح اليوم السابع من شهر سبتمبر 2025، كنتُ على موعد مع مدينة دمشق مع مجموعة من الزملاء والزميلات بدعوة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لتدشين عدد من المشاريع في سوريا، وعلى بعد أمتار قليلة من المطار كان علينا أن نواجه أول مشهد من مشاهد الأهوال التي لم يكن ممكناً تصورها، على طول الطريق من المطار إلى الفندق كان الدمار في منتهى البشاعة، وعندما أدخلونا أحد الأحياء التي تشبث سكانها بها رغم الدمار كانت اللعنات تنصبُّ على كل الذين تسببوا في تلك المأساة الإنسانية الهائلة. لا يمكن لأحد أن يصدق أن نظاماً يفعل ببلده ما فعله نظام بشار الأسد وعصابته، حتى لو كان جيشاً بربرياً غازياً لسوريا، ربما كان أقل قسوةً وحقداً على الإنسان والمكان. كانت تلك المشاهد تختزل الصورة الأكبر في بقية مدن سوريا وأريافها التي كانت تُمطرها السماء ببراميل البارود وتزحف عليها مجنزرات الدبابات وقذائفها على مدى 15 عاماً، لتصبح سوريا فاقدةً لكل مقومات الحياة.

تذكرت تلك المشاهد المؤلمة وأنا أتابع يوم أمس النقل المباشر من القصر العدلي في مدينة دمشق صدور أحكام محكمة الجنايات بحق عدد من أفراد العصابة التي تلطخت بدماء السوريين، وفي مقدمتهم الرئيس الهارب بشار وشقيقه ماهر، والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا عاطف نجيب، الذي قتل وغيّب الأطفال والرجال والنساء الذين أطلقوا شرارة الاحتجاجات في شهر مارس 2011، وأهان كرامة الذين قالوا (لا) للظلم والاستبداد. كان الشعب السوري بعد طي مرحلة حكم آل الأسد وعصابتهم ينتظر تحقيق العدالة الانتقالية والقصاص من المجرمين. بحورٌ من الدماء سُفكت، وأعداد لا تُحصى من المشردين واللاجئين في مخيمات القيض والبرد والجوع والعطش، وتجريف كامل لكل ما ينبض بالحياة في طول البلاد وعرضها، فقط من أجل أن تستمر تلك العصابة في السيطرة على سوريا، لكن عدالة السماء كان لها قرار آخر، وبقيت عدالة الأرض التي بدأ تطبيقها يوم أمس. صحيح أن الموتى لا يعودون، والآلام العميقة ستبقى في نفوس أهالي الضحايا، لكن هناك قدراً كبيراً من العزاء عندما يتم تنفيذ العدالة بحق المتسببين في عذابات الشعب السوري.

ربما يصعب تنفيذ الحكم بحق بشار الأسد، لكنه غالباً كان يشاهد من منزله الوثير في موسكو البث المباشر من القصر العدلي في دمشق، ويتابع احتفالية أهالي الضحايا بعد صدور الأحكام. ربما تحسس رقبته أكثر من مرة وهو يسمع الحكم عليه بالإعدام، وحتى لو لم يكن ممكناً تنفيذ الحكم فإنه سيعيش كابوساً مستمراً طوال ما تبقى له من عمر. الشعور الدائم بأن القصاص يطارده أقسى من الموت نفسه.