ردود الفعل الإقليمية والدولية من «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان متوقعة، بغض النظر عن سياقات وخلفية الآراء التي تناولتها، أو المواقف المعلنة منها، أو حتى التوقعات والفرضيات التي حاولت أن تربط توقيتها بالأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن هذه الاتفاقية جاءت تتويجاً لمفاوضات إستراتيجية امتدت لسنوات بين الدول الثلاث، واستمراراً للتعاون العسكري بينها منذ عقود، فضلاً عن التكامل الاقتصادي والأمني والسياسي، وهو ما يجعل الوصول إلى هذه الاتفاقية في سياق طبيعي.

الحقائق الثابتة في هذه الاتفاقية أنها ذات طبيعة دفاعية ورادعة وليست موجّهة ضد أي دولة بعينها (بما في ذلك إيران)، واتفاقية أيضاً ذات مظلة مفتوحة وغير انعزالية، بمعنى أنها لا تشكّل محوراً طائفياً أو عسكرياً مغلقاً، بل هي مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة في المنطقة التي تشاركها مبادئ تعزيز السلام والاستقرار، كذلك اتفاقية لا تلغي أو تحل محل أي معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف للدول الأعضاء مع أطراف أخرى، كما أنها تنسجم تماماً مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس.

مهما حاولت الآراء الأخرى أن تقفز على تلك الحقائق تجد نفسها أمام حوكمة بالغة الدقة في تنفيذ بنود الاتفاقية، من خلال آلية التشاور والاستجابة عند تعرّض أي دولة للتهديد، حيث تطلب المساعدة، ويتم تحديد شكل الدعم (عسكري، لوجستي، استخباراتي) بناءً على تقييم مشترك لطبيعة التهديد، كذلك المأسسة التنظيمية بالإعلان عن تأسيس لجنة وزارية مشتركة للتنسيق، إلى جانب إنشاء أمانة عامة دائمة للاتفاقية يكون مقرها في السعودية.

الاتفاقية التاريخية تقوم على مبدأ «الردع الجماعي»، حيث ينص بندها الأساسي على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، وهذا المبدأ ليس جديداً في العلاقات الدولية، ولا يحتمل تفسيرات لا تنسجم مع الواقع، وأكبر دليل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يضم مجموعة واسعة من دول أمريكا الشمالية وأوروبا، وينص مبدؤه الرئيس (المادة الخامسة) على أن الهجوم المسلح على عضو أو أكثر يُعدّ هجوماً على الجميع.

وبالتالي الدول الثلاث لم تخترع مبدأ ردع من عدم، وإنما هي ممارسة موجودة بين دول العالم، فضلاً عن الاتفاقيات الثنائية التي تجري بين الدول لتحقيق المبدأ ذاته، والأهم أن هذا المبدأ يحقق الاستقرار العالمي، وخلق بيئة ردع متوازنة تضمن حماية خطوط الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، وتحقيق سلام مستدام يبنى على القوة والتكامل الإستراتيجي، وهو خلاصة هذه الاتفاقية.

الموقف ليس تبريراً ولكنه توضيحاً لما هو أهم، وهو أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تبرهن على قدرة القوى الإقليمية الكبرى على صياغة أمنها القومي بنفسها، بدلاً من الاعتماد على المظلات الأمنية الدولية التقليدية، وجاء هذا «التحالف التاريخي» بمثابة تعزيز الاعتماد الذاتي المشترك لحماية سيادة تلك الدول ومصالحها الحيوية.

القوة الحقيقية لهذه الاتفاقية في التكامل الجيوسياسي والعسكري والمالي الفريد الذي تشكّله الدول الثلاث؛ فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والمالي العالمي، والعمق الإستراتيجي والروحي للعالم الإسلامي، إلى جانب نفوذها السياسي والدبلوماسي الواسع، والجمهورية التركية توفر قاعدة تصنيع عسكري وتكنولوجي متطورة، بالإضافة إلى امتلاكها لثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وجمهورية باكستان الإسلامية تمنح الحلف عمقاً بشرياً وخبرة قتالية عسكرية ميدانية هائلة تراكمت على مدى عقود، فضلاً عن كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

«اتفاقية مكة» باختصار تعيد صياغة التوازنات الإقليمية، وتمنح المنطقة والعالم الاستقرار والتنمية، وهذه الرسالة وحدها كافية لفهم أبعادها المستقبلية.