أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=220&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

الأمن الخليجي و«الخلايا النائمة»!

أحد أهم الدروس المستفادة لدول الخليج من الحرب الإيرانية – الأمريكية والإسرائيلية ما يتعلق بالملف الأمني الخليجي، وتحديداً بعد كشف خلايا إرهابية مدعومة من إيران في دول الإمارات وقطر والكويت ومملكة البحرين، حيث كشفت التحقيقات الأولية عن عزم تلك الخلايا زعزعة الأمن والاستقرار في تلك الدول، وتنفيذ أعمال تخريبية، والتجسّس على مواقع حيوية، وإثارة الرأي العام الداخلي.

هذه الخلايا ليست وليدة لحظة من الزمن، أو الفعل الناتج عن الحرب، لكنها سياسة إيرانية متبعة منذ سنوات طويلة، وعمل تراكمي ممتد من التشكيل والتخطيط والتنفيذ، والشواهد كثيرة على أحداث تاريخية تورطت فيها إيران في منطقتنا الخليجية، وأضرت بمستوى العلاقات، وتحوّلت إلى مشاريع إرهابية راح ضحيتها أبرياء، وكلها تحت مشروع تصدير الثورة، واستقطاب واستلاب عقول خليجية وعربية لتنفيذ أجندات تحت تأثير «ولاية الفقيه»، التي أصبحت موجهاً ومرشداً لتلك العقول، وإعادة تشكيل ولائهم على حساب أوطانهم.

الجهود الأمنية الكبيرة التي بذلتها دول الخليج على مستوى تبادل المعلومات، وتنسيق الأدوار، ومتابعة تلك الخلايا، تكشف حقيقة الأمن الخليجي الذي لا يتجزأ، وأن أي مساس بأمن دولة خليجية شقيقة هو مساس بأمن دول الخليج كافة، وهذا المرتكز مع تطوّر الأحداث في المنطقة بحاجة إلى رؤية أمنية أكثر قدرة على الاعتماد على المقدّرات الخليجية، وتعزيز قاعدة الاستقرار قبل النمو، والعمل الأمني الاستباقي لمواجهة التحديات.

الأمن الخليجي الشامل يبدأ من الإنسان الخليجي الذي تقع عليه مسؤوليات كبيرة في مشروع التصدي لكل ما يهدّد أمنه واستقراره، وأول مرتكزات هذا التصدي هو الوعي بحجم الخطر الذي تواجهه المنطقة ودول الخليج، وألا يكون هذا الإنسان أداة يتم تجنيدها لصالح قوى خارجية بما فيها إيران، كذلك التخلي عن كل مظاهر الاحتقان والتأزيم والتشكيك، خصوصاً في شبكات التواصل الاجتماعي، والانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر فاعلية وعمقاً في وحدة الصف الخليجي، والمصير الواحد الذي يجمعنا.

الأمن الخليجي بمفهومه الواسع أصبح اليوم مهمة تشاركية بين مؤسسات أمنية ومواطنين خليجيين لديهم اعتزاز بالهوية والقيم الخليجية، ورؤية ورسالة أكبر لأداء دورهم الأمني، والعيش بسلام وتنمية وازدهار بعيداً عن كل حاقد وحاسد وحتى جاحد، مع ضرورة الامتثال والالتزام بالأنظمة والقوانين التي تكفل الحقوق، وتعزز من حجم المكاسب الخليجية على المستوى الأمني.

كل خلية إرهابية يتم كشفها في دولة خليجية هي نجاح أمني لبقية دول الخليج الأخرى، واستمرار للتعاون والتكامل الخليجي الذي سيكون أقوى بعد نهاية هذه الحرب، وسيبقى مصدر هذه القوة هو الإنسان الخليجي الذي نتطلع إلى تعزيز دوره الأمني فكراً وممارسة، والتصدي لكل من يحاول تجاوز الخطوط الحمراء، أو التطاول أو حتى التفكير في شق الصف والوحدة الخليجية.

00:08 | 22-04-2026

إيران بعد الحصار..!

سياسة الرئيس ترمب بفرض حصار بحري على إيران هي محاولة لخنق «النفس الطويل» الذي تنتهجه طهران، وتحديداً بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام أباد، حيث بدا واضحاً عزم الرئيس الأمريكي على تفكيك «النواة الصلبة» للنظام، والسعي إلى عزله وحصاره وقطع الطريق على مكاسب النفط التي كان يحققها عبر مضيق هرمز، خصوصاً من الصين والهند، وهو ما يزيد من احتمال ممارسة بكين الضغط على إيران لإعادة فتح المضيق، والعودة مجدّداً لطاولة المفاوضات، حيث ستكون استعادة اليورانيوم الإيراني المخصب أول بنود الاتفاق المحتمل.

الحصار البحري الأمريكي هو «تكتيك سياسي» لإعادة إيران إلى المفاوضات دون أي أوراق ضغط قد تمارسها، أو تحاول أن تفرض أي شروط أخرى، وبالتالي طهران ستفكر بعقلية الدولة وليس الثورة في الجولة المقبلة من المفاوضات التي ستقدّم فيها تنازلات كبيرة لبقاء النظام أولاً، والانكفاء إلى الداخل ثانياً، وهو ما يجعل إيران أمام مأزق حقيقي لو حاولت أن تفوّت فرصة إبرام صفقة مع الجانب الأمريكي؛ لأن العالم -وليس أمريكا- سيشكّل ضغطاً عليها، وخصوصاً من حلفائها في الصين وروسيا، وبالتالي الموقف حالياً ليس بداية استعداد لمواجهة عسكرية أخرى بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، ولكنه موقف يحتاج إلى قرار سياسي إيراني لتجنّب التصعيد مجدّداً، والرضوخ إلى الشروط الأمريكية في المفاوضات.

أعتقد أن فكرة الحصار بعد 38 يوماً من الحرب هي أحد أوراق الضغط الأمريكية للانتقال من فكرة المواجهة إلى تغليب لغة المصالح، وطبعاً إيران ليست طرفاً وحيداً في ذلك، بل يشاركها العالم الذي تضرر من إغلاق مضيق هرمز، وعلى هذا الأساس ستكون هذه المصالح هي من تقرر نهاية هذه الحرب، والجانب الأمريكي هو من سيحدد مسار هذه المصالح على الأقل في المنظور القريب، قبل أن يتحرك العالم -وأوروبا تحديداً- في رسم سياسات استخدام المضيق على المدى البعيد.

مشكلة إيران أنها كانت تعتقد أن ورقة مضيق هرمز ستقودها إلى تحقيق توازن استراتيجي في حربها ومفاوضاتها، لكنها بعد الحصار وجدت نفسها مضطرة للحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها أيضاً، وهو ما يجعلها أمام ضغوطات غير مسبوقة؛ إما الاستسلام للشروط الأمريكية أو خسارة هؤلاء الحلفاء؛ الذين سيكون لهم دور أكبر بعد نهاية الحرب.

تحدٍّ آخر تواجهه إيران في هذه المرحلة، وهو الأسبوع المتبقي من وقف إطلاق النار، ومدى قدرتها على اتخاذ قرار لن يجعلها منتصرة في النهاية، لكن سيبقيها دولة مدمرة ومجردة من سلاحها النووي، والباليستي، ولن يكون لها دور وهي ترى وكلاءها يُنزع منهم سلاحهم، ويقرون أن محور المقاومة سقط بمجرد استسلامها، وتطوي معها إيران صفحة ثورتها التي فشلت في تحقيق أحلامها.

00:33 | 15-04-2026

السيناريو الخليجي مع إيران بعد الحرب!

المؤكد أن تداعيات الحرب الإيرانية – الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة والعالم هي أصعب وأخطر من الحرب القائمة حالياً؛ فالوصول إلى اتفاق ينهي الحرب بأي صيغة لا يعني أن مرحلة التعافي من آثارها ستكون محتملة على المدى القصير، وربما المتوسط، حيث ستدخل النوايا السياسية، والمصالح العميقة، وفقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة والمتأثرة باعتداءات إيران؛ حيّز التنفيذ من المواجهة الصامتة مع النظام الإيراني خلال العقد المقبل، والأخطر حينما يتم إعادة تشكيل هذا النظام ليكون مصدر تهديد وإزعاج لجيرانه ومحيطه، وتحديداً حينما تكون المصالح الاقتصادية الأمريكية قد تحقّقت من هذه الحرب، والمصالح الإسرائيلية وصلت إلى قناعة بأن التهديد العسكري نحوها تراجع لسنوات طويلة.

سيناريوهات ما بعد الحرب ليست لإعادة ما كان عليه قبلها، ولكن لما يُفترض أن تكون عليه بعدها، وهو ما يتطلب موقفاً خليجياً وعربياً موحداً في التعاطي مع بقايا النظام الإيراني الحالي، وأسلوب التعايش معه بعيداً عن حالات تعامل منفردة من أي دولة؛ لأن وحدة الموقف مهمة، وهو ما أثبتته الحرب الحالية حينما كان الموقف واحداً في عدم الانجرار الخليجي والعربي لتوسيع نطاق الحرب، وكيف كان أثر هذا القرار حكيماً وعميقاً في وأد المخطط الإيراني، ومحاولة التكسّب من خلاله في إثارة الرأي العام وتأزيمه.

الاتفاقيات الثنائية بين الدول الخليجية والعربية والنظام الإيراني أثبتت عدم قدرتها على الصمود، وأصبح الجميع مصدراً للتهديد والاعتداء المباشر وغير المباشر خلال هذه الحرب، وبالتالي من المهم جداً أن يكون الاتفاق مع إيران في مرحلة لاحقة من نهاية هذه الحرب بإرادة جماعية، وضمانات دولية، ورقابة دائمة، ولا يمنع أن تكون هناك مصالح ثنائية، ولكن ليس على حساب الأمن الخليجي والعربي، أو محاولة البعض إنقاذ إيران من عزلتها الحالية.

بنود الاتفاق الأمريكي والإيراني قائمة على مصالح مشتركة بينهما، وإسرائيل المستفيد الأكبر منه بشكل أو بآخر -بعد تلاشي فكرة القضاء على النظام-، ولكن لا يعني وجود عبارات في هذا الاتفاق تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتسهيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز أن الوضع مطمئن، أو غير قابل للابتزاز السياسي الرخيص من إيران مستقبلاً، وخصوصاً من وكلائها في المنطقة، وبالتالي معادلة الرؤية الخليجية والعربية تختلف من حيث التفاصيل عن الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لنهاية هذه الحرب، لا سيما على مستوى الجغرافيا.

المهمة ليست سهلة في رسم سيناريو العلاقة الخليجية والعربية مع إيران بعد نهاية هذه الحرب، ولكنها ضرورية بإرادة جماعية وليست منفردة، واستثمار المكاسب التي تحقّقت من رؤية العالم للمنطقة كمصدر مهم للطاقة، وتأثيرها على حياة شعوبهم واقتصاداتهم، وبالتالي هذا مؤشر يمكن العمل عليه في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة التي لم تعد تحتمل حروباً أخرى، أو حسابات لمصالح محدودة، أو مغامرات تحت ذريعة مبررات واهية وغير منطقية.

00:06 | 8-04-2026

النجاح السعودي قبل أن تضع الحرب أوزارها!

المواقف السعودية منذ بداية الحرب الإيرانية من جهة والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى؛ تكشف عن الدور المحوري الذي تؤديه الرياض في التعامل مع تداعيات تلك الحرب على أمن واستقرار المنطقة، حيث صاغت تلك المواقف لإفشال التصعيد السافر الذي تمارسه إيران، ومحاولاتها لجر السعودية ودول الخليج والأردن إلى حرب أخرى واسعة النطاق.

سياسياً، استطاعت السعودية من خلال اللقاءات والاتصالات المكثفة التي يجريها سمو ولي العهد رسم إطار التعامل مع هذه الحرب، واحتوائها بالطرق السلمية، وتعظيم أثر التحالفات والبدائل الدبلوماسية، إلى جانب توحيد الرسائل السياسية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية غير المبررة، واتساق تلك الرسائل مع الخطاب الدولي الذي هو الآخر وجد في تلك المواقف ثباتاً وحكمة وعمقاً سعودياً في التصدي للنوايا الإيرانية وإفشالها، كذلك ما عبّرت عنه البيانات والتصاريح الرسمية من وزارة الخارجية، والتحركات الدبلوماسية لسمو وزير الخارجية من قدرة السعودية على ضبط المشهد السياسي العام، وعدم الانجرار خلف نظام إيراني فقد توازنه وقوته، وأدواته في الفوضى والتدمير.

على مستوى الطاقة، أفشلت السعودية -رغم إغلاق مضيق هرمز- خطط إيران من إحداث أزمة عالمية في سوق الطاقة، حيث بات خط أنابيب نقل النفط من رأس تنورة في الشرق إلى ينبع في الغرب بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً؛ حلاً سريعاً لمواجهة تداعيات الحرب، وهو ما جعل العالم إلى اليوم ينظر إلى هذا الموقف السعودي بالكثير من الإعجاب في الحفاظ على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد التي لم تنقطع ليوم واحد منذ اندلاع الحرب، ووصف مراقبون تلك الجهود بأنها قدرة سعودية فائقة في التخطيط واستشراف المستقبل.

كذلك على مستوى الطيران المدني؛ باتت الأجواء السعودية مزدحمة بحركة الطيران العالمية، ووجهة آمنة لحركة الملاحة الجوية، إلى جانب استقرار مستوى التشغيل للرحلات الداخلية والدولية، ورفع مستوى خطط الطوارئ، وتسهيل عودة المعتمرين والزوّار بعد موسم رمضان، والأهم قدرة السعودية على تحويل مطاراتها لشركات طيران خليجية، وهو ما جعل انسياب حركة المسافرين والعالقين من مطاراتها يؤكد قدرتها على التموضع كمركز طيران عالمي مستقر، إضافة إلى حركة النقل البري عبر حدودها مع الأشقاء الخليجيين، وكيف حافظت السعودية على سلاسل الإمداد عبر آلاف الشاحنات التي تعبر يومياً من أراضيها.

موقف آخر على صعيد الأمن الداخلي، وكيف أظهرت المنظومة الأمنية تفاعلها مع الأحداث الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة؛ فالمواطن والمقيم ينعمان بالأمن والاستقرار، كذلك الجهود الكبيرة التي تبذلها منظومة وزارة الدفاع في التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومستوى الجاهزية العالية في التعامل معها، إضافة إلى منظومة الإعلام التي هي الأخرى تعاملت بمهنية واحترافية عالية في توحيد الرأي العام، وتقوية الجبهة الداخلية عبر رسائل إعلامية واتصالية هي أكثر وعياً بالمخاطر التي تشهدها المنطقة.

السعودية -رغم احتفاظها بحق الرد من الاعتداءات الإيرانية السافرة- استطاعت أن ترد بطريقتها لحماية أمن واستقرار المنطقة؛ فالرد ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً رغم القدرة على ذلك، ولكن إفشال المخطط الإيراني من تحويل الحرب إلى أزمة عالمية كان بمثابة نجاح منقطع النظير للسعودية قبل أن تضع الحرب أوزارها.

00:02 | 1-04-2026

«إدارة الصراع».. والدور الخليجي في المستقبل!

المهلة التي منحها الرئيس دونالد ترمب لإيران لفتح «مضيق هرمز»، وما يتبعها من مفاوضات تجري حالياً بين الجانبين؛ قد تبدو في شكلها الظاهر حلاً شاملاً للصراع، ولكنها في أفضل حالاتها فرصة لوقف الحرب، والعودة مجدّداً لحسابات وتداعيات هي أكثر صعوبة وسخونة على المنطقة من آثار الحرب نفسها، لا سيما أن الحديث عن إيران غير نووية لا يزال غير مؤكد، كما أن وقف البرنامج الباليستي ربما يكون مؤقتاً، إضافة إلى أن إنهاء وكلاء إيران في المنطقة سيكون مكلفاً عسكرياً وإنسانياً في أكثر من موقع جغرافي، حيث سيتم إضعافها وليس القضاء عليها؛ لأن الأيديولوجيا تمثّل رافعة الوجود لتلك الكيانات الموازية، وليس الأدوات التي يمكن تدميرها وتعود في وقت آخر.

المؤشرات أن الحرب ستتوقف، والنظام الإيراني سيبقى، والمضيق سوف يُفتح تحت حماية أمريكية بقيادة قوات المارينز التي وصلت للمنطقة -وهو أحد شروط التفاوض التي تتم حالياً بين الجانبين-، ولكن الأهم أن المنطقة قبل هذه الحرب لن تكون بعدها على أكثر من صعيد سياسي، وعسكري، وأمني، واقتصادي، وحتى أيضاً بين شعوب المنطقة التي بدأت تظهر مؤشراتها الأولى في شبكات التواصل الاجتماعي، ونبرة التعبير لما يجري، واتجاه ذلك.

اليوم لا يكفي أن تتوقف الحرب، وإنما المطلوب إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط الذي تغذيه اعتداءات إيران وتدخلاتها من جهة، والنزعة الإسرائيلية للتصعيد وعدم الاستقرار من جهة أخرى، وبالتالي معادلة وقف الحرب تختلف تماماً عن معادلة إنهاء الصراع، وما بينهما هو أشد خطراً على المنطقة إذا لم يتم احتواؤه بالطرق السلمية والقوانين الدولية.

دول الخليج التي أظهرت قوة في التصدي للاعتداء الإيراني السافر، وحكمة في عدم الانخراط في هذه الحرب، وقدرة في حماية مقدّراتها وشعوبها؛ يتطلّب منها أن تعمل على إدارة هذا الصراع -وليس فقط إنهاء الحرب- بطرق مختلفة عن السابق؛ فالدروس المستفادة من هذه الحرب على أكثر من صعيد فرصة لإعادة قراءة المشهد على أنه صراع مستمر ببقاء مسبباته، والخروج أكثر قوة وصلابة في مواجهة التحديات، واتخاذ مواقف غير مسبوقة في التعاطي مع تداعيات هذا الصراع مستقبلاً.

الحكمة الخليجية ستقود المنطقة إلى المزيد من التهدئة والاستقرار في المرحلة المقبلة، وأيضاً ستكون مصدراً مهماً في سوق الطاقة الذي أثبت قوته وأهميته في المعادلات السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل العالم ينظر إلى دول الخليج على أنها ليست دولاً مصدّرة فقط، وإنما دولاً لديها الإمكانات والقدرات التي تجعلها تواصل دورها الإستراتيجي في الحفاظ على السلام العالمي.

في المقابل؛ هذا الدور -لإدارة الصراع- يحتاج أيضاً إلى رسم خارطة جديدة للاتحاد الخليجي، و«الناتو الخليجي»، والسياسة الخليجية الموحدة في الملفات الأكثر حساسية في المنطقة، وكذلك التعبئة الخليجية الشعبية للمصير الواحد، وإعلاء قيمته، وأهميته، ورسم خطوطه الحمراء مهما كانت التحديات، وتحصينها بالوعي والمسؤولية لما هو قادم في المستقبل.

00:37 | 25-03-2026

الوعي العربي.. والسرديات الرقمية في زمن الحرب!

رغم أن الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد دخلت أسبوعها الثالث، إلا أن «معركة الإعلام» لا تقل أهمية وربما تأثيراً في مجريات الأحداث التي وصلت ذروتها، حيث يتّسم المشهد الإعلامي بين الأطراف المتنازعة حالياً بتصاعد وتيرة «الحرب النفسية» والمبالغة في سردية «الانتصار»، ومحاولات التضليل الإعلامي وممارسة القيود الرقابية، كذلك تعدد السرديات الرقمية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

هذا المشهد دفع مجلس وزراء الإعلام العرب الأحد الماضي إلى إصدار بيان بالغ الأهمية حول عدم الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، داعياً وسائل الإعلام العربية إلى القيام بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، مناشداً مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

الإعلام كجزء من الصراع الدائر حالياً يجعلنا كشعوب عربية وخليجية أمام كم هائل جداً من المحتوى الإعلامي من مصادر متعددة، وحتماً جزء كبير منه أخبار مضللة، وكذلك ملونة بانتقاء جزء من الحقيقة وتوظيفها في سياق أهداف خاصة، كذلك نحن أمام فضاء سيبراني مفتوح على مصراعيه لنقل الحدث والتعليق عليه من شخصيات ومنظمات وقوى وجماعات لها أجنداتها الخاصة أيضاً، والأخطر هو المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتزييفه العميق للحقائق، وهو ما شنّ عليه الرئيس ترمب انتقاداً واسعاً في تصريحاته الأخيرة.

المطلوب في هذا التوقيت من الشعوب العربية أن يكون الرأي العام موحداً تجاه التنديد بالهجمات السافرة من إيران على بعض تلك الدول، والالتزام بالأخبار الرسمية الصادرة من الجهات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية تجاه التعاطي مع تطورات الحرب الحالية، كذلك التفريق بين الحقائق والآراء في بناء المواقف والتوجهات، وعدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض.

أيضاً على مستوى السلوك الاتصالي للجمهور العربي خلال الحرب؛ يتطلب عدم تصوير مواقع الأحداث، ونشرها، أو إظهار إحداثيات تلك المواقع، والتجسّس عليها، والأهم أن يتم تحصين الوعي بالمعرفة وسلامة الاتجاه بدون إيديولوجيا منحازة، والارتهان إلى المقومات الوطنية العربية، والاعتزاز بها، وبقدراتها في التصدي للاعتداء الإيراني، ودعم تلك التوجهات بإبرازها وتعزيزها كجزء مهم من التعبئة المعنوية في زمن الحرب.

في الجانب الآخر من هذا السلوك، من المهم جداً أيضاً الإبلاغ عن أي محتويات رقمية تهدّد أمن وسلامة الدول العربية، مما يساهم في إغلاق تلك الحسابات أو حذف محتواها، وبالتالي ممارسة الدور الرقابي المجتمعي في مشروع التصدي لكل محاولات التأزيم أو التشكيك للمحتوى السلبي في الشبكات الاجتماعية، كذلك الإبلاغ عن أي خلايا تجسّسية، أو ذات علاقة بعناصر خارجية، والعمل معاً مع الأجهزة الأمنية في كشفها، وكان آخرها ما تم الإعلان عنه في البحرين والإمارات والكويت وقطر، حيث بات واضحاً أن هناك خلايا تعمل ضد مصالح الدول العربية في هذه المرحلة الحسّاسة.

00:32 | 18-03-2026

نهاية الحرب.. و«الخاسر الأكبر»!

بعد مرور حوالى أسبوعين من الحرب الإيرانية من جهة، والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى، وتداعياتها في المنطقة والعالم؛ يتضح أن هذه الحرب مختلفة، ومعقدة، ويصعب التنبؤ بنهايتها، خصوصاً أنها من نمط الحروب -مقارنة بغيرها- التي ليس لها بديل في تداعياتها ومصالحها المرتبطة بالطاقة، والتجارة، والاستثمار، وبالتالي يمتد أثرها إلى العالم وليس فقط المنطقة، وهذا أحد أكثر تعقيدات هذه الحرب.

إضافة إلى أن أطراف الحرب لا يوجد لديهم أهداف واضحة ومعلنة منها؛ فالأمريكان والإسرائيليون يقاتلون في خندق وجبهة واحدة، وكل واحد له أهدافه الخاصة من هذه الحرب، وإيران في المقابل لا يوجد لها أهداف محددة من توسيع نطاق الحرب، واستمرار اعتداءاتها السافرة وغير المبررة على دول الخليج، فضلاً عن تعميق دور وكلائها في لبنان والعراق للانخراط في هذه المواجهة، كذلك التحوّل من تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة إلى تهديد المدنيين والبنية التحتية في الخليج.

الأصعب في هذه الحرب أن الانتصار الحقيقي فيها -وليس الدعائي- مكلف جداً لكل طرف؛ فانتصار الأمريكان والإسرائيليين بإسقاط النظام أو إنهاء المشروع النووي والباليستي والوكلاء؛ يتطلب استسلاماً إيرانياً، وهذا لن يحدث إلًا بقوات على الأرض، أو مظاهرات شعبية، وإذا لم يتحقّق ذلك فهو في المقابل انتصار إيراني يُعيدها إلى الواجهة والتمدد وتهديد إقليمها العربي، وأكثر من ذلك خسارة محتملة لترمب وحزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس نوفمبر المقبل.

الأصوات الدولية التي بدأت تظهر خلال اليومين الماضيين بضرورة وقف الحرب، والعودة إلى المفاوضات مجدّداً، وخصوصاً من الصين والقادة الأوروبيين؛ أظهرت هي الأخرى عامل ضغط على الأطراف المتنازعة، لا سيما أن مصالح تلك الدول بدأت تتضرر على مستوى إمدادات النفط للصين -وهو أحد الأهداف غير المعلنة للحرب-، أو على مستوى الغاز بالنسبة لأوروبا، وارتفاع معدلات التضخم المتوقع نتيجة لذلك، كذلك روسيا التي دخلت على خط الدعوات بإيقاف هذه الحرب، وتقديم الحلول الممكنة للتسوية بعودة إيران الدولة وليس الثورة، وهو ما كشف عنه الاتصال الهاتفي المهم بين بوتين وترمب أمس الأول.

المؤشرات أن هذه الحرب ستنتهي قريباً بقصف آخر الأهداف العسكرية في إيران، ثم تعود جميع الأطراف إلى المفاوضات، ولن يكون هناك خاسر معلن أثناء الحرب، ولكن حتماً سيكون هناك خاسرون بعد نهايتها، وخصوصاً إيران التي سوف تتراجع عقوداً من الزمن، وستواجه موقفاً خليجياً غاضباً من سلوكها، وسيؤثر حتماً على علاقاتها مستقبلاً، وهو ما وصفه بيان وزارة الخارجية السعودية بأن إيران هي «الخاسر الأكبر» إذا واصلت اعتداءاتها السافرة.

00:10 | 11-03-2026

الحياد الخليجي من الحرب.. «استقرار المنطقة أهم»!

رغم الهجمات الإيرانية السافرة والجبانة والمتكررة على دول مجلس التعاون الخليجي، إلّا أن موقف الحياد الخليجي لا يزال متماسكاً قبل وأثناء اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث يعبّر هذا الموقف عن إرادة خليجية مجتمعة للنأي بنفسها عن هذه الحرب، وعدم استخدام الخيارات العسكرية لحل الأزمات، وذلك حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها، وضمان سلامة أراضيها وأمن مواطنيها والمقيمين فيها.

إيران منذ اليوم الأول للحرب وهي تسعى إلى توسيع نطاقها تحت ذريعة ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحاول جرّ دول الخليج للرد عليها -رغم احتفاظ تلك الدول بحق الرد على تلك الاعتداءات-، ولكن طهران لا تزال تصر على أن تكون جبهات القتال مفتوحة، وهذا الاعتقاد لا يمكن تحقيقه -من وجهة نظرها- من دون أن يكون هناك دور خليجي في هذه الحرب، رغم أن المواقف الاستباقية لتلك الدول كانت واضحة ومعلنة قبل اندلاعها ولا تزال، ولكن إيران ترى في هذه الورقة ضغطاً سياسياً وعسكرياً على أمريكا قبل دول الخليج لمحاولة الوصول إلى تسوية لوقف الحرب.

مؤشرات الحرب لن تطول، ولكن تأثيرها في عمرها القصير سيكون كبيراً جداً على المنطقة والعالم، لا سيما في الجانب الاقتصادي، وموقف الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل، فضلاً عن الداخل الإيراني وتداعياته المحتملة على أكثر من صعيد، حيث تكشف تلك المؤشرات عن إضعاف القدرات الإيرانية النووية والباليستية، ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والأمنية، وأذرعها في المنطقة، إضافة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني من الداخل وليس إنهاؤه.

أما دول الخليج فستبقى على ذات الموقف المحايد الذي لن تكون فيه طرفاً في هذه الحرب -رغم الاعتداءات الإيرانية المتكررة-، وهذا يعني الحفاظ على استقرار المنطقة أكثر من أي حسابات أخرى، وهو ما تؤكده فحوى الاتصالات لقيادات دول الخليج منذ اندلاع الحرب، وما عبّر عنه البيان الختامي لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع استثنائي يوم الأحد الماضي، حيث بات واضحاً التنديد بالاعتداء الإيراني والاحتفاظ بحق الرد دون أي محاولات أخرى للتصعيد.

الموقف الخليجي الموحد في هذه الحرب هو نقطة ارتكاز مهمة للأمن والاستقرار في المنطقة، ويؤكد مجدّداً على أن أمن أي دولة خليجية مرهون بأمن وسلامة الدول الأخرى، وهذه المعادلة الخليجية المتماسكة ستجعل اعتداءات إيران تتوقف من تلقاء نفسها، وتعترف طهران أن ورقة دول الخليج لم تعد مجدية، وبالتالي لم يعد لها مبرر سوى المزيد من الخسائر في المواقف مستقبلاً.

دول الخليج تثبت في هذه الحرب أنها واعية لما هو أبعد وأخطر منها، والتعبير عن الحياد والنأي بالنفس في هذه المرحلة هو سبيل الحكمة والتعقّل؛ لأن ما بعد الحرب أهم من تطوراتها الحالية، وخصوصاً مع الشعب الإيراني.

00:04 | 4-03-2026

العطاء الإنساني في الحرمين الشريفين

تبهرك التفاصيل الصغيرة في الحرمين الشريفين وأنت ترى الدافع الإنساني الخيري يتمدّد في صور من العطاء والإحسان، ويتجذر بقيم اتصالية رفيعة مع الآخر، ويصل إلى حالة استثنائية من التضحية بالوقت والجهد لخدمة المعتمرين والزائرين خلال شهر رمضان.

الصورة التي نرى فيها رجال الأمن ينظّمون الحشود المليونية لتيسير الدخول والخروج في الحرمين الشريفين؛ تعكس حالة خاصة من نضج التجربة، وحس اليقظة، والتدخل السريع، واستثمار التقنية، إلى جانب التعامل الراقي لحفظ الأمن، ومساعدة المحتاجين من كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وهي صورة مألوفة بعطائها الإنساني الذي يتجاوز حدود الوظيفة الأمنية إلى طلب الأجر والمثوبة من الله في أقدس بقاع الأرض، حيث تتجلى قيم رجال الأمن السعودي وثقافتهم في خدمة القادمين من كل فج عميق ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

صورة أخرى للمتطوعين في الحرمين الشريفين الذين يتسابقون في خدمة المعتمرين والزائرين، وتقديم وجبات الإفطار لهم، وتوزيع المياه، وإرشاد التائهين، والرعاية الصحية، وتسهيل تنقلاتهم، وهي تفاصيل مهمة لأبناء وبنات الوطن الذين تركوا أسرهم وتواجدوا بالقرب من كل معتمر وزائر في هذا الشهر المبارك، ومنحوا أنفسهم فرصة المشاركة في تعزيز مستوى الخدمات التي تقدمها المملكة، وإبراز مكانتها وصورتها أمام العالم.

تتجلى الصورة الأكبر في تكامل جهود القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي ضمن منظومة واحدة في موسم العمرة والزيارة، حيث تنطلق تلك الجهود وفق خطط واستراتيجيات محكمة، وأدوار تفصيلية يتعاظم فيها الأثر وتحقيق النجاح، حيث تبرز منذ لحظة وصول المعتمر أو الزائر في المنافذ البرية والجوية، وانتقالهم بوسائل نقل متعددة، ووصولهم إلى الحرمين الشريفين، وتُستكمل على مستوى الخدمات المقدمة في مجالات السكن والإعاشة والنقل والنظافة والصيانة، وكذلك الكهرباء والمياه والطرق، والصحة والتوعية، وغيرها، إضافة إلى الجهود المتواصلة للجمعيات والمؤسسات الخيرية في تقديم الخدمات الإنسانية لقاصدي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومساعدتهم على أداء شعائرهم الدينية.

في هذه الرحلة التي تخدم أكثر من 2.5 مليون معتمر وزائر يومياً في الحرمين الشريفين، ويتزايد هذا الرقم في العشر الأواخر من رمضان ليصل إلى 3.1 مليون؛ يتكشّف معها حجم العمل الذي وصل ذروته، واستطاعت من خلاله الخطط الحكومية والكوادر الوطنية أن تثبت في كل عام الرؤية والقدرة معاً في إدارة هذه الحشود الهائلة، وتوفير كل سبل الراحة والأمان لهم.

الأثر الإيماني الذي يحصده المعتمر والزائر في الحرمين الشريفين، يصحبه يقين في داخله بأن ما تقدّمه المملكة قيادة وحكومة وشعباً هو مصدر فخر واعتزاز، وشكر وتقدير، وكل ذلك بلا مَنّ أو أذى، وإنما خالصاً لله، وطمعاً في مثوبته، وإيمان راسخ بأنه شرف الدهر الذي لا يضاهيه شرف آخر.

00:16 | 25-02-2026

«خندقة الجمهور» وكسر الحاجز!

المؤكد أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد فقط انعكاساً لما يجري في الواقع، وإنما تسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقع؛ وفق أولويات وأيديولوجيات وممارسات ضاغطة لتوجيه الرأي العام، وبالتالي أصبح محتوى المنصات معبّراً عن هوية ومرجعية وأطر حاكمة وموجهة، وتتشكّل على أساسها المواقف المتناقضة، وتتعدد الآراء المتباينة، ويزداد حجم الصراع ليصل إلى ذروة الانقسام، وربما الصدام الذي لا يمكن أن يعود لمساره.

أمام مخاض الانعكاس وإعادة تشكيل الواقع تبدو التفاصيل أكبر مما يجب، وأكثر جراءة في تفسير وتحليل ما هو كائن على أساس أنه ما يُفترض أن يكون، رغم أن المنطق له رأي آخر، وممارسة سابقة، وحقائق يستند إليها في إثبات الحقيقة.

التحدي الآن هو محاولة دول ومنظمات وأحزاب خندقة الجمهور داخل «فقاعات» فكرية، أو أيديولوجية معينة، حيث يرفضون سماع أي آراء تخالف قناعاتهم، مما يزيد من حالة الاستقطاب وربما الاستلاب الفكري لهم.

وأصبح البديل كسر حاجز الخندقة بمحاولة فهم ما وراءه، والبحث عن وسيط يثق فيه الجمهور المنغلق على قناعاته، وتحرير أفكاره، وترميم مفاهيمه، والوصول إلى حالة من التوازن النفسي لمدركاته، والتكيّف مع الواقع برؤية أكثر شمولية وعمقاً في فرز الكامن، وإعادة العلاقة معه على أساس من الشفافية والموضوعية في التفسير والتحليل والتنبؤ بالمستقبل.

لنأخذ بيانَي وزارتَي الخارجية السعودية ودولة الإمارات بشأن ما جرى من أحداث مؤسفة في ولايتي شمال وجنوب كردفان في السودان، وذلك بعد الهجوم على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وأيضاً حافلة تقل نازحين مدنيين، التي أدّت إلى مقتل عشرات المدنيين العزّل من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية.

البيان الإماراتي يحاول خندقة الجمهور من خلال ثلاثة أفكار رئيسة؛ وهي عدم تسييس المساعدات الإنسانية أو استخدامها كسلاح، ووقف فوري لإطلاق النار والاقتتال وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، والثالثة عملية انتقالية جادة بقيادة حكومة مدنية شاملة ومستقلة بالكامل عن طرفَي النزاع والجماعات المتطرفة.

من يقرأ البيان الإماراتي يعتقد أن دولة أخرى أصدرته، وليس لها أي علاقة بما يجري في السودان، أو بتقديم الدعم والمساندة لقوات الدعم السريع ضد الحكومة الشرعية، أو بعدم تسييس المساعدات واستخدامها كسلاح، حيث خلا البيان الإماراتي من تسمية الفاعل الرئيس في المجزرة الإنسانية التي راح ضحيتها الأبرياء، وهو الدعم السريع.

في المقابل كان البيان السعودي -الذي سبق البيان الإماراتي بثلاثة أيام-، يعبّر عن استراتيجية كسر حاجز الخندقة وتفسير وتحليل ما وراءه، حيث سمّت صراحة قوات الدعم السريع الإجرامية في تنفيذ هذه الهجمات، وانتهاكاتها الصارخة في تأمين وصول المساعدات الإغاثية للمحتاجين، إضافة إلى تعرية البيان للتدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، رغم التزامها بالحل السياسي، كذلك التأكيد على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

ردود فعل الجمهور على البيانين في شبكات التواصل الاجتماعي؛ كشفت وعياً عربياً ودولياً فيمن يحاول أن يخندق الرأي العام بأفكار يرفضها المنطق، وبين من يحاول كسر الحاجز بوضع الحقيقة أمام العالم ليحظى بثقته ومصداقيته.

23:56 | 11-02-2026