أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=220&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

الأمن والتاريخ.. والإعلام!

في زمن التحوّلات الجيوسياسية والتغيّرات التقنية المتسارعة والتجاذبات الفكرية والثقافية حول الحرية والهوية والإيديولوجيا والعولمة؛ يأتي مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي نظّمته وزارة الداخلية ليسد الفجوات في توقيت مهم، ويستوقف السعوديون قبل غيرهم تجاه ركيزة الأمن التي هي أساس التنمية والاستقرار، وبناء الإنسان، وأحد أهم مصادر الولاء والانتماء، ومؤشر الوعي بما يحيط بنا من تحديات، كما نستلهم من التاريخ قصة البدايات، وتضحيات الأبطال، وشموخ الوطن الذي راهن على أبنائه في الحفاظ على مكتسباته.

ربط الأمن بالتاريخ يختصر لك رحلة تأسيس الدولة ووحدتها وتنميتها، وهي قصة تستحق أن تروى كما يقول المشرف العام على المؤتمر الدكتور أحمد الطويان في كلمته خلال حفل الافتتاح، ليس لأنها قصة غير معروفة أو تبحث عن مصادر لسردها، ولكنها تستحق أن تروى جيلاً بعد جيل بكل أبعادها، ليتحقق الهدف كما يقول الطويان لمعرفة «من نحن» في محاولة جادة لتفكيك سؤال الهوية.

الجيل الحالي يحمل رسالة الأمن بمفهوم واسع، ولهذا تتجدّد رواية القصة في الأمن الفكري، والمجتمعي، والنفسي، والمعلوماتي، وكذلك الأمن السيبراني، والأمن الغذائي والمائي، بالإضافة إلى الأمن البيئي، والصحي، وغيرها من صنوف الأمن المتعددة في الطاقة، والاستثمار، والنقل، والعمل.

وهذه التعددية لا تغيّر أصل القصة المرتبطة بالأمن ووجود الإنسان وتنمية المكان، ولكنها تحاول أن تأخذ هذا الجيل إلى قصص أخرى من إنجازات الأمن التي تحققت وما زالت، وتعيدنا لمعرفة «من نحن» في سردية (ماذا كنّا، وماذا عملنا، وماذا حققنا، وماذا نستهدف)، ومن ثم هي قصة تستحق أن تروى بما يناسب كل مرحلة، وكل جيل، وكل تطور، وربطها بالتاريخ لتكتمل القصة عندما نأخذ منه الدروس والعبر، ونمضي بحاضرنا إلى المستقبل، ونحن أكثر قوة ووحدة ووعياً لمواجهة التحديات.

قصة الأمن التي نريد أن نرويها هذه المرة مرتبطة بالإعلام الرقمي بكل منصاته، وحساباته، ومواقعه، وكذلك الذكاء الاصطناعي بكل تقنياته، والانفتاح الهائل في بيئة رقمية سائلة -متغيّرة وغير صلبة- تحيط بها الخوارزميات من كل جانب، وتؤدي معها «فقاعات التصفية» دوراً بارزاً في عزل المستخدم داخل بيئة معلوماتية تتوافق تماماً مع آرائه، واهتماماته، وسلوكه السابق، مما يحجب عنه وجهات النظر الأخرى؛ ليبقى في «غرف الصدى» محاصراً بآراء غالباً ما تكون منحازة ومضللة.

رحلة الخوارزميات من التفاعل إلى الاستقطاب وصولاً إلى الاستلاب الفكري هي أخطر ما يواجهه الأمن في كل مجتمع، وتأتي هذه الرحلة مدعومة بالتدفق الهائل للمحتوى، وآلية الفرز البرمجي، وما ينتج عنها من تسلل محتويات مضادة إلى المتلقي لمحاولة إثارته وتشكيكه وتأزيمه.

ولكن الجميل أن الجيل السعودي الحالي يروي سردية الأمن في هذه المرحلة بشكل مختلف، حينما يراهن على وعيه في تنويع مصادر تلقي المعرفة للتصدي للشائعات، وتفعيل التفكير النقدي لعدم التسليم الفوري لما تعرضه الشاشات، ويستخدم أدوات التصفح الخفي وتعديل إعدادات الخصوصية لتقليل تحكم الخوارزميات، ووصل في قصته إلى قناعة بأن الحل ليس في إغلاق الشاشات، بل في فتح العقول بوعي وحس أمني وربطها بجذورها التاريخية.

هذه القصة يرويها الجيل الحالي ليعرف الجميع «من نحن»؛ حينما فرض السعوديون بمسؤوليتهم الأمنية «حائط الصد» أمام كل المحاولات اليائسة للنيل من وحدتهم، ورؤيتهم، ومستقبلهم، واستلهموا من التاريخ قيم الانتماء للوطن، والولاء للقيادة، واتخذوا من الأمن والتاريخ معاً درعاً في مواجهة الأيديولوجيات العابرة للحدود.

00:45 | 9-09-2026

«توظيف المشاهير» في الصراعات الدولية!

يُعد توظيف المشاهير في الصراعات بين الدول اليوم أحد أبرز أدوات الحروب الهجينة الحديثة التي تدمج بين الأدوات الحربية التقليدية والوسائل غير التقليدية، حيث تحوّلت بعض الحسابات المليونية لصنّاع المحتوى إلى ساحات معارك دبلوماسية وإعلامية لتوجيه الرأي العام العالمي، وتشويه الخصوم، وحشد الدعم الدولي.

ورغم الفاعلية اللحظية لهذا السلاح، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة على وعي المجتمعات، حيث يميل المشاهير عادةً إلى تبسيط الصراعات الجيوسياسية المعقدة ذات الجذور التاريخية العميقة، وتحويلها إلى ثنائية سطحية للصراع بين الخير والشر وفق معايير منحازة؛ لتناسب طبيعة منصات التواصل السريعة، مما يضلل ملايين المتابعين، ويغذي الاستقطاب الحاد، ويمنع فرص الفهم الحقيقي لجوهر الصراع.

وتتنوع استراتيجيات الدول في استخدام المشاهير أثناء الأزمات والحروب إلى عدة أنماط رئيسة، ومنها الدبلوماسية العامة في تعزيز خطابات التضامن والاستعطاف، وحشد الدعم الدولي لمواقفها وتوجهاتها، إلى جانب مشاركة المشاهير في حملات «البروباغندا وتبييض السمعة» عبر تنظيم الزيارات المدفوعة وحضور المهرجانات، إضافة إلى استقطاب بعض المشاهير وإغرائهم بالمال، وزيادة عدد متابعيهم، وتفضيل محتواهم، ورفع نسب المشاهدة والوصول لحساباتهم، وصولاً إلى مرحلة استلابهم إيديولوجياً، والضغط عليهم لتنفيذ أجنداتهم.

وفي المقابل، لا تبقى الدول التي تكون طرفاً في الصراع متفرجة على توظيف المشاهير ضدها، حيث تسعى إلى تكتيكات وممارسات هي أشد مواجهة، وقد تصل إلى إعلان حرب رقمية، ومن ذلك إغراق حسابات المشاهير (Spamming) بمئات الآلاف من التعليقات الموجهة (هاشتاقات، صور، أعلام) لإجبارهم على إغلاق التعليقات، أو اتخاذ موقف مغاير لما هو معلن، كذلك صناعة «التريند» الوهمي عبر رفع «هاشتاقات» تطالب مشهوراً معيناً بالاعتذار أو إعلان التضامن، مما يجعله يشعر بضغط شعبي وهمي (صادر عن حسابات آلية) فيرضخ للمطالب خوفاً على مصالحه التجارية، إضافة إلى مهاجمة الشركات التي ترعى المشهور «المحايد» أو «المخالف» وإجبارها على إلغاء عقودها معه، كوسيلة عقاب اقتصادي غير مباشر.

في الجانب الآخر، هناك دول لديها استراتيجيات استباقية لمواجهة «توظيف المشاهير» الذين يدعمون خصومها، ووضعهم على قوائم حظر الدخول، بل أصبحت أكثر صرامة في تتبع الأموال المخفيّة المدفوعة لهم دون إفصاح، تحت غطاء الإعلانات والتسويق السياسي، مثل ما قامت به هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) التي تصنّف المشاهير الذين يتقاضون أموالاً من حكومات أجنبية؛ لتمرير رسائل سياسية دون الإفصاح عن أن المحتوى «إعلان مدفوع»، على أنه خداع للمستهلك والرأي العام.

إن تحوّل المشاهير إلى أدوات في الصراعات الدولية يعكس الوجه القاتم لعصر الرأسمالية الرقمية، حيث تُباع وتُشترى المواقف الإنسانية والسياسية، وتُوجّه عبر خوارزميات صامتة، ولم يعد أمام الشعوب لحماية وعيها سوى الحفاظ على وحدتها وأمنها واستقرارها، وتعزيز دورها في التصدي لمحاولات التشكيك والتأزيم والتزييف، وكشف المشاهير الذين تلوّنت مواقفهم وتوجهاتهم بحظرهم مباشرة، والاعتماد على المصادر الرسمية للوصول إلى الحقيقة والإيمان بها.

00:07 | 2-09-2026

ولي العهد في باريس.. و«عولمة القوة الناعمة» السعودية

تأتي زيارة الدولة الناجحة لسمو ولي العهد إلى باريس تزامناً مع احتفال البلدين بمرور قرن كامل (1926 - 2026م) على بدء العلاقات الدبلوماسية والسياسية الرسمية، وتعكس في مباحثاتها ونتائجها عمق التنسيق المشترك وعالي المستوى بين الرياض وباريس، في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية بحكمة ودبلوماسية تعزّز الأمن والسلم الدوليين.

كما تحمل الزيارة أبعاداً مهمة بانعقاد أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين كعمل مؤسسي مستدام، وتوقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات حيوية ومتنوعة مثل الطاقة، والنقل، والصحة، والتكنولوجيا، والدفاع، وعقد اجتماعات الطاولة المستديرة للاستثمار، ودورها في مواءمة «رؤية السعودية 2030» مع التطلعات الاقتصادية الفرنسية والأوروبية.

اللافت في هذه الزيارة -بعيداً عن التفاصيل الرسمية لأجنداتها- هو قدرة سمو ولي العهد برؤيته الملهمة على ترسيخ مفهوم عولمة القوة الناعمة السعودية، من خلال تحويل عناصر الجذب الثقافي والرياضي والسياحي والإنساني للمملكة، من النطاق المحلي والإقليمي إلى منصات التأثير العالمي الصانعة للاتجاهات الدولية، حيث لم تعد القوة الناعمة السعودية تقتصر على المكانة الدينية أو النفطية، بل أصبحت أداة دبلوماسية واقتصادية حيوية تعيد تشكيل الصورة الذهنية للمملكة حول العالم.

تستهدف رؤية عولمة القوة الناعمة السعودية في الوصول المباشر إلى وجدان وعقول الشعوب، عبر تفعيل لغة الاهتمامات المشتركة معها في مجالات متعددة، مثل الرياضة والثقافة والترفيه والسياحة، إلى جانب مخاطبة جيل المستقبل في قطاعات حيوية، مثل الألعاب والرياضات الإلكترونية الذي يربط المملكة اليوم بأكثر من 3 مليارات لاعب حول العالم (يمثلون جيل الشباب واليافعين)، مما يجعل الرياض بالنسبة لهم هي «أرض الأحلام الرقمية»، والعاصمة الروحية لشغفهم الحديث، وهو ما يجعل حضور سمو ولي العهد مع الرئيس الفرنسي ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس تأكيداً على أهمية وفاعلية هذا المسار.

كذلك تعزيز الدبلوماسية الإنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وتفعيل دور الاتصال القيمي في عمليات الإجلاء والوساطات، وكسر النمطية في الجذب السياحي من خلال فتح أبواب المملكة للسياحة العالمية عبر التأشيرة الإلكترونية، إضافة إلى تصدير الهوية السعودية إلى المحافل الدولية وإشباع الفضول الثقافي لشعوب العالم، والأهم في رؤية عولمة القوة الناعمة السعودية هو الطموح البشري الملهم لدى السعوديين في مخاطبة ومشاركة الشغف الإنساني العالمي نحو المستقبل.

اليوم نجحت السعودية في أن تكون جسراً حيوياً للتواصل الثقافي والحضاري مع شعوب العالم، ويأتي الإعلان عن المركز الثقافي السعودي في باريس ترسيخاً لهذا التوجه، كما يعبّر التراث السعودي العالمي في الدرعية والعلا وغيرها أيقونات معمارية وثقافية يتحدث عنها الإعلام الدولي، وتجذب المشاهير وصنّاع القرار من حول العالم.

الرسالة التي يحملها سمو ولي العهد في رؤيته أن السعودية لم تعد مجرد «محطة وقود للعالم»، أو «لاعب جيوسياسي ثقيل» في المنطقة والعالم فحسب، بل تحوّلت السعودية إلى شريك في صياغة الثقافة الشعبية العالمية المستدامة، وقوتها الناعمة مصدراً للتأثير والجذب والفاعلية في التواصل مع شعوب العالم.

23:59 | 25-08-2026

«إيميل» الموارد البشرية!

الرسالة المؤسسية التي أكدت عليها وزارة الموارد البشرية على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية؛ أن سوق العمل هي سوق مهارات، وتبقى الشهادة متطلباً للحصول على الوظيفة، وهذا يعني رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية والتنافسية للكوادر الوطنية تجاه متطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية.

وبناءً عليه؛ أطلقت الوزارة حزمة من المبادرات لدعم المهارات، وأبرزها المجالس القطاعية للمهارات، والمعايير المهنية الوطنية، والبرنامج الوطني للتدريب «وعد»، ومسرّعة المهارات وقسائم التدريب، إضافة إلى تقديم برامج وطنية متخصصة لمن لم يكملوا تعليمهم الجامعي، أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغيّرة.

المحصلة في هذه الرحلة التحولية من الشهادة إلى الكفاءة، ومن وظيفة الخدمة المدنية إلى العقود الوظيفية؛ أن تبقى المهارات عنواناً للاستمرار في الوظيفة مهما كانت المتغيّرات والتحديات، وحجم العرض والطلب، وأيضاً مستوى جودة الوظائف ومسمياتها ومواقعها ورواتبها.

المشهد أن كثيراً من الموظفين ممن يعملون بعقود عمل في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية تتجدّد عقودهم تلقائياً، أو يصل بعضهم «إيميل» من إدارة الموارد البشرية في تلك القطاعات لإنهاء العلاقة التعاقدية قبل 60 يوماً على الأقل من نهاية العقد، كما أن هناك موظفين يتلقون عروضاً وظيفية ومزايا أفضل على عقودهم الوظيفية في مواقع عمل أخرى.

هذا المشهد في ظاهره وباطنه مرتبط بمهارات الموظف، ومستوى التقييم لأدائه؛ فالاستمرار أو الاستغناء أو الاستقطاب من جهة أخرى، راجع في الأساس إلى المهارة، ومدى تطويرها، وتحديث مدخلاتها وممارساتها باستمرار، وهذه المهارة هي من تقدّر في نهاية المطاف الحاجة إلى هذا الموظف ضمن مصفوفة المهام المطلوبة.

التركيز هنا ليس على من لا يملك المهارة ويتحمّل تبعات كثيرة في سوق العمل، ولكن من يملك هذه المهارة أو قدراً كبيراً منها، ولكن تم الاستغناء عنه نتيجة هيكلة إدارية، أو تقليص نفقات، أو أعداد، أو أيضاً نتيجة عوامل تقنية وتحديداً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي في الجهة ذاتها.

وهذه الفئة التي تؤمن بإمكاناتها وقدراتها ومهاراتها النوعية ستجد فرصتها في سوق عمل مفتوحة وجاذبة للكفاءات، مهما كانت التحديات أحياناً، ولكنها ستصل إلى هدفها في النهاية بالحصول على الوظيفة؛ لأن المعيار هنا في المهارة وليس الجهة أو المكان، وهناك قصص كثيرة ملهمة لكوادر وطنية تم الاستغناء عنها لسبب أو آخر، ولكنها راهنت على مهاراتها واستطاعت أن تكتب قصة نجاح مميّزة في مواقع عمل أخرى.

التطوير المستمر للمهارات قد يقود يوماً إلى الاستغناء عن الوظيفة بعد اكتساب الخبرة والتجربة، والتفكير في المشروع الخاص، والحصول على مزايا كثيرة لأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والدعم من وزارة الموارد البشرية لروّاد الأعمال، وكلها تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني، واستثمار الإمكانات، والتحوّل من البحث عن الوظيفة إلى مولد للوظائف.

المهارة هي الأداة والقدرة العملية لاكتساب المهنة، وزيادة الدخل، وبناء المسار المهني، وهي أيضاً أساس التميّز في أي مهنة، وكلما تطورت المهارات، زادت كفاءة الأداء وقيمة صاحب المهنة في سوق العمل، والأهم التحول الجذري من «أمان الوظيفة التقليدية» إلى «أمان المهارة المستدامة».

00:03 | 19-08-2026

«اتفاقية مكة».. نحو استقرار المنطقة والعالم!

ردود الفعل الإقليمية والدولية من «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان متوقعة، بغض النظر عن سياقات وخلفية الآراء التي تناولتها، أو المواقف المعلنة منها، أو حتى التوقعات والفرضيات التي حاولت أن تربط توقيتها بالأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن هذه الاتفاقية جاءت تتويجاً لمفاوضات إستراتيجية امتدت لسنوات بين الدول الثلاث، واستمراراً للتعاون العسكري بينها منذ عقود، فضلاً عن التكامل الاقتصادي والأمني والسياسي، وهو ما يجعل الوصول إلى هذه الاتفاقية في سياق طبيعي.

الحقائق الثابتة في هذه الاتفاقية أنها ذات طبيعة دفاعية ورادعة وليست موجّهة ضد أي دولة بعينها (بما في ذلك إيران)، واتفاقية أيضاً ذات مظلة مفتوحة وغير انعزالية، بمعنى أنها لا تشكّل محوراً طائفياً أو عسكرياً مغلقاً، بل هي مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة في المنطقة التي تشاركها مبادئ تعزيز السلام والاستقرار، كذلك اتفاقية لا تلغي أو تحل محل أي معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف للدول الأعضاء مع أطراف أخرى، كما أنها تنسجم تماماً مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس.

مهما حاولت الآراء الأخرى أن تقفز على تلك الحقائق تجد نفسها أمام حوكمة بالغة الدقة في تنفيذ بنود الاتفاقية، من خلال آلية التشاور والاستجابة عند تعرّض أي دولة للتهديد، حيث تطلب المساعدة، ويتم تحديد شكل الدعم (عسكري، لوجستي، استخباراتي) بناءً على تقييم مشترك لطبيعة التهديد، كذلك المأسسة التنظيمية بالإعلان عن تأسيس لجنة وزارية مشتركة للتنسيق، إلى جانب إنشاء أمانة عامة دائمة للاتفاقية يكون مقرها في السعودية.

الاتفاقية التاريخية تقوم على مبدأ «الردع الجماعي»، حيث ينص بندها الأساسي على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، وهذا المبدأ ليس جديداً في العلاقات الدولية، ولا يحتمل تفسيرات لا تنسجم مع الواقع، وأكبر دليل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يضم مجموعة واسعة من دول أمريكا الشمالية وأوروبا، وينص مبدؤه الرئيس (المادة الخامسة) على أن الهجوم المسلح على عضو أو أكثر يُعدّ هجوماً على الجميع.

وبالتالي الدول الثلاث لم تخترع مبدأ ردع من عدم، وإنما هي ممارسة موجودة بين دول العالم، فضلاً عن الاتفاقيات الثنائية التي تجري بين الدول لتحقيق المبدأ ذاته، والأهم أن هذا المبدأ يحقق الاستقرار العالمي، وخلق بيئة ردع متوازنة تضمن حماية خطوط الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، وتحقيق سلام مستدام يبنى على القوة والتكامل الإستراتيجي، وهو خلاصة هذه الاتفاقية.

الموقف ليس تبريراً ولكنه توضيحاً لما هو أهم، وهو أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تبرهن على قدرة القوى الإقليمية الكبرى على صياغة أمنها القومي بنفسها، بدلاً من الاعتماد على المظلات الأمنية الدولية التقليدية، وجاء هذا «التحالف التاريخي» بمثابة تعزيز الاعتماد الذاتي المشترك لحماية سيادة تلك الدول ومصالحها الحيوية.

القوة الحقيقية لهذه الاتفاقية في التكامل الجيوسياسي والعسكري والمالي الفريد الذي تشكّله الدول الثلاث؛ فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والمالي العالمي، والعمق الإستراتيجي والروحي للعالم الإسلامي، إلى جانب نفوذها السياسي والدبلوماسي الواسع، والجمهورية التركية توفر قاعدة تصنيع عسكري وتكنولوجي متطورة، بالإضافة إلى امتلاكها لثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وجمهورية باكستان الإسلامية تمنح الحلف عمقاً بشرياً وخبرة قتالية عسكرية ميدانية هائلة تراكمت على مدى عقود، فضلاً عن كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

«اتفاقية مكة» باختصار تعيد صياغة التوازنات الإقليمية، وتمنح المنطقة والعالم الاستقرار والتنمية، وهذه الرسالة وحدها كافية لفهم أبعادها المستقبلية.

00:01 | 12-08-2026

مأزق الخيارات الصعبة.. ودبلوماسية الوعي الخليجي!

على مدى خمسة أشهر من المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، تجاوز المشهد حدود القراءات التقليدية؛ ليتحوّل إلى اختبار حقيقي لنضج السياسات والإستراتيجيات الدولية والإقليمية.

لم يعد الواقع السياسي والعسكري ثابتاً، بل يتشكّل ويتمدّد مع كل أزمة مستجدة، مما وضع صنّاع القرار في مأزق تقييم خياراتهم وسط طوفان من البيانات الإعلامية المتناقضة، وهامش مناورة يتسع ويضيق بحسب المصالح الآنية.

ومع انهيار الاتفاقات الهشة، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل يمتلك أي طرف خياراً حقيقياً لإنهاء الحرب في المدى القريب؟

تكمن الصعوبة الراهنة في عجز الأطراف عن تفكيك المشهد قبل بناء أي اتفاق صلب لوقف الحرب، كما أن أي تسوية دافئة تتطلب قراءة عميقة لشبكة التحالفات الدولية الإستراتيجية لا الآنية، واختبار مدى فاعلية القنوات الخلفية للتفاوض.

في المقابل، تفرض طهران معادلة «الردع بالجغرافيا» عبر أزمة السيادة في مضيق هرمز، محوّلةً الممر المائي الدولي إلى سلاح سياسي يهدّد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

هذا الحصار البحري المتبادل وحرب الاستنزاف المستمرة دون حسم، مع تمدد شبكات الوكلاء، وصراع المعلومات الاستخباراتية، كلها ملفات باتت تقف حائلاً دون تحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة: إيران بلا نووي، وبلا صواريخ باليستية، وبلا نفوذ إقليمي.

يكشف المشهد أن مسارَي التفاوض اللذين يركّز عليهما الرئيس ترمب -الملف النووي وأمن الملاحة- ما زالا في طور الاستهلاك الدبلوماسي والإعلامي، ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تتأرجح بين الرغبة في إبرام «صفقة كبرى» تنهي الصراع، وبين واقع يفرض عليها «احتواءً مشروطاً» لعدم الانزلاق إلى حرب شاملة.

إن إدارة صراع بهذا التعقيد تعني أن «التوقفات المؤقتة» ستظل بلا سقوف زمنية محددة؛ لأن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتطلب توافقات بالغة الحساسية لم تنضج بعد.

الأخطر في هذه المواجهة هو خطر اختلاط الأوراق، وتحوّل الصراع الثنائي إلى حرب إقليمية واسعة متعددة الجبهات والأجندات، وهذا السيناريو الكارثي هو ما دفع العواصم الخليجية للتدخل الحاسم لمنع ضربة عسكرية أمريكية كان يُحتمل توجيهها لإيران مطلع هذا الأسبوع.

يعكس هذا الحراك الخليجي وعياً إستراتيجياً متقدّماً؛ فدول المنطقة ترفض أن تكون أراضيها أو أجواؤها ساحة لتصفية الحسابات، وتدرك أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل المزيد من الانكشاف الأمني الذي يهدّد استقراره الاقتصادي ومكتسباته التنموية.

يمر المشهد السياسي والعسكري اليوم بمرحلة فائقة الحساسية والتعقيد، وأمام هذا التوتر، تتحرك دول الخليج ليس فقط لتقريب وجهات النظر بين طرفين متحاربين، بل لفرض قراءة إستراتيجية شاملة تحمي مصالح الإقليم بعيداً عن المناورات السياسية الآنية التي لم تعد خافية على أحد، كما أن البديل عن الحوار العقلاني والتسوية الشاملة لن يكون سوى انفجار كبير يدفع ثمنه العالم أجمع.

00:05 | 5-08-2026

الطائرة الإيرانية تُسقط وهم الحوثي!

شكّلت واقعة منع طائرة الوفد الإيراني من الهبوط في مطار صنعاء الدولي نقطة تحول سياسية وإعلامية بارزة، حيث أسقطت كلياً الادعاءات التي سعت طهران وجماعة الحوثي إلى تسويقها؛ بأن قرار الأجواء اليمنية ومطار العاصمة بات بأيديهم، حيث حاول التحالف الحوثي-الإيراني تصوير المشهد وكأنه إعلان لسيادة مفروضة بقوة الأمر الواقع، لكن الأحداث الميدانية أثبتت أن تلك الرواية لم تكن سوى دعاية سياسية واهية سرعان ما اصطدمت بواقع الترتيبات السيادية الحقيقية.

لقد وظفت الآلة الإعلامية الإيرانية والحوثية واقعة الطائرة لخدمة أجندتها السياسية عبر أربع إستراتيجيات دعائية رئيسة -وفق تحليل ردود الفعل، بهدف التغطية على الإخفاق الميداني وتحويله إلى انتصار وهمي، وأول تلك الإستراتيجيات الادعاء بمظلومية الحصار، وإعادة إحياء خطاب الضحية لكسب التعاطف الشعبي، ومحاولة استمرار التصعيد؛ ليكتشف العالم بطلان هذا الادعاء الكاذب، وأن واقع السيادة اليمنية أقوى من محاولات التضليل والضجيج المفتعل تحت أي مبرر.

والإستراتيجية الثانية دعاية «كسر الحصار»، ومحاولة فرض واقع سياسي جديد عبر الإعلان المسبق عن الرحلة، بهدف إيهام الحاضنة الشعبية بأن الحوثيين يمتلكون سلطة القرار المطلق على الأجواء والمطارات اليمنية، والواقع أثبت العكس تماماً بعجز الحوثيين عن تأمين هبوط طائرة تحمل وفداً حليفاً، وهو ما يمثّل إخفاقاً إستراتيجياً واضحاً كشف حدود سلطتهم الفعلية على الأرض.

أما الإستراتيجية الثالثة؛ فهي محاولة التشويش ونقل المعركة الرمزية بعد الفشل في الهبوط بمطار صنعاء (العاصمة والرمز السيادي)، حيث جرت محاولات سريعة لتغيير المسار وتصوير الهبوط في مطار الحديدة على أنه نجاح واختراق لإفشال المنع، والتقليل من حجم الإخفاق الإستراتيجي في مطار العاصمة، والحقيقة أن اضطرار الطائرة الإيرانية إلى التوجه نحو مطار الحديدة لم يغيّر من جوهر المشهد أو نتيجته السياسية، فالمعركة الحقيقية والرمزية كانت تتمحور حول مطار صنعاء كبوابة سيادية للعاصمة.

والإستراتيجية الرابعة لواقعة الطائرة كانت محاولة استغلال اليمن كـ«صندوق رسائل» إقليمي، حيث وظفت طهران الدعاية لتأكيد نفوذها في الملف اليمني، وإرسال رسائل للمجتمع الدولي بأنها قادرة على تحريك الأوراق السياسية والعسكرية في المنطقة، وتثبيت شرعية حلفائها كأمر واقع، ولكن الرد هذه المرة جاء مباشراً وواضحاً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بعدم توسيع نطاق المواجهة العسكرية؛ لتفويت الفرصة على الهدف الذي تسعى إليه إيران، والمتمثل في زج اليمن وشعبه في أتون حروب عبثية تخدم مصالح طهران الخاصة، وتستخدم اليمن أرضاً وإنساناً كـ«ورقة ضغط» في صراعها الإقليمي الشامل، كما جاء الموقف الحازم الآخر على لسان الدكتور العليمي ليؤكد بأن الدولة اليمنية لن تسمح مستقبلاً لأي طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء كان ذلك باتجاه مطار صنعاء أو أي مطار آخر على امتداد الجغرافيا اليمنية.

لقد برز موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني كصمام أمان يحمي القرار الوطني السيادي بمسؤولية دستورية صارمة، ويعكس نضجاً سياسياً بالتصرف بعقلية الدولة لحماية الأرواح والممتلكات، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة بأن الشرعية وحدها هي مالكة الأرض والأجواء، وكل محاولات الضجيج الإعلامي لن تصنع للمليشيا اعترافاً يعجز الواقع عن منحه.

00:08 | 15-07-2026

«المحتوى المحلي».. وصناعة المستقبل

نؤكد دائماً أن التحديات تصنع الفرص، وهذه الفرص تختبر إمكانات الدول حينما يكون مؤشر الخروج من كل أزمة أكثر قوة ونضجاً، والتعامل مع تداعياتها على أنها رؤية جديدة في التخطيط لمشروعات المستقبل.

وهو ما يجعل السعودية واحدة من تلك الدول التي أثبتت الأزمات والتحديات أنها قادرة على تجاوزها، والاستفادة من دروسها، ليس لأن اقتصادها الأسرع نمواً بين مجموعة العشرين، أو الأكثر انفتاحاً على العالم، أو إنفاقاً على مشروعات تنموية، ولكن أيضاً لأن هذا الاقتصاد يشهد قاعدة صناعية قوية للإنتاج محلياً، وبناء سلاسل إمداد وطنية أكثر مرونة واستدامة.

لقد مرّ العالم -والسعودية جزء من هذا العالم- خلال السنوات الخمس الماضية بأزمات كورونا، وتحديات سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق، وتصاعد الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتداعياتها المستمرة إلى اليوم، ومع كل ذلك بقيت السعودية الأقوى لأنها الأكثر جاهزية على الإنتاج محلياً، والاكتفاء ذاتياً، من خلال منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على الاستمرار والنمو في مختلف الظروف، والتكيّف معها عبر سلاسل القيمة الوطنية، وتمكين الكفاءات من أبناء وبنات الوطن، وخلق صناعات جديدة، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني.

السعودية تؤمن بأن الاعتماد الكامل على الخارج في أوقات الأزمات يمثل أكبر تحدٍ على اقتصادها، ورؤيتها الطموحة، كما تؤمن بأن الاستثمار في محتواها المحلي هو استثمار حقيقي في استقرار اقتصادها واستدامته، واستثمار طويل الأمد مع المستقبل، فكل صناعة محلية تُبنى اليوم تعني قدرة أكبر على الاستمرار غداً، واستجابة أسرع للأزمات، ومرونة أكبر في سلاسل الإمداد وتدفقها دون انقطاع.

لذا؛ واصلت العمل خلال السنوات الماضية على تطوير سياسات تمكين المحتوى المحلي، ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني، عبر توطين الصناعات، وتوجيه القوة الشرائية الوطنية، وتحفيز الاستثمار، ونقل المعرفة، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين الحكومي والخاص، وهو ما جعلها اليوم تقف بشموخ منتجاتها، وقوة اقتصادها، وتعزيز مكانتها في التنافسية العالمية.

أرقام المحتوى المحلي خلال العام 2025 تثبت أن الرؤية مع القدرة الوطنية تصنع الفارق رغم التحديات والأزمات، حيث بلغ المحتوى المحلي في الإنفاق النهائي للقطاع غير النفطي نحو 1.299 مليار ريال، وتجاوزت قيمة فرص المحتوى المحلي المطلقة 59.9 مليار ريال، كذلك بلغت قيمة مساهمة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية 91.41 مليار ريال، وتجاوز حجم الاستثمارات الناتجة عن اتفاقيات توطين الصناعة ونقل المعرفة 19 مليار ريال، وعدد الوظائف المستحدثة من إجمالي اتفاقيات التوطين أكثر من 12 ألف وظيفة.

هذه الأرقام تؤكد دور هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في تعزيز الإمكانات المحلية، وتعظيم الفائدة من القوة الشرائية الوطنية لبناء اقتصاد قوي ومستدام، كما تعكس رؤية سمو ولي العهد التي عبّر فيها صراحة بأن المحتوى المحلي يمثّل «أجندة وطنية، وجزءاً رئيساً في الإستراتيجيات الوطنية وآليات العمل الحكومية، ونموذجاً دولياً يُحتذى به».

00:03 | 8-07-2026

«الدعاية الرمادية» بين أمريكا وإيران.. الوعي ينتصر!

الدعاية السياسية في أبسط مفاهيمها هي ممارسة إعلامية منظمّة للتأثير في عواطف وسلوك الجمهور؛ وصولاً إلى تحقيق مكاسب السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، وتعبئته وتحفيزه نحو تبنّي مواقف معينة، وصناعة القبول لديه بشرعية القرارات التي تم التوصل لها، من خلال أساليب انتقائية المعلومات، واستخدام الرموز والشعارات، واستغلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

أخطر أنواع الدعاية في أوقات السلم والحرب هي (الدعاية الرمادية) التي تستند إلى معلومات غير دقيقة في مصدرها، وغير واضحة في مزجها بين الحقائق والأكاذيب، وتعتمد بالدرجة الأولى على التسريب الإعلامي، والشائعات، وتوظيف أطراف ثالثة في عملية النشر والتفاعل، وذلك بعكس (الدعاية البيضاء) التي تُعلن مصدرها بشكل واضح، وتقدّم غالباً معلومات صحيحة، وكذلك (الدعاية السوداء) التي يمكن كشف معلوماتها الكاذبة والمضللة وأهدافها المعلنة في الإثارة والتشويه والتأزيم.

على هذا الأساس تبقى الدعاية الرمادية بعد اتفاق التفاهم بين أمريكا وإيران هي الأخطر في تشكيل الرأي العام المحلي والدولي، حيث بات واضحاً تكتيكات كل طرف في التعامل مع المساحة الفاصلة بين انتهاء الحرب والوصول إلى اتفاق شامل لإنهاء الصراع، وهذه المساحة تعاملت معها أمريكا بنشر تسريبات استخباراتية موجهة نحو الخسائر العسكرية الإيرانية من الحرب، والأوضاع الاقتصادية المتردية بعد الحصار، وممارسة الضغط النفسي على صانع القرار للقبول والإذعان بما هو مطلوب في هذه المرحلة.

وفي المقابل تنتهج إيران دعاية رمادية باستخدام منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل «فيديوهات ليغو» الرمزية الساخرة، وروايات النصر عبر وكلائها في المنطقة، واستغلال الاختلاف الداخلي الأمريكي لتعميق الاستقطاب السياسي في واشنطن، وكذلك إبراز مواقف إسرائيل -الحليف الأمريكي في الحرب- بأنها متطرفة، وخاسرة، وهو ما يزيد من الضغط النفسي على الإدارة الأمريكية.

الملفت في حرب الدعاية الرمادية بين واشنطن وطهران أنها لم تتوجه فقط للمجتمع الدولي، ولكنها أيضاً توجهت للداخل في كلا البلدين، فالإدارة الأمريكية تنفذ حملة دعاية غير مسبوقة في الداخل لإظهار نصرها، ونجاحها في إبرام اتفاق أفضل للشعب الأمريكي من اتفاق أوباما، ويبرز ذلك في وسائل الإعلام ومنصات التواصل المحسوبة على الإدارة الحالية.

بينما إيران تركّز في الداخل على الفكرة الوجودية للنظام، والأوراق الرابحة للانتصار وخصوصاً مضيق هرمز، والسخرية من الأعداء، وسيكولوجية اللوحات الجدارية (البيلبورد) في الميادين والساحات، حيث وظّفت طهران الساحات العامة (مثل ساحة ولي عصر) لنشر بروباغندا بصرية موجهة لأمريكا، من خلال وضع جداريات ضخمة مشوهة عن الرئيس ترمب؛ لترسيخ فكرة «نقطة الانكسار» والتحكم الإيراني بالملاحة.

الدعاية الرمادية بين البلدين سوف تستمر خلال فترة الستين يوماً وما بعدها، لكنها ستستمر أيضاً بفترات متباينة بين التنشيط والفتور بحسب المعطيات والمتغيّرات المتوقعة بعد الاتفاق النهائي، حيث لا يزال كل طرف متمسكًا بسرديته الخاصة من الحرب والسلم، ولكن يبقى الوعي الدولي للحكومات والشعوب قادرًا على فحص كل تلك التفاصيل والتعامل معها في إطار تنافسي، وصراع من النفس الطويل، والأهم أن الرأي العام في أي مجتمع لا يتأثر بمحتوى تلك الدعاية.

00:26 | 24-06-2026

اتفاق أمريكا وإيران في نظر الشعوب.. ومستقبل المنطقة

تباين مواقف الساسة والنخب تجاه الاتفاق الأمريكي - الإيراني -الذي سيتم التوقيع عليه يوم الجمعة المقبل والكشف عن بنوده- ينسحب أيضاً في التباين بين شعوب المنطقة والعالم، ومصدر هذا التباين في حجم الملفات، وتعقيدات التسوية، ومستوى الثقة والالتزام، حيث تتأرجح الآراء بين التفاؤل الحذر بالاستقرار الاقتصادي والأمني، وبين التوجس من النوايا الإستراتيجية طويلة الأمد.

الشعوب الخليجية والعربية تنظر إلى الاتفاق من جانب الأمن والاستقرار للمنطقة، وتأمين الملاحة البحرية وحركة الاقتصاد العالمي، بينما الشعب الإيراني يرى في الاتفاق خروجاً من المأزق الاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وتأثرت معه مستوى المعيشة بين المواطنين، كذلك الشعوب الأوروبية تنظر إليه من جانب خفض الأسعار ومستوى التضخم، وحتى الشعوب الآسيوية المستهلكة للطاقة تجد في الاتفاق متنفساً لخفض الأسعار، بينما لا يزال الشعب الأمريكي يقرأ الاتفاق من زاوية انتعاش أسواق المال وتجنّب المزيد من تكلفة الحرب، أما الشعب الإسرائيلي فلا يزال أكثر المتشائمين بالاتفاق وينظر إليه من جانب الشعور بالإحباط والتهديد الوجودي.

هذا التباين يعطيك انطباعاً بأن الشعوب تقرأ مع الساسة والنخب تداعيات هذا الاتفاق من جانبها، ولها مسوغاتها، ورؤيتها الخاصة التي ليس بالضرورة أن تكون متطابقة، ولكنها على الأقل تشعر وتتأثر بها، وهذا بحد ذاته كافٍ لبيان أهمية هذا الاتفاق الذي ينهي معاناة امتدت لأشهر من الحرب والقتل والتدمير.

ولكن الأهم أن تسويق هذا الاتفاق على أنه انتصار لجانب دون آخر لن يكون سهلاً أمام شعوب لديها القدرة اليوم على فحص التفاصيل، ومعرفة أبعادها، وخصوصاً أنها عايشتها وأدركت مداخلها ومخارجها على الأقل في نطاقها، وبالتالي لن يكون التسويق والدعاية السياسية بعد توقيع الاتفاق مقنعاً للجميع، وخصوصاً أن ما بعده من اجتماعات وتفاوض وترتيبات فنية على مدى 60 يوماً لن تترك تلك الدعاية تأخذ نسقها التصاعدي نحو التأثير، وإنما ستحاول أن تبقى في دائرة المكاسب (الفوائد)، وليس الانتصار (التفوق الحاسم)، والفرق بين الاثنين كبير في عقلية الجماهير.

نعود لمحيطنا العربي والخليجي تحديداً لنرى أن الاتفاق هو انتصار مؤقت لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ولكن المكاسب متعددة أهمها أن العالم استشعر أن الحروب في منطقة الشرق الأوسط ستؤثر على اقتصاداتها، وبالتالي لن يسمح بأن تكون هذه المنطقة ساحة للصراع مرة أخرى، أو المغامرات غير المحسوبة، على الأقل بهذا المستوى والزخم العسكري، كذلك أن أمن الملاحة البحرية في المضائق أصبح جهداً دولياً ملزماً وليس خياراً محدوداً لدول دون غيرها، وهذا يعني أن أي تهديد لهذه الملاحة هو تهديد لمصالح العالم، إضافة إلى أن الحروب التي تشنّها إسرائيل لن تكون هي الأخرى محل تعاطف دولي؛ لأن العالم بدأ ينظر لمصالحه أكثر من عواطفه وأجنداته ذات الأثر المحدود.

الاتفاق أيضاً يعيد المنطقة إلى معادلات جديدة، وتوازنات أكثر واقعية، وترميم مفاهيم كانت سابقاً ضمن المسلمات والأجندات السياسية والعسكرية، حيث يكشف الاتفاق بأن الصراع لا يعني السعي إلى استخدام القوة وفرض الوصاية، وإنما أصبح وسيلة لمزيد من الجهد الدبلوماسي للبحث عن الحلول وليس إشعال الحروب التي لم تحقّق الانتصار الحاسم في نهاية المطاف.

00:04 | 17-06-2026