قبل عقود من الزمن انطلقت حملات وطنية في مناطق المملكة لدعوة من فاتهم التعليم للالتحاق بمقاعد الدراسة، والاستفادة من البرامج الحكومية المقدّمة، وحقّقت تلك الحملات نجاحات كبيرة في خفض نسبة الأمية في المجتمع إلى أقل من 2% في العام 2025.

اليوم تتجدّد الدعوة لتطوير المهارات في عدة مسارات وبرامج وطنية متخصصة، لمن لم يكملوا تعليمهم الجامعي، أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم لمواكبة متطلبات سوق العمل، حيث بلغت نسبة الملتحقين بالتعليم والتدريب في المملكة لمن تراوح أعمارهم بين 15-64 سنة 35.8% خلال العام 2025، كما بلغت 71.3% للفئة العمرية بين 15-24 سنة -بحسب الهيئة العامة للإحصاء- وجميعها أرقام تعكس الحاجة لمواصلة التعلّم لتطوير المهارات.

الرابط بين الزمنين هو الإنسان السعودي، الذي تسعى حكومة المملكة إلى تطوير قدراته، واستثمار إمكاناته للمشاركة في التنمية الوطنية الشاملة، والمنافسة عالمياً، وعلى هذا الأساس أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية حزمة من المبادرات لدعم المهارات، ومن ذلك مبادرة المجالس القطاعية للمهارات، ومبادرة المعايير المهنية الوطنية، والبرنامج الوطني لتحفيز القطاع الخاص على التدريب «وعد»، ومبادرة مسرعة المهارات وقسائم التدريب، وذلك ضمن استراتيجية شاملة للمهارات، وجميعها تهدف إلى رفع جاهزية الكوادر الوطنية لمتطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية، ودعم تحول سوق العمل القائم على المهارات.

هذا الهدف يمكن تحقيقه وقياس نتائجه، من خلال منح الفرصة مجدّداً لمن لم يكملوا تعليمهم أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم، وذلك بتقديم خيارات متنوعة للتعلّم أمامهم، ومن أبرزها برامج التدريب والشهادات المهنية الاحترافية التي يقدمها صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، إلى جانب منصته الإلكترونية للتدريب «دروب»، كذلك البرامج الجامعية القصيرة (MicroX) التي أطلقها المركز الوطني للتعليم الإلكتروني؛ لإكساب مهارات جامعية سريعة تتوافق مع التغيّرات في سوق العمل، وهي متاحة للراغبين في تطوير قدراتهم دون الحاجة لسنوات دراسية طويلة، إضافة إلى المعسكرات التقنية مثل «أكاديمية طويق»، وأيضاً برنامج «عزم»، الذي يستهدف تطوير المهارات الفنية والمهنية للكوادر الوطنية، وربطهم بفرص وظيفية مباشرة في القطاع الخاص، وغيرها من المبادرات والبرامج الأخرى.

الرسالة المهمة أن وزارة الموارد البشرية لم تتحدث عن سوق عمل قائم على المهارات كمعيار أساسي في التوظيف، من دون أن تقدّم حلولاً وخيارات متنوعة للحصول على تلك المهارات، وتحديداً لمن فاتهم الحصول على الشهادة أو التخصص الأكاديمي والمهني، وبالتالي فرص التطوير قائمة ومتاحة لكل سعودي، سواءً من كان يعمل في القطاع العام أو الخاص، أو حتى يبحث عن وظيفة، وذلك للحصول على شهادات مهنية في تخصصات يتطلبها سوق العمل، وصُممت بحسب احتياجات الجهات والقطاعات الراغبة في التوظيف.

رسالة أخرى أيضاً مهمة، وهي أن سوق العمل يشهد تغيّرات وتحوّلات كبيرة جداً، وأبرزها أن المهارة تمثّل أحد أهم مقاييس الكفاءة والاستمرار في الوظيفة، وبالتالي هذه الكفاءة بحاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة تلك المتغيّرات، وتعزيز المسار المهني، وذلك حتى لا يجد الموظف نفسه خارج المنافسة، وربما الاستغناء عن خدماته، وحتى أيضاً لا يجد الباحث عن العمل دون مهارة صعوبة في الحصول على الوظيفة.

الخلاصة أن من اتخذ قراره يوماً ما لمواصلة تعليمه ومحو أميته؛ هو القرار نفسه الذي يحتاجه اليوم من فاته الحصول على الشهادة أو التخصص لتطوير مهاراته.