قبل ثمانية عقود جعل الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- من مشروع «عين العزيزية» وقفاً على مدينة جدة، وسكانها، وزوّارها، والحجاج الوافدين إليها، وذلك إيماناً من الملك المؤسس بأن الماء أساس التنمية، واستدامة الحياة، حيث أعاد هذا المشروع -على نفقته- مدينة بأكملها إلى الواجهة، ورسم مستقبلها التنموي منذ وقت مبكر، وذلك بعد سنوات طويلة من المعاناة في الحصول على الماء، كما ساهمت موارد الوقف وأصوله واستثماراته إلى اليوم في استدامة الأثر، وخدمة المجتمع، والمشاركة في تنميته، من خلال إنشاء مدن لإسكان الحجاج، ودور لرعاية المسنين، إلى جانب صيانة شبكة توزيع المياه في المدينة بمبلغ تجاوز 100 مليون ريال، وغيرها من المنجزات التنموية الأخرى للحفاظ على الموارد المائية والبنية التحتية.

اليوم تنطلق «حملة أول خطوة» من المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» من الفكرة ذاتها، وهي أن استدامة التنمية تبدأ من استدامة المياه بترشيدها ورفع كفاءة استخدامها، حيث تحمل «عين العزيزية» رمزية خالدة في العلاقة بين المياه والتنمية، كما تعكس أهمية الوعي المجتمعي في الحفاظ على الموارد المائية، وتعزيز استدامتها، وتحويلها إلى سلوك قائم على الترشيد، وثقافة مستدامة تبدأ من الفرد وتستمر في ازدهار المجتمع.

«أول خطوة» ليست مجرد شعار لحملة، ولكنها بداية لتعليق الجرس، واستشعار الخطر، وتقدير القيمة، وتمكين الأثر التنموي الذي ينطلق من الماء الذي هو أساس كل شيء حي، وبالتالي ما بعدها من خطوات هي تعبير عن سلوك الإرادة المحصّن بالوعي والمسؤولية من أفراد المجتمع، والشراكة مع مؤسساته، واستثمار التقنيات في تعزيز الكفاءة، والتقليل من الهدر المائي الذي يشهد تنامياً في الجوانب الحضرية والزراعية والصناعية (بحسب الهيئة العامة للإحصاء).

مركز «مائي» الذي يباشر مهامه في التوعية بأهمية المياه يرتكز اليوم على رؤية استراتيجية عنوانها العريض الشراكة، ووسائل تمكينها تبدأ من التغيير الإيجابي للسلوك، وتحليل دوافعه، والعوامل المؤثرة فيه، وأيضاً المسؤولية الأخلاقية والقانونية في التعامل مع هذه الثروة بحس وطني تنموي، وبالنظر إلى مجتمعنا اليوم لا تزال معدلات الاستهلاك مرتفعة، وهذا الارتفاع مؤثر بالدرجة الأولى على الأمن المائي الوطني، والاستدامة الاقتصادية للمشروعات التنموية، والبنية التحتية، فضلاً عن التكلفة المالية في استخراج وتحلية المياه، ووصولها إلى كل منزل ومزرعة ومصنع.

ورغم هذه التحديات؛ فقد نجح «مركز مائي» خلال العام 2025 في تحقيق وفر مائي وصل إلى 51 مليون متر مكعب في القطاع الحضري (الحكومي والسكني)، بمعدل 140 ألف متر مكعب يومياً، من خلال تنفيذ مبادرات وبرامج توعوية، وإطلاق منصة وتطبيق «كشف»، إلى جانب التحول المنهجي من إدارة الاستهلاك إلى صناعة الكفاءة؛ لتحقيق الأثر الاقتصادي والتنموي، وتعزيز الاستدامة المائية والبيئية.

والمطلوب مع تلك المنجزات أن نستذكر -ونحن نتعامل مع الماء كل يوم- أسئلة تشكيل الوعي في داخلنا: كيف وصلت المياه إلى هنا؟ وكم تكلفتها؟ وما مصدرها في بيئة صحراوية؟ وما تحدياتها التشغيلية؟ وما أثرها في استدامة التنمية؟، حيث يمثّل استحضار هذه الأسئلة المهمة مع كل قطرة ماء نحصل عليها خطوة متقدّمة في تغيير السلوك، وتحمّل المسؤولية الوطنية في الحفاظ على مواردنا المائية، والتأكيد مجدداً بأن التنمية المستدامة تعني مياه مستدامة بترشيدها وكفاءة استخدامها، وهو ما جعل وقف «عين العزيزية» شاهداً على ذلك مع مرور 80 عاماً، ونحن نرى مياهاً مستدامة وتنمية أيضاً مستدامة لخدمة المجتمع.