رغم الهجمات الإيرانية السافرة والجبانة والمتكررة على دول مجلس التعاون الخليجي، إلّا أن موقف الحياد الخليجي لا يزال متماسكاً قبل وأثناء اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث يعبّر هذا الموقف عن إرادة خليجية مجتمعة للنأي بنفسها عن هذه الحرب، وعدم استخدام الخيارات العسكرية لحل الأزمات، وذلك حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها، وضمان سلامة أراضيها وأمن مواطنيها والمقيمين فيها.

إيران منذ اليوم الأول للحرب وهي تسعى إلى توسيع نطاقها تحت ذريعة ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحاول جرّ دول الخليج للرد عليها -رغم احتفاظ تلك الدول بحق الرد على تلك الاعتداءات-، ولكن طهران لا تزال تصر على أن تكون جبهات القتال مفتوحة، وهذا الاعتقاد لا يمكن تحقيقه -من وجهة نظرها- من دون أن يكون هناك دور خليجي في هذه الحرب، رغم أن المواقف الاستباقية لتلك الدول كانت واضحة ومعلنة قبل اندلاعها ولا تزال، ولكن إيران ترى في هذه الورقة ضغطاً سياسياً وعسكرياً على أمريكا قبل دول الخليج لمحاولة الوصول إلى تسوية لوقف الحرب.

مؤشرات الحرب لن تطول، ولكن تأثيرها في عمرها القصير سيكون كبيراً جداً على المنطقة والعالم، لا سيما في الجانب الاقتصادي، وموقف الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل، فضلاً عن الداخل الإيراني وتداعياته المحتملة على أكثر من صعيد، حيث تكشف تلك المؤشرات عن إضعاف القدرات الإيرانية النووية والباليستية، ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والأمنية، وأذرعها في المنطقة، إضافة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني من الداخل وليس إنهاؤه.

أما دول الخليج فستبقى على ذات الموقف المحايد الذي لن تكون فيه طرفاً في هذه الحرب -رغم الاعتداءات الإيرانية المتكررة-، وهذا يعني الحفاظ على استقرار المنطقة أكثر من أي حسابات أخرى، وهو ما تؤكده فحوى الاتصالات لقيادات دول الخليج منذ اندلاع الحرب، وما عبّر عنه البيان الختامي لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع استثنائي يوم الأحد الماضي، حيث بات واضحاً التنديد بالاعتداء الإيراني والاحتفاظ بحق الرد دون أي محاولات أخرى للتصعيد.

الموقف الخليجي الموحد في هذه الحرب هو نقطة ارتكاز مهمة للأمن والاستقرار في المنطقة، ويؤكد مجدّداً على أن أمن أي دولة خليجية مرهون بأمن وسلامة الدول الأخرى، وهذه المعادلة الخليجية المتماسكة ستجعل اعتداءات إيران تتوقف من تلقاء نفسها، وتعترف طهران أن ورقة دول الخليج لم تعد مجدية، وبالتالي لم يعد لها مبرر سوى المزيد من الخسائر في المواقف مستقبلاً.

دول الخليج تثبت في هذه الحرب أنها واعية لما هو أبعد وأخطر منها، والتعبير عن الحياد والنأي بالنفس في هذه المرحلة هو سبيل الحكمة والتعقّل؛ لأن ما بعد الحرب أهم من تطوراتها الحالية، وخصوصاً مع الشعب الإيراني.