من المقرر والمتفق عليه على نطاق واسع في عالمنا اليوم أنّ المتغيّر في حقل التعليم صار أكثر من الثابت، سواء على مستوى المقررات نفسها، أو طرق ووسائل إيصال المعلومات.

حدثت متغيّرات كبيرة، و«انقلابات» بلغت ذروتها في إحداث قطيعة كاملة مع الماضي، والاتجاه بالكلية إلى الجديد بكل ما حمله من تطور معرفي، وصعود علمي تبعاً للمستكشفات والعلوم الحديثة، خاصة في جانبها التطبيقي، وإن كان التغيير قد طرأ على النّظري أيضاً بوجه من الوجوه، لكنه بوتيرة أقل من العملي التطبيقي؛ لهذا فمن الطبيعي جدّاً، بل من الضروري، أن يظل حقل التعليم مسرحاً مفتوحاً، يتقبّل كل جديد يعين على تلقّي المعارف، ويساعد المُعلّمين والمتعلمين على اللحاق بركب التطور، في زمن باتت فيه هذه الحركة محسوبة بحساب الدقائق، في مشهد ينتج المدهشات بشكل مضطرد، بما يضع «الثوابت» في حرج، ويضع مسألة المواكبة في رهانٍ من التحدّي الضروري.

ومن هذا الباب كانت عناية رؤية المملكة 2030 بقطاع التعليم، في كافة مراحله، كبيرة وجديدة، إدراكاً حقيقياً، ووعياً بدوره المركزي والأساسي في رحلة التنمية والتطور التي تنشدها المملكة في حاضرها المعيش، ومستقبلها المنظور، لبناء اقتصاد معرفي مستدام، قائم على الابتكار وتنمية رأس المال البشري.

ووعياً كذلك بأن العملية التعليمية لم تقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل أصبحت منظومة متكاملة تهدف إلى إعداد جيل قادر على المنافسة عالمياً، ومواكبة متطلبات سوق العمل المتغيّر، والإسهام الفعّال في تحقيق التنمية الوطنية. لهذا ركّزت «الرؤية» على إعادة هيكلة النظام التعليمي، وتعزيز جودة المخرجات، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، من خلال تطوير المناهج، وتبني التقنيات الحديثة، وتحفيز البحث العلمي، ودعم الجامعات لتكون مراكز للإبداع والابتكار.

كما سعت إلى تمكين الطلاب بالمهارات المستقبلية، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والمهارات الرقمية، بما يضمن جاهزيتهم لمتطلبات العصر.

وها هو قطاع التعليم، يستقبل اليوم، بكل الترحاب والبشارة، المرسوم الملكي بالموافقة الكريمة على نظام التعليم العام، المنبعث من ذات المنظور الباحث عن التطوّر المستمر، والمنبثق من المراجعات الباحثة عن الأجود والأكثر تطوراً، والأفضل أسلوباً، والأحدث مواكبة، والغاية المنشودة تعزيز إطار حوكمة التعليم العام، وتوفير الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، وتمكينه من رفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها، إضافة إلى تنظيم دور القطاعين الخاص وغير الربحي بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية القديرة.

إنّ هذا النظام بكل ما حمله من بشارات مهمة، من حيث تأكيده على «حماية حقوق الإنسان في التعليم، وحقوق الطلبة والمعلمين، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، بما يدعم جودة العملية التعليمية، ويحسّن تجربة الطلاب والطالبات، إلى جانب ترسيخ دور الأسرة في مساندة الرحلة التعليمية، ودعم جودة الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، بما يواكب أهمية السنوات الأولى في بناء شخصية الطفل ومهاراته، وإسهامه في تقديم خدمات تعليمية ومساندة أكثر مواءمة لاحتياجات الطلاب ذوي الإعاقة داخل المؤسسات التعليمية، وكذلك دعم رعاية الطلاب الموهوبين وتنمية قدراتهم، بما يعزّز جودة التجربة التعليمية ويراعي تنوع احتياجات الطلاب.

كل ذلك وغيره لا شك سيكون له تأثيره الإيجابي الكبير في حركة التطوير والنمو المتسارع التي تشهدها المملكة في كل مناحيها، ويرفع من سقف التوقعات بنظام تعليمي قادر على المنافسة عالمياً باستثماره في العقول السعودية، وإخراجها من قمقم الحفظ والاسترجاع الميكانيكي، إلى براحات التفكير والابتكار، واقتحام هذه المجالات التي ظللنا لعقود نجلس في خانة الفرجة، والاستهلاك، ونضرب بيننا وبينها حجاباً من العجز، وستاراً من التهيّب، ولا نتعامل معها بوصفها معارف إنسانية بمقدورنا أن نعالجها بالدرس، ونفتح لها مساراً في عقول ناشئتنا، ونجعلها مركزاً للتحدي في مناهجنا، على نحو ما نشاهده اليوم في مقرراتنا الدراسية، التي تمضي في خطوات تطويرية كبيرة، أثمرت عن حضور مشرف لطلابنا في المحافل العلمية العالمية، وفوزهم بالعديد من الجوائز المرموقة كفاء تفوقهم الأكاديمي والمعرفي الباهر، وتلك من ثمار «الرؤية» اليوانع، التي نتوقع لها المزيد من النضج، والتقدّم في ظل نظام التعليم العام الجديد.

تمام القول وزبدته، إن قيادتنا في رشد توجهها مدركة كل الإدراك إلى أن قطاع التعليم هو نافذة التحليق نحو بلوغ الغايات المسطورة في سجل «الرؤية»، ولا سبيل إلى تحقيقها إلا بتعليم قادر على إحداث التغيير المنشود، ومواكبة التطور الذي يشهده العالم ويتحرك بمفاصل وتروس سريعة، تستوجب معها متابعة دقيقة، ورصداً مستمراً، وأنظمة تعليمية في المرونة غاية، والشمول آية، وبعد المرمى شأواً تلوّح به كل راية خفّاقة في المعالي.