في أكثر من مقال صحفي، لم أهرب إلى منصة أخرى، ولم أختبئ خلف كلمات برّاقة أو صور «مفلترة» أبحث فيها عن ملاذ يستر ضعف حجة تفتقد إلى الدليل، أو يخفّف من عجز عن المواجهة المباشرة. بل آثرت لغة واضحة وصادقة، تتّسم بالشجاعة الأدبية، بعيدًا عن العبارات الإنشائية التي «لا تسمن ولا تغني من جوع».
- وفي أكثر من مقال، حرصت كل الحرص على أن أقدّم، في أوله وآخره، دروسًا مهمة لمن لا يدرك الفارق بين الحوار الصحفي والتصريح الصحفي. ولم تكن تلك الدروس مجرد ممارسة خطابية أو محاضرة أكاديمية، بل قدّمت تشريحًا مهنيًا لنصيّن منفصلين نُشرا في صحيفة عكاظ، أثبتُّ فيهما -بالدليل القاطع- إدانة صحفية لا مجال للتشكيك فيها، بحق صحفي فشل فشلًا ذريعًا في استثمار حوار مع شخصية كبيرة، وسقط سقوطًا مهنيًا مؤلمًا، بعدما عجز -كعادته- عن تقديم مادة صحفية مكتملة الأركان، رغم خبرته الطويلة في مهنة المتاعب.
- وضمن إحدى تلك المقالات التوعوية لم أبخل عليه بجملة من الملاحظات المهنية التي تدور في فلك العمل الصحفي الصحيح، وفي مقدّمتها قاعدة إعلامية معروفة مفادها أن أي رد أو تعقيب ينبغي أن يُنشر في المنصة الإعلامية نفسها التي نُشر فيها المقال، حتى لا يتحوّل المتلقي إلى «الأطرش في الزفة»، فلا يعرف أصل القضية ولا يستطيع متابعة تفاصيلها، بينما يختار صاحب الرد أن يخاطب نفسه داخل غرفة مغلقة، بعيدًا عن متابعي المقال الأصلي.
- وهذا، في تقديري، هو الحال الذي وصل إليه الزميل أحمد الشمراني؛ فقد انتقل من شخصية «عبدالمعطي» ناظر مدرسة المشاغبين إلى الحالة التي جسّدها الفنان محمد نجم في مسرحية «عش المجانين»، وهو يردد عبارته الشهيرة: «شفيق... يا راجل!». وكلما قرأت نصوص أبي محمد، المكتوبة منها والمرئية، شعرت بأنها تعكس حالة من العجز لا تختلف كثيرًا عن تلك الصورة الكوميدية التي ما زال صداها يتردد: «شفيق... يا راجل!».
- وبالأمس، ظهر الزميل مرة أخرى عبر منصة أخرى، معقّبًا على مقالي الأخير بعنوان: «فوقوا من غفلتكم... الوثائق أقوى من لغة الوعيد». وبدلًا من أن يستفيد من الدرس المهني الذي قدّمته له في مقال سابق، ما زال مصمّمًا على أن ينقلنا من دوري روشن إلى دوري يلو، عبر كلمات إنشائية وأسلوب تمثيلي، لم يجرؤ خلاله حتى على ذكر اسم مؤلف الكتاب.
- وهنا أجد نفسي مطالبًا بمعرفة السبب الذي يمنعه، سواء في حوارات أو تصريحات منسوبة لغيره أو ردود يتبناها من عدم ذكر اسم مؤلف كتاب سيرة رائد الحركة الرياضية الزميل صالح العمودي ويتحلون جميعاً بقدر من الشجاعة الأدبية، بعيدًا عن لغة التلميح والوعيد، حتى نُسهم جميعًا في إثراء الساحة الرياضية والإعلامية بحوار حضاري يقوم على الوضوح والشفافية، لا على ممارسات تجعل المتلقي، مرة أخرى، كـ«الأطرش في الزفة».
- أما إذا كان سبب هذا الامتناع يعود إلى الخشية من موقف قانوني قد يتخذه مؤلف الكتاب تجاه كل من يشكّك في مصداقيته أو يتناول عمله دون أن يمتلك الدليل، فتلك مسألة تستحق أن تُقال بصراحة، لا أن تُوارى خلف الإيحاءات والعبارات الإنشائية، والله الهادي إلى سواء السبيل وهو المستعان.


