في أول اجتماع له على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أبقى كيفن وورش أسعار الفائدة دون تغيير. ظاهرياً لم يكن القرار استثنائياً، لكن ما جرى خلف القرار قد يكون أكثر أهمية من القرار نفسه. المؤشرات الصادرة عن الاجتماع توحي بأن الفيدرالي بدأ يعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع الأسواق المالية التي استمرت لأكثر من عقدين.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 تشكّلت علاقة جديدة بين الأسواق والفيدرالي الأمريكي. ملامح تلك العلاقة متمثّلة في تبدل دور الفيدرالي من كونه مقتصراً على إدارة التضخم وسوق العمل، ليصل إلى تشكيل توقعات المستثمرين. مع كل أزمة أو تباطؤ اقتصادي كانت الأسواق تتوقع تدخلاً نقدياً جديداً، سواء عبر خفض الفائدة أو ضخ السيولة أو إرسال رسائل تطمينية حول المستقبل.

بمرور الوقت، اعتادت الأسواق على نمط معين من السلوك. عندما تتراجع الأسهم تتزايد التوقعات بخفض الفائدة، وعندما يتباطأ النمو تنتظر الأسواق تدخلاً من الفيدرالي. ومن هذا المنطلق، أصبح المستثمرون يمحصون بيانات الفيدرالي وتصريحات مسؤوليه أحياناً أكثر مما ينقبون في القوائم المالية للشركات أو المؤشرات الاقتصادية الأساسية.

هذا التحول خلق ما يشبه عقداً ضمنياً غير مكتوب بين الأسواق والفيدرالي. وبناء على تلك المعطيات، أصبحت الأسواق تفترض أن الفيدرالي سيتدخل عند الضرورة حرصاً منه على توجيه الأسواق مسبقاً لتقليل المفاجآت. هذا العقد غير المكتوب يبدو اليوم أمام اختبار حقيقي.

رسائل وورش الأولى أوحت بأن الفيدرالي قد لا يرغب في الاستمرار بهذا النهج. بدلاً من تقديم إشارات تفصيلية للأسواق حول خطواته المقبلة، بدا أكثر ميلاً إلى ترك المستثمرين يواجهون قدراً أكبر من عدم اليقين. وبدلاً من التركيز على حماية الأسواق من التقلبات، عاد التركيز إلى المهمة التقليدية للفيدرالي المتمثلة في السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار. لوهلة، قد يبدو هذا التحوّل تقنياً، لكنه في الواقع يعكس تغييراً استراتيجياً عميقاً. لذلك يبدو أن وورش يسعى إلى إنهاء حقبة اعتادت فيها الأسواق النظر إلى الفيدرالي باعتباره الموجه والمنقذ الأخير، وإعادة المسؤولية إلى المستثمرين أنفسهم لقراءة المخاطر وتحمل نتائج قراراتهم.

خلال السنوات الماضية أدت السياسات النقدية التوسعية إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الأصول حول العالم. صحيح أن جزءاً من هذه الارتفاعات كان مدعوماً بالنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، لكن جزءاً آخر ارتبط بتدفق السيولة وتوقعات استمرار الدعم النقدي. نتيجة لذلك، باتت أسعار الأصول أقل حساسية للمخاطر الحقيقية وأكثر حساسية لتصريحات الفيدرالي الأمريكي.

من هنا، يمكن فهم الرؤية التي يبدو أن وورش يتبناها. السوق السليمة، من وجهة نظر العديد من المحافظين النقديين، هي السوق التي تسعر المخاطر بنفسها. المستثمر الذي يحقق عائداً مرتفعاً يجب أن يتحمّل أيضاً احتمال الخسارة. أما عندما تصبح الأسواق واثقة من وجود شبكة أمان دائمة توفرها البنوك المركزية، فإن آلية تسعير المخاطر تبدأ في التشوّه.

بطبيعة الحال لا يخلو هذا التوجه من المخاطر. التقليل من التوجيه المستقبلي قد يزيد التقلبات ويرفع تكلفة التمويل ويجعل الأسواق أكثر حساسية للأخبار الاقتصادية. في الوقت ذاته، ربما لدى وورش قناعة أن قدراً من التقلب أفضل من تراكم اختلالات مالية كبيرة نتيجة الاعتماد المفرط على السياسة النقدية.