أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

النفط.. البوصلة الحقيقية للتوترات العالمية

في أسواق الطاقة، كما هو متعارف عليه تتحرك الأسعار وفق معادلات العرض والطلب وعنصر ثالث لا يقل أهمية وهو الجغرافيا السياسية. ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، وامتدادها إلى مستويات أوسع من التوتر الإقليمي، عادت الأسواق لتستحضر أحد أكثر السيناريوهات حساسية في الاقتصاد العالمي والمتمثل في قفزة أسعار النفط إلى مستويات لامست 120 دولاراً للبرميل.

هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بتراجع الإمدادات الفعلية، بل بما يسميه الاقتصاديون «علاوة المخاطر الجيوسياسية». فعندما تتزايد احتمالات تعطّل الإمدادات، ترتفع الأسعار حتى قبل حدوث أي نقص حقيقي في الإنتاج. ويكفي أن تكون منطقة الإنتاج أو النقل مهدّدة حتى تبدأ الأسواق في تسعير المخاطر.

الشرق الأوسط لا يزال يمثل قلب معادلة الطاقة العالمية. فقرابة خُمس تجارة النفط البحرية تمر عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم. وأي اضطراب محتمل في هذا الممر ينعكس مباشرة على أسعار النفط، لأن الأسواق تدرك أن البدائل اللوجستية لا تستطيع تعويض هذا الحجم من الإمدادات بسهولة.

اللافت في هذه الأزمة هو أن علاوة على خشية الأسواق من تعطّل الإمدادات، تخشى أيضاً اتساع رقعة نطاق الصراع. فكلما طال أمد الحرب أو توسعت جغرافياً، ارتفعت احتمالات انتقال تأثيرها من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي ككل. ارتفاع أسعار النفط يتجاوز فكرة زيادة تكلفة الوقود، ويمتد أيضاً إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والصناعة، ما يعيد شبح التضخم إلى اقتصادات كانت قد بدأت بالكاد في احتواء موجاته خلال السنوات الأخيرة.

تاريخياً، كانت الحروب في الشرق الأوسط أحد أبرز محركات ارتفاع أسعار النفط. فقد شهد العالم في سبعينيات القرن الماضي صدمات نفطية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي لسنوات طويلة. واليوم، ورغم أن الاقتصاد العالمي أكثر تنوعاً في مصادر الطاقة، فإن النفط لا يزال يشكّل العمود الفقري للاقتصاد الصناعي العالمي. وقد خلصت دراسة معروفة للاقتصادي جيمس هاميلتون إلى أن سبعاً من أصل ثماني فترات ركود ضربت الاقتصاد الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سبقتها طفرات حادة في أسعار النفط، ما يعكس العلاقة الوثيقة بين صدمات الطاقة ودورات الركود الاقتصادي. تكشف هذه الأزمة حقيقة اقتصادية طالما عرفتها الأسواق وهي أن النفط مؤشر حسّاس للتوازنات الجيوسياسية في العالم، لذلك عندما تتوتر هذه التوازنات، تتحوّل أسعار الطاقة إلى أول مقياس لدرجة القلق في الاقتصاد العالمي،

في المقابل، تلعب الدول المنتجة الكبرى دوراً محورياً في تهدئة الأسواق ومنع تحوّل التوترات السياسية إلى صدمات اقتصادية حادة. فاستقرار الإمدادات يظل العامل الأكثر أهمية في احتواء تقلبات الأسعار. وهنا تبرز أهمية الدول التي تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية وقدرة لوجستية متقدمة في تصدير النفط إلى الأسواق العالمية.

وتبقى المملكة العربية السعودية أحد أهم عناصر الاستقرار في سوق الطاقة العالمي، بفضل قدرتها الإنتاجية الكبيرة واستثماراتها الطويلة في البنية التحتية للطاقة. هذه الاستثمارات تعتبر جزءاً من رؤية إستراتيجية تهدف إلى ضمان استقرار الإمدادات العالمية حتى في الظروف الجيوسياسية المعقدة.

00:16 | 12-03-2026

الطاقة العالمية بين الحرب والاستقرار

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة في العالم، إذ يمر من خلاله نحو 20% من النفط المصدر عالمياً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. هذا يؤكد أنه شريان حيوي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. أي اضطراب فيه، أو إغلاق جزئي أو كامل نتيجة الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يخلق صدمة فورية في أسواق الطاقة، ويهدّد استقرار النمو الاقتصادي العالمي، الذي يعاني بالفعل من تباطؤ خلال السنوات الست الماضية.

الحرب المستمرة تؤدي إلى ارتفاع فوري لأسعار النفط والغاز، مع توقع تجاوز النفط حاجز 100 دولار للبرميل إذا طال الإغلاق الجزئي أو الكلي. فتعطل حركة الشحن عبر المضيق يضغط على سلاسل الإمداد العالمية، ما ينعكس على الصناعات التحويلية مثل السيارات والإلكترونيات والكيماويات. زيادة تكاليف النقل والإنتاج تؤدي مباشرة إلى تضخم عالمي، وتضع الاقتصادات المستوردة للطاقة تحت ضغط شديد، وهذا بدوره يعيد خلط أوراق السياسات النقدية للبنوك المركزية التي انتهجت في وقت سابق خفض القيود على معدلات الفائدة.

على مدار الخمسين عاماً الماضية، حاولت الدول النفطية وغير النفطية تقليل الاعتماد على نقاط ضعف محددة مثل مضيق هرمز. شملت هذه الجهود، تطوير الطاقة المتجدّدة، وإنشاء مخزونات نفطية إستراتيجية، ومد خطوط أنابيب بديلة شرقاً وغرباً لتجنّب نقاط الاختناق في تصدير الطاقة. ومع ذلك، فإن هذه الحلول تظل جزئية ولا تستطيع التغطية الكاملة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة. الطاقة المتجدّدة لا تزال غير كافية لتعويض الإنتاج النفطي الفعلي، المخزونات الإستراتيجية محدودة، وخطوط الأنابيب البديلة لا تغطي كل المسارات الحيوية لتدفق النفط والغاز.

دول الخليج أثبتت التزامها بتوفير الطاقة للأسواق العالمية حتى في ظل التوترات الحالية، ما يعكس المسؤولية الدولية التي تتحمّلها هذه الدول تجاه استقرار الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن استقرار مضيق هرمز لا يمكن أن يتحقق دون تعاون دولي؛ إذ يجب على الدول المستوردة للطاقة دعم الأمن البحري لضمان استمرارية الإمدادات.

التأثير الاقتصادي لهذه الأزمة يمتد إلى النمو العالمي. ارتفاع أسعار النفط يزيد تكلفة الإنتاج والنقل، مما يضغط على أرباح الشركات ويؤثر على الاستهلاك. الصناعات التي تعتمد على المواد الخام المستوردة ستواجه تأخيرات وارتفاعاً في التكاليف التشغيلية، مما قد يؤدي إلى توقف بعض خطوط الإنتاج. هذا كله يشكّل تهديداً مباشراً للنمو العالمي، خاصة مع تباطؤ الاقتصادات الكبرى خلال السنوات الماضية.

كما تكشف الحرب الحالية عن حدود الحلول البديلة التي وضعتها الدول على مدى نصف القرن الماضي. الطاقة المتجدّدة، المخزونات الإستراتيجية، وخطوط الأنابيب البديلة توفر حماية جزئية فقط، لكنها لا تستطيع الصمود أمام صدمة طويلة الأمد. العالم بحاجة اليوم إلى إدراك أن أي تعطيل طويل لمضيق هرمز يعني أزمة طاقة عالمية حقيقية، مع انعكاسات مباشرة على الأسعار، التضخم، والنمو الاقتصادي المستقبلي.

استمرار الحرب يضع الأسواق أمام اختبار مباشر، إما تعزيز التعاون الدولي لضمان استمرارية الإمدادات، أو مواجهة صدمة عالمية طويلة الأمد قد تعرقل النمو الاقتصادي وتزيد الضغوط التضخمية. في ظل هذا الواقع، يتحتم على العالم كله، منتجين ومستهلكين، الاعتراف بأن حماية هذا الممر الحيوي هي مسؤولية جماعية لا يمكن تجاهلها.

00:13 | 5-03-2026

جدل الفصل ووهم الاستقلال!

يستمر الجدل منذ عقود في تحديد الموقف لكل من السياسة والاقتصاد؛ هل هما مجالان منفصلان، أي طريقين متوازيين لا يلتقيان، لكل منهما منطقه وأدواته، أم أنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة؟ وإذا كان الأمر كذلك من يقود من! هناك من يرى أن الاقتصاد علم حسابي يُعنى بالكفاءة وتخصيص الموارد، بينما السياسة ساحة صراع على السلطة والنفوذ. الحقيقة التاريخية تخبرنا أن هذا الفصل أقرب إلى تبسيط نظري منه إلى وصف دقيق للواقع.

إذا عدنا لأهم كتب علماء الاقتصاد كأدم سميث، وديفيد ريكارد، وجون ستيوارت مل يتأكد لنا أن الاقتصاد لم يكن علماً مستقلاً، بل كان جزءاً مما عُرف بـ«الاقتصاد السياسي». لم يكن السؤال آنذاك يدور فقط حول الثروة، بل حول الدولة، والسلطة، والقانون، وطبيعة النظام الاجتماعي الذي تنتج فيه تلك الثروة.

حتى وقت قريب نسبياً، كانت الجامعات تدرّس السياسة والاقتصاد ضمن كلية واحدة انعكاساً لإدراك معرفي بأن المجالين يتعاملان مع نفس الظاهرة من زاويتين مختلفتين. السياسة تحدد الأهداف وتوزيع القوة، والاقتصاد يدرس تخصيص الموارد والقيود. الفصل المؤسسي الذي حدث لاحقاً، خصوصاً مع صعود النمذجة الرياضية في القرن العشرين، خلق انطباعاً بأن الاقتصاد أصبح علماً تقنياً خالصاً، مستقلاً عن الصراعات القيمية.

الاقتصاد، في جوهره، يتعامل مع الندرة وتوزيع الموارد. غير أن توزيع الموارد ليس مسألة تقنية خالصة؛ بل هو قرار يتضمّن تفضيلات اجتماعية من حيث، من يتحمّل التكلفة؟ من يحصل على المنفعة؟ ما الأولوية بين النمو والعدالة؟ حين تُصمّم السياسات الضريبية، أو يُحدد مستوى الإنفاق العام، أو تُرسم السياسات النقدية، فإنها لا تعكس معادلات رياضية فحسب، إنما تعكس رؤية سياسية لدور الدولة ولطبيعة العقد الاجتماعي.

من زاوية أخرى، لا يمكن للسياسة أن تتحرك بمعزل عن الاقتصاد. شرعية الأنظمة السياسية واستقرارها يرتبطان بالأداء الاقتصادي المتمثل في النمو الاقتصادي، وفرص العمل، واستقرار الأسعار، ومستوى المعيشة. علاوة على ذلك، أزمات الديون، والانكماش، والتضخم تعتبر تحوّلات سياسية بامتياز تعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة. هنا يتأكد لنا أن الاقتصاد كأنه يقود السياسة، فارضاً عليها قيوداً صارمة لا يمكن تجاوزها بالشعارات.

يتجلى هذا الترابط بوضوح أكبر في العلاقات الدولية. فالقوة في النظام العالمي المعاصر أصبحت مالية وتجارية وتكنولوجية متجاوزة الجانب العسكري الذي كان يهيمن وحيداً على موازين القوة العالمية. لا أحد يستطيع أن ينكر أن العقوبات الاقتصادية أداة سياسية بامتياز والاتفاقيات التجارية تعبير عن تحالفات إستراتيجية. إضافة لذلك، التحكم في سلاسل الإمداد وفي التقنيات المتقدّمة يعتبر رهاناً على النفوذ طويل المدى.

شهدت العقود الماضية مرحلة بدا فيها أن الاقتصاد يقود السياسة من خلال العولمة وتحرير الأسواق، حيث فُرض منطق التكامل والكفاءة على الاعتبارات الجيوسياسية. في ذات الوقت، تصاعد التوترات الدولية أعاد المعادلة إلى مسار أكثر تعقيداً، حيث أعادت الدول هندسة سلاسل التوريد بدوافع أمنية، وفرضت قيوداً على الاستثمار والتكنولوجيا، وقبلت تكاليف اقتصادية أعلى مقابل استقلال إستراتيجي أكبر. هنا تقود السياسة الاقتصاد، وتعيد تعريف أولوياته.

إذن، ليست العلاقة خطاً مستقيماً، بل ديناميكية متغيّرة. في بعض اللحظات التاريخية، تفرض الحقائق الاقتصادية نفسها فتقيّد القرار السياسي وفي لحظات أخرى، تتقدّم الاعتبارات الإستراتيجية فتُعيد تشكيل القواعد الاقتصادية. الفصل بين المجالين قد يكون مفيداً تحليلياً في قاعات الكليات، لكنه يصبح مضللاً في عالم تتداخل فيه الأسواق مع السيادة، ورأس المال مع النفوذ، والتكنولوجيا مع الأمن القومي.

الاستنتاج الأهم ليس أن السياسة والاقتصاد شيء واحد، بل أنهما لا يعملان في عزلة. الاقتصاد يوفر الأدوات ويكشف القيود، والسياسة تحدد الاتجاه والأولويات. وحين يُفترض أن أحدهما يعمل بمعزل عن الآخر، تظهر اختلالات في قرارات اقتصادية «عقلانية» لكنها ساذجة إستراتيجياً، أو قرارات سياسية قوية الخطاب لكنها مكلفة اقتصادياً إلى حد لا يمكن تحمّله.

00:14 | 26-02-2026

القطاع غير الربحي والتنمية المستدامة

في الاقتصادات الحديثة يعد القطاع غير الربحي قطاعاً اقتصادياً ثالثاً مهماً يعمل إلى جانب القطاعين العام والخاص، وليس مجرد مساحة للعمل الخيري أو النشاط المجتمعي التطوعي. هذا التحوّل يأتي نتيجة إدراك متزايد من الدول بأن القيمة الاقتصادية لا تُختزل في الربحية المباشرة، وأن الإنتاج الاجتماعي المنظم يمكن أن يشكّل رافعة تنموية حقيقية.

العديد من الدراسات أثبتت أن المنظمات غير الربحية لها دور محوري في تعزيز الكفاءة الاقتصادية، وذلك عبر معالجة أوجه القصور في السوق. علاوة على ذلك، تشير النظرية الاقتصادية التقليدية إلى أن الأسواق الخاصة لا توفر دائماً الخدمات الأساسية بشكل عادل، لا سيما في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية. ووفقاً لذلك، تسد المنظمات غير الربحية هذه الثغرات، ضامنةً وصول الخدمات إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفاً، ومحفزةً الاقتصادات المحلية. تُظهر الأبحاث أيضاً أن كل دولار يُستثمر في المنظمات غير الربحية غالباً ما يُحدث أثراً مضاعفاً، دافعاً المزيد من النشاط الاقتصادي من خلال عقود الخدمات والإنفاق المحلي وتوسيع نطاق القوى العاملة.

يساهم القطاع غير الربحي في العديد من الدول المتقدمة بنسبة تتراوح بين 4% و10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق وظائف مستدامة في عدة مجالات. هذه الأرقام تعكس طبيعة الخدمات التي يقدّمها القطاع في مجالات التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والثقافة، وتمكين الفئات ذات الدخل المحدود. في كثير من الحالات، يقوم القطاع غير الربحي بتقديم خدمات عامة بكفاءة ومرونة أعلى، مستفيداً من قربه من المجتمع وقدرته على الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية. وهذا يثبت دورها في الاستجابة السريعة خلال الأزمات الاقتصادية في العديد من الدول العالمية، كونها تُعدّ جهات استقرار حيوية، إذ تُقدم خدمات أساسية للمتضررين من فقدان الوظائف وانعدام الأمن المالي.

الأهمية الاقتصادية للقطاع غير الربحي لا تتوقف عند مساهمته المباشرة في الناتج أو التوظيف. فهناك بُعد آخر أقل وضوحاً وأكثر عمقاً، يتمثل في تعزيز «رأس المال الاجتماعي» أي الثقة والتعاون والشبكات المجتمعية. هذه العناصر تلعب دوراً جوهرياً في تقليل تكاليف التعاملات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهي جميعها عوامل داعمة للنمو طويل الأجل بما يعزز جودة الحياة ويرفع كفاءة توزيع الموارد.

مع توسع هذا الدور، تتعزز أهمية بناء قدرات مؤسسية متقدمة، وتطوير أدوات قياس الأداء والأثر، بما يرسّخ مكانة القطاع كجزء فاعل من المنظومة الاقتصادية. الاستثمار في الحوكمة، والشفافية، ورفع كفاءة الإدارة المالية، لم يعد خياراً، وإنما ضرورة من أجل تعميق الثقة، وتعزيز قدرة القطاع على جذب الموارد وتوسيع أثره التنموي. يتطلب فهم الأثر الاقتصادي للمنظمات غير الربحية دراسة مساهماتها في التوظيف وكفاءة السوق والاستثمار المجتمعي وريادة الأعمال الاجتماعية.

في المملكة العربية السعودية، يكتسب القطاع غير الربحي أهمية إستراتيجية ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تسعى إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز مشاركة المجتمع في مسار التنمية. ويعكس النمو المتسارع في عدد الكيانات غير الربحية والبرامج المجتمعية حراكاً تنموياً لافتاً، يتواكب مع تطور البيئة التنظيمية وتوسع أدوات الدعم والتمكين. إدراج القطاع غير الربحي كركيزة ضمن مستهدفات رؤية 2030 يعكس انتقالاً من النظر إليه كقطاع داعم، إلى اعتباره شريكاً في تحقيق النمو.

23:53 | 18-02-2026

استقلالية الفيدرالي على المحك..!

لم يكن الجدل حول استقلالية البنك المركزي الأمريكي يومًا نقاشًا مطروحًا على الطاولة، لكنه اليوم يقترب أكثر من أي وقت مضى. مع تصاعد الحديث عن احتمال تعيين كيفين وورش رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي، يعود سؤال قديم بملامح جديدة؛ هل نحن أمام لحظة تعيد فيها أمريكا تعريف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بما يتناسب مع عالم أكثر اضطرابًا وأقل صبرًا؟ ربما ستُظهر لنا قادم الأيام الإجابة من خلال سلوك السياسة النقدية في السنوات المقبلة، وأيضًا في قدرة الأسواق على الثقة بأن سعر الفائدة ما زال يُدار بعقلية اقتصادية ومالية، عوضًا عن الحسابات السياسية الساخنة.

منذ عقود، أُرسِيت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بوصفها حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد الأمريكي، من أجل ضبط معدلات التضخم، وتثبيت توقعات الأسواق، وحماية السياسة النقدية من تقلبات الأهواء الانتخابية. وقد أثبت التاريخ أن أي مساس بهذه القاعدة يُترجم سريعًا إلى ارتفاع في علاوات المخاطر، وتقلب في الدولار، وتآكل في مصداقية التوجيه المستقبلي وهذا ما نشاهده اليوم على أرض الواقع.

لا أحد ينكر أن المعطيات وقواعد اللعبة العالمية قد تغيّرت سواء على مستوى السياسات النقدية أو المالية. الولايات المتحدة اليوم تواجه دَيْنًا سياديًا تجاوز 120% من ناتجها المحلي، واستقطابًا سياسيًا غير مسبوق، ومنافسة جيوسياسية ونقدية شرسة مع قوى صاعدة في مقدّمتها الصين. ووفقًا لتلك الرؤية، أصبحت السياسة النقدية جزءًا من أدوات إدارة الدولة لقوتها لا شأنًا تقنيًا بحتًا.

هنا لا يبدو اسم كيفين وورش هو القضية بحد ذاته، إنما ما يمثّله كإشارة لمن هم بالداخل والخارج. فالرجل معروف بمواقفه الأكثر تشدّدًا تجاه التيسير النقدي، وبقربه الفكري من دوائر سياسية ترى أن الفيدرالي بالغ في استقلاليته خلال العقدين الماضيين. الكل يعلم أن صنع القرار داخل لجنة السوق المفتوحة تمنع السيطرة المباشرة على أسعار الفائدة من قبل السلطة التنفيذية، لكن قد يبعث برسائل مباشرة وغير مباشرة مختلفة للداخل والخارج الأمريكي فحواها أن الأعراف القديمة قابلة للكسر، وأن سقف الضغط السياسي على البنك المركزي لم يعد من المحظورات.

الخطر الحقيقي، حين تُستدعى السياسة النقدية لخدمة أهداف قصيرة الأجل سواء لتمويل الدَيْن بكلفة أقل أو لدعم نمو سريع قبيل استحقاق انتخابي حينها تدخل الأسواق في مرحلة إعادة تسعير جارفة، وتفقد العملة جزءًا من مكانتها الرمزية قبل قيمتها الفعلية. وهنا يأتي الانحراف عن المسار في التحوّل التدريجي لوظيفة البنك المركزي من «مرساة استقرار» إلى «أداة مواءمة سياسية». التجارب الدولية واضحة في هذا السياق، فكلما انخفضت حدود الاستقلالية، ارتفعت كلفة التمويل، وتراجع الاستثمار طويل الأجل، وازدادت هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات. الولايات المتحدة ليست استثناءً من قوانين الاقتصاد، مهما بلغت قوة مؤسساتها. فالأسواق لا تقيس النوايا، لذلك أي خلط بين السياسة والفائدة سرعان ما يدفع ثمنه الجميع.

23:56 | 11-02-2026

من العُلا إلى العالم.. السعودية منصة دولية لرسم مستقبل اقتصادات الأسواق الناشئة

ينطلق مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026 ليجمع صُنّاع القرار الاقتصادي، ومحافظي البنوك المركزية، ووزراء المالية، وخبراء السياسات، في لحظة دولية مشحونة بالتحولات وعدم اليقين. يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة دقيقة تتسم بتزايد التحديات المشتركة، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق المالية، واتساع فجوات عدم المساواة. وفي هذا السياق، تضطلع الاقتصادات الرائدة والمؤسسات المالية الدولية بدور محوري في دعم الاقتصادات الناشئة، من خلال تعزيز المرونة الاقتصادية، ودعم الإصلاحات الهيكلية، وتمكين هذه الاقتصادات من مواصلة مساهمتها في تحقيق الازدهار العالمي.

استضافة المملكة لهذا المؤتمر، بالشراكة مع صندوق النقد الدولي، تعكس نهجاً سعودياً واضحاً في التعاطي مع القضايا الاقتصادية الدولية وهي الانفتاح على العالم، والالتزام بالتعددية، وتعزيز الحوار المبني على المصالح المشتركة. فالمملكة تسعى إلى تهيئة بيئة تتيح تبادل الخبرات، وتقريب وجهات النظر بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة. يأتي هذا المؤتمر في توقيت حساس، كون الاقتصاد العالمي يقف عند مفترق طرق من حيث تباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة، تشدد الأوضاع المالية، تصاعد الحمائية التجارية، وتزايد المخاطر الجيوسياسية. في المقابل، تتحمل الأسواق الناشئة عبئاً مزدوجاً كقيادة النمو العالمي من جهة، وامتصاص الصدمات من جهة أخرى. هنا تحديداً تتقدم العلا كفكرة تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للأسواق الناشئة أن تحوّل المخاطر إلى فرص؟

محاور المؤتمر تعكس هذا التوجه. فمناقشة تحولات التجارة العالمية وتغيرات النظام المالي الدولي تأتي في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد إعادة تشكيل، وتواجه التجارة الدولية ضغوطاً متزايدة. وهنا، تبرز أهمية التعاون الدولي لضمان انسيابية التجارة، وتعزيز استقرار النظام المالي، بما يخدم النمو العالمي الشامل.

كما يناقش المؤتمر تحديات السياسات النقدية والتضخم والاستقرار المالي، وهي قضايا تمس مختلف الاقتصادات، وإن اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى. وتؤكد المملكة، من خلال استضافة هذا الحوار، أهمية تبادل التجارب بين الدول، واحترام خصوصية كل اقتصاد، بعيداً عن الحلول الموحدة التي قد لا تلائم الجميع.

وفي محور تدفقات رأس المال والاستثمار ودور الأسواق الناشئة عالمياً، يسلط المؤتمر الضوء على الفرص الكبيرة التي تمتلكها هذه الاقتصادات في دعم النمو العالمي، شريطة توافر بيئة استثمارية مستقرة، وأطر تنظيمية واضحة، وسياسات مالية ونقدية متوازنة. وتقدم التجربة السعودية في هذا المجال نموذجاً على كيفية الجمع بين الاستقرار المالي، والإصلاحات الهيكلية، وجذب الاستثمار طويل الأجل.

أما محور استدامة الدين العام والحيز المالي واحتياجات التمويل فيعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية الإدارة الحكيمة للموارد العامة، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وربط الاقتراض بأهداف تنموية واضحة. وهو نقاش يتقاطع مع جهود المملكة في تعزيز الاستدامة المالية ضمن رؤية السعودية 2030.

ويختتم المؤتمر نقاشاته بمحور تعزيز المرونة الاقتصادية عبر تنسيق السياسات والتعاون الدولي، وهو محور يعكس قناعة متزايدة بأن التحديات العابرة للحدود لا يمكن معالجتها إلا من خلال العمل المشترك، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة بين الدول والمؤسسات الدولية.

المؤكد أن هذا المؤتمر يأتي في لحظة تعيد فيها الأسواق الناشئة طرح سؤال السيادة الاقتصادية ليس بمعناها الشعبوي، بل بمعناها المؤسسي المتمثل في تنويع مصادر التمويل، تعميق الأسواق المحلية، تعزيز الشفافية، وبناء أدوات فعّالة لإدارة المخاطر. هذه ليست شعارات؛ إنها شروط بقاء في نظام عالمي سريع التقلب. العلا، بتاريخها العميق، وجغرافيتها التي تربط طرق التجارة القديمة، تتحول اليوم إلى نقطة التقاء لأفكار المستقبل.

إن استضافة المملكة لهذا المؤتمر تحمل رسالة واضحة للعالم أن السعودية شريك موثوق في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وجسر تواصل بين مختلف الأطراف، ومنصة للحوار البنّاء في عالم تتزايد فيه الانقسامات. فالمملكة، وهي تمضي قدماً في مسيرتها التنموية، تؤكد في الوقت ذاته التزامها بدورها الدولي، وإسهامها في صياغة مستقبل اقتصادي أكثر توازناً وشمولاً.

22:14 | 7-02-2026

دافوس.. الحقيقة المؤلمة!

من تابع منتدى دافوس الأخير سيكتشف أنه كان مرآة مكشوفة لحالة الانقسام العالمي، وانعكاساً صريحاً لتآكل الثقة في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. في المنتديات السابقة لدافوس كانت الانقسامات تأخذ حيّز اللغة الدبلوماسية المغلفة، عوضاً عن الخطابات العلنية. الملاحظ هذا العام، أن دولاً تتحدث بمنطق السيادة المطلقة، وأخرى بمنطق القيم، وثالثة بمنطق المصالح الصرفة، دون وجود أرضية قانونية أو أخلاقية جامعة. هذا التباين ليس بمعزل عن صميم النقاش الاقتصادي. تمثلت الانقسامات في عدة تساؤلات؛ من يقود النظام العالمي؟ ومن يلتزم به؟ ومن يملك حق خَرْقِه دون مساءلة؟

أحد أبرز ملامح دافوس الأخير كان تراجع وزن المنظمات الدولية، ونستطيع قراءة ذلك من خلال قراراتها التي لم تعد مُلزمة ولا محترمة. القوانين الدولية التي شكّلت أساس الاستقرار التجاري والمالي لعقود، بات يتم تجاوزها بالعقوبات الأحادية، أو بتسييس التجارة، أو باستخدام أدوات الاقتصاد كسلاح جيوسياسي. هذا التآكل في المصداقية أصبح كلفة اقتصادية مباشرة من حيث ارتفاع علاوة المخاطر، وتآكل الاستثمار طويل الأجل، واضطراب سلاسل الإمداد، وتضخم تكلفة التمويل. نستنتج من ذلك، أن هناك معاناة من غياب الثقة في قواعد النظام العالمي.

ما عكسه دافوس بوضوح هو الانتقال من اقتصاد عالمي متجزئ نوعاً ما إلى اقتصاد مجزأ كلياً تقوده التكتلات والتحالفات ومرات كثيرة أحادية الجانب. ووفقاً لتك الرؤية، أصبحت الدول تعمل منفردة باحثة عن إجابات لهذين السؤالين؛ مع من نتاجر؟ وبأي شروط سياسية؟ حتى ملفات المستقبل كالتحوّل للطاقة المتجدّدة، والذكاء الاصطناعي نُوقشت بوصفها مساحات صراع على النفوذ والمعايير لا أكثر.

الأزمات الاقتصادية، مهما كانت قاسية، يمكن إدارتها حين تكون القواعد واضحة، لكن ما يعيشه العالم اليوم هو ضريبة الغموض العالمي؛ غموض القوانين، والالتزامات، وخطوط الردع. وهذا أخطر من الركود نفسه، لأنه يعطّل القرار، ويجمّد الاستثمار، ويقوّض التخطيط بعيد المدى.

منتدى دافوس الأخير لم يقدّم حلولاً بقدر ما قدّم تشخيصاً صارخاً لنظام اقتصادي عالمي يعيش مرحلة إعادة تعريف، لا إصلاح. ومع غياب احترام القانون الدولي، وتراجع مصداقية المؤسسات متعددة الأطراف، فإن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على الصمود، لا بالنمو فقط.

دافوس كشف حقيقة مؤلمة مفادها أن العالم مختلف على القواعد وما لم يُستعاد الحد الأدنى من الثقة والالتزام بالقانون الدولي، فإن المشهد الاقتصادي القادم سيكون أكثر تقلباً، وأعلى كلفة، وأقل عدالة.

00:02 | 29-01-2026

السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ!

في قراءتي الأخيرة لكتاب سادة المال «Lords of Finance»، شدتني فكرة لطالما تكررت في تجارب الأزمات الاقتصادية الكبرى كالكساد العظيم، وأزمة ولستريت، وأزمة النمور الآسيوية، والأزمة المالية العالمية 2007 وغيرها من الأزمات المالية والاقتصادية التي تكررت عبر التاريخ. تتمثل الفكرة في كون أن ليست كل السياسات الخاطئة وليدة نوايا سيئة، فكثير من الإخفاقات الاقتصادية الكبرى نشأت من سياسات صُمّمت أصلاً لحماية الاستقرار، لكنها أُديرت بعقلية جامدة، أو طُبقت في توقيت غير مناسب، أو فُصلت لواقع اقتصادي غير حقيقي. ومن هذا المبدأ، فالخطر يكمن في طريقة تطبيق تلك السياسات، وتوقيتها، وقدرتها على التكيّف مع المتغيّرات. وبناء على ذلك، تأتي هذه القراءة بوصفها تأملاً في العلاقة المعقدة بين الانضباط والمرونة في صنع القرار الاقتصادي، وكيف يمكن للسياسات «الصحيحة نظرياً» أن تتحوّل، في غياب التكيّف ومحاكاة الواقع، إلى قرارات مكلفة على الاقتصاد.

المشكلة تبدأ حين تتحول السياسة الاقتصادية إلى «عقيدة» وكأن عليها قدسية لا يمكن المساس بها. عندها تصبح المؤشرات المالية جميلة على الورق، فيما يدفع الاقتصاد الثمن على شكل بطالة أعلى، واستثمارات مؤجلة، أو ضغوط اجتماعية.

أحد أخطر الأوهام في إدارة الاقتصاد هو الاعتقاد بأن السياسات النقدية محايدة سياسياً واجتماعياً، ولكن الحقيقة أن كل قرار نقدي أو مالي يعيد توزيع المخاطر والدخول والفرص داخل المجتمع. فعلى سبيل المثال، رفع تكلفة التمويل، أو التشديد النقدي، أو التركيز الأحادي على مؤشرات معينة، قد يبدو منطقياً من زاوية ضيقة، لكنه قد يُحدث آثاراً ممتدة تتجاوز الأسواق إلى حياة الناس واستقرار الأعمال.

الأزمات التاريخية أثبتت لنا أن الجمود المؤسسي غالباً ما يكون أكثر كلفة من الخطأ نفسه. فالتأخر في تعديل المسار، أو الإصرار على سياسة أثبت الواقع محدودية فعاليتها، يحوّل التحديات المؤقتة إلى أزمات طويلة المدى. وبناء على هذا التصور، مرات كثيرة نحتاج إلى المرونة وامتلاك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بأن الظروف تغيّرت، وأن الأدوات لم تعد صالحة لهذه الحقبة وتحتاج إلى تحديث.

نعم نؤمن أن لكل دولة سيادتها في تحديد سياستها النقدية والمالية والاقتصادية، ولكن علينا أيضاً أن نعترف أن غياب التنسيق بين صانعي السياسات سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى الدولي يزيد من حدة الصدمات ويزيد من طول أمدها. فالاقتصاد المعاصر مترابط بطبيعته، وما يبدو قراراً داخلياً بحتاً، غالباً ما تكون له انعكاسات خارج الحدود. ومن هنا، فإن الانكفاء على منظور ضيق قد يمنح شعوراً زائفاً بالسيطرة، بينما تتراكم المخاطر في الحديقة الخلفية.

اليوم، في عالم تتسارع فيه الصدمات وتتشابك فيه المخاطر، يصبح التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو تجنب الوقوع في فخ السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ فالتاريخ يحاسب على النتائج. والاقتصاد، في نهاية المطاف، اختبار للحكمة والتوقيت والقدرة على رؤية الصورة الكاملة. الدرس الأهم الذي يجب أن يكون نُصب صناعي السياسات هو أن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى توازن ذكي بين الانضباط والمرونة، وبين حماية المؤشرات المالية ودعم الاقتصاد الحقيقي، وبين الالتزام بالقواعد والقدرة على مراجعتها عندما تستدعى الضرورة. فالسياسة الاقتصادية الناجحة ليس بالضرورة أن تظل في المسار الصحيح دائماً، ولكن لا بأس أن تتعثر بين الفينة والأخرى وريثما تعاود النهوض وتتعلم بسرعة وتعدّل مسارها قبل أن تتضخم الكلفة.

00:00 | 22-01-2026

البنك الوقفي كرافعة لاستدامة القطاع غير الربحي (2-2)

في السياق السعودي، لا يمكن تناول البنك الوقفي بوصفه امتداداً تقليدياً لمفهوم الوقف، بل باعتباره أداة مؤسسية حديثة تتسق بعمق مع منطق رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف أدوار الدولة، والسوق، والقطاع غير الربحي ضمن نموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة.

رؤية 2030 لم تنظر إلى القطاع غير الربحي كقطاع هامشي أو نشاط تكميلي، بل كركيزة ثالثة في الاقتصاد الوطني، لها مستهدفات كمية واضحة، وحوكمة، وقدرة على توليد الأثر الاجتماعي والاقتصادي. هذا التحوّل الطموح كشف فجوة حقيقية فالطموحات توسعية، لكن أدوات التمويل السائدة في القطاع غير الربحي ما زالت تقليدية، تعتمد في الغالب على التبرعات الموسمية، والمنح غير المستقرة، والإنفاق المباشر. من هذا المبدأ، تعد هذه الأدوات لا تتماشى مع منطق الاستدامة ولا مع متطلبات التوسع المؤسسي.

من هنا، تبرز أهمية البنك الوقفي كحل هيكلي، لا كشكل خيري. فجوهر البنك الوقفي يتمثّل في تحويل الأصول الوقفية من أصول ساكنة إلى رؤوس أموال عاملة، تُدار وفق مبادئ مالية احترافية، وتُستثمر بعقلية طويلة الأجل، مع الحفاظ على الغاية الاجتماعية للأصل الوقفي. هذا التحول ينسجم مع توجه السعودية نحو تعظيم كفاءة استخدام الموارد، سواء كانت عامة أو خاصة.

تكمن أهمية البنك الوقفي في التحوّلات الجارية للقطاع غير الربحي في ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو الاستدامة المالية؛ إذ يوفر البنك الوقفي مصدر تمويل غير مرتبط بتقلبات التبرعات، ما يسمح للمنظمات غير الربحية بالتخطيط بعيد المدى بدل إدارة الأزمات قصيرة الأجل. المسار الثاني هو الحوكمة والشفافية؛ فإدارة الأصول الوقفية ضمن إطار مصرفي أو شبه مصرفي تفرض معايير أعلى من الإفصاح، وإدارة المخاطر، وقياس العائد، والأثر. أما المسار الثالث فهو تعظيم الأثر؛ حيث ينتقل العمل غير الربحي من منطق «الصرف» إلى منطق «التمويل المبني على النتائج».

اقتصادياً، يمثل البنك الوقفي أداة ذكية لتخفيف الضغط عن المالية العامة دون تحميل المواطن أو الدولة أعباء إضافية. فتمويل التعليم، أو الصحة، أو الإسكان الاجتماعي عبر عوائد وقفية مستثمرة يقلل الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المباشر، ويخلق شراكة مستدامة بين الدولة والقطاع غير الربحي، دون أن تفقد الدولة دورها التنظيمي أو الرقابي.

غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في الفكرة ذاتها، بل في سرعة الانتقال من القناعة إلى التنفيذ. فالتباطؤ في تصميم نموذج حوكمة واضح للبنك الوقفي، أو الاستمرار في إخضاعه لمنطق الصرف قصير الأجل بدل الاستثمار طويل الأجل، يعني عملياً إهدار فرصة تنموية تتسع فجوتها مع الزمن. نجاح التجربة السعودية يتطلب تحركاً مؤسسياً عاجلاً لبناء نموذج متوازن منذ البداية؛ نموذج يرسخ الانضباط المالي، ويحمي مقاصد الوقف، ويواكب مستهدفات التنمية الوطنية، قبل أن تتحول الحاجة إلى عبء، والطموح إلى تكلفة مؤجلة. في المحصلة، البنك الوقفي ليس ترفاً مؤسسياً، بل استجابة اقتصادية ناضجة لمرحلة تحول كبرى. وهو أحد المفاتيح التي يمكن أن تنقل القطاع غير الربحي في السعودية من الاعتماد إلى الاستدامة، ومن العمل الخيري إلى العمل التنموي المؤثر.

00:06 | 15-01-2026

البنك الوقفي كأداة تنموية (2-1)

لأكثر من قرون، كان الوقف أحد أكثر الأدوات الاقتصادية فاعلية في تمويل التعليم والصحة والبنية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. غير أن ما خسرناه عبر الزمن ليس الوقف ذاته، بل المؤسسة المالية التي كانت تديره. اليوم، ومع تعقّد الاقتصادات وتحوّل العمل الخيري إلى قطاع منظم، لم يعد الوقف التقليدي قادراً وحده على تعظيم الأثر أو الاستدامة. هنا يظهر مفهوم البنك الوقفي، لا بوصفه كياناً خيرياً، بل كمؤسسة مالية تنموية ذات منطق اقتصادي فاعل.

البنك الوقفي لا يعني «بنك صدقات»، بل هو إطار مصرفي يستثمر أصول الأوقاف وفق حوكمة مالية، ويعيد توجيه العوائد إلى أغراض اجتماعية محددة مسبقاً كالتعليم، والصحة، والإسكان، والبحث العلمي، وتمكين القطاع غير الربحي بشكل عام. الفارق الجوهري أن رأس المال الوقفي لا يُستهلك، بل يُدار ويُنمّى، فيتحول من أصل جامد إلى محرك اقتصادي دائم ومستدام.

الاقتصاد الحديث يفرّق بوضوح بين الإنفاق الجاري والتمويل المستدام. كثير من المبادرات الخيرية تفشل ليس لسوء النية، بل لأنها تعتمد على تدفقات تبرعية متقلبة. البنك الوقفي، في المقابل، يعالج هذه المعضلة عبر فصل مصدر التمويل عن دورة التبرع الموسمي، وربط الأثر الاجتماعي بعوائد استثمارية طويلة الأجل. هذا التحول ليس أخلاقياً فقط، بل محاسبياً واقتصادياً.

من منظور الاقتصاد المؤسسي، يمثّل البنك الوقفي حالة نادرة تجمع بين ثلاثة قطاعات هي: المالي، وغير الربحي، والتنمية الاجتماعية. لكنه يختلف عن البنوك التجارية في غاية الربح، ويختلف عن الجمعيات الخيرية في أدوات العمل. الربح هنا ليس غاية، بل وسيلة لضمان الاستمرارية. وهذه النقطة تحديداً هي التي يساء فهمها في النقاش العام إذ يُنظر لأي ربح مرتبط بالوقف وكأنه انحراف، بينما هو في الحقيقة شرط بقاء.

التجارب الدولية أثبتت أن إدارة الأصول الوقفية بأسلوب مصرفي محترف ترفع كفاءة استخدام الموارد وتقلل الهدر وتزيد الشفافية. الأوقاف الجامعية الكبرى في العالم، على سبيل المثال، لا تُدار بعقلية «الصرف»، بل بعقلية «المحفظة الاستثمارية»، حيث تُقاس المخاطر والعوائد والأثر.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج بنكاً وقفياً، بل: هل يمكن لاقتصاد حديث أن يستمر في إدارة أصول وقفية ضخمة خارج إطار مالي مؤسسي؟ في ظل تصاعد التحديات الاجتماعية، وتنامي الطلب على الخدمات غير الربحية، يصبح البنك الوقفي ليس ترفاً فكرياً، بل استجابة اقتصادية عقلانية لتحويل العمل الخيري من ردّة فعل إلى سياسة تنموية.

00:05 | 14-01-2026