في الاقتصادات الحديثة يعد القطاع غير الربحي قطاعاً اقتصادياً ثالثاً مهماً يعمل إلى جانب القطاعين العام والخاص، وليس مجرد مساحة للعمل الخيري أو النشاط المجتمعي التطوعي. هذا التحوّل يأتي نتيجة إدراك متزايد من الدول بأن القيمة الاقتصادية لا تُختزل في الربحية المباشرة، وأن الإنتاج الاجتماعي المنظم يمكن أن يشكّل رافعة تنموية حقيقية.

العديد من الدراسات أثبتت أن المنظمات غير الربحية لها دور محوري في تعزيز الكفاءة الاقتصادية، وذلك عبر معالجة أوجه القصور في السوق. علاوة على ذلك، تشير النظرية الاقتصادية التقليدية إلى أن الأسواق الخاصة لا توفر دائماً الخدمات الأساسية بشكل عادل، لا سيما في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية. ووفقاً لذلك، تسد المنظمات غير الربحية هذه الثغرات، ضامنةً وصول الخدمات إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفاً، ومحفزةً الاقتصادات المحلية. تُظهر الأبحاث أيضاً أن كل دولار يُستثمر في المنظمات غير الربحية غالباً ما يُحدث أثراً مضاعفاً، دافعاً المزيد من النشاط الاقتصادي من خلال عقود الخدمات والإنفاق المحلي وتوسيع نطاق القوى العاملة.

يساهم القطاع غير الربحي في العديد من الدول المتقدمة بنسبة تتراوح بين 4% و10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق وظائف مستدامة في عدة مجالات. هذه الأرقام تعكس طبيعة الخدمات التي يقدّمها القطاع في مجالات التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والثقافة، وتمكين الفئات ذات الدخل المحدود. في كثير من الحالات، يقوم القطاع غير الربحي بتقديم خدمات عامة بكفاءة ومرونة أعلى، مستفيداً من قربه من المجتمع وقدرته على الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية. وهذا يثبت دورها في الاستجابة السريعة خلال الأزمات الاقتصادية في العديد من الدول العالمية، كونها تُعدّ جهات استقرار حيوية، إذ تُقدم خدمات أساسية للمتضررين من فقدان الوظائف وانعدام الأمن المالي.

الأهمية الاقتصادية للقطاع غير الربحي لا تتوقف عند مساهمته المباشرة في الناتج أو التوظيف. فهناك بُعد آخر أقل وضوحاً وأكثر عمقاً، يتمثل في تعزيز «رأس المال الاجتماعي» أي الثقة والتعاون والشبكات المجتمعية. هذه العناصر تلعب دوراً جوهرياً في تقليل تكاليف التعاملات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهي جميعها عوامل داعمة للنمو طويل الأجل بما يعزز جودة الحياة ويرفع كفاءة توزيع الموارد.

مع توسع هذا الدور، تتعزز أهمية بناء قدرات مؤسسية متقدمة، وتطوير أدوات قياس الأداء والأثر، بما يرسّخ مكانة القطاع كجزء فاعل من المنظومة الاقتصادية. الاستثمار في الحوكمة، والشفافية، ورفع كفاءة الإدارة المالية، لم يعد خياراً، وإنما ضرورة من أجل تعميق الثقة، وتعزيز قدرة القطاع على جذب الموارد وتوسيع أثره التنموي. يتطلب فهم الأثر الاقتصادي للمنظمات غير الربحية دراسة مساهماتها في التوظيف وكفاءة السوق والاستثمار المجتمعي وريادة الأعمال الاجتماعية.

في المملكة العربية السعودية، يكتسب القطاع غير الربحي أهمية إستراتيجية ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تسعى إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز مشاركة المجتمع في مسار التنمية. ويعكس النمو المتسارع في عدد الكيانات غير الربحية والبرامج المجتمعية حراكاً تنموياً لافتاً، يتواكب مع تطور البيئة التنظيمية وتوسع أدوات الدعم والتمكين. إدراج القطاع غير الربحي كركيزة ضمن مستهدفات رؤية 2030 يعكس انتقالاً من النظر إليه كقطاع داعم، إلى اعتباره شريكاً في تحقيق النمو.