ما زلتُ أعاني من أرق يبعدني عن النوم الهادئ، ويصبح ليلي رحلات متتالية بين الكتب والأفلام؛ بحثاً عن الاسترخاء، لكن الكتب والأفلام العميقة توقظ العقل، فلا أجد شيئاً من الاسترخاء، وقد كتبت مقالاً أذكر فوائد البقاء مستيقظاً، في تلك الأيام كتبت عن معاناتي مع الأرق، تلك الحالة التي أبقتني أشبه برجل العسّة في آخر الليل، كل شيء نائم إلا أنا.

في الأيام السابقة بحثت عن أي (سلوى) أفعلها لقضم الوقت البطيء جدّاً، قرأت وشاهدت وسمعت، فلم أرتقِ سلالم النوم، كل صباح يأتي بارداً فاتراً، كنت أظن أن مباريات كأس العالم ستخطف الوقت، وتجعل عقارب الساعة تجِدُّ في السير إلا أن بعضها جعل الأرق محفّزاً لمتابعة بعضها.

تنتابني هذه الحالة بين وقتٍ وآخر، وكلما داهمتني بحثت عن سلوى مستحدثة؛ ولأني أنام على مراتب الماضي لم أجد خيراً من الاقتعاد هناك، وفي كل مرة تعاودني الحالة أعود إلى كلاسيكيات الأدب الروسي، وتحديداً الطلقات القصصية لتشيخوف، والأعمال العظيمة لدوستويفسكي، مروراً بتولستوي، وبوشكين، وإيفان بونين، وفي كل مرة أعود إلى قصة (المعطف) لغوغول، تلك القصة التي قيل إن جميع القصاص خرجوا من ذلك (المعطف)، عدت، إلى الخلف؛ كي أعيش قبل قرن ونصف، هناك كان البؤس حاضراً، والانكسارات الاجتماعية حاضرة، والحزن الشخصي حاضراً، كل متناقضات الإنسان، تبقى على ما هي عليه في أزمان مختلفة.. ومع كل هروب أجد أن الزمن لا يزال متأخراً، ولأني راغب في البقاء في الماء (زمن السكون)، انتقلت لمشاهدة المسلسلات القديمة (أبيض وأسود)، وأغاني العمالقة وحوارات كبار الكتّاب، فإذا بكل الانكسارات هي هي؛ ولأن الدائرة الزمنية لم تكتمل في دورتها بقي الحال على ما هو عليه؛ ولهذا ما زلت أعيش بين تفاصيل حكايات تلك المسلسلات القديمة التي أبقت الإنسان حجراً!

***

أيقظني في سلوة الماضي، شره استهلاك المشاعر الباردة، وادعاء البعض أن زمن المشاعر الصادقة قد ولّى، وهذا الادعاء كاذب كذباً صريحاً، إذ إن الله لا يترك خلقه مسيّرين بكذب العاطفة، صدقاً أقول: لكم الحب الصادق أينما كنتم.

وسؤالي: لماذا لا نبث رسائل الحب بدلاً من نفث الكره.

أحد الأصدقاء المتعثرين في علاقاته لامني على نشر مشاعر الحب بكثافة، نافياً وجود هذه المشاعر، فله ولمن هم على شاكلته أثبت هذه الجملة:

علينا أن نعلم أن الله خلق الكون بالحب وليس بالبُغض، ومن غير الحب لا نصل إلى الله.