يقول مجنون ليلى

لَو مالَ قلبي عَنْ هَواكَ نَزعتُهُ

‏وَشَرَيتُ قَلبًا فِي هَواكَ يَذوبُ

‏آياتُ حُبِّكَ في فؤادي أُحكِمَتْ

‏مَنْ قالَ أنّي عَن هواكَ أتوبُ

كلما قرأت شعراً لقيس بن الملوح أقف مندهشاً لسحر كلماته الصادقة واشتعال حبه الذي ظل متّقداً طوال حياته، حب يستحيل وجوده في أيامنا هذه بل قد يكون معدوماً.

في كلماته لليلى تتوارى اللغاتُ خجلاً أمامَ سطوةِ بوحه، وتنكفئُ الحروفُ على أرصفةِ الذهولِ وهي تُطالعُ دستوريّةَ العشقِ التي خطّها مجنون بني عامر.

في شعره لا نقرأُ شعراً، بل نشهدُ عمليةَ تشريحٍ وجوديّة، حيثُ يغدو القلبُ مجردَ رداءٍ يُخلعُ إذا ما قصّر في حقِ المحبوب، ويُستبدلُ بكيانٍ أدقَّ وأرقَّ، لا وظيفةَ له سوى الذوبانِ السرمديِّ في ملكوتِ الهوى.

يتجلّى قيسٌ كصوفيٍّ في محرابِ الجمال، يرفضُ فكرةَ استبدالِ القلبِ بِلُجّةِ الشوقِ أو الميلِ ولو لغفوةٍ واحدة.

يُعلنُ للعالمِ أنّ الوفاءَ لديهِ ليس اختياراً، بل قدَرٌ ممهورٌ بالدم. فإذا ما حدثَ وخانَ القلبُ نبضَه بالالتفاتِ لغيرِ وجهِ ليلى، فالخلاصُ يكمنُ في انتزاعِ هذا العضوِ المتمرد.

إنها تضحيةٌ تفوقُ حدودَ المألوف؛ فمن ذا الذي يشتري قلباً جديداً لغرضِ الاحتراقِ والذوبانِ فحسب؟

(​وَأَهجُرُ قَلبي فيكَ إِن كانَ مائلاً

وَأَترُكُ روحي أَن تَكونَ تَطيبُ)..

تمضي الأبياتُ لترسمَ آياتٍ مُحكماتٍ في إنجيلِ الهوى، حيثُ غدا حبُّ ليلى نصاً مقدساً لا يقبلُ التأويلَ أو النسخ. هي «آياتٌ» نُقشت بأزاميلِ الوجعِ على جدرانِ الفؤاد، فاستحالتْ إلى عقيدةٍ راسخةٍ لا تزعزعها رياحُ العذلِ ولا نصائحُ اللائمين.

يتساءلُ قيسٌ باستنكارٍ يملأُ المدى: كيفَ يتوبُ المرءُ عن كينونتِه؟ وكيفَ يعتذرُ الغريقُ عن احتضانِ الماء؟

يمتدُّ ألقُ قيسٍ في فضاءاتِ التيه مؤكداً عهدَ الدمِ والدمع، وموضحاً أنَّ العشقَ لديهِ هو الطوافُ الأبديُّ حولَ فكرةٍ واحدة، لا شريكَ لها ولا شبيه.

الحبُّ هنا صيرورةٌ من الألمِ العذب، ومخاضٌ لا ينتهي إلا بالانصهارِ التامِّ في ذاتِ الآخر.

(​أَرى كُلَّ مَعشوقَينِ غَيرِيَ وَغَيرَها

يَنالانِ حَظاً في الهَوى وَيَتوبانِ

وَأَصبَحُ كَالمَجنونِ أَهذي بِذِكرِها

تَمَلَّكَ مِني الحُبُّ كُلَّ جَنانِي)..

خاتمةُ القولِ إنَّ هذا النصَّ يظلُّ منارةً لكلِّ الأرواحِ الهائمةِ التي ترفضُ أنصافَ الحلولِ في العاطفة.

المجنون لم يكتب شعراً لِيُطربنا، بل سكبَ روحَه في قوالبَ من نور، ليخبرنا أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ هو ذلك الذي يجعلُ الفناءَ في المحبوبِ أسمى مراتبِ الخلود. كأنما خُلِقَ هذا الرجلُ ليعلّمَ البشريةَ أنَّ القلوبَ التي لا تذوبُ، هي محضُ حجارةٍ صماءَ لا تستحقُّ أن تنبضَ في صدورِ الأوفياء.