في عالم تمزقه النزاعات والحروب وتحتد فيه لغة التهديد، يبرز مصطلح «جريمة حرب» بوصفه أحد أهم المفاهيم التي يفترض أن تضبط سلوك الدول أثناء الحروب، وهذا المصطلح ليس مجرد تعبير سياسي أو إعلامي، بل هو توصيف قانوني دقيق تحكمه قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي وُضعت لحماية المدنيين وتقليل وحشية الصراعات المسلحة.

جرائم الحرب هي الانتهاكات الجسيمة اللإنسانية التي تُرتكب أثناء النزاعات المسلحة، وتشمل استهداف المدنيين بشكل مباشر، أو قصف الأهداف المدنية كالمنازل والمستشفيات والمنشآت الحيوية، وكذلك استخدام القوة بشكل غير متناسب مع طبيعة الأهداف، أو شن هجمات عشوائية لا تميّز بين هدف عسكري وآخر مدني، كما تشمل جرائم القتل والإ‌بادة الجماعية والتعذيب والتهجير والإ‌رهاب والا‌عتقال غير الشرعي والا‌ضطهاد سواء تم ذلك على نحو فردي أو جماعي.

قبل أيام أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي حذر خلاله إيران من أن الولايات المتحدة قد تعيدها إلى العصر الحجري موجة من الجدل، فقد سارع الرئيس الإيراني بوصف هذا التصريح بأنه «جريمة حرب»، في محاولة لتوظيف هذا المصطلح في سياق سياسي وإعلامي، غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يمكن اعتبار التهديد اللفظي جريمة حرب؟ أم أن الجريمة تتطلب وقوع فعل مادي على الأرض؟.

من الناحية النظرية يبدو أن التصريحات وحدها لا تعد جرائم حرب ما لم تقترن بأفعال أو تحريض مباشر على ارتكاب انتهاكات جسيمة، وبالتالي فإن استخدام هذا المصطلح في توصيف خطاب سياسي مهما كان حاداً أو صادماً قد يكون مبالغاً فيه كونه لم يتحوّل إلى سلوك عملي بالفعل، وهنا تبرز مفارقة لافتة تتعلق بمصداقية من يطلق هذا الاتهام، فالرئيس الإيراني الذي يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنه لا يمتلك كامل الصلاحيات في ظل بنية سياسية معقدة تتحكم فيها مؤسسات أخرى، يطرح نفسه كمدافع وممثل للقانون الدولي، في حين أن بلاده قد تُتَّهم فعلاً بممارسات قد تندرج ضمن جرائم الحرب.

فعندما يتم استهداف دول لم تعلن الحرب على إيران كما حدث في حالات متعددة في منطقة الخليج، فإن ذلك يثير تساؤلات قانونية كثيرة، فالقانون الدولي يفرض احترام سيادة الدول ويحظر الاعتداء على أراضيها دون مبرر قانوني واضح، وإذا كانت هذه الهجمات تستهدف مناطق مدنية أو منشآت اقتصادية حيوية، فإنها قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب خاصة إذا أدت إلى إلحاق الضرر بالمدنيين.

كما أن استهداف منشآت مثل مصافي النفط أو البنية التحتية للطاقة يُعد انتهاكاً واضحاً وتناقضاً لا شك فيه في تصريحات الرئيس الإيراني، فهذه المنشآت مع أهميتها الاقتصادية تُعد في كثير من الحالات أهدافاً مدنية، واستهدافها يؤدي إلى أضرار واسعة النطاق تمس حياة السكان بشكل مباشر، سواء من خلال تعطيل الخدمات أو التسبّب في أزمات اقتصادية ومعيشية.

إن انتقائية الرئيس الإيراني في استخدام مصطلح «جريمة حرب» لا تعكس جهلاً بالمفهوم بقدر ما تكشف توظيفاً سياسياً له، فكيف يمكن لمن يدين تصريحاً بوصفه جريمة حرب أن يغضّ الطرف عن أفعال موثّقة على الأرض تمثّل انتهاكاً صارخاً لكل قواعد القانون الدولي؟ هذه الازدواجية لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها محاولة مكشوفة لتبرئة إيران حتى ولو كان الثمن تشويه الحقائق، فالقانون الدولي لا يُفصَّل على مقاس الدول، ولا يُستخدم كأداة دعائية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند الإدانة، إن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى مصداقية الخطاب الإيراني فحسب، بل يضرب في العمق فكرة العدالة الدولية ذاتها، ويحوّل مفهوم «جريمة الحرب» من معيار أخلاقي وقانوني إلى شعار فارغ يُرفع حين يخدم المصالح ويُسقط حين يفضحها.

في النهاية تبقى جرائم الحرب قضية لا تحتمل التلاعب أو التسييس، فهي تمس حياة البشر بشكل مباشر وتتعلق بحقوق أساسية لا يمكن التنازل عنها، ومن هنا فإن أي حديث عن هذا المفهوم يجب أن يكون قائماً على الاتساق والمصداقية لا على الانتقائية والمصالح الضيقة، فالقانون الدولي ميزان للعدالة، وإذا اختل هذا الميزان فإن العالم سيدفع الثمن، ليس فقط في ساحات المعارك بل فيما يتعلق بفقدان الثقة في كل ما يمثل القانون والإنسانية.