أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

السعودية وممرات التجارة العالمية

لم يعد الموقع الجغرافي للسعودية مجرد موقع على خريطة العالم، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والإستراتيجية التي تمتلكها المملكة، فالسعودية تقع في قلب منطقة تربط ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتشرف على البحر الأحمر والخليج العربي، ما يمنحها موقعاً فريداً بالنسبة لخطوط التجارة الدولية، ومع التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، واضطراب بعض طرق الملاحة التقليدية، تزداد أهمية الموقع الجغرافي السعودي باعتباره جسراً يمكن أن يربط الأسواق الآسيوية بالأسواق الأوروبية والأفريقية، ومن هنا يأتي الاهتمام المتزايد داخل المملكة بتطوير الموانئ وشبكات الطرق والسكك الحديدية، ضمن توجه أوسع لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية، ولم تعد المنافسة الاقتصادية الدولية حالياً تعتمد على إنتاج السلع، بل أصبحت السيطرة على سلاسل الإمداد والقدرة على تسهيل حركة التجارة عاملاً أساسياً في صناعة النفوذ الاقتصادي.

وتدرك السعودية ذلك، ولذلك فهي تعمل على بناء منظومة تتكامل خلالها البنية التحتية مع الخدمات اللوجستية، فالموانئ السعودية التي تطل على البحر الأحمر والخليج العربي تمثل نقاط اتصال مهمة بين الأسواق الدولية، بينما تسهم شبكات الطرق والمطارات والمناطق الاقتصادية في تسريع حركة البضائع وربط مناطق الإنتاج بالاستهلاك، ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر في ظل سعي الشركات العالمية إلى إعادة تنظيم سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد أو منطقة واحدة، وهنا تستطيع المملكة تقديم نفسها باعتبارها منصة آمنة وواسعة للأسواق الإقليمية والدولية، كما أن الاستثمار في التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الجمركية الرقمية، يمكن أن تقلل جميعها زمن انتقال البضائع مما يرفع من كفاءة الخدمات بشكل عام، وبالتالي فإن المشروع السعودي لا يتعلق ببناء موانئ وطرق فحسب، وإنما يرتكز على بناء اقتصاد لوجستي قادر على المنافسة عالمياً.

وتبرز أهمية البحر الأحمر بصورة خاصة في هذه المعادلة، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس على التجارة العالمية وعلى تكاليف النقل وأسعار السلع، وفي هذا السياق يمنح موقع المملكة على البحر الأحمر فرصة كبيرة لها لتعزيز دورها في تطوير الخدمات اللوجستية والنقل البحري، وفي الوقت نفسه يفرض عليها مسؤولية متزايدة تجاه أمن الملاحة الإقليمية، فاستقرار البحر الأحمر ليس قضية سعودية منفردة، بل قضية ترتبط بمصالح اقتصادية دولية واسعة، ومن هنا يمكن للمملكة أن تجمع بين موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية والدبلوماسية للمساهمة في حماية حركة التجارة وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

أما الخليج العربي فيمثل البعد الآخر من المعادلة اللوجستية السعودية، نظراً لارتباطه بأسواق الطاقة والتجارة الآسيوية، ومع تنامي العلاقات الاقتصادية بين السعودية ودول آسيا، ظهرت أكثر فأكثر أهمية تطوير الموانئ والمناطق الصناعية والربط البري والسككي كوسيلة لتعزيز مكانة المملكة كبوابة تجارية تربط الشرق بالغرب، ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على نقل البضائع، بل تمتد إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وإنشاء الصناعات والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع، ومع وصول البضائع عبر المملكة لأسواقها المستهدفة بسرعة وكفاءة وتكلفة تنافسية، فإن المملكة ستتحوّل تدريجياً من مجرد دولة تمر عبرها التجارة إلى دولة تضيف قيمة إلى هذه التجارة، وهذه النقلة هي جوهر الطموح اللوجستي للمملكة، لأنها تعني خلق قطاعات اقتصادية جديدة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الصادرات غير النفطية، وربط الاقتصاد السعودي بصورة أعمق بالاقتصاد العالمي.

من المؤكد أن رهان السعودية على ممرات التجارة العالمية يمثل جزءاً من تحوّل أوسع في مفهوم القوة الاقتصادية للمملكة، فالقوة في القرن الحادي والعشرين غدت تشمل القدرة على التحكم في شبكات النقل والإمداد وربط الأسواق وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، لذلك فإن نجاح المملكة في استثمار موقعها الإستراتيجي وتطوير بنيتها التحتية وربط موانئها ومناطقها الاقتصادية بشبكات نقل متقدمة، يمكِّنها من أن تصبح واحدة من أهم المراكز اللوجستية في العالم، والأهم أن هذا الدور يمنحها وزناً اقتصادياً وجيوسياسياً متزايداً، لأنه من المؤكد أن الدول التي تملك القدرة على ربط الأسواق تمتلك قدرة أكبر على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي.

00:00 | 23-10-2026

حين تصبح السعودية مركز الثقل

حين تصبح السعودية مركز الثقل في المنطقة، فإن ذلك لا يرتبط فقط بمكانتها الدينية أو بحجم اقتصادها، وإنما يرتبط بتحوّل أوسع في طبيعة الدور الذي غدت تؤديه داخل محيطها الإقليمي والدولي، فخلال السنوات الأخيرة انتقلت الرياض من موقع المتأثر بتطورات المنطقة إلى موقع المؤثر في اتجاهاتها ومساراتها، ولم تعد السعودية تنظر إلى الملفات الإقليمية باعتبارها أزمات منفصلة، بل باعتبارها شبكة مترابطة من المصالح والأمن والاقتصاد والسياسة، وهذا التحوّل جعل المملكة طرفاً حاضراً في كثير من الملفات التي تبحث عن تسويات أو ترتيبات جديدة، فالسعودية تمتلك عناصر قوة متعددة، تبدأ بالاقتصاد والطاقة ولا تنتهي عند الدبلوماسية والعلاقات الدولية والموقع الجغرافي.

ولعل أبرز ما يميّز الدور السعودي هو الجمع بين القوة الاقتصادية والحضور السياسي؛ فالمملكة لم تعد تعتمد على النفط بوصفه المصدر الرئيسي للقوة والنفوذ، بل تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً كما تسعى لجذب الاستثمارات وتطوير قطاعات السياحة والتكنولوجيا والصناعة والخدمات اللوجستية، وهذه التحوّلات الاقتصادية تمنح السياسة السعودية أدوات إضافية للتأثير، لأن الاقتصاد أصبح جزءاً أساسياً من العلاقات الدولية، وفي الوقت نفسه تملك المملكة موقعاً إستراتيجياً بخلاف كونها تشرف على ممرات بحرية بالغة الأهمية، وتجاور مناطق تشهد تنافساً دولياً وإقليمياً واسعاً، لذلك فإن أهمية السعودية لا تتعلق بما تنتجه من الطاقة فقط، وإنما بما تستطيع أن تقدّمه من استقرار وفرص وشراكات، وكلما ازداد تنوع الاقتصاد السعودي، ازدادت قدرة الرياض على التحرك باستقلالية ومرونة في عالم تتغيّر فيه موازين القوة بسرعة.

أما على المستوى السياسي فإن الدبلوماسية السعودية أصبحت أكثر حضوراً في ملفات المنطقة، فبدلاً من الاكتفاء برد الفعل تجاه الأزمات، تسعى الرياض بصورة متزايدة إلى فتح قنوات الحوار، وتقريب وجهات النظر، ودعم التسويات التي تحفظ استقرار الدول ومصالحها، وهذه السياسة لا تعني التخلي عن عناصر القوة، بل تعني استخدامها بطريقة أكثر هدوءاً وفاعلية، فالسعودية تدرك أن الحروب الطويلة لا تنتج بالضرورة انتصارات حقيقية، وأن استقرار المنطقة يمثل مصلحة سعودية وعربية ودولية في الوقت نفسه، ومن هنا يمكن فهم انفتاح الرياض على قوى إقليمية ودولية مختلفة، وإصرارها على بناء علاقات متعددة لا تقوم على محور واحد، هذه المرونة تمنح المملكة مساحة أوسع للمناورة، وتسمح لها بأن تكون شريكاً مهماً لدى أطراف متعددة.

لكن مركز الثقل لا يعني الهيمنة ولا يعني أن السعودية تسعى إلى فرض إرادتها على الآخرين، فالقوة الحقيقية للدول تقاس بقدرتها على حماية مصالحها وعلى بناء الشراكات وتقليل مصادر التهديد وخلق بيئة إقليمية أكثر استقراراً، ومن هذه الزاوية يبدو أن الدور السعودي هو صناعة التوازن، فالمملكة تحتاج إلى شرق أوسط مستقر لكي تنجح مشروعاتها الاقتصادية والتنموية، وتحتاج إلى محيط آمن لكي تتحوّل إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والنقل والخدمات، ولهذا فإن السياسة السعودية تنطلق بصورة متزايدة من فكرة أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة؛ فلا يمكن بناء اقتصاد عالمي في منطقة مضطربة، ولا يمكن جذب الاستثمارات إلى بيئة تعيش على حافة الصراع، ومن هنا يصبح الاستقرار الإقليمي جزءاً من المشروع السعودي نفسه.

تقف السعودية اليوم أمام فرصة تاريخية لتثبيت موقعها باعتبارها مركز ثقل رئيسياً في الشرق الأوسط؛ حيث تتوفر لديها عناصر القوة من مكانة دينية واقتصاد ضخم وموقع إستراتيجي وموارد طبيعية وعلاقات دولية واسعة ومشروع تنموي، غير أن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب اقتصاداً متنوعاً ومواصلة بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى ودول المنطقة، فمركز الثقل لا تمنحه الجغرافيا أو الثروة وحدهما، وإنما تصنعه القدرة على تحويل الإمكانات إلى تأثير مستدام، ونجاح السعودية في مواصلة هذا المسار، يعني أنها لن تكون فقط مجرد دولة مؤثرة في الشرق الأوسط، بل قد تصبح إحدى أهم القوى التي تحدد شكل المنطقة في العقود المقبلة.

00:04 | 16-10-2026

السعودية في قلب المعادلة الجديدة للشرق الأوسط

لم تعد مكانة السعودية في منطقة الشرق الأوسط معتمدة فقط على حجم اقتصادها أو ثقلها الديني والجغرافي، بل باتت تعتمد أكثر فأكثر على قدرتها على التأثير في اتجاهات السياسات الإقليمية، فالمنطقة تمر حالياً بمرحلة تتشكّل فيها تحالفات وتفاهمات جديدة، وفي خضم هذه التحوّلات تبدو الرياض أكثر حضورًا في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، فالسعودية لا تبحث عن دور متمحور حول ردود الأفعال، وإنما تعمل على بناء نفوذ يرتكز على المصالح والاستقرار والتنمية، وهذا التحوّل يعكس رؤية أوسع لمكانة المملكة، تجعلها طرفًا قادرًا على التأثير في صياغة مستقبل المنطقة، وليس مجرد دولة تتأثر بما يحدث حولها.

أحد أهم عناصر القوة السعودية هو قدرتها على الجمع بين النفوذ السياسي والقدرة الاقتصادية، فالمملكة تمتلك ثقلًا كبيرًا في أسواق الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تتحرك لتنويع اقتصادها وتوسيع علاقاتها الاستثمارية والتجارية مع القوى الدولية، وفي عالم أصبحت فيه المصالح الاقتصادية جزءًا أساسيًا من السياسة الخارجية، تستطيع السعودية أن تستخدم مكانتها الاقتصادية لبناء شراكات طويلة المدى مع دول مختلفة، وأن تجعل مصالح هذه الدول مرتبطة باستقرار المنطقة، ولذلك فإن التحول الاقتصادي السعودي لا يمثل مشروعًا داخليًا فقط، بل أصبح أحد مكوّنات القوة الجيوسياسية للمملكة.

وفي الجانب السياسي تتعامل السعودية مع محيطها الإقليمي بمنطق مختلف عما كان يحدث فيما سبق؛ فالحوار والردع أصبحا -جنباً إلى جنب- أدوات أساسية في حل النزاعات، والتفاهمات أصبحت منهجاً أساسياً في إدارة الخلافات بدلاً من تركها تتطور إلى أزمات مفتوحة، وهذا لا يعني أن الرياض تخلت عن مصالحها أو حساباتها الأمنية، بل يعني أنها أصبحت أكثر قدرة على استخدام أدوات متعددة في الوقت نفسه، وهذه المرونة تمنح السعودية مساحة أوسع للحركة، ولاسيما في تلك المنطقة المليئة بالأزمات، فالدولة التي تستطيع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف مختلفة تمتلك فرصة أكبر للتأثير في مسار الأحداث.

كما أن التحوّلات الأمنية في المنطقة تفرض على السعودية التفكير في مفهوم جديد للأمن الإقليمي، فالأمن لم يعد مرتبطًا فقط بحماية الحدود والمنشآت الحيوية، وإنما أصبح يشمل أمن الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي ومواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولهذا فإن السعودية تحتاج إلى منظومة علاقات وشراكات واسعة تحمي مصالحها من مصادر التهديد المختلفة، وفي هذا السياق يصبح التعاون مع دول الخليج والدول العربية والقوى الدولية جزءًا من استراتيجية متكاملة، فالرياض تدرك أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر، وأن استقرار المنطقة يتطلب معالجة جذور الأزمات، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد اندلاعها.

وتبرز أهمية الدور السعودي كذلك في قدرة المملكة على التعامل مع القوى الدولية المختلفة، فالرياض لا تتحرك ضمن محور واحد، بل تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا والقوى الآسيوية في آن واحد، هذه السياسة تمنح المملكة هامشًا واسعًا للتحرك، وتقلل من اعتمادها على طرف دولي واحد، وفي عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوى، تصبح المرونة في العلاقات الدولية مصدر قوة بحد ذاتها، والسعودية تستطيع توظيف مكانتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وثقلها السياسي لبناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة، وهو ما يجعلها شريكًا لدى قوى دولية تبحث عن حضور أكبر في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه يمنح الرياض قدرة أكبر على حماية استقلال قراراتها.

لذلك فإن السعودية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لصياغة جزء مهم من ملامح الشرق الأوسط الجديد، لكن نجاحها لن يعتمد على حجم قواها الفعلية فحسب، وإنما على قدرتها على تحويل هذه القوى إلى نفوذ مستدام، فالمنطقة لا تحتاج إلى قوة جديدة تضاف إلى قائمة القوى المتنافسة، بقدر حاجتها إلى طرف قادر على دفعها نحو الاستقرار والتكامل والتنمية، وجمع الرياض بين قوتها الاقتصادية ودورها السياسي وعلاقاتها الدولية وشراكاتها الإقليمية، يجعلها أحد أهم مراكز صناعة القرار في الشرق الأوسط.

20:28 | 8-10-2026

الاستقرار السياسي وأثره في جذب الاستثمارات العالمية

في عالم تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة على استقطاب رؤوس الأموال، لم يعد امتلاك الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي المميّز وحدهما كافيين لجذب الاستثمارات العالمية، فقد أصبحت الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار الدولية تنظر أولاً إلى البيئة السياسية للدولة، باعتبارها المؤشر الأكثر تأثيرًا في اتخاذ قراراتها الاستثمارية، فكلما تمتعت الدولة بالاستقرار السياسي، ووضوح السياسات، واستقلال المؤسسات، زادت قدرتها على استقطاب المستثمرين، بينما يؤدي الاضطراب السياسي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع معدلات النمو.

يتمحور الاستثمار بطبيعته حول الثقة قبل أن يعتمد على الأرباح، فالمستثمر الذي يضخ مليارات الدولارات في مشروع يمتد لعشرات السنوات يحتاج إلى الاطمئنان بأن القوانين لن تتغيّر بصورة مفاجئة، وأن البيئة الأمنية مستقرة، وأن مؤسسات الدولة قادرة على حماية حقوقه وإنفاذ عقوده.

من المؤكد أن التجارب الاقتصادية حول العالم تؤكد هذه الحقيقة بوضوح، فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير بيئة آمنة للأعمال، استطاعت أن تتحوّل إلى مراكز اقتصادية عالمية، حتى وإن كانت تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وفي المقابل تمتلك بعض الدول ثروات ضخمة وإمكانات اقتصادية واعدة، لكنها تعاني من اضطرابات سياسية أو صراعات داخلية، مما يجعل المستثمرين يترددون في دخول أسواقها من الأساس.

ولا يقتصر أثر الاستقرار السياسي على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة فحسب، بل يمتد ليشمل تشجيع المستثمر المحلي أيضًا، فصاحب رأس المال هو أول من يتأثر بحالة عدم اليقين، وإذا شعر بأن البيئة الداخلية غير مستقرة فقد يفضل توجيه استثماراته إلى الخارج، أما عندما تسود الثقة في السياسات العامة، فإن رأس المال المحلي يصبح شريكًا رئيسيًا في التنمية، ويعمل جنبًا إلى جنب مع الاستثمارات الأجنبية في دعم الاقتصاد الوطني.

ومن أهم العوامل المرتبطة بالاستقرار السياسي وضوح الرؤية الاقتصادية للدولة، فالمستثمر لا يبحث فقط عن استقرار اللحظة الراهنة، بل يهتم بفهم السياسات الاقتصادية المستقبلية للدولة، ولذلك تحرص الدول الناجحة على إعلان إستراتيجياتها الاقتصادية والمالية طويلة المدى، وتحديد أولوياتها التنموية، وتوفير تشريعات حديثة تواكب متطلبات الأسواق العالمية، فهذه السياسات هي من تمنح المستثمرين القدرة على التخطيط بثقة، وتقلل من المخاطر المرتبطة بالمشروعات طويلة الأجل.

كما أن الاستقرار السياسي يسهم في تحسين التصنيف الائتماني للدول، وهو ما ينعكس مباشرة على انخفاض تكلفة التمويل وزيادة تدفق رؤوس الأموال، فالمؤسسات المالية الدولية تنظر إلى الاستقرار السياسي باعتباره ضمانة لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، واستمرار سياساتها الاقتصادية دون اضطرابات تؤثر في الأسواق، وتقدّم المملكة العربية السعودية نموذجًا بارزًا لكيفية توظيف الاستقرار السياسي في دعم التنمية الاقتصادية، فقد أسهمت بيئتها السياسية المستقرة -إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية- في تعزيز ثقة المستثمرين فيها وجذب استثمارات في قطاعات متنوعة مثل الصناعة والسياحة والتقنية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، كما ساعدت المشاريع الوطنية الكبرى في تقديم صورة واضحة عن توجهات الاقتصاد السعودي، وهو ما عزّز مكانة المملكة كوجهة استثمارية واعدة في المنطقة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه البنية التشريعية في تعزيز أثر الاستقرار السياسي، فوجود قوانين واضحة وإجراءات تنظيمية شفافة، وأنظمة قضائية فعّالة، يمنح المستثمرين شعورًا بالأمان ويحد من النزاعات التجارية، فالاستقرار لا يعني غياب الأزمات المؤثرة على الاستثمار فقط، بل يعني أيضًا قدرة المؤسسات على التعامل معها بكفاءة في حال حدوثها، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي دون اضطرابات حادة.

ومن جهة أخرى تؤدي الاضطرابات السياسية إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية السلبية، لا تبدأ فحسب بانخفاض ثقة المستثمرين، بل قد تمتد لتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ النمو، كما تتضرر بشدة قطاعات حيوية مثل السياحة والتجارة والنقل، عندها تصبح الدولة أقل قدرة على جذب الاستثمارات الجديدة أو الاحتفاظ بالمستثمرين الحاليين، ومن الملاحظ أن عالمنا اليوم يشهد منافسة شديدة بين الدول لاستقطاب رؤوس الأموال، ولم تعد الحوافز المالية وحدها كافية لتحقيق هذا الهدف، فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة ومؤسسات قوية وقوانين واضحة ورؤية اقتصادية قابلة للاستدامة.

لا شك أن الاستقرار السياسي لم يعد مجرد هدف أمني أو سياسي، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية للدول، فهو القاعدة التي تُبنى عليها الثقة، والمحرك الذي يدفع عجلة الاستثمار، والجسر الذي يربط بين الطموحات التنموية والواقع الاقتصادي، وكلما نجحت الدول في ترسيخ هذا الاستقرار، وتعزيز كفاءة مؤسساتها، وتطوير بيئتها التشريعية، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات العالمية وتحويلها إلى مشروعات تنموية تخلق فرص العمل، وتنقل المعرفة، وتحقق الازدهار للأجيال القادمة.

00:02 | 2-10-2026

إيران بعد الحرب.. هل ستتغيّر قواعد اللعبة؟!

لم تعد إيران هي نفسها عقب اندلاع الحرب بينها وبين الولايات المتحدة، فحتى لو توقفت الحرب لن تعود إيران لسابق عهدها، فالحروب الكبرى لا تنتهي عند انتهاء الصواريخ أو توقف نفير الحرب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا في تاريخ الدول، وهي مرحلة حساب الخسائر وإعادة ترتيب الأوراق، وقد كشفت المواجهة الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإيران عن نقاط ضعف في المنظومة الإيرانية، كما برهنت على أن امتلاك ترسانة عسكرية وشبكة واسعة من الحلفاء لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم بمسار الأحداث، والأهم من كل ذلك أن تلك الحرب أعادت تعريف مفهوم الردع في المنطقة، فطهران باتت تدرك أن أي مواجهة مستقبلية قد تكون أكثر مباشرة وأعلى تكلفة من تلك الدائرة حالياً، ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقاً بمن انتصر في الحرب، بل بمن سيكون أكثر قدرة على إدارة المرحلة التي تليها.

لعل المتغيّر الأهم في تلك الأحداث يتمثل في مدى قدرة إيران على إعادة بناء منظومة الردع، فقد ارتكزت منظومة الردع الإيراني على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى الغموض المرتبط ببرنامجها النووي، لكن الحرب وضعت هذه المنظومة أمام اختبار حقيقي، وأثبتت أن بعض عناصر القوة قد تفقد قيمتها عندما تتغيّر طبيعة المواجهة عن تلك التي تم التخطيط لها، ولذلك قد تسعى طهران على الأرجح إلى تطوير قدراتها العسكرية، وتعويض ما خسرته، غير أن إعادة بناء القوة تحتاج إلى موارد ووقت، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية وسياسية متراكمة، وهنا ستجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة، ألا وهي كيف يمكنها إعادة بناء القوة من دون استنزاف الاقتصاد.

أما شبكة الحلفاء الإقليميين فغالباً ما ستكون أحد أهم ملفات المراجعة الإيرانية، فقد أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ عبر الحلفاء منح طهران عمقًا إستراتيجيًا، لكنه حمل مخاطر عديدة أيضًا، فكلما توسعت شبكة القوى المرتبطة بإيران، زادت احتمالات أن تتحول إحدى ساحات النفوذ إلى نقطة اشتعال تجر طهران إلى مواجهة قد لا تريدها في الوقت الراهن، لذلك قد تتجه إيران إلى إعادة تقييم أدوار حلفائها، والانتقال من سياسة الاعتماد الكامل عليهم إلى سياسة أكثر انتقائية ومرونة، وقد يتركّز هدفها حينذاك على الحفاظ على نفوذها بأقل تكلفة ممكنة، وهذه ليست بالضرورة نهاية لإستراتيجية الوكلاء، وإنما محاولة لإعادة ضبطها، فإيران التي خرجت من الحرب بتجربة قاسية قد تكون أكثر حذرًا في توزيع أوراقها، وأكثر اهتمامًا بمنع خصومها من استغلال ساحات نفوذها ضدها.

أما على الصعيد الاقتصادي فغالباً ما ستكون مرحلة ما بعد الحرب أكثر صعوبة عن ذي قبل، فالقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، والدولة التي تستنزف مواردها في المواجهات الخارجية تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تحديات الأمن ومتطلبات استقرار الداخل، وتواجه إيران بالفعل تحديات اقتصادية وضغوطًا مرتبطة بالعقوبات والاستثمار والتجارة والطاقة، ولذلك فإن إعادة بناء اقتصادها ستكون جزءًا من معركة إعادة بناء النفوذ، وقد تدفع هذه الظروف طهران إلى البحث عن تسويات مؤقتة، أو تخفيف التوتر مع بعض الخصوم، أو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بعض الدول، فالسياسة الخارجية لا تتحرك في فراغ، والاقتصاد قد يصبح العامل الذي يفرض على إيران خيارات لم تكن ترغب في اتخاذها لو لم تضطر لذلك، وفي نهاية المطاف تتحدد قوة أي دولة بناء على قدرتها على تحمل تكلفة خياراتها.

على ما يبدو أن الضغط على طهران لا يعني –بالضرورة- إخراجها من معادلة المنطقة، بل قد يدفعها إلى خيارات أكثر تشدّدًا، وما بين الردع والتفاوض، ستبحث إيران عن صيغة جديدة تحفظ لها مكانتها وتساعدها على تحمل تكلفة الحرب، وربما يكون التحول الأهم الذي سنشهده وقتذاك هو أن المنطقة نفسها أصبحت أقل استعدادًا لتحمل حروب مفتوحة طويلة المدى، ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة مرحلة اختبار جوهري للسياسة الإيرانية، فهل ستختار إعادة بناء القوة استعدادًا لمواجهة جديدة، أم ستستثمر لحظة ما بعد الحرب في تسويات تعيد رسم موقعها الإقليمي بشكل مختلف مرة أخرى؟!.

00:00 | 25-09-2026

مستقبل وكلاء إيران

لطالما شكّل وكلاء إيران في المنطقة على مدى عقود أحد أبرز أدوات نفوذها السياسي والعسكري، والركيزة الأساسية في إستراتيجيتها القائمة على التمدد والتوسع خارج حدودها، فمن خلال دعمها لجماعات مسلحة وتنظيمات سياسية عديدة في دول مثل العراق ولبنان واليمن استطاعت طهران أن تبني شبكة نفوذ سياسية وعسكرية معقدة، ظناً منها أنها ستمنحها القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية دون الدخول في مواجهات مباشرة مكلفة، لكن مع اندلاع الصراع الأخير وما قد يخلفه من تداعيات اقتصادية وسياسية على المنطقة بأسرها، برز سؤال جوهري في غاية الأهمية ألا وهو ما هو مستقبل هذه الأذرع خلال المرحلة القادمة؟.الأرجح أن ما سنشهده ليس نهاية لهذه المرحلة بل تحوّلًا في طبيعتها ووظيفتها، فقد تتجه هذه الجماعات إلى تبني أدوار أقل عسكرية وأكثر سياسية، وقد يتقلص حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه مما يضطرها إلى زيادة الاعتماد على الموارد المحلية للدول التي تؤويها، وهو ما قد يمنحها قدرًا أكبر من الاستقلالية فيما يتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار والمواءمة بين انتماءاتها الخارجية وظروف دولها الإقليمية، غير أنه في الوقت ذاته سيضعف من قدرتها على تنفيذ أجندات إقليمية على نطاق واسع.

اقتصاديًا لم يكن دعم هذه الجماعات أمرًا هامشيًا، بل شكّل –طيلة الوقت- استنزافًا حقيقيًا للاقتصاد الإيراني، والذي يعاني أصلًا من العقوبات الدولية بخلاف سوء الإدارة بطبيعة الحال، وقد اضطرت طهران إلى تخصيص موارد مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية بالخارج وتوفير الرواتب والسلاح والتدريب والدعم بمختلف صوره وأشكاله، ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة بإيران بدأ هذا النهج يثير تساؤلات داخلية حول مدى جدواه، خاصة في ظل تراجع القدرة على تمويل هذه الشبكات على نفس النحو السابق.

بين الحين والآخر تبدو ورقة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حاضرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة التي تتّسم بالغموض التام، والتي تحوي العديد من البنود العالقة، لعل أهمها البرنامج النووي الإيراني ومصير مضيق هرمز، غير أنه قد يتضمّن أيضًا بنودًا غير معلنة تتعلق بتقليص النفوذ العسكري لطهران في المنطقة، فالعديد من القوى الغربية تدرك أن نفوذ إيران الإقليمي عبر وكلائها لا يقل أهمية وخطورة عن قدراتها النووية أو رغبتها غير المشروعة في التحكم في مضيق هرمز، ما يجعل مسألة الوكلاء حاضرة بشكل أو بآخر على طاولة التفاوض.

لكن هل من الممكن الاتفاق على أن تتخلى إيران عن وكلائها بشكل مباشر؟ تصعب الإجابة على هذا التساؤل، فالوكلاء يمثلون لطهران ورقة ضغط إستراتيجية يصعب التفريط فيها بسهولة، خاصة أنهم يشكّلون خط الدفاع الأول عن مصالحها في الخارج، ومع ذلك قد نشهد تحوّلات غير مباشرة مثل تقليص الدعم المالي أو إعادة هيكلة العلاقة مع هذه الجماعات بما يتناسب مع الضغوط الدولية الجديدة كما أسلفنا الذكر، وحتى لو لم ينص الاتفاق بشكل واضح على إنهاء دعم الوكلاء، فإن مستقبلهم سيبقى رهين عدة عوامل، أولها قدرة إيران الاقتصادية على الاستمرار في تمويلهم، وثانيها الضغوطات السياسية داخل الدول التي ينشطون فيها، وثالثها التحوّلات الدولية والإقليمية التي يشهدها عالمنا اليوم.

في نهاية المطاف لا يبدو أن وكلاء إيران سيتلاشى دورهم بين ليلة وضحاها، لكن المؤكد أن طبيعة هذا الدور ستتغير بطريقة أو بأخرى خلال الفترة القادمة، فبين ضغوط الاقتصاد ومتطلبات التفاهمات الدولية، تدخل هذه الجماعات مرحلة إعادة تعريف لوظيفتها وموقعها في ظل تصاعد سريع للأحداث يوماً بعد يوم، وقد يكون المستقبل أقرب إلى تقليص النفوذ منه إلى إنهائه، فمن المتوقع أن تسعى إيران إلى الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها ولكن دون تحمّل الكلفة الباهظة لإستراتيجيتها التي ميّزت المرحلة السابقة.

23:33 | 17-09-2026

الاستثمار الأجنبي.. كيف أصبحت السعودية وجهة عالمية

لم تعد المملكة العربية السعودية تنظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره مجرد وسيلة لجذب رؤوس الأموال، بل أصبح جزءاً أساسياً من مشروع التحوّل الاقتصادي الذي تشهده البلاد، فمع انطلاق رؤية 2030 شرعت المملكة في تدشين بيئة اقتصادية أكثر انفتاحاً وتنافسية، تهدف إلى استقطاب الشركات العالمية والخبرات والتقنيات من كافة دول العالم، ولم يعد المستثمر الأجنبي ينظر إلى السعودية باعتبارها سوقاً نفطية ضخمة فحسب، بل أضحت المملكة سوقاً واسعة توفر فرصاً في قطاعات متعددة، من السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجدّدة إلى الصناعة والخدمات اللوجستية، هذا بخلاف حجم الاقتصاد السعودي وموقع المملكة الجغرافي اللذين يمنحانها ميزات إضافية عديدة، ويؤهلها لأن تغدو قاعدة انطلاق للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا في آن واحد، وهذه المزايا مجتمعة جعلت السعودية أكثر حضوراً على خريطة الاستثمار العالمي، خصوصاً مع تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى التي تفتح مجالات جديدة أمام المستثمرين والشركات الدولية.

واللافت في التجربة السعودية أن جذب الاستثمار الأجنبي لم يعد قائماً أو مرتكزاً فقط على الحوافز المالية، وإنما أصبح مرتبطاً أكثر بإعادة بناء وهيكلة البيئة الاستثمارية نفسها، فالمملكة تعمل على تطوير الأنظمة والإجراءات التي تعمل على تحسين سهولة عمليات الاستثمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يمنح المستثمر درجة أكبر من الوضوح والاستقرار، كما أن التحوّل الرقمي ساهم في تسريع الكثير من الخدمات الحكومية وساعد في تقليل الإجراءات التقليدية التي كانت تمثل –في السابق- عائقاً أمام المستثمرين.

وفي المقابل فإن المشاريع الكبرى في مجالات السياحة والبنية التحتية والنقل والتقنية والطاقة والصناعات المتقدمة توفر فرصاً استثمارية متنوعة، والأهم أن المستثمر الأجنبي يجد أمامه سوقاً محلية كبيرة وقوة شرائية مرتفعة، مما مكن المملكة من توفير تجربة فريدة ومميّزة ومختلفة للمستثمر، تشمل أسواقاً ضخمة يعززها موقع إستراتيجي متميّز مع مشاريع محلية ضخمة، تدعمها برامج تحوّل اقتصادي رفيعة المستوى تخلق طلباً مستمراً على المنتجات والخدمات والاستثمارات الجديدة.

غير أنه من الجدير بالذكر أن أهمية الاستثمار الأجنبي بالنسبة للسعودية تكمن فيما يمكن أن يصاحب هذه الاستثمارات من معرفة وتقنيات وخبرات وفرص عمل وتطوير للكوادر الوطنية وتوطين للصناعات ودمج التكنولوجيا في نسيج التصنيع، فعندما تدخل شركة عالمية إلى السوق السعودية، فإنها تنقل معها أساليب إدارية وتقنيات متقدّمة ومعايير عالمية في الإنتاج والخدمات، وهذا ما يجعل الاستثمار الأجنبي أحد أدوات بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، كما أن وجود الشركات العالمية داخل المملكة يمكن أن يدفع الشركات المحلية إلى رفع مستوى الكفاءة والجودة والابتكار حتى تتمكن من المنافسة والشراكة في الوقت نفسه، ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي ليس مجرد زيادة عدد المستثمرين الأجانب، وإنما بناء منظومة اقتصادية تستفيد من وجودهم على المدى الطويل.

غير أن المحافظة على جاذبية المملكة الاستثمارية تتطلب استمرار التطوير على نحو مستدام، فالمنافسة بين الدول على استقطاب الاستثمارات العالمية أصبحت عالية الوتيرة، والدول لا تتنافس فيما بينها بإغداق الحوافز على المستثمرين فحسب، وإنما تتفنن في تجويد الأنظمة وتسريع الإجراءات وتحسينها، وتوفير الكفاءات وتطوير البنية التحتية والعمل على استقرار البيئة الاقتصادية وتحسين قدرة السوق على النمو، بحيث ترتبط الاستثمارات الأجنبية بأهداف واضحة في نقل التقنية وتوطين الصناعات وتنمية المنتج وخلق الوظائف وزيادة الصادرات.

وهنا تكمن أهمية التحول الذي تشهده السعودية التي لا تبحث فقط عن المستثمر الذي يضخ أمواله فيها، وإنما تسعى إلى بناء علاقة طويلة الأمد تجعله جزءاً لا يتجزأ من قصة التنمية وقضيتها، وتجعل التنمية نفسها فرصة استثمارية قادرة على جذب المزيد والمزيد من المستثمرين من كافة أرجاء العالم.

21:58 | 10-09-2026

إيران بين الحرب والعقوبات.. أيهما أشد تأثيرًا ؟!

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الصواريخ والطائرات والمسيّرات، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى جبهة أكثر هدوءًا وأطول زمناً وهي الاقتصاد، فالعقوبات الأمريكية الأخيرة تضع طهران أمام اختبار مختلف، لأنها تستهدف مصادر التمويل التي تحتاجها إيران لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية، فالحرب العسكرية تضرب المنشآت والبنية التحتية خلال ساعات، لكنها تظل مرتبطة بحدود جغرافية وزمنية، بينما تستطيع العقوبات أن تمتد عبر البنوك والشركات والسفن والتجارة والطاقة لسنوات، ولهذا تبدو المعركة الاقتصادية في بعض الأحيان أكثر تعقيدًا من المواجهة العسكرية المباشرة، فالقنبلة تستطيع تدمير منشأة، لكن العقوبة تستطيع تعطيل قدرتها على إعادة البناء وشراء المعدات وتمويل عملياتها، ومن هنا يمكن فهم إصرار واشنطن على توسيع دائرة العقوبات، ومحاولة جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني نفسه مخاطرة بالنسبة إلى الآخرين، إنها حرب يمكن لآثارها أن تصل إلى كل بيت وسوق ومؤسسة في إيران.

الحرب العسكرية -رغم قسوتها- تمنح الدولة المستهدفة أحيانًا فرصة للالتفاف والاستفادة منها، فعندما تتعرّض دولة لهجوم خارجي، يمكن للسلطة الحاكمة أن تقدّم نفسها باعتبارها المدافع عن السيادة الوطنية، وأن تحوّل الخلافات الداخلية إلى قضية وطنية، وهو ما حدث في طهران والتي استغلت التهديد الخارجي لتعزيز خطاب المقاومة وتعبئة الشارع، أما العقوبات الاقتصادية فمختلفة تماماً شكلاً وموضوعًا؛ فهي لا تستخدم الطائرات المقاتلة أو الصواريخ، وإنما تنعكس في ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وصعوبة الاستثمارات وعرقلة التكنولوجيا، وتقلص فرص العمل، ولذلك فإن تأثيرها السياسي أكثر تعقيدًا؛ فهي تدفع المجتمع إلى تحميل الحكومة مسؤولية الأزمة، وبمرور الوقت تتفاقم الأزمات وتتوسع على أكثر من صعيد.

غير أن إيران تتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وهو ما يجعل الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي سريعًا إلى انهيار النظام أمرًا مبالغًا فيه، فقد طورت طهران خلال العقود الماضية شبكات تجارية ومالية معقدة، واعتمدت على وسطاء وأسواق بديلة وطرق مختلفة لتصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، كما أن تمتعها بشبكة علاقات مع شركاء اقتصاديين كبار -وفي مقدمتهم الصين- يمنحها منافذ يصعب إغلاقها بالكامل، لكن الخبرة في الالتفاف على العقوبات لا تعني أن العقوبات بلا تأثير، فكل عملية بيع أو تحويل مالي تتم عبر قنوات أكثر تعقيدًا تصبح أكثر تكلفة وأقل كفاءة، وكل شركة دولية تتردد في التعامل مع إيران تضيّق مساحة الحركة أمام الاقتصاد الإيراني، وهنا يظهر الفرق بين الحرب والعقوبات، فالحرب قد تحقق نتائج ضخمة وسريعة، لكنها تحمل مخاطر التصعيد، بينما العقوبات تحقق استنزافًا تدريجيًا، غير أنها قد تكون أكثر قدرة على إنهاك الاقتصاد إذا استمرت لفترة طويلة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أيهما أقوى في فترة زمنية محددة، بل أيهما يستطيع الاستمرار لفترة زمنية أطول.

ومن زاوية أخرى تحمل الحرب العسكرية ضد إيران خطرًا لا يمكن تجاهله، وهو إمكانية خروج المواجهة عن السيطرة، فضربة واحدة قد تستدعي ردًا، والرد قد يقود إلى رد آخر، وهو ما قد ينتهي بمواجهة مفتوحة يصعب تحديد نهايتها، أما العقوبات فتمنح واشنطن مساحة أكبر للتحكم في مستوى التصعيد، إذ تستطيع إضافة كيانات جديدة أو توسيع نطاق العقوبات أو تخفيفها وفقًا لتطورات الموقف السياسي.

لكن هذه الأداة ليست خالية من المخاطر أيضًا؛ فلو وصلت الضغوط الاقتصادية إلى مستوى شديد، فقد تلجأ إيران إلى خطوات تصعيدية إقليمياً أو في أسواق الطاقة للرد على الولايات المتحدة، كما أن الضغط على صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل العقوبات قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ولذلك تبدو المعركة الاقتصادية أشبه بحرب أعصاب طويلة المدى.

غير أنه في نهاية المطاف لا تبدو المقارنة بين الحرب والعقوبات مسألة اختيار بسيط بين أداتين، بل هي مقارنة بين نوعين مختلفين من الضغوط، حرب عسكرية أكثر تدميرًا وسرعة، لكنها أكثر خطورة وأعلى تكلفة سياسيًا وإنسانيًا، وعقوبات أبطأ وأكثر تدرجًا، لكنها تستطيع استنزاف الاقتصاد وإضعاف قدرة الدولة على تمويل سياساتها لفترة طويلة، ولهذا يبدو أن واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه من دون الدخول في مواجهة شاملة، لكن نجاح هذه الإستراتيجية سيعتمد على عاملين أساسيين، أولهما هو قدرة إيران على إيجاد منافذ اقتصادية بديلة، وثانيهما هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها بالالتزام بالعقوبات، وفي كل الأحوال تظهر الجبهة الاقتصادية اليوم كواحدة من أهم ساحات الصراع بين إيران وبين كافة دول المنطقة.

00:00 | 4-09-2026

اليوم التالي للحرب.. كيف سيبدو الشرق الأوسط حينها؟

يخطئ من يعتقد أن الحروب تنتهي عند آخر طلقة، أو تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ أو حجم الدمار الذي تسبّبت فيه فحسب، لأن النتائج الحقيقية للحروب تكمن فيما تتركه من تحوّلات سياسية واقتصادية وأمنية تعيد رسم ملامح المرحلة التالية، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتمحور حول من سينتصر، بل سيدور حول وضع الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، وهل سينتج عن المواجهات الحالية واقع أكثر استقراراً، أم مرحلة جديدة من الاضطرابات؟

عاش الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من الصراعات التي غيّرت خرائط النفوذ والتحالفات وأعادت تشكيل الأولويات، ومع كل صراع جديد يندلع تدخل المنطقة مرحلة جديدة سواء على صعيد موازين القوى أو على مستوى طبيعة العلاقات الإقليمية أو حجم التدخلات الدولية، واليوم تبدو المنطقة أمام محطة جديدة قد تفرض معادلات مختلفة سواء استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو انتهت بتفاهمات سياسية جديدة.

لعل أول ملامح هذه المرحلة سيكون إعادة تقييم موازين القوة، فمع كل مواجهة عسكرية تتكشف قدرات كل طرف، مما يدفع الدول إلى مراجعة إستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، كما أن نتائج الحرب ستؤثر في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع الملفات الحساسة، وستحدد شكل التحالفات التي قد تنشأ خلال السنوات المقبلة، وسياسياً من المحتمل أن يكون الحوار هو العنوان الذي لا يمكن تجاوزه، فمهما بلغت حدة المواجهات، أثبتت الوقائع أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف بطاولة المفاوضات، لكن نجاح أي مفاوضات مستقبلية سيتوقف على مدى استعداد الأطراف المنخرطة فيها لمعالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإبرام اتفاقات مؤقتة، فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، بل ببناء تفاهمات تضمن خفض التوتر وتمنع تكرار الأزمات.

أما اقتصادياً فستواجه المنطقة تحديات كبيرة، لكنها قد تجد أيضاً فرصاً جديدة، فالحروب تؤثر في حركة التجارة وأسواق المال والاستثمار والنقل البحري وأسعار الطاقة، لكن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد جهوداً واسعة لاستعادة الثقة بالاقتصادات الإقليمية، والسعي إلى جذب الاستثمارات، وإعادة تنشيط المشاريع الكبرى التي تأثرت بالتصعيد، وسيكون نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الدول على توفير بيئات مستقرة وآمنة، ولا شك أنه لا يمكن تجاهل الدور الذي ستلعبه دول الخليج في هذه المرحلة، لكونها رسخت خلال السنوات الأخيرة نهجاً يقوم على التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشراكات الدولية، ومن المتوقع أن تستمر دول الخليج في الدفع نحو التهدئة، كون الاستقرار هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، ولإيمانها بأن أي تصعيد طويل الأمد ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها.

كما أن المجتمع الدولي سيجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة ذات أهمية جغرافية، بل يمثل محوراً رئيسياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن استقرار المنطقة أصبح مصلحة دولية، وليس شأناً إقليمياً فقط، ومن المرجح أن تتزايد المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وإطلاق مسارات حوار تعالج الملفات العالقة، ولعل أبرز القضايا التي ستفرض نفسها بعد انتهاء الحرب هي قضية أمن الممرات البحرية وسلامة حركة التجارة الدولية، فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال ارتفاع تكاليف النقل أو تقلبات أسعار النفط أو زيادة مخاطر التأمين، ولهذا سيكون تعزيز أمن الملاحة أحد أهم الملفات المطروحة على أجندة المرحلة المقبلة.

غير أن التفاؤل يجب أن يظل واقعياً؛ فاليوم التالي للحرب قد يحمل تحديات معقدة إذا بقيت أسباب الخلاف دون معالجة، فالمنطقة تحتاج إلى بناء الثقة بين كافة الأطراف، واحترام القانون الدولي، والاعتماد على الحوار وسيلة لحل النزاعات، لأن العودة إلى دوامة التصعيد لن تؤدي إلا إلى استنزاف جديد للموارد والفرص، ويقف الشرق الأوسط اليوم أمام فرصة تاريخية، فإذا أُحسن استثمار اليوم التالي للحرب، قد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً.

ويبقى الأمل في أن يكون اليوم التالي للحرب بداية لشرق أوسط مختلف؛ شرق أوسط تُبنى فيه العلاقات على المصالح المشتركة، ويُنظر إلى التنمية باعتبارها أقوى أدوات الأمن، ويصبح الحوار هو السبيل الأول لحل الخلافات، فالتاريخ لا يخلد الحروب، بل يخلد اللحظات التي انتصرت فيها الحكمة على السلاح، واختارت فيها الدول صناعة المستقبل بدلاً من البقاء أسيرة لصراعات الماضي وآلامه.

00:00 | 28-08-2026

إيران والحرب النفسية

إذا كانت الصواريخ تترك آثارها على الأرض، فإن الحرب النفسية تترك ندوبها في العقول، وربما لهذا السبب لم تعد طهران ترى أن المواجهة تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل تندلع في مساحة أوسع؛ مساحة الخوف والشك والارتباك وصناعة الانطباعات، إنها معركة لا تُقاس بعدد الطلقات، وإنما بقدرة رسائلها على زعزعة الثقة، وخلق الاضطرابات ودفع الخصم إلى التردد قبل أن تبدأ المواجهة، ومن الواضح أن إيران أدركت مبكرًا أن الحرب النفسية ليست سلاحًا مساعدًا، بل سلاح إستراتيجي قادر على تعويض الكثير من الفوارق العسكرية، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تجعل من الإعلام والتصريحات السياسية واستعراض القوة أدوات متكاملة تعمل جنبًا إلى جنب مع أدواتها العسكرية، فالغاية ليست فقط امتلاك القوة، وإنما إقناع الآخرين بأن هذه القوة حاضرة، وأن استخدامها خيار قائم في أي لحظة.

وفي كل أزمة إقليمية تقريبًا يتكرر المشهد ذاته، تصريحات نارية ورسائل متبادلة وصور لمنظومات صاروخية ومناورات عسكرية وخطابات تتحدث عن الرد الحاسم، إنها ليست رسائل عابرة، بل جزء من معركة تستهدف التأثير في حسابات الخصم قبل أن يتحرك، وإيصال رسالة مفادها بأن تكلفة أي مواجهة ستكون باهظة، ولا تتوقف الحرب النفسية الإيرانية عند حدود البيانات الرسمية، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحوّل المعلومة إلى سلاح، والصورة إلى رسالة، والشائعة إلى أداة ضغط.

تقوم هذه الإستراتيجية على فكرة مفادها أن الإنسان قد يخاف مما يجهله أكثر مما يخاف مما يعرفه، لذلك تعتمد إيران في كثير من الأحيان على إبقاء جزء من قدراتها وخياراتها في دائرة الغموض، لأن الغموض نفسه يصبح عنصرًا من عناصر الردع، فالخصم الذي لا يستطيع التنبؤ بما سيحدث، سيحسب خطواته مرات عديدة قبل أن يقدم على أي مغامرة، غير أن المشكلة في الحرب النفسية أنها لا تميّز بين العسكري والمدني، فهي تستهدف المجتمع كله، وتسعى إلى خلق حالة من القلق والارتباك وإشغال الناس بالتوقعات والشائعات أكثر من الحقائق، وهنا تتحوّل الأخبار غير الموثقة إلى وقود لحالة من الضبابية، وعندها قد يصبح تداول الشائعة أخطر من إطلاق قذيفة.

ولذلك فإن أحد أخطر أهداف الحرب النفسية هو صناعة صورة ذهنية تتجاوز الواقع، فقد لا يكون المطلوب تحقيق انتصار عسكري كامل، بقدر ما يكون المطلوب إقناع الآخرين بأن هذا الانتصار قد تحقق بالفعل، أو أن الهزيمة أصبحت حتمية، إنها معركة الإدراك قبل أن تكون معركة الميدان، ومعركة الشائعة قبل أن تكون معركة السلاح، غير أنه من الخطأ الاعتقاد بأن إيران وحدها تمارس هذا النوع من الحروب، فالقوى العظمى جميعها تستخدم أدوات مشابهة، كل وفق إمكاناته وأهدافه، ويكمن الفارق فحسب في الأسلوب وحجم التأثير، وفي قدرة كل طرف على إدارة الرواية الإعلامية وتوظيفها لخدمة أهدافه السياسية والعسكرية.

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة في المنطقة أن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي تعج بأصوات الانفجارات، وإنما تلك التي تُزرع فيها الشكوك داخل العقول، فالدول التي تنجح في إدارة الحرب النفسية قد تحقق مكاسب سياسية حتى وإن كانت خسائرها العسكرية كبيرة، بينما قد يخسر طرف آخر معركة الصورة رغم تفوقه الميداني، ولهذا فإن أخطر ما في الحرب النفسية الإيرانية ليس كثرة التصريحات أو استعراض الصواريخ، وإنما محاولة فرض معادلة تقوم على أن الخوف وحده يكفي لتحقيق المكاسب، وذلك على الرغم من أن هذه المعادلة ليست مضمونة النجاح دائمًا، لأن الحرب النفسية مهما بلغت قوتها تصطدم في النهاية بواقع الميدان وحقائق الأحداث، فإذا فقدت الرسائل مصداقيتها، تحوّلت من وسيلة ردع إلى عبء على صاحبها، وتآكل تأثيرها تدريجيًا.

من المؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل بالعقل والحيل والمناورات النفسية أيضًا، ومن يقرأ المشهد بعين واعية يدرك أن أخطر ما في الصراع ليس ما يُطلق من منصات الصواريخ، بل ما يُزرع في العقول من أوهام ومخاوف ورسائل محسوبة، ولهذا فإن الوعي بتلك الحيل والتحقق من المعلومات ورفض الانجرار وراء الدعاية، هي الأسلحة الحقيقية في مواجهة أي حرب نفسية، فالمعركة تبدأ في العقل قبل أن تصل إلى الميدان، ومن يربح العقول يقترب كثيرًا من ربح السياسة حتى وإن تأخر حسم السلاح.

00:01 | 21-08-2026