لعله مما لا جدل فيه أن اليمن تمثّل للمملكة العربية السعودية أهمية بالغة إذ تعدّ لاعباً أساسياً في معادلة الأمن القومي السعودي، ولا تحكم العلاقات السعودية اليمنية الحدود الجغرافية فحسب، بل تتشابك مصالح البلدين السياسية والأمنية على نحو لا يمكن تجاهله أو استبعاده، وقد شهد اليمن الكثير من التطوّرات المتلاحقة خلال العقود الأخيرة الماضية وعانى الكثير من دعوات انفصال جنوب اليمن ومحاولة سيطرة الحوثي على مقاليد السلطة في الدولة، كما واجهته العديد من الأزمات، التي كان سببها التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، وخلال ما يقرب من شهر ضربت اليمن أزمة سياسية وعسكرية وأمنية جديدة بسبب موقف المجلس الانتقالي اليمني الذي يرغب في فصل جنوب اليمن عن شماله.

لا تمثّل اليمن أهمية بالغة للمملكة العربية السعودية فحسب، بل تكتسب أهميتها الإقليمية والدولية من عوامل عديدة لعل أهمها موقعها الاستراتيجي المتمثل في إشرافها على واحد من أهم الممرات الملاحية الدولية بالعالم وهو مضيق باب المندب، الذي يمثّل الشريان الرئيسي لممرات التجارة العالمية، لذلك فإن كل ما يحدث في اليمن يؤثر على المجال الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي للبحر الأحمر، وهو ما تنعكس تداعياته على كافة دول العالم.

غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال دعم الاستقرار في اليمن دون أن تحظى بحكومة قوية ومستقرة، ولهذا يعد دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ركيزة أساسية وحلّاً وحيداً للوصول لحل سياسي مستدام في اليمن، فالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً هي الإطار السياسي والقانوني الوحيد الذي يمكنه تمثيل الدولة اليمنية بكل مقوّماتها وطوائف شعبها، ومن هنا نبع الدعم القوي من المملكة للحكومة الشرعية في اليمن، وهي الطرف الوحيد القادر على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار وحماية حقوق كافة المواطنين اليمنيين.

لا شك أن العناصر والأطراف التي تسعى لتقويض دعائم الدولة في اليمن كثيرة ومتعدّدة، فالكل يدرك الأهمية الكبيرة التي تحتلها اليمن سواء على الصعيد الجغرافي أو السياسي، ولعله من الواضح للعيان كمية الأخطار التي سوف تحدق بالعالم في حال سيطرة الجماعات المتطرفة أو الإرهابية عليها وعلى الممرات الملاحية المهمة التي تطل عليها، وبالتالي على التجارة العالمية ولاسيما إمدادات الطاقة حول العالم، ومن هنا يكتسب اهتمام المملكة بما يدور في اليمن أبعاداً جديدة ومهمة، فالتحالف الذي تقوده السعودية هدفه حماية الدولة من الانهيار وتفككها وتحوّلها لكيانات صغيرة متناحرة.

وفي خضمّ محاولات رأب الصدع داخل الدولة اليمنية التي تعاني من الأساس من مشاكل كثيرة، وخلال السعي الحثيث لمحاولة بسط الاستقرار فيها، يظهر المجلس الانتقالي اليمني ليطرح مشروعاً انفصالياً يدعو لتقسيم اليمن، وفي واقع الأمر لا يحتاج اليمن دعوات انفصالية لن يحصل منها إلا على المزيد من التفكك والانقسام، ولا شك أن انقسام الدول هو واحد من أسوأ الكوابيس التي قد تمر على أي دولة، ذلك أنه يفتح الباب على مصراعيه لحروب طويلة قد لا تنتهي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه كافة الدول -سواء قديماً أو حديثاً- لعودة أقاليمها المنفصلة عنها وتوحيدها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها التاريخية بل وضم مناطق أخرى لها في حال تشاركها معها اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا أو الدين، تظهر دعوات المجلس الانتقالي اليمني مثيرة للريبة والشكوك، ولاسيما وهو يستخدم السلاح لفرض أجندته على الواقع في اليمن بطريقة تعسفية، وتأتي استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر الجنوب في الرياض تأكيداً على رغبتها في احتواء الأزمة ودعوة كافة الأطراف إلى الحوار.

لا شك أن إدراك المملكة لهذا الموقف الخطير الذي يحيط باليمن هو السبب الأساسي لسعيها لإنقاذه، فلو غضّت المملكة الطرف عمّا يحدث في اليمن، وتجاهلت ما يحدث لجر اليمن لمستنقع الانقسام والتفكك، فإن ذلك سيكون له العديد من التداعيات الأمنية على المملكة وعلى المنطقة كلها، وسيفتح الباب على مصراعيه لأي طرف يريد العبث بأمن الدول الآمنة والمستقرة، وما لا شك فيه أن علاقة المملكة العربية السعودية باليمن ليست ملفاً عابراً أو اهتماماً عشوائياً، بل هي قضية استقرار إقليمي ومصير مشترك، ودون جدال يعد دعم الشرعية في اليمن ممثلاً في مساندة الحكومة المعترف بها دولياً هو الطريق الوحيد لدعم وحدة اليمن والحفاظ على حقوق شعبه.