في غدٍ سيقف الحجيج بصعيد عرفات الخير، يكسوهم البياض، وتجلّلهم مهابة الموقف، وتلهج ألسنتهم بالتهليل والتكبير والدّعاء، لحظة تنعقد فيها الألسن عن التعبير، وتتلعثم الكلمات في ضفة الحلق فما تُحير وصفًا للمشهد وعظمته، واللّحظة وجلالها.

فإن كنت من الذين ناداهم المُنادي، واستجابوا للداعي حين صاح، كما صوّره الشاعر بالقول:

وَوَجَدْتُ في عَرَفَاتِ حِينَ أتَيْتُهُ

صَبغَ البَيَاضُ صُخُورَهُ وَثَراهُ

فَلَقَدْ تَبَّدَّلَ لَوْنُهُ فَكَأنَّمَا

كُتَلٌ مِنَ الثَّلْجِ اعْتَلَتْ أَعْلاَهُ

مَلأَ الحَجِيجُ هِضَابَهُ وَشِعَابَهُ

مِنْ كُلِّ فَجٍّ جَاءَهُ وَأَتَاهُ

فَرَأَيْتُ مُعْجِزَةَ الإِلهِ بِخَلْقِهِ

وَقَفُوا سَوِيًّا يَطْلُبُونَ رِضَاهُ

بِمَلاَبِسِ الإحْرَامِ جَاؤُوا كُلُّهُمْ

وَدُعَاؤُهُمْ: «لَبَّيْكَ يَا أَللهُ»

فَفَقِيرُهُمْ، وَغَنِيُّهُمْ، وَذَلِيلُهُمْ

وَعَزِيزُهُم، لاَ يَسْألونَ سِوَاهُ

وَقَدْ اسْتَوى بِأمِيرِهِمْ مَحْكُومُهُمْ

فَجَمِيعُهُمْ لاَ يَرْتَجِي إِلَّا هُو

رَفَعُوا الأَكُفَّ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّمَا

يَوُمُ الحِسَابِ أَتَى وَكَانَ لِقَاهُ

وَرُؤُوسُهُمْ نَحْوَ العُلاَ مَشْدُودَة

وَعُيونُهُمْ تَرْنُو إِلَى عَلْيَاهُ

أَجْسَامُهُمْ مُخْضَلَّةٌ بِدُمُوعِهِمْ

وَالْكُلُّ يَبْكِي يَبْتَغِي رُحْمَاهُ

فاعلم أنك من أصحاب الحظوة والرضا، إنّه يوم سكب العبرات تكفيرًا، والدعاء بالعفو والغفران رجاء غير مردود.

إلى هنا كان اشتياق المولّهين الهائمين عشقًا في الذّات الإلهية، فهاك من نبع البرعي اليمني نفحة من قصيدته الوالهة:

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي

هيجتُمو يومَ الرَّحيلِ فُؤادي

سِرتمْ وسارَ دليلُكُمْ يا وحشتي

والعيسُ أطربنِي وصوتُ الحَادي

وعلى المنوال نفسه كان حداء ابن دقيق العبدي وقد شدا وجدًا:

تهيمُ نفسي طربًا عندما

أستلمح البرقَ الحِجازيا

ويستخفُّ الوجدُ عقلي

وقد أصبحَ لي حسنُ الحِجى زيَّا

يا هلْ أقضي حاجتي مِن منًى

وأنحرُ البزلَ المهارِيا

فأرتوي من زمزمَ فهي لي

ألذُّ من ريقِ المها ريّا

هذا مقام فسيح متراحب وبديع، وفضاء واسع ما له من سائل يحده، ولن يردك عن موارده العِذاب، ومساقيه الهواطل غير سديد المثل العربي القديم «يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق»، موقف تجد تصويره البليغ الصدّاح عن ابن القيم، وقد قال:

فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ عَبْرَةٍ مُهَرَاقَةٍ

وَأُخْرَى عَلَى آثَارِهَا لا تَقَدَّمُ

وَقَدْ شَرِقَتْ عَيْنُ الْمُحِبِّ بِدَمْعِهَا

فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ الدُّمُوعِ وَيَسْجُمُ

وَرَاحُوا إِلَى التَّعْرِيفِ يَرْجُونَ رَحْمَةً

وَمَغْفِرَةً مِمَّنْ يَجُودُ وَيُكْرِمُ

فَلِلَّهِ ذَاكَ الْمَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي

كَمَوْقِفِ يَوْمِ الْعَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ

وَيَدْنُو بِهِ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ

يُبَاهِي بِهِمْ أَمْلاكَهُ فَهْوَ أَكْرَمُ

يَقُولُ عِبَادِي قَدْ أَتَوْنِي مَحَبَّةً

وَإِنِّي بِهِمْ بَرٌّ أَجُودُ وَأُكْرِمُ

فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ

وَأُعْطِيهِمُ مَا أَمَّلُوهُ وَأُنْعِمُ

فَبُشْرَاكُمُ يَا أَهْلَ ذَا الْمَوْقِفِ

الَّذِي بِهِ يَغْفِرُ اللَّهُ الذُّنُوبَ وَيَرْحَمُ

فَكَمْ مِنْ عَتِيقٍ فِيهِ كَمَّلَ عِتْقَهُ

وَآخَرُ يَسْتَسْعِي وَرَبُّكَ أَكْرَمُ

إن وقفت هناك اليوم؛ فانظر إلى عظيم ما صنعته المملكة العربية السعودية بقيادتها العظيمة من تطوير مستمر وعمل دؤوب من أجل راحة الحجيج وضيوف الرحمن. انظر إلى عرفات، وقد تيسّرت فيها السبل، وذللت الصعاب، وتيّسرت الخدمات، بما يبعث على الطمأنينية، ويحمل النفس على الرضا، ويحضها على الدعاء بالتوفيق للمملكة وقيادتها؛ فرحلة الحج اليوم باتت يسرًا في طمأنينة، لضيوف الرحمن، في كل خطوة يخطونها، وفي كل مقام ينزلون به، وعند كل مرتحل إلى منسك من المناسك، من قبل أن تطأ أرجلهم أرض الحرمين تلحقهم الخدمات بالتيسير حيث كانوا من خلال مبادرة طريق مكة، مع خدمات مبذولة لراحتهم، من ترقيم للأمتعة، وتفريغهم من حمل أمتعتهم أثناء أداء المناسك، وتذليل طرق النقل وتوفيرها، فقطار الحرمين في طاقته القصوى، والحافلات مهيأة بكل وسائل الراحة، أما الخيام بمنى فتشهد في كل عام تطويرًا غايته راحة الحجيج، وطمأنينة ضيوف الرحمن.. الخدمات الصحية في أوج تأهبها، استجابة سريعة، ومعالجات فورية، وطواقم في كافة التخصصات، استجابة لكل طارئ، في خدمات مجانية لا تبتغي منها المملكة غير رضا الله وراحة الحجاج. وغيرها من منظومة الخدمات الميسرة.

هكذا كان الوعد والمرتجى في أضاميم رؤية المملكة المباركة، وقد محّضت هذه الرحلة المقدسة جليل اهتمامها، وسخّرت لها من الإمكانات والعناية ما نراه ماثلًا اليوم في هذه المشاريع، والتوسعات الكبيرة في الحرمين الشريفين، فديباجة الاستقبال «حياكم الله»، الرجاء أن ينعم ضيوف الرحمن بأدء مناسكهم في يسر وطمأنينة، ولكن لا سبيل إلى بلوغ ذلك إلا إذا التزم الجميع بالتعليمات، وليدرك المغامرون أنه «لا حج بلا تصريح»، شعار لا يقبل تحايلًا، وجدار صد لا يعبرون منه بتفلتهم، به تستقيم الخدمات للحجاج على ميسم التقدير السليم، وتضبط حركتهم بميزان الطمأنينة والأمن والسلامة، وتقل الحوادث التي كانت تحدث تبعًا للتفلت والعشوائية، ففي الالتزام بهذا الشعار الحازم خير الجميع، وعندها ستسمع صوت الرضا النابع من قلوب الحجاج ينادي:

إليك إلهي قد أتـيـت مُلّبـيًا

فـباركْ إلهي حجّـتـي ودعائيا

قصدتُكَ مـضـطرًا وجئتُـك باكيًا

وحاشاك ربّي أن تردّ بكـائـيا

كفاني فـخــرًا أنني لـك عابدٌ

فـيا فـرحـتي إن صرتُ عبدًا مواليا

تقبل الله من الحجيج مناسكهم، وجزى الله المؤسس وأبناءه الكرام من بعده خير الجزاء على اهتمامهم الكبير بمقدسات المسلمين.