الازدهار والتنمية عنوان من عناوين التاريخ للدولة السعودية. لا شك أن بناء الدول العظمى عملية معقدة وتستغرق عقوداً أو حتى قروناً، متى توفرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، التي تساعد الدول على أن تصبح قوة عظمى. إن الاقتصاد القوي والمتنوّع يعتبر السر الكبير وراء نجاح تأسيس دولة عظمى والمفتاح لكل نجاح والقوة وراء كل تطوير وتقدّم. وفي ظل اقتصاد قوي يزدهر الابتكار التكنولوجي والاستثمار في البحث العلمي، ويجري بناء البنية التحتية والاستقرار المالي. مع المحافظة على الاستقرار الداخلي والحوكمة، وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية). ولا غنى عن حسن إدارة الموارد الطبيعية والاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي والمائي (مثل البرازيل في إنتاج الغذاء).

التاريخ يكشف لنا أن الولايات المتحدة بنت قوتها عبر الاقتصاد الحر، الابتكار، والقوة العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية.

والصين اعتمدت على التصنيع والاستثمار في أفريقيا وآسيا لتعزيز نفوذها. والإمبراطورية البريطانية سيطرت عبر التجارة والقوة البحرية في القرن التاسع عشر الميلادي.

إن الحروب والمخاطر التي تواجهها المنطقة نتيجة الأطماع والتوجهات الخاطئة تجعل المزاج العام والحالة العاطفية والنفسية السائدة لدى مجموعة كبيرة من الناس (مجتمع أو جمهور) في وقت الحروب سلبية نتيجة الأحداث السائدة. غير أن ذلك لا يمنع من التفكير والتخطيط للمستقبل بصورة إيجابية. إن الإيمان بما تملكه أي دولة من مقدّرات وإمكانيات حافز على العمل، والتعلم من دروس وعبر الأحداث تمكّن من إعادة النظر والتفكير في التحالفات والشراكات الإستراتيجية مع بعض الدول الكبرى. وبناء تحالفات إقليمية ترتكز على التكامل الاقتصادي والعسكري والثقافي. انطلاقاً من الاستقرار الداخلي والحوكمة واستقرار المراكز القانونية وحكم القانون. مدعومة بمؤسسات قضائية مستقلة ومحاربة الفساد.

التماسك الاجتماعي وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية).

إن المعركة الحقيقية تتجاوز التفوق العسكري أو الاقتصادي إلى معركة على المرونة والشرعية.. من هو الأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية؟ ومن الذي سيقدّم رواية مقنعة عن النظام العالمي المستقبلي الذي لن يكون لكبار اللاعبين فقط، بل لتلك القوى الوسيطة التي تمسك بصوت حاسم في تشكيل القرن الحادي والعشرين؟ إجابة هذين السؤالين هي التي ستحدد، في النهاية، من سيترك بصمته الأكثر ديمومة على صفحات التاريخ الجديد الذي يُكتب أمام أعيننا.

لكي تخطو أي دولة نحو مستقبل مشرق يجب أن تذهب الإصلاحات مباشرة إلى صميم كيفية خلق مستقبل أكثر إنصافاً وازدهاراً، وهذا هو الفرق الجوهري بين جبهة داخلية قوية مبنية على الشراكة الحقيقية، وجبهة داخلية ضعيفة قائمة على الإقصاء والأيديولوجيات الجامدة.

ختاماً، المستقبل لا يُورّث، بل يُبنى بقرارات جريئة، وتحالفات مرنة، وجبهة داخلية متماسكة. الفرصة سانحة، والكرة الآن في ملعب تنفيذ الإصلاحات التي تصنع الدولة القوية والمرنة، التي تترك بصمتها على تاريخ الغد.