أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

التقاليد والعادات وأثرها على المفاهيم

الوفاء من المفاهيم الإنسانية العظيمة. هذا المفهوم يتطور مع الزمن ويختلف من مجتمع إلى آخر متأثراً بالعادات والتقاليد والبيئة والمقدسات السائدة. ففي الهند قديماً، كانت الزوجة تدفن أو تحرق مع زوجها كشكل من أشكال الوفاء (ممارسة «الساتي»)، فلم يكن مفهوم الوفاء منفصلاً عن المقدس، ولا عن البيئة، ولا عن الذكورية التي تمنح الذكر حقوقاً تفوق الأنثى لمجرد كونه ذكراً. وقد تطور هذا المفهوم مع الأيام في بعض المجتمعات الهندية، وأصبحت «الساتي» اليوم جريمة نادرة ومجرمة قانوناً، مما يثبت أن الوفاء مفهوم متغيّر وقابل للتغيير بالإصلاح القانوني والتعليمي، وهذا يكشف نسبية الأخلاق الإنسانية. لكن من الضروري التفرقة بين جوهر الوفاء كقيمة نبيلة تقوم على الإخلاص والرعاية المتبادلة، وبين التقاليد التي قد تشوه هذا الجوهر عبر قولبة النساء في أشكال من التضحية الأحادية. وليس المثال الهندي بعيداً عنا، ففي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ما يُسمى خطأً «جرائم الشرف» -أي قتل الأنثى لمجرد الشك في سلوكها- هو مثال صارخ آخر على كيف تؤثر التقاليد والمجتمع المتحيّز ذكرياً على القيم والمفاهيم السامية.

الخطير أن هناك كثيراً من المفاهيم الخاطئة في مجتمعنا، حقيقتها بعيدة كل البعد عن القيم النبيلة والأخلاقية السامية، ويعود ذلك إلى نظرة المجتمع الخاطئة. جريمة قتل الأنثى مثلاً تطورت واتخذت أشكالاً متغيّرة، فصارت في حقيقتها وأداً أو قتلاً معنوياً، أقسى وأشد من القتل المادي. حتى أصبح في بعض المجتمعات المغلقة يُقال: «المرأة تخرج من بيتها مرتين؛ الأولى لبيت زوجها والثانية لقبرها».

مثال «الساتي» في الهند يثبت أن القانون يستطيع أن يسبق الوعي الاجتماعي، لا أن يتبعه فقط. عندما جرّم البريطانيون هذه الممارسة ثم شدّدت الهند المستقلة العقوبات عليها، لم يتوقف الأمر بين ليلة وضحاها، لكن الرسالة أصبحت واضحة: المجتمع الرسمي يقف ضد هذا التقليد. في عالمنا العربي، قوانين الأحوال الشخصية التي منعت تزويج القاصرات أو جرّمت العنف الأسري (وإن كانت ناقصة) هي خطوات في الاتجاه الصحيح. القانون ولو تأخر يخلق فضاءً للضحية أن تنتصر، ولو بعد حين.

السؤال الجوهري الذي يتبادر للذهن، كيف نقاوم هذه التشوهات بالإضافة للقانون؟

أولاً: كشف الوهم. كثير من الممارسات القمعية تبقى مقدسة لأننا نخلط بين القديم والمقدس. المقاومة تبدأ بسؤال بسيط: هل هذا تقليد أم قيمة حقيقية؟

ثانياً: التعليم. جيل جديد يتربى على أن قيمة الأنثى ليست في طاعتها بل في إنسانيتها. المدارس والمساجد تحتاج إلى مراجعة نقدية للأمثلة التي تقدمها.

ثالثاً: توظيف المقدس ضد نفسه. في مجتمعاتنا المحافظة، الأصوات النسوية التي تقول: «أين الحديث النبوي عن حسن الخلق؟ وأين سؤال المرأة لعمر بن الخطاب؟» هي أقوى من خطاب المواجهة المباشر.

رابعاً: الفن. مسلسل واحد أو فيلم يفضح مأساة «جرائم الشرف» يفعل ما لا تفعله مئات المحاضرات. الفن يخلق تعاطفاً جماهيرياً يصعب قمعه.

خامساً: الاقتصاد. حين تملك المرأة قوت يومها، يصبح «العار» الاجتماعي أقل تكلفة عليها. المرأة التي تعول أبناءها تتغير نظرتها لنفسها أولاً، ثم لمجتمعها ثانياً.

نخلص مما تقدم أن العادات والتقاليد والموروث لا يصح أن تظل تحكم مجتمعاتنا دون وعي أو إدراك. التغيير يتطلب منا عودة الوعي على كل الأصعدة لغدٍ مشرق مزدهر.

00:00 | 5-06-2026

التراكم الثقافي الذري

لفهم الصورة التي يعيشها أي مجتمع من المجتمعات، لا بدّ من الحفر في التراكم الثقافي الذي يطبّق على المجتمع حتى يكاد أن يكون شبيهاً بالركام الذري الإشعاعي وما يشكّله من آثار مدمرة على المجتمع. ليس كل ركام ضارًّا، فطبقات الأرض تتشكّل من ركام ذي طبيعة مختلفة تكوّنت عبر سنوات طويلة، جعلتها بالشكل الذي نشاهده في كل منطقة. هذه التشكيلات الطبيعية هي نتاج تراكمات حدثت تحت ظروف بيئية مختلفة. إن المقصود بالركام الثقافي: هو مفهوم نقدي معروف (مشتق من علم الآثار الثقافي) يشير إلى تراكم المعتقدات والممارسات والتقاليد والتحيّزات عبر الزمن، بحيث تصبح طبقات متراكمة فوق بعضها، يصعب اختراقها. وتشبيهها بالإشعاع الذري إيحاء بالخطر، والتآكل البطيء غير المرئي، والتلوث الذي يمتد لأجيال، والصعوبة البالغة في التخلص من آثاره.

الركام الثقافي في بعض المجتمعات العربية والإسلامية أحيانًا لا يكون مجرد تراكم محايد، بل يكون سامًّا مثل الإشعاع. يُضعف القدرة على التفكير النقدي، يُمرض الإبداع، ويُورث أجيالاً تعاني من أمراض ثقافية مزمنة دون أن تشعر بمصدرها. لا شك أنه ليس كل ركام ضارًّا، فهناك تراكمات ثقافية بنَّاءة (لغة، أخلاق، فنون) تشكّل الهوية. التحدي هو في تمييز الركام الإشعاعي من الركام الصحي.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكننا أن نميّز بين الأفكار التي تلوث ثقافة بأكملها لدرجة الخوف من قول الحقيقة، أو تطبيع الظلم، أو تقديس الموروث دون تمحيص؟

إن أسوأ ما في بعض التقاليد ليس أنها قديمة، بل أنها تسمّم الحاضر والمستقبل بصمت. الرسائل التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تكشف في كثير منها هذا التراكم الثقافي الضار. فمثلاً تلقيت رسالة نصها التالي: «أخي الحبيب أمس أنا والعافية كنا نبحث عن المال واليوم أنا والمال نبحث عن العافية. ازرع في مفهوم أبنائك أن المولى عزّ وجلّ إذا عافاك فقد أغناك.. وأحمد الله وأشكره أسعد الله صباحك». قد لا يتوقف كثيرون عند هذه الرسائل التي هي في حقيقتها تراكم ثقافي ضار وخطير. ويكمن الخطر في تمرير ثنائية (المال العافية) وكأنهما لا يجتمعان أبداً. كما أن مثل هذه الرسائل تعمل على غسل الدماغ المبكر: «أزرع في أبنائك» أن العافية تُغني عن المال، وهو خطاب يمكن استخدامه لتبرير الفقر أو تثبيط الطموح، ونزع الشرعية عن السعي وراء الرزق، وجعله في تناقض مع «عافية» الله.

السؤال الذي يطرح نفسه: «كيف نحمي أنفسنا من هذا الإشعاع الثقافي؟» الجواب هو: مدى الوعي بآلية التراكم الذري هو أول خطوات الوقاية. ثانيها: إعادة التفكير في الرسائل المجتمعية التي تأخذ أشكالاً عديدة، وتعمل على ترسيخ مفاهيم بالية تلبس لباس كراهية الدنيا. كثير من التراكم المشع يقدم نفسه على أنه «زهد» أو «تقوى»، لكنه في جوهره تسميم للعلاقة بالحياة ذاتها. ثالثها: التدريب العملي على التفكيك، بحيث يصبح كل فرد قادرًا على استقبال أي رسالة ثقافية بسؤال واحد: «هل هذه الرسالة تفتح عقلي أم تغلقه؟ هل تدعوني إلى الحياة أم إلى الموت الثقافي؟».

التراكم الثقافي الذري ليس مجرد نظرية، بل هو دعوة إلى مقاومة فكرية يومية تبدأ بالوعي، وتستمر بإعادة التفكير، وهدفها النهائي تحرير العقل من سموم الماضي التي تتنكر في ثياب المقدس.

00:06 | 29-05-2026

فخ ثوسيديديس

هذه الجملة التي ذكرها الرئيس الصيني في زيارة الرئيس ترمب الأخيرة للصين، استدعت التاريخ ليفصل بين الصين القوة الصاعدة بقوة وما تشكّله من تحدٍ للهيمنة الأمريكية السائدة، كي لا تقع الدولتان في مصيدة قاتلة، أشار إليها وعرَّفها المؤرخُ اليوناني القديم ثوسيديديس. والتي ذكرها غراهام أليسون في كتابه «حتمية الحرب بين القوى الصاعدة والقوة المهيمنة».

في عالمنا العربي لا نهتم بالتاريخ ولا نستوعب دروسه؛ وما نطلق عليه تاريخاً في أغلبه قصص من صنع كتّابها أو قصص نريد أن يقرأها أطفالنا كما نحب أن يطلعوا عليها. «آهٍ، لو كُنّا فقط نعرف».. كانت هذه أفضل إجابة للمستشار الألماني تيوبالد فون بِتْمان هولفيغ عندما سئل عن شرح كيف أدّت خياراته وخيارات قادة أوروبيين آخرين إلى أشد ما عرفه العالم من الحروب تدميراً حتى وقت قيامها. مع انتهاء مجازر الحرب العظمى الأولى عام 1918، كان أطرافها الرئيسيون قد فقدوا كل ما قاتلوا من أجله، الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية انتهت، القيصر الألماني عُزِل، قيصر روسيا أُطيح به، فرنسا اسْتُنزِفت لعدة أجيال، وفقدت إنجلترا أثمن ثرواتها وأغلى شبابها. لِمَ جرى كل هذا؟ آهٍ، لو كُنّا فقط نعرف. تعلم الرئيس جون كينيدي من التاريخ، حيث استوطنت عبارة بِتْمان هولفيغ عقله. فقد انهمك في قراءة كتاب باربارا توكمان التي تتبعت في كتابها أفكار وأفعال كل من فيلهيلم إمبراطور ألمانيا ومستشاره بتْمان هولفيغ، وجورج ملك بريطانيا ووزير خارجيته إدوارد غراي وإمبراطور النمسا-المجر، وشخصيات أخرى، لتكشف كيف انزلق هؤلاء إلى الهاوية بلا وعي، دون أن يدركوا خطورة ما ينتظرونه. تأثر كينيدي بتلك الدراسة متأملاً في مسؤولياته، ليقطع أمام نفسه عهداً بأنه إذا ما وضعته الظروف في موقف يحتّم عليه الاختيار بين حرب كارثية مدمرة والسلام، سيكون خياره أفضل كثيراً من خيارات بتْمان هولفيغ. وهو ما فعله كينيدي بعد شهرين فقط من قراءة كتاب توكمان، وجد كينيدي نفسه وجهاً لوجه أمام الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشيف في أخطر مواجهة في تاريخ البشرية: أزمة الصواريخ الكوبية. بدأت الأزمة عندما اكتشفت الولايات المتحدة أن السوفييت يحاولون تهريب عدد من الصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية إلى كوبا، التي لا تبعد أكثر من تسعين ميلاً عن سواحل ولاية فلوريدا الأمريكية. تصاعد الموقف بشكل سريع، فتحوَّل من مجرد تهديدات دبلوماسية إلى حصار أمريكي كامل للجزيرة، ثم إلى حشد عسكري أمريكي وسوفييتي، وعدد من المواجهات المسلحة، من بينها إسقاط طائرة تجسس أمريكية من طراز U-2 فوق كوبا. في ذروة الأزمة التي دامت ثلاثة عشر يوماً ثقيلة؛ انتهت بفضل استيعاب كينيدي لدروس التاريخ.

يجب أن نتوقف لنتعلّم من التاريخ كيف نطور تفكيرنا ومناهجنا وأهمية التحليل والنقد لتاريخنا كي ننافس على المراكز المتقدمة. إهمال العالم العربي لدراسة التاريخ بمنهجية نقدية وتحليلية، والاكتفاء بسرد قصصي أو أيديولوجي يستوجب التوقف عنده. التاريخ ليس مجرد روايات، بل هو تراكم تجارب بشرية يمكن أن تنقذ الأمم من تكرار المآسي. إذا أردنا النهوض، فعلينا أولاً أن نتعلّم كيف نفكر تاريخياً، وليس فقط أن نحفظ أحداثاً.

ولكن الإشكالية الأعمق في عالمنا العربي ليست فقط إهمال التاريخ، بل غياب «البراغماتية التاريخية» -أي القدرة على قراءة الماضي كأداة لحساب المصالح وليس كمادة للوعظ أو البكاء على الأطلال. فبينما استخدم كينيدي التاريخ لاتخاذ قرار عقلاني بتفكيك الأزمة، واستخدمت الصين مفهوم «فخ ثوسيديديس» لفتح قناة حوار مع واشنطن، تظل بعض النخب العربية عالقة بين استشراف وهمي لمجد زائل، أو تشاؤم قدري يرفض التعامل مع الواقع كحقل حركة وليس كمصيدة. الفارق الجوهري أن من يقرأ التاريخ ليتجنّب الأخطاء هو من يصنع المستقبل، أما من يقرأه ليبكي أو ليتغنى فهو من سيعيد إنتاجها بإتقان.

00:53 | 22-05-2026

إعادة التدوير

إعادة التدوير صناعة مفيدة وعملية حيوية تحوّل النفايات إلى منتجات جديدة، مما يحقّق فوائد بيئية واقتصادية جمة. أبرزها: حماية الموارد الطبيعية والمساحات الطبيعية من التلوث، توفير الطاقة، تقليل انبعاثات الاحتباس الحراري، تقليل حجم النفايات في المكبات، وخلق فرص عمل. إلّا أن تدوير الأخطاء صناعة مدمّرة تقضي على كل مقوّمات القوة والرخاء والرفاهية. إن إعادة التدوير الحقيقية تتطلب تفكيك الخطأ وتحليل أسبابه واستخلاص الدروس، وهذا ما يبني القوة. أما «تدوير الأخطاء» كتغطيتها أو إعادة إنتاجها بنفس الآليات الخاطئة، فهو ليس تدويرًا نافعًا بل جمودًا قاتلاً.

الفرق الجوهري أن النفايات المادية (بلاستيك، ورق، زجاج...) تحتفظ بجوهر قابل للتحويل، أما الخطأ المُعاد تدويره دون تصحيح فيحتفظ بسمّيته. عندما نكرر الخطأ نفسه تحت مسمى «التعلم من التجربة» دون تغيير المسببات، فإننا ندخل في دوامة مفرغة. لهذا كل خطأ يُعاد تدويره يهدم ركيزة أساسية من ركائز النجاح، وهي الثقة في القيادة أو النظام أو الذات. الأمر الذي يؤدي إلى تضخم التكاليف الخفية؛ لأن الأخطاء المتكررة تستهلك وقتًا وموارد لم تكن في الحسبان، وكأنك تعيد صنع منتج معيب باستمرار ثم تدفع ثمناً أكبر للتخلص منه.

ويصبح الخوف من الاعتراف بالخطأ سبباً في وأد الابتكار. المؤسسة التي «تُدير أخطاءها» تصبح بارعة في التغطية لا في الإبداع.

النجاح الحقيقي ليس في غياب الأخطاء، بل في امتلاك مصنع فعّال لتدويرها. الفرق بين من ينهار ومن ينهض هو الفرق بين من يخفي نفاياته ومن يستخرج منها ذهباً.

الفرق بين «التدوير» و«التحلل الحيوي» في عالم الأخطاء في الطبيعة، هناك نفايات تتحلل حيوياً (مخلفات عضوية) وأخرى لا تتحلل (بلاستيك، معادن)، لهذا نجد أن الأخطاء العضوية قابلة للتدوير الحقيقي، مثل خطأ في تقدير السوق، بعد التدوير، لا يعود الخطأ نفسه مهدّداً.

الأخطاء غير قابلة للتحلل مثل البلاستيكية. أخطاء هيكلية أو أخلاقية، تُعاد تدويرها ظاهرياً لكنها تبقى كما هي، مثل الفساد الإداري المُعاد تسميته بـ«تسيير المرونة»، كل محاولة لإعادة تدويره تنتج شكلاً جديداً من التلوث الفكري.

إعادة التدوير الحقيقية تحوّل الاعتراف بالألم إلى بناء منهجي، تدوير الأخطاء الزائف هو إعادة تغليف الألم كخبرة وهمية.

المؤسسة العظيمة ليست التي لا تخطئ، بل التي تمتلك مصنع تدوير أخطاء يخرج ذهباً. والفرد العظيم ليس الذي لا يسقط، بل الذي يسقط ثم يُخرج من السقطة خريطة لمنطقة منجم.

00:01 | 15-05-2026

سعيد السريحي خارج الأقواس

رحل سعيد السريحي -يرحمه الله- سريعًا، تاركًا أثرًا بالغ التأثير. لم يكن سعيد طيفًا عابرًا، بل نقشًا أصيلًا عبقريًا في فنّه. عرفته منذ زمن طويل فتىً مهوسًا بعالم لم يكن يعيشه أقرانه. مشروع مدرسة تجد في بناء أساسها. كان لا يكاد يلهو رغم حب الفكاهة والظرافة. صاخب لا يتكلم، ومفوّه يكتب تاريخًا بصمت مطبق. سعيد السريحي صاحب مشروع تجاوز فيه النقد الأدبي التقليدي إلى «نقد الثقافة»؛ ففكك الخطابات السائدة حول مفاهيم مثل الكرم (كتاب «حجاب العادة») والقهوة (كتاب «غواية الاسم»)، كاشفًا عن الأبعاد الأيديولوجية والاجتماعية المضمرة فيها. كتابه «الكتابة خارج الأقواس» الذي هو في حقيقته شعاره الفكري، حيث دعا فيه إلى تجاوز الأطر الفكرية والتقليدية المغلقة (الأقواس) نحو آفاق أكثر اتساعًا وحرية، معتمدًا في سيرته الذاتية أسلوبًا يتجاوز الواقعية نحو «التخييل الذاتي». يمزج بين الواقعي والمتخيّل في كتابة الذات، متجاوزًا الشكل التقليدي للسيرة. سعيد السريحي مدرسة فكرية قلّ أن يجود الزمان بمثلها. ولأنها كذلك فقد حورب من أهل الغفوة في وقت كانت لهم السطوة والكلمة.

المدارس الفكرية لا يرهبها التخويف والترويع والإفزاع. وهذا ديدن السريحي، فقد عُرف الراحل بمواقفه الصريحة، وأشهرها قضية منعه من درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى (1989) بسبب أطروحته «حركة التجديد في اللغة الشعرية»، بقرار مثير للجدل، مما جعله أيقونة للصراع بين التقليد والتجديد.

الدكتور والمفكر سعيد السريحي المدرسة التي سيخلّدها الزمان، التي انتقلت من تحليل النص الأدبي إلى تفكيك «المقدس الثقافي» الذي يحكم مجتمعه. إن التفكيك الأركيولوجي الذي شغل الدكتور السريحي جعله يحفر في الظواهر اليومية (كالكرم والقهوة) ليكشف عن خلفياتها السلطوية.

لقد أحسنت صنعًا مؤسسة «عبق الثقافة» بالتعاون مع جمعية الأدب المهنية بعمل أمسية التلويحة الأخيرة لتأبين الراحل الدكتور سعيد السريحي رحمه الله. في هذه الأمسية سعى القائمون عليها إلى إلقاء الضوء على جوهر عبقرية السريحي الذي لم يطبّق المناهج الغربية (مثل التفكيكية) تقليدًا، بل أسّس منهجًا هجينًا: مزج الأصالة بالمعاصرة؛ استلهم من التراث البلاغي العربي، خاصة نظرية عبدالقاهر الجرجاني في النظم، ودمجها مع الرؤى النقدية الحديثة. هذا جعله يتجاوز الانبهار «بالغرب» أو التقييد بـ«التراث». في نقده الثقافة كإستراتيجية تحوّل من «نقد الشعر» إلى «نقد الخطابات» التي تشكّل الوعي الجمعي، وهو ما يسميه الباحثون «الأسس المنهجية وتحوّلاتها» في خطابه.

الدكتور السريحي كان «محوريًا في تشكيل الخطاب النقدي في السعودية». لم يكن يعمل بمفرده، بل أسّس مع جيله (جيل السبعينيات والثمانينيات) ما يمكن تسميته «حداثة نقدية مؤجلة»، حيث كسروا حاجز «النقد الانطباعي» نحو «النقد العلمي».

وختامًا، التلويحة وحدها لا تكفي. فالدكتور السريحي ليس بحاجة إلى تأبين عابر، بل إلى مؤسسة حقيقية تتبنى مدرسته الفكرية. إن منهجه الهجين، الذي مزج بين أصالة الجرجاني وحداثة فوكو، وأسّس لعلم «أركيولوجيا الثقافة»، يستحق أن يدرّس في الأقسام الأكاديمية، وأن تخصّص له ورش عمل ومطبوعات. نأمل من وزارة الثقافة - ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة - أن تطلق «مشروع السريحي للتجديد النقدي»، تخليدًا لرجل قضى عمره خارج الأقواس، ليُدخل الأجيال القادمة إلى فضاءات النقد والتنوير.. رحم الله الفقيد الذي يستحق أن تدرس مدرسته الفكرية.

00:01 | 8-05-2026

موقعك من الصورة

لتبسيط الفكرة بشأن تباين الآراء والأفكار، نضرب مثلاً على ذلك الصورة الواحدة التي قد تختلف عند كل شخص نتيجة الزاوية التي ينظر للصورة منها. عنصر واحد فقط أحدث هذا التباين والاختلاف. لا شك هناك عناصر أخرى لا تقل تأثيراً في اختلاف المشهد مثل قوة الضوء ونوع الإنارة التي تنعكس على الصورة. الثقافة الفنية للمشاهد عنصر مؤثر على نحو كبير. بالإضافة للعديد من العناصر الأخرى المكان والحالة النفسية والعمر وغير ذلك. الزاوية التي تنظر منها إلى الصورة هي أول عامل يخلق الاختلاف. الذي يقف أمام اللوحة مباشرة يرى تفاصيل غير التي يراها الجالس بزاوية 45 درجة. والذي ينظر من الأسفل إلى الأعلى تختلف قراءته تماماً عمّن يطل من علٍ.

كذلك الآراء تتشكّل وتتباين في كل المجالات نتيجة اختلاف البيئة والمصالح الشخصية والثقافية وغيرها. الاختلاف ليس سيئاً دائماً؛ فبعض الزوايا قد تكون خاطئة أو مشوهة، وليس كل الآراء صحيحة بمجرد أنها مختلفة، آراء جيدة أو جديدة. في الحياة، «الزاوية» هي موقعنا الاجتماعي، وظيفتنا، دورنا في أي قضية. المدير يرى المشروع من زاوية الأهداف والإنتاجية، بينما الموظف يراه من زاوية الجهد والحقوق. كلاهما ينظر إلى «الصورة» نفسها، لكن زاوية كل منهما تمنحه مشهداً مختلفاً. أبعد من الزاوية؛ الإضاءة التي تشوّه أو تكشف الوضع. إذا أضفنا إلى الصورة ضوءاً قوياً من جهة اليسار، فسوف تختفي التفاصيل اليمنى في الظل. وإذا كانت الإضاءة صفراء دافئة، ستظهر الصورة حنونية. وإذا كانت بيضاء باردة، ستبدو واقعية وجامدة. كل هذا الأثر لعنصر واحد فقط فما بالك عندما تتعدد العناصر والمكوّنات.

في واقعنا، «الإضاءة» هي المناخ الفكري والإعلامي الذي نعيش فيه. الإعلام الذي نتابعه، الكتب التي نقرأها، الخطابات التي نسمعها يومياً. هذه «الإضاءة» تكشف لنا بعض جوانب القضية وتخفي البعض الآخر. كثير من الخلافات لا تنبع من اختلاف حقيقي في القيم، بل من اختلاف في «نوع الضوء» المسلط على القضية نفسها.

الثقافة هي النظارة التي لا نخلعها. المتخصص في الفن التشكيلي سيرى في الصورة تقنيات وألواناً وتوازناً لا يراه الشخص العادي. وكذلك المهندس سيرى المنظور والنسب، بينما سيرى الطبيب النفسي تعابير الوجوه والحالات المزاجية. هذا هو تأثير الثقافة الفنية والخبرة التخصصية. كل منا يرتدي نظارة لا تعكس الصورة كما هي، بل تصفّيها عبر عدسات تخصصه واهتماماته السابقة. لا يمكننا خلع هذه النظارة، ولكن يمكننا أن ندرك وجودها.

الخبرة والعمر وتاريخنا الشخصي يقرأ الصورة معنا. لذا أدمغتنا لا ترى الصورة فقط، بل تستدعي معها كل الذكريات المشابهة. الشخص الذي تعرّض لخيانة سيرى صورة «امرأة تبتسم لهاتفها» بشكل مختلف تماماً عمّن يعيش في ثقة وسلام. الحالة النفسية لحظة النظر، والتجارب الماضية، والعمر الذي تراكمت فيه هذه التجارب -كلها عناصر ترسم «موقعنا» من الصورة. كما أن المكان والزمان يعتبران الخلفية التي تغير المقدمة. مثال على ذلك نفس الصورة معلقة في مكان العبادة ستبدو مقدسة. ذات الصورة المعلقة في مقهى فني ستبدو عصرية. أما المعلقة في إعلان لمنتج ستبدو مستهلكة.

المكان الذي نرى فيه الشيء، والزمان الذي نراه فيه (في زمن حرب أم سلام، في زمن أزمة اقتصادية أم رخاء)، يضفي على الصورة معنى جديداً تماماً.

إذا كان الاختلاف بهذه الدرجة من التعقيد حتى في صورة ساكنة، فكيف بموضوعات الحياة الكبرى: السياسة والدين والأخلاق والقيم؟

لهذا نختلف لأن:

· زوايانا مختلفة (مواقعنا الاجتماعية).

· إضاءتنا مختلفة (مصادر معلوماتنا).

· نظاراتنا مختلفة (ثقافاتنا وتخصصاتنا).

· تاريخنا الشخصي مختلف (خبراتنا وأعمارنا وحالتنا النفسية).

· مكاننا وزماننا مختلفان (السياق الذي نعيش فيه).

ونخلص في النهاية إلى أنه قد لا يوجد اثنان يقفان في الموقع نفسه تماماً، من الزاوية نفسها، تحت الإضاءة نفسها، بنفس الخبرة والعمر والمزاج. ولهذا، لا يوجد اثنان يريان الصورة نفسها. وعليه ليس عيباً أن نختلف، بل العيب أن نظن أن اختلافنا معناه أن أحدنا أعمى.

00:01 | 1-05-2026

العالم أكثر تعقيداً

التحاليل والآراء الصحفية والدراسات التي تصدرها مراكز الأبحاث الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظهر بوضوح التعقيدات التي تعكسها وتكشفها الاختلافات والتباين في هذه الإنتاج الضخم الذي يخرج علينا يومياً. مثال لذلك تقرير البنك الدولي يتحدث عن النمو، ومعهد بروكينغز عن الأمن المائي، ومركز دراسات الإعلام عن الذكاء الاصطناعي الانتخابي — كل على حدة دقيق، لكن مجموعها يولّد فوضى تفسيرية. المستفاد من أن هذا الكم المعرفي يكشف أن العالم اليوم أصبح أشد تعقيدًا. العالم اليوم أشبه بسفن فضائية تنطلق في آن واحد تختلف فيها المراحل من لحظة الانطلاق التي كانت يسودها الهدوء والسكون إلى حالة من الاندفاع مع الصفر، تندلع فيها نيران برتقالية وحمراء هائلة من قاعدة الصاروخ، وتتحول الأرض إلى جحيم من اللهب والدخان الأبيض الكثيف. يرتفع زئير يصمّ الآذان، يهز الأرض وما حولها، معلنًا تغلب الإنسان على الجاذبية. تبدأ السفينة الفضائية في الصعود عموديًا ببطء شديد في الثواني الأولى، ثم تتسارع بسرعة جنونية. تخترق السفينة طبقات الجو، ويتحول لون السماء من الأزرق إلى النيلي الداكن ثم إلى السواد الحالك للفضاء الخارجي.

العالم اليوم لم يعد له ترتيب هرمي يمكن قياسه. إنه ينطلق إلى نظام بلا نظام، كما نفهمه الآن كالصاروخ الذي يحاول الخروج من نظام الجاذبية. الحالة التي يمر بها العالم هي أقرب إلى نظام دون قواعد. نحن نشاهد العديد من أنواع الفوضى الظاهرية والفوضى الحقيقية، وبين غياب الهرمية التقليدية وظهور هرميات جديدة غير واضحة المعالم، التي تتشكّل من فسيفساء لم تكتمل صورتها النهائية. الواقع أن الحرب الباردة لم تكن أقل تعقيدًا، لكن تعقيدها كان ثنائيًا منظمًا (قطبين/أيديولوجيتين)، بينما تعقيد اليوم متعدد المراكز، متشابك الطبقات، ولا يخضع لثنائيات بسيطة.

الجغرافيا السياسية جوهرها ليست مسابقة يحدد فيها من يحتل المركز الأول، بل هي علم عميق لدراسة القوة عبر المكان. سواءً كانت قوة عسكرية أو رقمية أو اقتصادية. المشكلة ليست فقط في تعقيد العالم، بل في أن أدواتنا لفهم التعقيد (التحاليل، الدراسات، التصنيفات) أصبحت جزءاً من التعقيد نفسه، لا خارجاً عنه.

السؤال اليوم هل التأريخ يريد أن يعيدنا لعالم العصور الوسطى التي كانت قبل ظهور الدولة الحديثة، حيث تتداخل فيها السلطات بين ملوك وأمراء وكنيسة وإمبراطوريات ومدن حرة كلها تتقاسم النفوذ وتتنافس عليه، والولاءات فيها لم تكن حصرية والحدود لم تكن ثابتة، والقوة لم تكن مركزة في يد واحدة؟ نحن اليوم نرى شيئًا مشابهًا، صحيح إن الدول ما زالت موجودة، بل إن بعضها أصبح أقوى من أي وقت مضى، ولكن في الوقت نفسه لم تعد هي الفاعل الوحيد أو حتى المهيمنة في جميع الأوقات، هناك شركات عملاقه تملك ميزانيات تفوق دولًا وشبكات رقمية عابرة للحدود ومُدنًا عالمية تجذب رأس المال والعقول. غير أن هناك فرقًا جوهريًا: العصور الوسطى كانت تفتقر إلى الترابط الكوكبي الفوري. اليوم، الأنظمة الفوضوية متصلة، فصدمة في سلسلة توريد واحدة تصيب العالم كله في ثوانٍ.. هذا لم يكن موجودًا.

تعقيد اليوم ليس مجرد «كثرة فاعلين»، بل غياب لغة مشتركة للوصف، وغياب ثنائيات حاسمة (يمين/يسار، شرق/غرب)، وأدواتنا المعرفية التقليدية عاجزة لأنها صمّمت لعالم أقل تشابكًا. لسنا في العصور الوسطى، لكننا نخترع «إقطاعية رقمية» جديدة معالمها لم تتضح بعد.

العالم ليس «أكثر تعقيدًا» فقط، بل هو في طور تحول نمطي من نظام عالمي ذي قواعد ثابتة إلى نظام تولد دائم لا نعرف قواعده بعد لأنها لم تستقر. ونحن نشعر بالعجز المعرفي؛ لأن أدواتنا صُمّمت لعالم كان يظن نفسه مفهومًا.

00:00 | 24-04-2026

المرتكزات الخاطئة

الدول التي تقيم سياساتها على مفاهيم غير واقعية وسياسات غير متوازنة أو مرتكزات خاطئة لن تجني على المدى الطويل إلا الخسارة والتراجع والأفول. التاريخ الحديث والقديم مليء بالعبر والأمثلة. الرئيس معمر القذافي على سبيل المثال بنى الدولة على مفهوم الثورة ومحاربة القوى الإمبريالية والاستعمارية بعيداً عن التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فليبيا شهدت بالفعل تراجعاً في مؤشرات التنمية رغم الثروة النفطية، وسادت حالة من عدم الاستقرار المؤسسي والاعتماد على الخطاب الثوري على حساب بناء دولة عصرية مستقرة. الأمر الذي ساهم في سهولة انهيار الدولة، وكان أحد أسباب الحرب الأهلية الداخلية، التي استغلتها القوى الخارجية. إن التجارب الاشتراكية في بعض بلدان العالم الثالث، أو الأنظمة المبنية على أيديولوجيات مغلقة، أيضاً عامل من عوامل أفول الدول.

إهمال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الأيديولوجيا أو المغامرات العسكرية.

مثال الاتحاد السوفيتي الذي بنى سياسته على الصراع الطبقي والمركزية الشديدة، مع إهمال الحوافز الاقتصادية وحريات الأفراد. النتيجة كانت انهيار اقتصادي خانق، ثم أفول الدولة بأكملها عام 1991. ألمانيا النازية التي قامت على فكرة التفوق العرقي والتوسع العسكري، حقّقت نهضة اقتصادية قصيرة المدى عبر التسلح، لكنها انتهت بتدمير البنية التحتية واحتلال البلاد.

الاعتماد على مورد وحيد (الريع) دون تنويع الاقتصاد أو بناء مؤسسات، يؤدي في المحصلة النهائية إلى انهيار الدولة. خير مثال على ذلك فنزويلا التي اعتمدت على النفط لتمويل سياسات شعبوية دون تطوير صناعات أخرى أو استقرار سياسي تحت حكومة هوغو شافيز ثم مادورو. انهار الاقتصاد مع هبوط أسعار النفط، وتحوّلت البلاد إلى أزمة إنسانية حادة. كذلك العراق تحت حكم صدام حسين، بعد ثروة نفطية هائلة في السبعينيات، دخل في حروب طويلة (مع إيران، ثم الكويت) وعقوبات، مما أفقر الشعب ودمر الدولة.

إن تجاهل بناء المؤسسات والاعتماد على القائد الواحد سبب من أسباب انهيار الدول. هناك أمثلة واضحة في أفريقيا ما بعد الاستقلال مثل زائير تحت حكم موبوتو، أو أوغندا تحت حكم عيدي أمين التي ركّزت فيها الأنظمة على تثبيت الحكم الشخصي وقمع المعارضة، دون بناء جيش وطني محترف أو قضاء مستقل. النتيجة: حروب أهلية، انقسامات قبلية، وفشل الدولة.

السياسات الانغلاقية المعادية للعالم الخارجي دون إعداد داخلي، تعدّ سبباً من أن أسباب الضعف والانحلال. ألبانيا تحت حكم إنفر خوجا (1960-1985) التي قطعت كل العلاقات مع الغرب والشرق الاشتراكي معاً، وبنت دولة بوليسية فقيرة معزولة بعد وفاته، وجدت نفسها في تخلّف مريع عن جيرانها الأوروبيين.

وفي المقابل نجد أن دولاً مثل سنغافورة أو كوريا الجنوبية، اللتين بنتا سياساتهما على التنمية والتعليم والمؤسسات بعيداً عن الشعارات الثورية الجامدة، حقّقت كل منهما نجاحاً عظيماً نتيجة اتباعهما سياسات تنموية اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية. إنها معادلة ثابتة: تنمية متوازنة ومؤسسات قوية تساوي نهضة واستقراراً.

00:01 | 17-04-2026

خلق مستقبل أكثر ازدهاراً..

الازدهار والتنمية عنوان من عناوين التاريخ للدولة السعودية. لا شك أن بناء الدول العظمى عملية معقدة وتستغرق عقوداً أو حتى قروناً، متى توفرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، التي تساعد الدول على أن تصبح قوة عظمى. إن الاقتصاد القوي والمتنوّع يعتبر السر الكبير وراء نجاح تأسيس دولة عظمى والمفتاح لكل نجاح والقوة وراء كل تطوير وتقدّم. وفي ظل اقتصاد قوي يزدهر الابتكار التكنولوجي والاستثمار في البحث العلمي، ويجري بناء البنية التحتية والاستقرار المالي. مع المحافظة على الاستقرار الداخلي والحوكمة، وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية). ولا غنى عن حسن إدارة الموارد الطبيعية والاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي والمائي (مثل البرازيل في إنتاج الغذاء).

التاريخ يكشف لنا أن الولايات المتحدة بنت قوتها عبر الاقتصاد الحر، الابتكار، والقوة العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية.

والصين اعتمدت على التصنيع والاستثمار في أفريقيا وآسيا لتعزيز نفوذها. والإمبراطورية البريطانية سيطرت عبر التجارة والقوة البحرية في القرن التاسع عشر الميلادي.

إن الحروب والمخاطر التي تواجهها المنطقة نتيجة الأطماع والتوجهات الخاطئة تجعل المزاج العام والحالة العاطفية والنفسية السائدة لدى مجموعة كبيرة من الناس (مجتمع أو جمهور) في وقت الحروب سلبية نتيجة الأحداث السائدة. غير أن ذلك لا يمنع من التفكير والتخطيط للمستقبل بصورة إيجابية. إن الإيمان بما تملكه أي دولة من مقدّرات وإمكانيات حافز على العمل، والتعلم من دروس وعبر الأحداث تمكّن من إعادة النظر والتفكير في التحالفات والشراكات الإستراتيجية مع بعض الدول الكبرى. وبناء تحالفات إقليمية ترتكز على التكامل الاقتصادي والعسكري والثقافي. انطلاقاً من الاستقرار الداخلي والحوكمة واستقرار المراكز القانونية وحكم القانون. مدعومة بمؤسسات قضائية مستقلة ومحاربة الفساد.

التماسك الاجتماعي وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية).

إن المعركة الحقيقية تتجاوز التفوق العسكري أو الاقتصادي إلى معركة على المرونة والشرعية.. من هو الأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية؟ ومن الذي سيقدّم رواية مقنعة عن النظام العالمي المستقبلي الذي لن يكون لكبار اللاعبين فقط، بل لتلك القوى الوسيطة التي تمسك بصوت حاسم في تشكيل القرن الحادي والعشرين؟ إجابة هذين السؤالين هي التي ستحدد، في النهاية، من سيترك بصمته الأكثر ديمومة على صفحات التاريخ الجديد الذي يُكتب أمام أعيننا.

لكي تخطو أي دولة نحو مستقبل مشرق يجب أن تذهب الإصلاحات مباشرة إلى صميم كيفية خلق مستقبل أكثر إنصافاً وازدهاراً، وهذا هو الفرق الجوهري بين جبهة داخلية قوية مبنية على الشراكة الحقيقية، وجبهة داخلية ضعيفة قائمة على الإقصاء والأيديولوجيات الجامدة.

ختاماً، المستقبل لا يُورّث، بل يُبنى بقرارات جريئة، وتحالفات مرنة، وجبهة داخلية متماسكة. الفرصة سانحة، والكرة الآن في ملعب تنفيذ الإصلاحات التي تصنع الدولة القوية والمرنة، التي تترك بصمتها على تاريخ الغد.

00:01 | 10-04-2026

التلاحم الوطني

الجبهة الداخلية هي الحصن المنيع لأي دولة. أحد أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي سابقاً هو ضعف الجبهة الداخلية وعدم قناعة أغلبية المجتمع بالسردية الشيوعية، فالجبهة الداخلية ليست مجرد خط خلفي يقف وراء خطوط القتال، بل هي العمود الفقري لاستقرار الدولة وتماسكها الاجتماعي. وعندما تتصدع هذه الجبهة، ينهار كل شيء، مهما بلغت قوة المؤسسات العسكرية والأمنية. لقد كان الاتحاد السوفييتي نموذجًا صارخًا على هذه الحقيقة؛ إذ تفككت أركانه ليس بسبب هزيمة عسكرية خارجية، بل بسبب الفراغ الداخلي الذي نشأ حين انفصلت النخبة الحاكمة عن هموم الشعب، وفقد المواطنون ثقتهم في العدالة الاجتماعية، وانهارت الأسس المعنوية التي كانت تربط الملايين بمشروعهم الوطني. فالدولة التي تعجز عن بناء جبهة داخلية متماسكة، قائمة على قناعات راسخة وعدالة ملموسة، تكون أشبه ببناء ضخم شُيّد على رمال متحركة، لا يلبث أن ينهار عند أول هزة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وتعزيز الانتماء، وبناء سردية وطنية قادرة على استيعاب تطلعات المجتمع دون إقصاء أو فرض أيديولوجي، لأن قوة الجبهة الداخلية هي التي تحدد في النهاية قدرة الدولة على الصمود والبقاء.

بحمد الله لا يغيب هذا المفهوم عند أغلب دول المنطقة، الأمر الذي ينعكس على التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي والازدهار. إن الرؤية بُنيت على أساس متين من هذا المفهوم. فقد أدركت القيادة أن المجتمع الحيوي، والأمن الوطني الشامل، والعدالة الاجتماعية.. هي الركائز الحقيقية التي تمنع حدوث ذلك التصدع الذي شهدناه في نماذج سابقة مثل الاتحاد السوفييتي. الرؤية لم تترك الجبهة الداخلية للصدفة، بل جعلتها هدفًا إستراتيجيًا يُقاس بمؤشرات أداء دقيقة.

يمكن القول إن برنامج التحوّل الوطني هو صمام الأمان الذي يحمي الجبهة الداخلية السعودية من التصدّع الذي شهدته نماذج تاريخية مثل الاتحاد السوفييتي، فالبرنامج لم يكتفِ بالإصلاحات الاقتصادية، بل ذهب إلى:

1. بناء التماسك الاجتماعي عبر تمكين القطاع غير الربحي والتطوع.

2. تعزيز العدالة الاجتماعية عبر تمكين جميع فئات المجتمع اقتصاديًا.

3. ترسيخ الثقة في الدولة عبر الشفافية والتحوّل الرقمي.

4. تغيير العقليات عبر الاستثمار في التعليم والثقافة.

وكما جاء في تقارير البرنامج، فإن الإصلاحات «تذهب مباشرة إلى صميم كيفية خلق المملكة لمستقبل أكثر إنصافًا وازدهارًا لجميع السعوديين» — وهذا هو الفرق الجوهري بين جبهة داخلية قوية مبنية على الشراكة الحقيقية، وجبهة داخلية ضعيفة قائمة على الإقصاء والأيديولوجيات الجامدة.

إن الجبهة الداخلية القوية ليست إنجازًا يُحقّق مرة واحدة، بل هي مشروع متجدد يتطلب استمرار العمل على تعزيز الثقة والعدالة والانتماء، وهو ما تدركه الرؤية السعودية جيدًا من خلال برامجها المستمرة ومؤشراتها القابلة للقياس.

00:08 | 3-04-2026