أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

العالم أكثر تعقيداً

التحاليل والآراء الصحفية والدراسات التي تصدرها مراكز الأبحاث الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظهر بوضوح التعقيدات التي تعكسها وتكشفها الاختلافات والتباين في هذه الإنتاج الضخم الذي يخرج علينا يومياً. مثال لذلك تقرير البنك الدولي يتحدث عن النمو، ومعهد بروكينغز عن الأمن المائي، ومركز دراسات الإعلام عن الذكاء الاصطناعي الانتخابي — كل على حدة دقيق، لكن مجموعها يولّد فوضى تفسيرية. المستفاد من أن هذا الكم المعرفي يكشف أن العالم اليوم أصبح أشد تعقيدًا. العالم اليوم أشبه بسفن فضائية تنطلق في آن واحد تختلف فيها المراحل من لحظة الانطلاق التي كانت يسودها الهدوء والسكون إلى حالة من الاندفاع مع الصفر، تندلع فيها نيران برتقالية وحمراء هائلة من قاعدة الصاروخ، وتتحول الأرض إلى جحيم من اللهب والدخان الأبيض الكثيف. يرتفع زئير يصمّ الآذان، يهز الأرض وما حولها، معلنًا تغلب الإنسان على الجاذبية. تبدأ السفينة الفضائية في الصعود عموديًا ببطء شديد في الثواني الأولى، ثم تتسارع بسرعة جنونية. تخترق السفينة طبقات الجو، ويتحول لون السماء من الأزرق إلى النيلي الداكن ثم إلى السواد الحالك للفضاء الخارجي.

العالم اليوم لم يعد له ترتيب هرمي يمكن قياسه. إنه ينطلق إلى نظام بلا نظام، كما نفهمه الآن كالصاروخ الذي يحاول الخروج من نظام الجاذبية. الحالة التي يمر بها العالم هي أقرب إلى نظام دون قواعد. نحن نشاهد العديد من أنواع الفوضى الظاهرية والفوضى الحقيقية، وبين غياب الهرمية التقليدية وظهور هرميات جديدة غير واضحة المعالم، التي تتشكّل من فسيفساء لم تكتمل صورتها النهائية. الواقع أن الحرب الباردة لم تكن أقل تعقيدًا، لكن تعقيدها كان ثنائيًا منظمًا (قطبين/أيديولوجيتين)، بينما تعقيد اليوم متعدد المراكز، متشابك الطبقات، ولا يخضع لثنائيات بسيطة.

الجغرافيا السياسية جوهرها ليست مسابقة يحدد فيها من يحتل المركز الأول، بل هي علم عميق لدراسة القوة عبر المكان. سواءً كانت قوة عسكرية أو رقمية أو اقتصادية. المشكلة ليست فقط في تعقيد العالم، بل في أن أدواتنا لفهم التعقيد (التحاليل، الدراسات، التصنيفات) أصبحت جزءاً من التعقيد نفسه، لا خارجاً عنه.

السؤال اليوم هل التأريخ يريد أن يعيدنا لعالم العصور الوسطى التي كانت قبل ظهور الدولة الحديثة، حيث تتداخل فيها السلطات بين ملوك وأمراء وكنيسة وإمبراطوريات ومدن حرة كلها تتقاسم النفوذ وتتنافس عليه، والولاءات فيها لم تكن حصرية والحدود لم تكن ثابتة، والقوة لم تكن مركزة في يد واحدة؟ نحن اليوم نرى شيئًا مشابهًا، صحيح إن الدول ما زالت موجودة، بل إن بعضها أصبح أقوى من أي وقت مضى، ولكن في الوقت نفسه لم تعد هي الفاعل الوحيد أو حتى المهيمنة في جميع الأوقات، هناك شركات عملاقه تملك ميزانيات تفوق دولًا وشبكات رقمية عابرة للحدود ومُدنًا عالمية تجذب رأس المال والعقول. غير أن هناك فرقًا جوهريًا: العصور الوسطى كانت تفتقر إلى الترابط الكوكبي الفوري. اليوم، الأنظمة الفوضوية متصلة، فصدمة في سلسلة توريد واحدة تصيب العالم كله في ثوانٍ.. هذا لم يكن موجودًا.

تعقيد اليوم ليس مجرد «كثرة فاعلين»، بل غياب لغة مشتركة للوصف، وغياب ثنائيات حاسمة (يمين/يسار، شرق/غرب)، وأدواتنا المعرفية التقليدية عاجزة لأنها صمّمت لعالم أقل تشابكًا. لسنا في العصور الوسطى، لكننا نخترع «إقطاعية رقمية» جديدة معالمها لم تتضح بعد.

العالم ليس «أكثر تعقيدًا» فقط، بل هو في طور تحول نمطي من نظام عالمي ذي قواعد ثابتة إلى نظام تولد دائم لا نعرف قواعده بعد لأنها لم تستقر. ونحن نشعر بالعجز المعرفي؛ لأن أدواتنا صُمّمت لعالم كان يظن نفسه مفهومًا.

00:00 | 24-04-2026

المرتكزات الخاطئة

الدول التي تقيم سياساتها على مفاهيم غير واقعية وسياسات غير متوازنة أو مرتكزات خاطئة لن تجني على المدى الطويل إلا الخسارة والتراجع والأفول. التاريخ الحديث والقديم مليء بالعبر والأمثلة. الرئيس معمر القذافي على سبيل المثال بنى الدولة على مفهوم الثورة ومحاربة القوى الإمبريالية والاستعمارية بعيداً عن التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فليبيا شهدت بالفعل تراجعاً في مؤشرات التنمية رغم الثروة النفطية، وسادت حالة من عدم الاستقرار المؤسسي والاعتماد على الخطاب الثوري على حساب بناء دولة عصرية مستقرة. الأمر الذي ساهم في سهولة انهيار الدولة، وكان أحد أسباب الحرب الأهلية الداخلية، التي استغلتها القوى الخارجية. إن التجارب الاشتراكية في بعض بلدان العالم الثالث، أو الأنظمة المبنية على أيديولوجيات مغلقة، أيضاً عامل من عوامل أفول الدول.

إهمال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الأيديولوجيا أو المغامرات العسكرية.

مثال الاتحاد السوفيتي الذي بنى سياسته على الصراع الطبقي والمركزية الشديدة، مع إهمال الحوافز الاقتصادية وحريات الأفراد. النتيجة كانت انهيار اقتصادي خانق، ثم أفول الدولة بأكملها عام 1991. ألمانيا النازية التي قامت على فكرة التفوق العرقي والتوسع العسكري، حقّقت نهضة اقتصادية قصيرة المدى عبر التسلح، لكنها انتهت بتدمير البنية التحتية واحتلال البلاد.

الاعتماد على مورد وحيد (الريع) دون تنويع الاقتصاد أو بناء مؤسسات، يؤدي في المحصلة النهائية إلى انهيار الدولة. خير مثال على ذلك فنزويلا التي اعتمدت على النفط لتمويل سياسات شعبوية دون تطوير صناعات أخرى أو استقرار سياسي تحت حكومة هوغو شافيز ثم مادورو. انهار الاقتصاد مع هبوط أسعار النفط، وتحوّلت البلاد إلى أزمة إنسانية حادة. كذلك العراق تحت حكم صدام حسين، بعد ثروة نفطية هائلة في السبعينيات، دخل في حروب طويلة (مع إيران، ثم الكويت) وعقوبات، مما أفقر الشعب ودمر الدولة.

إن تجاهل بناء المؤسسات والاعتماد على القائد الواحد سبب من أسباب انهيار الدول. هناك أمثلة واضحة في أفريقيا ما بعد الاستقلال مثل زائير تحت حكم موبوتو، أو أوغندا تحت حكم عيدي أمين التي ركّزت فيها الأنظمة على تثبيت الحكم الشخصي وقمع المعارضة، دون بناء جيش وطني محترف أو قضاء مستقل. النتيجة: حروب أهلية، انقسامات قبلية، وفشل الدولة.

السياسات الانغلاقية المعادية للعالم الخارجي دون إعداد داخلي، تعدّ سبباً من أن أسباب الضعف والانحلال. ألبانيا تحت حكم إنفر خوجا (1960-1985) التي قطعت كل العلاقات مع الغرب والشرق الاشتراكي معاً، وبنت دولة بوليسية فقيرة معزولة بعد وفاته، وجدت نفسها في تخلّف مريع عن جيرانها الأوروبيين.

وفي المقابل نجد أن دولاً مثل سنغافورة أو كوريا الجنوبية، اللتين بنتا سياساتهما على التنمية والتعليم والمؤسسات بعيداً عن الشعارات الثورية الجامدة، حقّقت كل منهما نجاحاً عظيماً نتيجة اتباعهما سياسات تنموية اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية. إنها معادلة ثابتة: تنمية متوازنة ومؤسسات قوية تساوي نهضة واستقراراً.

00:01 | 17-04-2026

خلق مستقبل أكثر ازدهاراً..

الازدهار والتنمية عنوان من عناوين التاريخ للدولة السعودية. لا شك أن بناء الدول العظمى عملية معقدة وتستغرق عقوداً أو حتى قروناً، متى توفرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، التي تساعد الدول على أن تصبح قوة عظمى. إن الاقتصاد القوي والمتنوّع يعتبر السر الكبير وراء نجاح تأسيس دولة عظمى والمفتاح لكل نجاح والقوة وراء كل تطوير وتقدّم. وفي ظل اقتصاد قوي يزدهر الابتكار التكنولوجي والاستثمار في البحث العلمي، ويجري بناء البنية التحتية والاستقرار المالي. مع المحافظة على الاستقرار الداخلي والحوكمة، وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية). ولا غنى عن حسن إدارة الموارد الطبيعية والاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي والمائي (مثل البرازيل في إنتاج الغذاء).

التاريخ يكشف لنا أن الولايات المتحدة بنت قوتها عبر الاقتصاد الحر، الابتكار، والقوة العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية.

والصين اعتمدت على التصنيع والاستثمار في أفريقيا وآسيا لتعزيز نفوذها. والإمبراطورية البريطانية سيطرت عبر التجارة والقوة البحرية في القرن التاسع عشر الميلادي.

إن الحروب والمخاطر التي تواجهها المنطقة نتيجة الأطماع والتوجهات الخاطئة تجعل المزاج العام والحالة العاطفية والنفسية السائدة لدى مجموعة كبيرة من الناس (مجتمع أو جمهور) في وقت الحروب سلبية نتيجة الأحداث السائدة. غير أن ذلك لا يمنع من التفكير والتخطيط للمستقبل بصورة إيجابية. إن الإيمان بما تملكه أي دولة من مقدّرات وإمكانيات حافز على العمل، والتعلم من دروس وعبر الأحداث تمكّن من إعادة النظر والتفكير في التحالفات والشراكات الإستراتيجية مع بعض الدول الكبرى. وبناء تحالفات إقليمية ترتكز على التكامل الاقتصادي والعسكري والثقافي. انطلاقاً من الاستقرار الداخلي والحوكمة واستقرار المراكز القانونية وحكم القانون. مدعومة بمؤسسات قضائية مستقلة ومحاربة الفساد.

التماسك الاجتماعي وتقليل الفوارق الطبقية والعرقية (مثل النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية).

إن المعركة الحقيقية تتجاوز التفوق العسكري أو الاقتصادي إلى معركة على المرونة والشرعية.. من هو الأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية؟ ومن الذي سيقدّم رواية مقنعة عن النظام العالمي المستقبلي الذي لن يكون لكبار اللاعبين فقط، بل لتلك القوى الوسيطة التي تمسك بصوت حاسم في تشكيل القرن الحادي والعشرين؟ إجابة هذين السؤالين هي التي ستحدد، في النهاية، من سيترك بصمته الأكثر ديمومة على صفحات التاريخ الجديد الذي يُكتب أمام أعيننا.

لكي تخطو أي دولة نحو مستقبل مشرق يجب أن تذهب الإصلاحات مباشرة إلى صميم كيفية خلق مستقبل أكثر إنصافاً وازدهاراً، وهذا هو الفرق الجوهري بين جبهة داخلية قوية مبنية على الشراكة الحقيقية، وجبهة داخلية ضعيفة قائمة على الإقصاء والأيديولوجيات الجامدة.

ختاماً، المستقبل لا يُورّث، بل يُبنى بقرارات جريئة، وتحالفات مرنة، وجبهة داخلية متماسكة. الفرصة سانحة، والكرة الآن في ملعب تنفيذ الإصلاحات التي تصنع الدولة القوية والمرنة، التي تترك بصمتها على تاريخ الغد.

00:01 | 10-04-2026

التلاحم الوطني

الجبهة الداخلية هي الحصن المنيع لأي دولة. أحد أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي سابقاً هو ضعف الجبهة الداخلية وعدم قناعة أغلبية المجتمع بالسردية الشيوعية، فالجبهة الداخلية ليست مجرد خط خلفي يقف وراء خطوط القتال، بل هي العمود الفقري لاستقرار الدولة وتماسكها الاجتماعي. وعندما تتصدع هذه الجبهة، ينهار كل شيء، مهما بلغت قوة المؤسسات العسكرية والأمنية. لقد كان الاتحاد السوفييتي نموذجًا صارخًا على هذه الحقيقة؛ إذ تفككت أركانه ليس بسبب هزيمة عسكرية خارجية، بل بسبب الفراغ الداخلي الذي نشأ حين انفصلت النخبة الحاكمة عن هموم الشعب، وفقد المواطنون ثقتهم في العدالة الاجتماعية، وانهارت الأسس المعنوية التي كانت تربط الملايين بمشروعهم الوطني. فالدولة التي تعجز عن بناء جبهة داخلية متماسكة، قائمة على قناعات راسخة وعدالة ملموسة، تكون أشبه ببناء ضخم شُيّد على رمال متحركة، لا يلبث أن ينهار عند أول هزة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وتعزيز الانتماء، وبناء سردية وطنية قادرة على استيعاب تطلعات المجتمع دون إقصاء أو فرض أيديولوجي، لأن قوة الجبهة الداخلية هي التي تحدد في النهاية قدرة الدولة على الصمود والبقاء.

بحمد الله لا يغيب هذا المفهوم عند أغلب دول المنطقة، الأمر الذي ينعكس على التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي والازدهار. إن الرؤية بُنيت على أساس متين من هذا المفهوم. فقد أدركت القيادة أن المجتمع الحيوي، والأمن الوطني الشامل، والعدالة الاجتماعية.. هي الركائز الحقيقية التي تمنع حدوث ذلك التصدع الذي شهدناه في نماذج سابقة مثل الاتحاد السوفييتي. الرؤية لم تترك الجبهة الداخلية للصدفة، بل جعلتها هدفًا إستراتيجيًا يُقاس بمؤشرات أداء دقيقة.

يمكن القول إن برنامج التحوّل الوطني هو صمام الأمان الذي يحمي الجبهة الداخلية السعودية من التصدّع الذي شهدته نماذج تاريخية مثل الاتحاد السوفييتي، فالبرنامج لم يكتفِ بالإصلاحات الاقتصادية، بل ذهب إلى:

1. بناء التماسك الاجتماعي عبر تمكين القطاع غير الربحي والتطوع.

2. تعزيز العدالة الاجتماعية عبر تمكين جميع فئات المجتمع اقتصاديًا.

3. ترسيخ الثقة في الدولة عبر الشفافية والتحوّل الرقمي.

4. تغيير العقليات عبر الاستثمار في التعليم والثقافة.

وكما جاء في تقارير البرنامج، فإن الإصلاحات «تذهب مباشرة إلى صميم كيفية خلق المملكة لمستقبل أكثر إنصافًا وازدهارًا لجميع السعوديين» — وهذا هو الفرق الجوهري بين جبهة داخلية قوية مبنية على الشراكة الحقيقية، وجبهة داخلية ضعيفة قائمة على الإقصاء والأيديولوجيات الجامدة.

إن الجبهة الداخلية القوية ليست إنجازًا يُحقّق مرة واحدة، بل هي مشروع متجدد يتطلب استمرار العمل على تعزيز الثقة والعدالة والانتماء، وهو ما تدركه الرؤية السعودية جيدًا من خلال برامجها المستمرة ومؤشراتها القابلة للقياس.

00:08 | 3-04-2026

عندما يغيب العقل

العقل ملكة فكرية وغريزة إدراكية تميّز الإنسان، تمكّنه من التفكير، الوعي، الذاكرة، والتمييز بين الصواب والخطأ. فإذا اختلط الصواب والخطأ عند صاحبها فالقرارات التي يتخذها تكون بعيدة عن التقدير والتفكير. عندما نتطرق إلى العقل وكيف ينظر إليه الفلاسفة نجد أن هناك تباينًا في نظرتهم للعقل، وقد تناوله الفلاسفة والعلماء بتفسيرات وتحليلات مختلفة بناءً على مواقفهم الفلسفية والعلمية. العقل مفهوم مجرد يشير إلى القدرة على التفكير، الفهم، التحليل، والتمييز بين الأشياء. يرتبط العقل بالوعي والذكاء والحكمة والبديهة، وهو القدرة التي تجعل الإنسان قادرًا على التفكير المتقدم وحل المشكلات. يعدّ العقل مسؤولًا عن الإدراك والمعرفة والإبداع والتخيل.

عندما يغيب العقل يعني أن القرارات التي يتخذها الفرد بعيدة عن الإدراك والمعرفة والتخيل ويمكن تصنيف هذه المسببات التي تعطّل العقل وتشوش عليه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ إلى ثلاثة مجالات رئيسة: داخلية فردية، وخارجية اجتماعية، وأخرى معرفية منهجية.

أولاً: المسببات الداخلية الفردية (آفات النفس):

تلك هي العوائق التي تنبع من داخل الإنسان نفسه، من تركيبته النفسية ورغباته. من أبرزها:

1. الهوى والشهوة: ربما يكون الهوى أكبر معطل للعقل. عندما تستحوذ الرغبة على قلب الإنسان، يصبح العقل أداة لتبرير تلك الرغبة لا لاكتشاف الحقيقة. فتراه يختار ما يهواه متصوراً أنه الصواب، حتى لو خالفته البراهين الواضحة.

2. الغضب والانفعال: في لحظة الغضب الشديد، يحتبس الدم عن مراكز التفكير العليا، ويتصرف الإنسان باندفاعية وعدوانية يندم عليها لاحقاً. العقل هنا يكون غائباً أو مشلولاً تماماً.

3. الكسل الفكري والاعتياد: الميل الطبيعي للتراخي وعدم بذل الجهد في التفكير العميق. يدفع هذا الكسل الإنسان إلى تبنّي الآراء الجاهزة والأفكار الموروثة دون تمحيص، والاستمرار في الاعتياد عليها حتى لو كانت خاطئة.

4. الخوف والقلق: الخوف من المجهول، أو من فقدان المكانة، أو من تغيّر المعتقدات، يجعل العقل في حالة دفاع مستمرة تمنعه من تقييم الأمور الجديدة بموضوعية وحياد.

ثانياً: المسببات الخارجية الاجتماعية (ضغوط المحيط):

الإنسان كائن اجتماعي، والمجتمع يمكن أن يكون بيئة حاضنة للعقل أو معطلة له.

1. التلقين والتقليد الأعمى: منذ الصغر، نتربى على قيم وأفكار معينة. عندما تتحوّل هذه التنشئة إلى تلقين جامد لا يقبل النقاش، يصبح من الصعب على العقل التفكير خارج هذا الإطار، ويتم رفض أي فكرة جديدة فقط لأنها «غير مألوفة» أو «مخالفة لما عليه الآباء والأجداد».

2. الضغط الاجتماعي والخوف من النبذ: حاجة الإنسان للانتماء قد تدفعه إلى تعطيل عقله. يخاف أن يكون رأيه مختلفاً عن رأي الجماعة فيوافقهم بالرأي وإن كان يعلم أنه خطأ، أو يسكت عن قول الحق. هذا ما يُعرف بـ «الإرادة المكبوتة».

3. الدعاية والإعلام المنحاز: في عصر المعلومات، أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل قادرة على تشكيل الوعي الجمعي. تكرار معلومة معينة أو تشويه حقائق أخرى يجعل العقل يقبلها كمسلّمات دون جهد نقدي، خاصة إذا صيغت بشكل عاطفي وجذاب.

ثالثاً: المسببات المعرفية والمنهجية (خلل في أداة التفكير):

أحياناً يكون العقل سليماً والرغبة في الحق موجودة، لكن المنهج المتبع في التفكير هو المعطل.

1. الجهل: غياب المعرفة الأساسية في موضوع ما يجعل الحكم عليه مستحيلاً أو خاطئاً بالضرورة. كيف لعقل أن يفرق بين الصواب والخطأ في الطب وهو لا يعرف شيئاً عن أصوله؟

2. المغالطات المنطقية: الوقوع في أخطاء التفكير الشائعة، مثل التعميم المتسرع (كل الفلانين كذا) أو الاستدلال الدائري، يؤدي إلى نتائج خاطئة رغم أن المقدمات قد تبدو سليمة.

3. تشكّل المعتقدات الخاطئة (الخرافات): عندما يبني العقل تصوراته على أسس وهمية أو خرافية، فإن كل ما يبنيه لاحقاً سيكون هشاً وبعيداً عن الواقع، لأنه ينطلق من فرضية غير صحيحة.

تعطيل العقل ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تفاعل معقد بين دواخلنا ومحيطنا. العقل ليس مجرد ملكة نمتلكها فحسب، بل هو مسؤولية علينا أن نرعاها ونصونها من الآفات. واسترداد العقل يبدأ بالوعي بهذه المسببات، ثم بالشجاعة على مواجهة الهوى ومخالفة الجماعة عند الخطأ، وبالانضباط في اتباع منهج علمي نقدي في التفكير. فبالعقل السليم ندرك الحق، وبالعقل المنضبط نتبعه، وحينها فقط نكون قد استخدمنا أغلى ما وهبنا الله لنكون أحراراً حقاً.

00:10 | 27-03-2026

غياب القانون الدولي

ماذا يعني غياب القانون الدولي؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في وقتنا الراهن. لأن الأحداث التي تدور في عالمنا اليوم تظهر بجلاء غياب القانون الدولي عن الساحة الدولية. مما يعني غياب الأخلاق والقيم الإنسانية والأعراف والدروس المستخلصة من التجارب والتاريخ.

غياب القانون الدولي يعني، ببساطة، عودة قانون الغاب؛ حيث لم يعد هناك فارق بين الضحية والجلاد، ولا بين المعتدي والمعتدى عليه. إنه تحوّل القوة إلى مصدر وحيد للحق، فأصبح القوي هو من يقرر ما هو صائب وما هو خطأ، دون رادع أو محاسبة.

هذا الغياب يعني أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي خرج من رحم الحرب العالمية الثانية لمنع كارثة جديدة، أصبح حبراً على ورق. وأصبحت مؤسسات المجتمع الدولي عاجزة عن حماية الأبرياء، مما يعيدنا إلى مبدأ «البقاء للأقوى» الذي حاولت البشرية تجاوزه عبر قرون من النضال والتضحيات.

بل إن غياب القانون الدولي هو إنكار لكرامة الإنسان ذاتها. فعندما تُقتل النساء والأطفال ويدمّر المدنيون تحت قصف عشوائي أو حصار جائر، ويبقى المجتمع الدولي صامتاً أو عاجزاً، فهذا يعني أن الإنسانية فقدت بوصلتها الأخلاقية، وأن الدماء لم تعد ثمينة، بل مجرد أرقام في معادلات سياسية باردة.

وإذا كان القانون هو لغة العقل والمنطق التي تحكم العلاقات، فإن غيابه يعني أن الصراع أصبح يُحسم بلغة الدم والنار فقط. إنه فشل ذريع للحكمة الإنسانية، وتنكّر للدروس التي كان ينبغي أن نتعلمها من ويلات الحروب السابقة. وهو يخلق واقعاً مرعباً يدفع الجميع ثمناً باهظاً له، سواء كانوا ضحايا مباشرين أو مجرد متفرجين عاجزين.

الآن أصبحت البلطجة تمارس دون حراك من المجتمع الدولي. فالخطف والقتل للخارجين عن إرادة القوي مستباح. مفهوم السيادة لا معنى حقيقي له. السيادة اليوم للقوة وفرض الواقع. الوضع خطير فالقانون أساس كل المبادئ السياسية والأسس والأنظمة، بدونه تسود الفوضى وشريعة الغاب، وتعود آفات المجتمعات التي عملت الإنسانية جاهدة على القضاء عليها وتخفيف حدتها وسطوتها. عندما تولد المجتمعات يظهر معها آفتان: الحروب والطغيان. والقانون هو السبيل الوحيد الذي يقضي، أو على الأقل يحد من هاتين الآفتين.

الذي يميّز الحضارات عن غيرها وجود القانون وتطبيقه وسيادته والآليات القادرة على إنفاذه.

فغياب القانون الدولي إذاً، هو انتحار جماعي للحضارة الإنسانية. إنه تراجع ممنهج إلى عصور الظلام، حيث كانت القبيلة القوية تغزو القبيلة الضعيفة وتستعبدها باسم البقاء. إنه تفكيك للنسيج الهش الذي يربط البشر ببعضهم رغم اختلافاتهم، ليحل محله منطق المعسكرات والتحالفات المؤقتة القائمة على المصالح اللحظية، وليس على المبادئ الثابتة.

وعندما تغيب العدالة، يحل محلها الانتقام. وعندما يغيب القانون، يصبح كل شيء مباحاً للقوي: من إبادة جماعية إلى تطهير عرقي، تحت مسميات برّاقة ومبررات واهية. هذا الغياب لا ينذر فقط بمعاناة الضعفاء، بل هو وعد بفناء الجميع، لأن القوي اليوم قد يكون الضعيف غداً في عالم لا يحكمه إلا منطق القوة.

إن غياب القانون الدولي يعني أننا نحرق آخر الجسور التي تبقينا ضمن إطار الإنسانية المشتركة، ونتخلى عن أحلام الأجداد في عالم أكثر عدلاً وسلاماً، ونسلم الراية لأحفاد النيرون والجنكيز خان الذين لا يعرفون من لغة الحضارة إلا أحدث أسلحة الدمار.

00:04 | 20-03-2026

فجر جديد

«دوام الحال من المحال»، قاعدة يَصْدُق تطبيقها على كل شأن من شؤون الحياة. التاريخ تحكي آثاره عن أمم سادت ثم بادت. أمور كثيرة يَظُنُّ الناس أنها مستحيلة أو بعيدة التحقُّق، تتحقق في غمضة عين، بمقياس الزمن الذي يمتد آلاف السنين بل ملايين السنين.

إذا طبّقنا هذا المنطلق الفلسفي على السياسة، سيقود إلى نتيجة حتمية: زوال أحادية القوى العالمية. وقد أشرت إلى ذلك في العديد من المقالات، خلاف ما ذهب إليه كتاب «نهاية التاريخ» الذي ذهب مؤلفه في نظريته إلى أن الحضارة الغربية ستسود حتى النهاية. وقد أثبتت الأحداث عدم دقة هذا الرأي. فالعالم يشهد ظهور وبروز التنين الصيني، وعودة الاتحاد الروسي، وقوى إقليمية ودولية تتشكّل. العالم أمام مشهد ولادة فجر جديد يؤكد أن قاعدة «دوام الحال من المحال» تَصْدُق دائماً.

لقد روّجت الرؤية أو السردية الغربية للنظرية الأصلية التي ادعى فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992) أن انتصار الليبرالية الديمقراطية الغربية بشكليها السياسي (الديمقراطية) والاقتصادي (الرأسمالية) يمثل «نهاية التاريخ» الفلسفية، بمعنى أنها الصيغة النهائية للحكم البشري التي ستهيمن إلى الأبد.

في حين أن التطورات اللاحقة أثبتت أن هذا الادعاء كان متفائلاً بشكل ساذج. فبدلاً من الهيمنة الأحادية، شهدنا: صعود الصين، وهو النموذج الأبرز الذي يناقض فوكوياما. فالصين تقدّم نموذجاً هجيناً يجمع بين اقتصاد السوق المفتوح (رأسمالية) ونظام سياسي سلطوي (حكم الحزب الواحد). إن نجاحها الاقتصادي يقوّض الادعاء بأن الديمقراطية الليبرالية هي السبيل الوحيد للتقدّم والازدهار. كما أن عودة روسيا، تحت قيادة بوتين، كقوة مناهضة للهيمنة الغربية، مستخدمة أدوات الطاقة والعسكر والدبلوماسية لتحدي النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وكذلك صعود قوى إقليمية مثل الهند والبرازيل وغيرهما، التي تتابع مصالحها الخاصة ولا تتبع بالضرورة النموذج الغربي بشكل كامل.

العالم يتحوّل بالفعل من مرحلة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) إلى نظام تعددي الأقطاب، حيث توجد عدة مراكز قوى تؤثر في السياسة العالمية. هذا التحوّل يثبت صحة القاعدة الفلسفية («دوام الحال من المحال»). لقد أثبت التاريخ أن لا شيء يدوم إلى الأبد، لا الإمبراطوريات ولا نماذج الحضارة. إن افتراض أن الغرب سيسود «حتى النهاية» يتجاهل الدروس الأساسية لدورات صعود وسقوط الحضارات. ما نراه اليوم هو مجرد فصل جديد في هذه الدورة التاريخية الطويلة. الأحداث تظهر فشل النموذج الواحد أينما كان، فالعالم أصبح أكثر تعقيداً. فقد كشف فشل النموذج الغربي في تحقيق الاستقرار والازدهار في كل مكان (كما رأينا في حروب العراق وأفغانستان والأزمة المالية 2008) إلى جانب نجاح النماذج الأخرى (مثل الصين)، أدّى إلى بحث دول كثيرة عن مسارات تنموية تناسب ظروفها وثقافتها، وليس مجرد استيراد النموذج الغربي.

إن ولادة «فجر جديد» متعدد الأقطاب هو السيناريو الأكثر ترجيحاً للمستقبل المنظور، حيث تتنافس وتتعاون عدة قوى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الهند، وغيرها) لتشكيل النظام العالمي، بدلاً من هيمنة قوة واحدة. والقاعدة الفلسفية صامدة: «دوام الحال من المحال» ليست مجرد مقولة شعبية، بل هي خلاصة رؤية فلسفية تاريخية عميقة تُثبت صحتها مرة أخرى في مشهد السياسة العالمية المعاصرة.

وعلى هذا، فإن التحوّلات الجارية ليست مجرد تقلبات في موازين القوى، بل هي تأكيد آخر على أن قوانين التاريخ لا تتبدل. إن صعود وأفول الأمم هو سنّة الكون، وما يحدث اليوم تحت أعيننا هو فصل مشرق من فصول هذه المسيرة الإنسانية الطويلة، حيث تتنوع النماذج وتتعدد المراكز، لتثبت مرة أخرى أن «دوام الحال من المحال»، وأن العالم متجدّد دوماً بأقداره وأفكاره.

00:25 | 13-03-2026

الصناعة التي يخلقها الإرهاب..

بعيدًا عن الأماكن التي تدور فيها العمليات الإرهابية، وبعيدًا عن «مَن المستفيد» – الذي سبق أن أفردت مقالًا عنه بعنوان «صناعة الإرهاب» – فإذا توسعنا في النظر، نجد أن «اقتصاد الإرهاب» يشكل نسيجًا معقدًا يتخلل شرايين الاقتصاد العالمي بطرق قد لا تكون واضحة للعيان.

بموازاة صناعة مكافحة الإرهاب، توجد شبكات معقدة لتمويل الأنشطة الإرهابية نفسها؛ حيث تزدهر أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية (مثل نظام «الحوالة»)، وعمليات غسل الأموال عبر التجارة الدولية (مثل تهريب النفط والآثار وألماس الخام)، واستغلال جمع التبرعات الخيرية. وتشكل هذه الشبكات اقتصادًا موازيًا يعتمد على ثغرات في الأنظمة المالية العالمية.

وتُعد صناعة التأمين وإدارة المخاطر واحدة من أهم الصناعات التي تحقق أرباحًا كبيرة؛ فمع كل هجوم إرهابي، ترتفع أقساط التأمين على الحياة والممتلكات والبنى التحتية الحيوية. كما تدفع الشركات متعددة الجنسيات والمنشآت الحيوية الملايين استثمارًا في تقييم المخاطر ووضع خطط إدارة الأزمات، مما يخلق سوقًا ضخمة لشركات الاستشارات الأمنية والتأمينية المتخصصة. وقد أصبح الخطر الإرهابي عاملاً محوريًا في حساب تكلفة أي مشروع دولي.

ولا شك أن هناك صناعات عديدة تزدهر نتيجةً لوجود ظاهرة الإرهاب، وعلى رأسها الشركات العالمية الكبرى في مجال الدفاع والتكنولوجيا، والشركات المتخصصة في الأمن والمراقبة والتكنولوجيا، والشركات المتخصصة في حماية الحدود وتأمين المنشآت، وشركات أنظمة المراقبة والاستخبارات (ISR) التي تنتج الطائرات بدون طيار (الدرونز) والأقمار الصناعية و كاميرات المراقبة الذكية، وشركات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات من وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات للكشف عن التهديدات المحتملة، بالإضافة إلى أجهزة التعرف على الهوية البيومترية (بصمات الأصابع، قزحية العين، التعرف على الوجوه)، وحلول الأمن السيبراني لحماية الشبكات والأنظمة الحساسة من القرصنة، وأنظمة اعتراض الاتصالات لاعتراض وتحليل الاتصالات المشفرة وغير المشفرة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة لاكتشاف وتعطيل أو تحطيم الطائرات المسيرة المعادية، وأنظمة التفتيش الأمني لأمن المطارات والمنشآت الحيوية. وغير ذلك من صناعات وتقنيات وحلول تكنولوجية متطورة تزدهر وتنمو بوتيرة أسرع في ظل ظاهرة الإرهاب.

الخلاصة هي أن ظاهرة الإرهاب لم تعد مجرد أفعال عنف متفرقة، بل تحولت إلى «نظام بيئي اقتصادي» كامل (Economic Ecosystem). في هذا النظام، هناك طرفان يتغذى أحدهما على الآخر: الطرف الأول هو صناعة الإرهاب التي تخلق الطلب، والطرف الثاني هو الصناعة المضادة للإرهاب التي تستجيب لهذا الطلب بمنتجاتها وخدماتها. بينهما، تدور رحى اقتصاد ضخم تقدر قيمته بترليونات الدولارات، تتحول فيه الدماء والألم إلى أرباح وميزانيات ونمو في أسواق قد لا تخطر على بال. وهذا ما يجعل الحرب على الإرهاب، من منظور اقتصادي بحت، واحدة من أكثر الحروب ربحية واستدامة في عصرنا.

01:06 | 6-03-2026

لماذا نهتم بالتاريخ؟    

التاريخ أشمل وأعم من أحداث ووقائع ماضية وقصص ومرويات وتراث بين صفحات الكتب.

التاريخ هو سجل خبرات البشرية وذاكرتها، تكمن أهميته في فهم الحاضر عبر جذور الماضي، استخلاص الدروس لتجنّب أخطاء السابقين، وبناء الهوية الوطنية والثقافية للأفراد والأمم. كما يعزز الوعي الإنساني، يطوّر مهارات التفكير النقدي، ويساعد في التخطيط لمستقبل أفضل من خلال تحليل تجارب الأمم.

التاريخ مهم لأنه ثقافتنا وهويتنا وأحد أسس أدوات التفكير والتخطيط. التاريخ المعلم الأول الذي نتعلم من تجاربه وتراكم خبراته، ويساهم في تطوير العلوم الاجتماعية، والسياسية، والوعي الجماعي بالتطور البشري، مستنداً على نقد وتحليل الوثائق والآثار.

المعضلة التي تعاني منها مجتمعاتنا تكمن في عدم نقدنا للتاريخ والتمسك المطلق بمفهوم كمال التراث الإسلامي الذي يؤدي إلى عدد من العيوب والمشاكل، منها: جمود الفكر ومقاومة التغيير والتجديد، حيث يُنظر إلى أي محاولة لتطوير أو نقد التراث على أنها تخل بكماله. إن المعوقات في مواجهة التحديات الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية تظهر خطورة مفهوم كمال التراث على مواكبة العلوم الحديثة وقد تحول دون معالجة التحديات المعاصرة بأساليب جديدة تتماشى مع تطورات العصر الحديث، سواء في العلوم أو التكنولوجيا أو غيرها. إن تجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي نشأ فيها التراث، وبذلك قد يُساء فهم الغايات والظروف التي استدعت بعض الأفكار والممارسات. كما يسيء فهم مفردات التراث ودلالتها. والمشكلة أن البعض يتصوّر الحياة في القرون الماضية بواسطة منظورهم للحياة الآن ما يؤدي إلى عدة استنتاجات خاطئة ونتائج سلبية. وعلى سبيل المثال النظافة والصحة في القرون الماضية قبل العصر الحديث، كانت أقل تطوراً، مما أدّى إلى انتشار العديد من الأمراض والأوبئة. ومن الطبيعي أن انعكست هذه المعرفية في كتبهم وثقافتهم وعاداتهم. ثم إن التعليم والمعرفة المحدودة كان مقتصراً على النخبة في القرون الغابرة، وغالباً ما كان تحت سيطرة الدولة وكل ذلك انعكس في التراث. غير أن المهم أن نتذكر أن هذه النتائج تظهر الفُرُوق في الزمن والتقدم الذي حققته البشرية، ويجب النظر إليها بفهم للسياق التاريخي والثقافي لكل حقبة. لهذا من الخطأ تصوّر الكمال في التراث.

إن النقد الموضوعي للتراث لا يعني أبداً هدمه أو رفضه جملة وتفصيلاً، بل هو محاولة لفهم آلياته وقواعده التي نشأ فيها، والتمييز بين المبادئ والقيم الكبرى التي تشكّل جوهر الهوية، والمتغيّرات التي كانت استجابة لظروف تاريخية محددة ولم تعد صالحة للحل. نحن بحاجة إلى «فقه تاريخي» للتراث، نعيد فيه قراءة النصوص والممارسات في سياقاتها لنستخلص المقاصد الكبرى لا الجزئيات الجامدة. فالمطلوب ليس الانسلاخ من الماضي، بل استيعابه نقدياً وتحويله إلى مصدر إلهام للتجديد، لا إلى عائق يحول دون الابتكار. بهذه الطريقة فقط يمكننا تحويل التراث من «عبء» إلى «قوة دفع» نحو المستقبل.

الشرق الأوسط أمام هجمة استعمارية تقوم على مجموعة من الأسس والمفاهيم الفكرية، الاقتصادية، والسياسية التي تهدف إلى إخضاع الشعوب واستغلال مواردها. وقد تطوّرت هذه السياسات عبر الزمن لتشمل السيطرة العسكرية، الفكرية، والاقتصادية. ومن هذه الأسس الفكرية المركزية العرقية والتفوق الحضاري التاريخي الذي يقوم على الاعتقاد بأن الشعوب المستعمرة أدنى شأناً، وأن الثقافة الغربية هي الأعلى والأكثر تطوراً، مما يمنح المستعمر «الحق» في السيطرة. وإثارة الفتن والنزاعات العرقية، الطائفية، أو القبلية داخل المجتمع المستعمر لإضعاف وحدته وتسهيل السيطرة عليه. الاستعمار الثقافي والفكري الذي يسعى لمحو هوية الشعوب المستعمرة (اللغة، الدين، التقاليد) وفرض لغة وثقافة المستعمر، لضمان التبعية طويلة الأمد؛ ينطلق من أن التاريخ صنعه المستعمر الذي سرق الجغرافيا وخلق تاريخ المنطقة.

فهمنا للتاريخ وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية وتطهيره مما أدخل عليه من الدراسات الغربية أو السياسية والسلطويّة بغرض تسخيره لأهداف مشبوهة. هذا الفهم المُحرر للتاريخ، وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية واعية، لا يدعو إلى الانعزال عن الفكر العالمي أو رفضه، فالعلوم والمعارف الإنسانية تراكم عالمي، وإنما يدعو إلى تطهير الرواية التاريخية مما علق بها من تشويه مقصود أو تزييف خدمة لأجندات سياسية أو استعمارية، واستعادتها كأداة للتمكين الحضاري والنهضة الشاملة، لا كسيف للماضي يُحجب به نور المستقبل.

00:25 | 27-02-2026

رحل الفيلسوف مراد وهبة

رحل الدكتور الفيلسوف المصري مراد وهبة -يرحمه الله- بعد حياة حافلة قاربت المئة عام، قضاها في العطاء الفكري الذي أثرى الفلسفة العربية المعاصرة. وُلد في أسيوط (13 أكتوبر 1926)، ودرس الفلسفة ليصبح أستاذاً لها في جامعة عين شمس. شغل عضوية عدد من المؤسسات الفكرية الدولية، وكان المؤسس والرئيس للجمعية الدولية لابن رشد والتنوير. ذُكر اسمه في موسوعة الشخصيات العالمية كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً.

وقد كان مهتماً بتبسيط الفلسفة للجمهور. ولد مراد وهبة في 13 أكتوبر عام 1926 بمحافظة أسيوط، ودرس الفلسفة ليصبح لاحقًا أستاذًا لها في جامعة عين شمس، كما شغل عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والفلسفية الدولية، وعُرِف طوال حياته بدفاعه المستمر عن التنوير وسلطة العقل. وترك الراحل مراد وهبة رصيدًا مهمًا من المؤلفات الفكرية التي شكّلت علامات بارزة في مسار الفلسفة العربية، من بينها كتابه المرجعي «المعجم الفلسفي»، وكتاب «رباعية الديمقراطية»، إلى جانب أعماله الأخرى ومنها كتاب «ملاك الحقيقة المطلقة»، و«الأصولية والعلمانية»، و«جرثومة التخلف»، و«قصة الفلسفة»، و«مدخل إلى التنوير»، و«سلطان العقل».

يُعد الفيلسوف وهبة أيقونة التنوير في العالم العربي، فقد اهتم بالإبداع في العملية التعليمية، ويُعد «المعجم الفلسفي» من أعظم ما كتب وهبة؛ حيث يُعْتَبَر من أهم المعاجم الفلسفية الحديثة في العالم العربي، ويشمل المفاهيم الفلسفية، مع شرح لأهم الفلاسفة وأفكارهم الأساسية وربطها بالتطوّرات الفكرية عبر العصور.

إِنَّ مراد وهبة مثَّل نموذجًا مغايرًا لأستاذ الفلسفة التقليدي؛ إذ لم يتعامل مع الفلسفة بوصفها معرفة جامدة أو معزولة عن الحياة، بل ارتبطت لديه بالشارع وبقضايا المجتمع، وشعر بمسؤوليته تجاه الواقع، فكان حاضرًا في الفعاليات والمؤتمرات العامة، مؤكدًا أن احتفاءه بابن رشد كان في جوهره احتفاءً بقيم التنوير والإصلاح الديني.

ومن أقواله: «نحن محكومون بالموتى وليس الأحياء» (يقصد التراث)، و«التنوير حتمي لأنه الشرط الوحيد لتحرير الإنسان من فخ الكراهية». و«التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». عن العقلانية: «اقرأ لتفكّر، لا لتُردد». عن الحرية: «الحرية شرط للعقل، والعقل شرط للحرية». عن العنف: «حين يغيب التفكير العقلاني، يظهر العنف بوصفه اللغة الوحيدة المتاحة». عن التنوير: «التنوير لا يعني مجرد نزع الغيبيات، بل نزع التسلّط عنها». عن التفكير: «حين يتحوّل العقل إلى تابع، يصبح الإنسان فرداً في قطيع».

ويقول الدكتور وهبة: «حين يغيب التفكير العقلاني، يظهر العنف بوصفه اللغة الوحيدة المتاحة»، و«التنوير حتمي لأنه الشرط الوحيد لتحرير الإنسان من فخ الكراهية». و«الحرية شرط للعقل، والعقل شرط للحرية». فكل فكر لا ينطلق من هذا التلازم مصيره أن يتحوّل إلى أداة قمع جديدة. و«الفلسفة ليست أن تحفظ أفلاطون أو ديكارت، بل أن تسأل أسئلتهم في زمانك». و«نحن في حاجة إلى ثورة عقلانية تبدأ من الذات وتنتهي بالمؤسسات».

رحل الفيلسوف العظيم، لكن إرثه التنويري يظل نبراسًا يُضيء درب العقلانية في فكرنا العربي. لقد حوّل الفلسفة من جدل أكاديمي إلى أداة حية لفهم الواقع وتغييره، مؤمنًا بأن تحرير العقل هو المدخل الوحيد لتحرير الإنسان. لقد كان وهبة ضميرًا حيًا للأمة، يذكرها بأن مستقبلها مرهون بقدرتها على التساؤل والنقد والتفكير المستقل.

00:24 | 20-02-2026