في السياسة كما في الطبيعة، قد يبدو الحيوان الصغير هادئاً حين يكون قوياً، لكنه يصبح أكثر شراسة عندما يُصاب!!


هكذا تبدو إيران اليوم: فأرٌ جريح يتحرك في زوايا المنطقة، يعضّ. يركل. يتمادى لأنه يشعر بأن الخطر يقترب من قلبه.


على مدى عقود بنت طهران نفوذها على فكرة التمدد عبر الأذرع، لا عبر المواجهة المباشرة. من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى اليمن، نسجت شبكة نفوذ معقدة تشبه خيوط العنكبوت؛ خيوطٌ تبدو رفيعة لكنها قادرة على تعطيل حركة المنطقة. غير أن هذه الشبكة بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات الدولية والإقليمية.


العقوبات الاقتصادية أنهكت الداخل الإيراني، والشارع لم يعد ذلك الصامت الذي يمكن تجاهله. الاحتجاجات المتكررة، وتراجع قيمة العملة، وتآكل الطبقة الوسطى، كلها مؤشرات على أن الداخل لم يعد صلباً كما كان يُصوَّر. وعندما يضعف الداخل، يصبح الخارج مجرد محاولة لتعويض الخسارة.


الفأر الجريح لا يهاجم لأنه قوي، بل لأنه خائف. لذلك نرى إيران أحياناً تصعّد في ملفات حساسة، أو تدفع حلفاءها إلى رفع مستوى التوتر.


إنها سياسة الهروب إلى الأمام. محاولة لإثبات الحضور في وقت يتراجع فيه النفوذ الحقيقي.


لكن المشكلة أن المنطقة لم تعد كما كانت. توازنات جديدة تتشكل، وقوى إقليمية تعيد تعريف مصالحها بعيداً عن الصراعات الطويلة.


في عالم يتغير بسرعة، يصبح اللعب على حافة الفوضى خياراً أكثر خطورة على من يختاره.


إيران اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى دولة طبيعية تبحث عن الاستقرار والتنمية، أو تبقى أسيرة عقلية الحصار والمواجهة. وفي الحالتين، فإن الفأر الجريح قد يسبب الألم لمن حوله، لكنه في النهاية لا يستطيع أن يغيّر مسار الغابة.


السياسة لا تُقاس بحجم الضجيج، بل بقدرة الدول على بناء مستقبلٍ مستقر لشعوبها كما هي السعودية وبقية دول الخليج، وهذا هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد شكل إيران في السنوات القادمة: هل تبقى فأراً جريحاً يعضّ في الظلام، أم تختار الخروج إلى ضوء الواقع؟