الدولة،‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬مناطقية‭. ‬الدولة،‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬تغار‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬وحدة‭ ‬أراضيها،‭ ‬غيرتها‭ ‬على‭ ‬سيادتها‭ ‬واستقلالية‭ ‬قرارها‭. ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬شرعية‭ ‬حكومة‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬بعد‭ ‬كونها‭ ‬وليدة‭ ‬إرادة‭ ‬شعبها،‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬حماية‭ ‬سلامة‭ ‬وحدة‭ ‬أراضيها،‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عدو‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬أوالخارج‭. ‬لذا‭: ‬نجد‭ ‬في‭ ‬دساتير‭ ‬كل‭ ‬الدول،‭ ‬ضرورة‭ ‬قسم‭ ‬رموز‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬سلطات‭ ‬الدولة‭ ‬الثلاث‭ (‬الحكومة‭)‬،‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الذود‭ ‬عن‭ ‬سلامة‭ ‬ووحدة‭ ‬تراب‭ ‬الوطن‭. ‬

الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬للدولة،‭ ‬لا‭ ‬يُتعامل‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬خطر‭ ‬محتمل،‭ ‬بل‭ ‬كخطر‭ ‬استراتيجي‭ ‬بَيّن‭ ‬وناجز،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭. ‬في‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬يتوقف‭ ‬التزام‭ ‬الدول‭ ‬بالعضوية‭ ‬فيه،‭ ‬على‭ ‬الإقرار‭ ‬بحق‭ ‬الدولة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬خارجي،‭ ‬باتخاذ‭ ‬كافة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الضرورية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬وسلامة‭ ‬ووحدة‭ ‬تراب‭ ‬إقليمها‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭: ‬تعمل‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬ردع‭ ‬فاعلة‭ ‬استباقاً‭ ‬لأي‭ ‬محاولة‭ ‬تهديد‭ ‬لأمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬يردع‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬خارجي،‭ ‬حتى‭ ‬التفكير‭ ‬الإضرار‭ ‬بوحدة‭ ‬وسلامة‭ ‬إقليمها‭.‬

الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬قيمة‭ ‬عليا،‭ ‬قد‭ ‬تقتضي‭ ‬اللجوء‭ ‬للقوة‭ ‬لحماية‭ ‬حدود‭ ‬ومصالح‭ ‬الدول‭.‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬مطلقاً،‭ ‬بل‭ ‬يُلجأ‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬استيفاء‭ ‬كافة‭ ‬الطرق‭ ‬السلمية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬مشاكل‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬لتفادي‭ ‬تطوّرها‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاحتكام‭ ‬للسلاح‭. ‬السياسة‭ ‬الرشيدة،‭ ‬بل‭ ‬الفعّالة‭ ‬والكفؤة‭ ‬للذود‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬ومصالح‭ ‬الدولة،‭ ‬تقتضي‭: ‬البدء‭ ‬بالطرق‭ ‬السلمية‭ ‬لتسوية‭ ‬الخلافات،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬دوماً‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬فاعلة،‭ ‬مع‭ ‬إرادة‭ ‬استخدامها،‭ ‬مستعدة‭ ‬للتدخل‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬للتهديد،‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬وللأبد‭. ‬

هذا،‭ ‬بالضبط،‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬اليمن،‭ ‬التي‭ ‬يحاول‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬إشعالها‭ ‬تهديد‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬للمملكة‭. ‬هنا‭ ‬أدركت‭ ‬الرياض‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالقوس‭ ‬منزع،‭ ‬سوى‭ ‬الانتفاض‭ ‬لمواجهة‭ ‬الخطر‭ ‬الأمني‭ ‬الداهم،‭ ‬بامتداد‭ ‬اليابسة‭ ‬والماء،‭ ‬حول‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وعلى‭ ‬مشارف‭ ‬تخوم‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والقرن‭ ‬الأفريقي،‭ ‬وحتى‭ ‬دول‭ ‬الساحل‭ ‬الأفريقي‭. ‬

فكان‭ ‬قرار‭ ‬الرياض‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬السيل‭ ‬الزبى،‭ ‬من‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخططات‭ ‬تستهدف‭ ‬أمن‭ ‬المملكة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭ ‬إلا‭ ‬بمقولة‭: ‬آخر‭ ‬الدواء‭ ‬الكي‭. ‬منذ‭ ‬البداية‭: ‬تطوّرت‭ ‬أزمة‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬على‭ ‬حدودنا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحكمها‭ ‬اتفاقية‭ ‬الطائف‭ ‬‮١٩٣٤‬،‭ ‬حتى‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬جدة‭ ‬‮٢٠٠٠‬‭ ‬الترسيم‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬واليمن،‭ ‬ونفذت‭ ‬هذ‭ ‬الاتفاقية‭ ‬بالفعل‭ ‬وجرى‭ ‬وضع‭ ‬علامات‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬واليمن‭. ‬لكن‭ ‬أزمات‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬توالت‭ ‬بمنحنى‭ ‬خطيرٍ،‭ ‬حتى‭ ‬كادت‭ ‬تعصف‭ ‬بالدولة‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬عندما‭ ‬عصفت‭ ‬أحداث‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي،‭ (‬يناير‭ ‬‮٢٠١١‬‭)‬،‭ ‬بوحدة‭ ‬اليمن،‭ ‬لتتولى‭ ‬مليشيات‭ ‬غير‭ ‬نظامية‭ ‬ناصية‭ ‬الحكم‭ ‬باليمن‭.. ‬وبالتبعية‭: ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬شرر‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬عبر‭ ‬حدود‭ ‬المملكة‭ ‬الجنوبية‭ ‬مع‭ ‬اليمن،‭ ‬خاصةً‭ ‬أن‭ ‬ضمن‭ ‬ممن‭ ‬شُكل‭ ‬منهم‭ ‬تحالف‭ ‬دعم‭ ‬الشرعية،‭ ‬لاستعادة‭ ‬الدولة‭ ‬باليمن،‭ ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث،‭ ‬للإضرار‭ ‬بأمن‭ ‬المملكة‭ ‬الوطني‭. ‬

في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬قررت‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬الانتقالي‭ (‬الجنوبي‭) ‬الانفصال‭ ‬والتمرد،‭ ‬مما‭ ‬حمّل‭ ‬التحالف‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬شُكل‭ ‬أساساً‭ ‬لدعم‭ ‬شرعية‭ ‬الدولة،‭ ‬بإبقاء‭ ‬اليمن‭ ‬موحداً،‭ ‬كأهم‭ ‬ضمانة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لاستقرار‭ ‬اليمن،‭ ‬وبالتبعية‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭. ‬

بدخول‭ ‬قوات‭ ‬المجلس‭ ‬الانتقالي‭ (‬الانفصالي‭) ‬لمحافظتي‭ ‬حضرموت‭ ‬والمهرة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القضية‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬جنوب‭ ‬اليمن،‭ ‬بل‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬المملكة،‭ ‬وإعادة‭ ‬سيناريو‭ ‬حرب‭ ‬الوديعة‭ ‬الأولى‭ (‬‮٢٧‬‭ ‬نوفمبر‭-‬‮٦‬‭ ‬ديسمبر‭ ‬‮١٩٦٩‬‭)‬،‭ ‬عندما‭ ‬حاولت‭ ‬دولة‭ ‬جنوب‭ ‬اليمن‭ ‬المستقلة‭ ‬حديثاً،‭ ‬حينها،‭ ‬دخول‭ ‬مركز‭ ‬الوديعة‭ ‬السعودي‭ ‬وردتهم‭ ‬قوات‭ ‬الجيش‭ ‬العربي‭ ‬السعودي‭ ‬على‭ ‬أعقابهم،‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬سعودي‭ ‬ساحق،‭ ‬أكد‭ ‬فيه‭ ‬الجيش‭ ‬السعودي‭ ‬إرادته‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬البلاد‭. ‬

اليوم‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬محاولة‭ ‬لتكرار‭ ‬المشهد‭ ‬وكأن‭ ‬المتربصين‭ ‬بأمن‭ ‬المملكة،‭ ‬لم‭ ‬يختبروا‭ ‬بعد‭ ‬عزم‭ ‬وحزم‭ ‬السعودية،‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬استعادة‭ ‬محافظتي‭ ‬حضرموت‭ ‬والمهرة،‭.. ‬ورسمت‭ ‬الرياض‭ ‬حدود‭ ‬أمنها‭ ‬الجديدة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬اليابسة‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬اليمن،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬بحر‭ ‬العرب،‭ ‬وصولاً‭ ‬للقرن‭ ‬الأفريقي،‭ ‬وما‭ ‬وراء‭ ‬تخوم‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬الغربية،‭ ‬وحتى‭ ‬دول‭ ‬الساحل‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليحدث‭ ‬لولا‭ ‬إدارة‭ ‬سياسية‭ ‬فاعلة‭ ‬للأزمة،‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية،‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الكفؤة‭ ‬الفاعلة‭ ‬والنشطة‭ ‬مع‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬رادعة‭ ‬تقليدية‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد‭ (‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والجو‭) ‬مدعومة‭ ‬بقوة‭ ‬استخباراتية‭ ‬طائلة‭ ‬وخارقة،‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬متناسق،‭ ‬اعترف‭ ‬به‭ ‬العالم‭.. ‬وأكدت‭ ‬بكل‭ ‬ذلك‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي‭ ‬الممتد‭ ‬وحضورها‭ ‬الدولي‭ ‬الفاعل‭ ‬والنشط‭. ‬كما‭ ‬رسمت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استراتيجية‭ ‬الردع‭ ‬هذه،‭ ‬حدود‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬الجديدة،‭ ‬جنوباً‭ ‬وغرباً،‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬اليابسة،‭ ‬بامتداد‭ ‬عرض‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬جنوباً،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الأفريقي‭ ‬ودول‭ ‬الساحل،‭ ‬واستعادة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬مدخله‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وحتى‭ ‬التقائه‭ ‬مع‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬شمالاً،‭ ‬بما‭ ‬تعكسه‭ ‬طبيعة‭ ‬وتاريخية‭ ‬هذا‭ ‬البحر‭ ‬الحيوية‭ (‬الجيوسياسية‭)‬،‭ ‬كبحيرة‭ ‬عربية‭ ‬خالصة‭.‬